تجاوز إلى المحتوى

من «قلائد الجمان في فرائد شعراء هذا الزمان» لابن الشعار الموصلي (ت ٦٥٤هـ)

ذكر من اسمه أحمد (٥)

وأنشدني من شعره لغزًا في اللحية:

وصاحبة مصحوبها لا يملُّهاإلى الموت يكسي جسمها ثوبي الدَّهر
يخاف إذا ما صارمته وأنَّهيرى هجر بعض إن أحبَّ أبا بكر
تصاب بغسل إن أصيب ولم تكنلتغشى ويحيا الطُّهر إن كان ذا طهر

وأنشدني أيضًا في الديك والدجاجة:

جارتي أمُّ حفصة وأبو المنذر زوجان يرضيان الفجورا

حرَّما الغسل دائمًا عن جماعواستباحت دم ابنها المحضورا

فصحيح إذا ناها وإن يدن ترى العين صلبه مكسورا

/ أ/ وهو عاج أبو لجين وتبرسخيًا لابسين فيه حريرا

وأنشدني أيضًا لنفسه يلغز:

رأيت أبا بكر يصلِّي وقد زنىبأنثى ولم ينكر عليه محمَّد
ولولا ابنه أو عرسه لم يكن أتىإلى عمر في الدَّهر يومًا موحِّد
وعثمان لم يظلمه قاتله ومالحيدرة إذ جار إلاَّ المهنَّد

وقال:

وقب الظَّلام بخدِّه فأعاذنيمن لامني من شرِّ ليل غاسق
ما زال يظلمني البياض ويعتديفاسودَّ من ظلمات ظلم العاشق

وله:

كم خاب ذو العقل الصَّحيحوفاز ذو العقل السَّقيم

فالله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم

وقوله:

يا من تراه الشَّمس وقت شروقهافتصير حمراء المحيَّا والحيا
وأقبِّل التُّفاح وهو مذكِّريخدَّيه مكتفيًا بآل عن حيا
لما عصيت اللاَّئمين تقوَّلوازورًا وأخرجهم إلى السَّفه العيا

/ ب/ وأنشدني قوله في غلام قبّل المرآة:

أمقبِّل المرآة حين رأى بهاوجهًا يردُّ الطرف عنه كليلا
لا أحسد المرآة حين منحتهاقبلًا لأن لثغرك التَّقبيلا

وأنشدني لنفسه ابتداء قصيدة:

ظفرت يد المشتاق يوم فراقهأهل النَّقا من طيبهم بعناقه
وأراد منه قبلة يحيا بهافاستعجل الحادي بحثِّ نياقه

ومنها:

لم أنس ليلة زارني ونسيمهعبق يفوح المسك من أطرافه
فلثمت من فيه أقاحي روضةحل الغمام بها عقود نطاقه
فسألته إخلاصه لو كادهوالحسن يأمره بقبح مذاقه
هو كالزَّمان إذا أذاقك حلوهأسقاك مرًا منه بعد مذاقه

ومنها:

فالعلم محروم بقبح كسادهوالجهل مرزوق بحسن نفاقه
يا ليتني أبصرت قبل منيَّتيمن نال حظًّا منه باستحقاقه

أحمد بن المبارك بن نوفل أ/ ابن ناش بن المهيا، أبو العباس الضرير النحويُّ النصيبيُّ.

أخبرني أنَّه ولد بقرية من نواحي الموصل – تدعى خرفة – غربيها، وانتقل إلى نصيبين وعمره اثنتا [عشرة] سنة، فأقام بها مدّة فنسب إليها.

ثم قدم الموصل وصحب الشيخ أبا حفص عمر بن أحمد العسفنيّ النحويّ، فأخذ عنه علم العربية، وقرأ عليه أشعار العرب واللغة والعروض، وسائر فنون الأدب.

وكان أولًا قد درس فقه الشافعي والفرائض والأصول والحساب وغير ذلك، وذكر لي أنه حفظ القرآن العزيز في سبعة أشهر.

سألته عن ولادته، فقال: ما أتحققها إلا [أن] لي الآن أربعون سنة. وكان سؤالي له في شوال بالموصل سنة إحدى وثلاثين وستمائة.

وهو رجل فاضل عالم حافظ لأخبار الناس وحكاياتهم ونوادرهم يغشى مجلسه جماعة من المستفيدين، يقرأون عليه. وصنف كتبًا في النحو والعروض، منها كتاب سماه "إيضاح العلل الخوافي في معرفة العروض والقوافي"، وكتاب في النحو ب/ سماه "بيان المنهج وشرح الأنموذج" لأبي القاسم الزمخشري، وكتاب

"الرجحان في شرح الميزان" لأبي البركات الأنباري، وكتاب "الإفصاح في شرح الإيضاح" لأبي علي الفارسي.

وهو مقل من عمر الشعر، يقول منه يسيرًا في غرض يقع. أنشدني لنفسه، وكان في سنة ثلاث وثلاثين وستمائة في جمادى الأولى بعد رجوع التتار الملاعين – خذلهم الله تعالى – عن الموصل، وأمر أميرها بدر الدين لؤلؤ ابن عبد الله بتعطيل المدارس وصرف الفقهاء والمدسين، وأن لا يقيم أحد بها غير بوَّاب وفرَّاش وإمام ومؤذن، يستعين بذلك على العدو وقمعه.

ثم أقطعها الأجناد والأمراء فلم يبق يومئذ بالموصل مدرسة يدرس فيها الفقه، فعند ذلك سافر المتفقهة وتبدد شملهم، وتفرقوا في البلاد، ودثرت معالم الدين، وعظمت البلوى لنزول هذه الحادثة الشنيعة، وحلول هذا الخطب الجسيم، فقال في ذلك أبو العباس متوجعًا نادبًا لرسوم الفقه باكيًا أهله:

/ أ/ يا لخطب دها وشأن شنيعوبلاء فاجا وآمر فظيع
ورزايا أصابت الدِّين حتَّىهدمت منه كلَّ حصن منيع
ومصاب ذلَّت به ملَّة الإسلاممن بعد عزِّها المجموع
وانتهاك لحرمة الشَّرع بالمنكرمن خفض قدره المرفوع
حين أضحت معالم العلم قفراآفلات الأقمار بعد الطُّلوع
خاليات من لذة الأنس فيهاموحشات الأرجاء بعد الجموع

لهف نفسي على المدارس إذ تندب سكَّانها بفيض الدُّموع

سلبت بهجة الدُّروس فأضحتفي دروس من بعدها وخشوع

طالما كان ليلها كسنى الفجر بتكرار كلِّ فنٍّ بديع

إذ بسكانها يؤسّس للدين مباني أصوله والفروع

فابك يا صاح بعدها منصب الشَّرع بحزن وعبرة وخشوع

ثم منَّ الله بعد ذلك على الفقهاء وأهل العلم، وتداركهم بلطفه وأنزل في قلب الأمير بدر الدين بأن أمر بردّ الفقهاء إلى المدارس، وإعادة جراياتهم، وذلك في أوائل

شهر صفر سنة أربع وثلاثين وستمائة. ب/ وأنشدني أيضًا لنفسه يصف الربيع:

لله درُّ الرَّبيع من زمنفي طيب آنائه وأوقاته

فهو نبيُّ الزَّمان والزَّهر الزَّاهر في الحسن بعض آياته

من كلِّ لون يتسأسر اللَّحظ إذيرنو ويحبوه فوق مرضاته
بكى علىطربًا ... فضاحكت أرضه سماواته
وانتثرت أدمع السحاب بهفنظَّم الدُّرَّ حسن إنباته
. في الرُّبى برود بأيديالمزن فيها جميل صنعاته
يا حبَّذا نفحة الرِّياض إذاباشرها الطَّلُّ وقت خطراته
كأنَّها نشر من تحبُّ وقدواصل من بعد طول غيباته
وحبَّذا ذلك النسيم الَّذييحيى بغدواته وروحاته

يهدي إلى كلِّ ذي حياة إذا مرَّ عليه جميع لذَّاته

وأنشدني أيضًا من شعره:

همَّتي همُّها بلوغ الثُّريَّالكن الحظُّ نجمه في الحضيض
فمتى ما نهضت أبغي المعاليردَّني الدهر ذا جناح مهيض
وإذا قالت السَّعادة لي اقرضقلت: حال الجريض دون القريض
/ أ/ كيف أسمو وطالع الحظِّ يقضيبأمور صحيحها كمريض

أحمد بن قرطايا بن عبد الله، أبو الثناء بن أبي الوفاء الإربليُّ الأصل.

الكامل، والأروع، الفاضل، والشهم الذكي، والفطن اللوذعي، ذو الكرم

والسخاء، و ..... والرواء، والصبح المحيا، الذي ..... والنفس الأبية، والمروة والأريحية، إن استغاثه مستجر حماه، ..... له النظم المطرب في النثر المغرب، والبلاغة الإنشائية، والعبارة الكتابية، أربى بإجادتها على الكتاب المترسلين، وفاق بإنشائها على البلغاء المبرزين].

كان والده من عتقاء الملك المعظم مظفر الدين أبي سعيد كوكبوري بن علي بن بكتكين صاحب إربل – ﵁ – وكان أعظم أمير في دولته، ناب عنه في مملكته، رفيع المنزلة لديه، فاعتقله مخدومه بقلعة كرخين، ومات محسوبًا – رحمه الله تعالى – وكان يميل إلى أهل العلم، ويقرّبهم لأجل ولده هذا؛ لأنه كان يبالغ في تأديبه، ويجتهد في تعليمه، وسمع الحديث النبوي وجالس فضلاء ذلك الوقت .. فنبغ – بحمد الله – أميرًا كبيرًا نبيلً متأدبًا جليلًا مقبولًا عند ملوك زمانه، وافر الحرمة لدى سلاطين أوانه.

وابنه هذا أمير جليل ذو منظر حسن، وفيه بشر وحياء ومحاضرة مليح الخط، جيد القول نظمًا ونثرًا، ويعرف علم النجوم والإصطرلاب.

أخبرني أنه ولد يوم الإثنين التاسع والعشرين من المحرم سنة ثماني وتسعين وخسممائة بالدربند، بقرية تعرف بالراية من أعمال إبريل.

ترددت إليه أيام مقامي بإربل، وكان ينشدني أشعارًا في الغزل وغيره، وخرج عن إربل متوجهًا في ذي الحجة سنة ثلاثين وستمائة، نحو حلب، ونزل بها، وأقبل عليه مالكها السلطان الملك غياث الدين وقربه إليه، وأنعم عليه إنعامًا عظيمًا، ولم يقبل على أحد من الأمراء. ب/ كإقباله عليه. وكان السفير بينه وبين الملك الكامل فيما يرجح إلى إصلاح الدولة؛ فلم تطل به الأيام حتى توفي الملك العزيز، فزيد في إكرامه، واحترم احترامًا عظيمًا وافرًا، واستدعي من الديون العزيز المستنصري، ووصل إلى مدينة السلام في شهر شعبان سنة خمس وثلاثين وستمائة، فحيث قدمها

أكرم مورده، وأنعم عليه إنعامًا عظيمًا، وأقطعه إقطاعًا تليق بمثله ببلد البطائح، وعرفوا نبله وفضله، ولقب من دار الخلافة بعدة ألقاب، وكني أبا شجاع، وكان من قبل يكنى أبا الثناء ..... لم يكرمه مثله أحد من الأمراء الذين هم ..... إلى هذه الفضائل التي أحرزها علمه بالآداب الملوكية ..... بالجوارح والكلاب واللعب بالكرة وسباق الخيل ..... في الفروسية، وما يتعلق بهذه الأصناف السلطانية.

ثم إنه كان أخبر الناس بملاقاة الملوك ومخاطباتهم والوقوف بين أيديهم، وأقدرهم على المفاوضة لهم، وأحسنهم في .....

فمما أنشدني لنفسه:

لذي السَّالف المسكيِّ والمقلة النَّجلارسيس هوى في القلب يبلى ولا يبلى
عزيز عرفت الذُّل من كلفي بهوكم من عزيز في الهوى عرف الذُّلاَّ
كثير التَّجنِّي ليس لي عنه سلوةوأعجب شيء جائر الحكم لا يسلى
ومعتدل كالغصن لا عدل عندهولولا شقائي في الهوى عرف العدلا
فلا تعذلوني في هواه فإنَّنيحلفت بذاك الوجه لا أقبل العذلا
دعوني وشكوى الحبِّ بيني وبينهفما أعذب الشَّكوى إليه وما أحلى

وأنشدني أيضًا بحلب المحروسة محاضرها السليماني يوم الجمعة الرابع والعشين من جمادى الآخرة:

لعلَّ لقاء بعد طول التَّفرقيبلُّ أوامًا من غليل التَّشوُّق
فمنُّوا بتعليل المنى من لقائكمفربَّ منى تشفي صبابة شيِّق
فيا ويح قلبي عزَّ فيكم سلوُّهفدمعته حرَّى بعدكم ليس ترتقي
بعدتم فلا نشر الشَّام كطيبهقديمًا ولا للعيش بهجة رونق
ولا حلب مذ غبتم دار لذَّةلبعدكم عنِّي ولا ربع جلِّق
ولا غيِّر النَّأي الَّذي تعلمونهوحاشا هواكم ينقضي بألتَّفرُّق
أهيم إذا ما لاح برق دياركموأسأله أخباركم في التألُّق
وأستنشق الأرواح منكم وحبَّذالمغدى الصبا من أرضكم طيب منشق
وأصبو لها وجدًا وأبرح لوعةبلين التَّصابي وجدعان ومطلق
وأبعث أشواقي مع الرِّيح علَّهاتمرُّ بريَّا من صباكم فتلتقي
وأيُّ نسيم الرِّيح يبلغ مشئمًاوقد خاب مسراها رسالة معرق

وأنشدني أيضًا لنفسه:

أيوسف إن أصبحت للوعد مخلفًاوبالعهد غدَّارًا فغير بديع
بذا العقل والتهوير ضيَّعت شيزرًاوتأمل منها حظوة برجوع
وكان من الأيَّام ملكك غلطةًوعارًا عليها فابكها بنجيع

/ ب/ وأنفذ له الشهاب الشيزري فهدة فطلعت عرجاء فكتب إليه، وكان أعرج أيضًا:

جاد الشِّهاب الشَّيزريُّ بفهدةعرجاء زعمًا كلُّ ذي عرج زري
فليعذر الملك العزيز محمَّدًافي نفيه لعراجه عن شيزر

وقال فيه أيضًا:

وقالوا: الشَّيزريُّ غدا مهانًالجهل والهوان به خليق
فلا في الشرِّ يخشاه المعاديولا في الخير يرجوه الصَّديق

وأنشدني أيضًا لنفسه:

بنتم فشوقي على ما تعلمون وكمقد فرَّق الدهر أحبابًا وأخوانا
لو كنت أملك بالأموال ردكموبالكرائم ممَّا أقتني هانا
واهًا لبغداد من دار لقد عدمتمنكم ..... ومن معناك لقمانا
تغدو الشَّياطين فيها من أطبتَّهاممرَّدين فلو ألقى سليمانا

وما كتبه إلى مولانا أمير المؤمنين [المستنصر بالله]:

أرقت لبرق بالدِّيار كليلفيا لك من ليل عليَّ طويل
وآمرة بالصَّبر عمَّن أحبُّهإليك فحسن الصَّبر غير جميل
/ أ/ سقى جيرة الشَّهباء من سفح جوشنغوادي حيًا ذي هيدب وسيول
نأوا وهم الأدنون والدهر مولعبتفريق جمع أو بصدع قبيل
خليليَّ هل لي في الأخلَّاء مسعدعلى لوعة ما تنقضي وغليل
تبرِّح بي ذكرىوتركتهم ... وقد ساءهم حيث ارتحلت رحيلي
ثلاثة أغصان رجوت نموَّهارمى الدَّهر شفعًا منهم بذبول
فقد ساء بالماضين دهر ولا أرىإلى أوبة الباقين وجه سبيل
دواء بأكناف الشّام ممنَّعومؤلم داء بالعراق دخيل
يطالبني قلبيإليهم ... وإن طاب في ظلِّ الإمام مقيلي
أبي جعفر المستنصر بن محمَّدخليفة حقٍّ وابن عمِّ رسول
كريم السَّجايا غافر الذَّنب قادرشديد على الأعداء غير عجول
عليه جلال للنُّبوَّة لائحكشمس الضُّحى لاحت بغير دليل
محبَّته فرض أتى بوجوبهاتلاوة آيات وحكم نزول
إمام هدى طال الخلائف فعلهفأعجز عن شبه له ومثيل
حمى الدِّين واستدعى الكتائب فانبرتإلى النَّصر خيل أردفت بخيول
وليلة يمَّمنا من الشَّام ظلَّهبعزم كحدِّ المشرفيِّ صقيل
/ ب/ هدانا إلى معرفة نور وجههفبتنا نشيم البرق غير كليل
تجوب إليه الأرض حبًّا ورغبةونفري الفيافي من نقًا وسهول
ولو شاء نلنا من خراسان مانعًابسمر قنا ملد وبيض نصول
دنونا فألفينا الندى في جنابهخصيبًا وفيض الجود غير قليل
فرقَّت حواشي العيش في ظلِّ ملكهوراقت كمزن ضعِّفت بشمول
لنا منه إحسان إلينا ورأفةعلينا وعطف واصطناع جميل
هنيئًا لأهل الأرض عدل خليفةغدا لرسول الله خير رسيل
أبا جعفر مالت إليك قلوبنافملنا إلى حسناك كلَّ مميل
أتيناك نبغي عيشة من... ببابك في ظلٍّ لديه ظليل
تركنا على وعد من القرب أهلناوخلنا النَّوى مرماه غير طويل
قضى شطرهم دون اللِّقاء بغربةولست على سبِّ الرَّدى بوكيل
فإن شملتنا نظرة منك حقَّقتمآرب نرجوها وحسن وصول
وكيف قنوط النَّفس من قرب زورةورأي أمير المؤمنين كفيلي

وما كتبه إلى صاحب الديوان يتشوقه إلى واسط؛ وهو فخر الدين أ/ المبارك بن يحيى المخزومي:

أجدَّك لو أتيتك بالصَّوابلجئتك ساعيًا عوض الكتاب
ولو أنِّي استطعت لكنت دهريملازم مجدك الخضل الرِّحاب
أيا مولاي فخر الدِّين عذرًالمشتاق يقصِّر في الخطاب
غدت بغداد بعدك في حنينتراقب منك ساعات المآب
فحيَّا واسطًا إذ بتَّ فيهاملثٌّ القطر منبجس السَّحاب
وأعقل ركبة في كلِّ أرضيحلُّ بها المبارك بالرِّكاب
تملَّكت القلوب فدتك نفسيأبا سعد بأخلاق عذاب
فلي مذ سرت نحو فرط شوقكشوق أخي .....
سلام الله منِّي كلَّ يوم علىعلياء بابك والجناب

ومما عمله بديهًا بدار الوزارة الشريفة مجاوبًا لبدر الدين أب نصر زيادة دجلة، وانقطاعه عن خدمة الدار:

وقيت الرَّدى يا موج دجلة بينناإذا ما طرا من موجبات العوائق
فما قطعت تيه السماوة عنكممرادي إذا ودِّي لكم ودُّ صادق
/ ب/ ولا بعدت دار وللنَّفس هبَّةإليها ولو حالت سلوك المضايق

وقال أيضًا:

سقيت قبور بالشَّام ولا ونىجفن السحاب بها يسحُّ ويسمح
أجداث من اعزز عليَّ بفقدهمفينا عليهم غلَّة لا تبرح
جدث به الملك العزيز وحفرةضمَّت أخي والقرح بالأخ أبرح

وقال أيضًا:

إذا ما سقى الغيث الشَّام فلا غداربى حلب من سحبه كلُّ ممطر
ديار بها مثوى العزيز محمَّدأخي الجود جادته دموعي بكوثر
جزى الله عنِّي أهلها كلَّ صالحأطابوا مغيبي بالثَّناء ومحضري
صحبتهم حينًا كأنَّا مع النَّوىذوو رحم في إربل لم تغيَّر

وقال أيضًا من قصيدة عملها ليسيرها إلى شمس الدين لؤلؤ تشوقًا إليه، ولم يسيّرها:

صفا لك ودِّي والدِّيار بعيدةوما الصَّفو إلَّا ما يكون على البعد
وما غيَّرتني عن عهدك سلوةوكلُّ الَّذي في البعد يبقى على العهد
/ أ/ أبا الفضل جادت ربع دارك ديمةتبسَّم فيها البرق من غضب الرَّعد
يفلِّل جيش المحل حبل بروقهابصارمها المسلول من باطن الغمد
يضوع عليها من خلال برودها..... طيب من شذا البان والرَّند
تحوك بها وشيًا من الرَّوض مذهبًاوترقم طرزًا فوق جدولها الجعد
فأحسن بخد الأرض منها معذَّرًاوإن كان حسن الخدِّ وصفًا من المرد
فهام رباها تحت تاج مرصَّعوجيد حماها في الثَّمين من العقد
فللَّه قلبي ماله كلَّما بداله البرق شامََيًا يهيم من الوجد
يذكِّرني من طيب قربك ذاهبًاوعيشًا صفيق الظِّلَّ في زمن رغد
فوا وحدة إلا لا أراك مصاحبًاوإن كنت ذا قوم كرام ذوي ودِّ
فما كان أهنأ العيش لولا منيَّةأتاحت لنا فقد العزيز على عمد
فلو أن دهرًا ردَّ سالف عيشةعلى سائل يومًا سألناه في الرَّد

ومما أراد أن يسيره إليه ولم يسيره:

خيال زار وهنا في المناميذكِّرنا لييلات الشَّام
وعيشًا بالعواصم مرَّ رغدًالنا في خدمة الملك الهمام
أهيم إليك شمس الدِّين شوقًافيا لله شوق المستهام!
/ ب/ يذَّكرنيك ضرب البيض صبرًاوطعن السُّمر في يوم الزحام
وأوقات السُّرور وركلُّ خلٍّلقيت وطيب ساعات المدام
وأذكر منك عزمًا كان أمضىعلى الأعداء من حدِّ الحسام
وأخلاقًا كنشر الرَّوض مرَّتمعطَّرة بأنفاس الخزام
سقى مثوى العزيز سحاب دمعيإذا ما ضن منسجم الغمام
وحيَّا الله من حلب مقامًاوأجداثًا بأكناف المقام
سلام رائح منِّي وغادعليهم من حمى دار السَّلام

ومما كتبه إلى عز الدين صدقة جوابًا عن كتاب ورد منه يذكر فيه سلام الصدر الكبير تاج الدين بن إربل:

تحيَّة من بالودِّ منك كفيلمقيم بحفظ العهد ليس يحول
يكلِّف خفَّاق النَّسيم سلامةإليك فخفَّاق النَّسيم رسول
أحمِّله شوقي ولو كان ممكنًاعملت ببرح الشَّوق حين يقول
وأسأله حمل الجواب لو أنَّهمليء بإيراد الجواب حمول
/ أ/ كفى أسفًا إذ لا تزاور بينناولا رسل إلَّا أن تهبَّ قبول
رحلت فللزَّوراء نحوك لفتةيرقُّ لها قاسي الفؤاد عذول
سقى جانبي بغداد غادر ورائحمن الودق لماع البروق هطول
منازل أهليك الَّذين تريدهمورهطك والرَّهط ..... قليل
ولا دار من تهواه منها بعيدةولا الرَّسم فيها من هواك محيل
وإن بتَّ ذا شوق إليها فشوقهاإليك على مرِّ البعاد طويل
وعزُّ بني أيُّوب سام رواقهعليَّ وظلُّ وارف وظليل
تدرَّع بحسن الصَّبر فيما لقيتهمن الدَّهر إن الصَّبر منك جميل
بلى لك في خلق ابن نصر وفعلهوقرب علاه موطن وقبيل
ولا عجب إذا أنت منها تحبُّهاويحنو عليها نازح ودخيل
ففي حبِّها خلَّفت قومي وجدَّليعن الأهل والرَّبع الأنيس رحيل
وفارقت عليا الشَّاملأجلها ... ولي في ذراه مسرح ومقيل
لك الله إذ بدِّلت عنها بإربلوبالرُّغم إذ عنها الخراب بديل
كرهت بناديها المقام أنيسةوقد أوحشت دار لها وطلول
فقد يكره المرء الَّذي فيه ضرُّهويوثر فعل الأمر وهو وبيل
/ ب/ ومن يلق تاج الدِّين ماشطَّ أهلهولا بان عنه صاحب وخليل

وأنشدني أيضًا لنفسه:

يجدِّد شوقي طيفكم كلَّما سرىإليَّ ولكنَّ الخيال كذوب
لعلَّ نسيم اللَّيل في نفحاتهيخبِّرني أنَّ اللِّقاء قريب
تمنَّيت يومًا وصلكم فحرمتهوكل أماني العاشقين نحيب
ومنُّوا بلقياكم على ضعف مهجةمتى نشدت ذكراكم فتذوب
ولا تحسبوا أن الحياة تلذُّ ليوأيُّ حياة للفراق تطيب
سأنكر عرفاني لكم عند سائليحذارًا عليكم أن ينمَّ رقيب
وأصغي إذا الرَّاؤون أجروا حديثكموأعرض كيما لا يقال مريب

وأنشدني لنفسه من صدر مكاتبة جواب أبيات لأبي المجد أسد بن إبراهيم الكاتب الإربلي النشابي كتبها إليه فأجابه الأمير على الوزن والقافية:

أبا المجد شوقي جاوز المدَّ وصفهإليك فهل يوم اللِّقاء قريب
يقرُّ لعيني أن أراك وشملناجميع وليلات مضين تؤوب
/ أ/ فمن لي بلقيا أسعد لا عدمتهويدعو ودادي حبَّه فيجيب
وليس..... ... ولكنَّ صبري مذ نأيت عجيب

وأنشدني أيضًا قوله من أبيات: وقد نزل عمّكاباذ – قرية على باب إربل فيها يباع الخمر ويقصدها أهل البطالة والخلعاء من الناس وأرباب الحرف يشربون بها – وفيها شخص اسمه نيسان خمار:

ولمَّا نزلنا عمّكاباذ شاقنازيارة نيسان وحانته الكبرى
ذكرنا بها ليلات لهو حميدةتقضَّت مع الأحباب أكثرها شكرا
فيا ضيعة الأعمار إن كنت بعدهاأعدُّ زماني كلَّه أبدًا عمرا

وحدثني أنه نزل بدير باقوقا. وكان به راهب يقال له معدان حبيسًا، له أربعون سنة، فقال:

يا ساكن الدَّير إن كان ابن معدانأمسى حبيسًا فإنِّي المغرم العاني
وإن قضى زمنًا في الدَّير معتكفًافقد قضيت مع الأحباب أزماني
/ ب/ كيف السُّلوُّ وهل أبغي بهم بدلًاوحبُّهم شيعتي والشَّمر سلواني
فهم وإن هجروا في القلب منزلهموهم وإن وصلوا ..... أحزاني
ويا حمامة دوح الدَّير عن شجنتشكو الفراق كلانا حلف أشجان
شتَّى الصَّبابة والأشواق تجمعناما شان لوعتها في نوحها شاني
لفقد طائرة نشدانها أبداوالأسمر اللَّدن ساجي الطَّرف نشداني
نائي المزار قريب الدَّار محتجبروحي الفداء لذاك النَّازح الدَّاني

أحمد بن عليِّ بن الحسن بن محمد بن رضى، أبو العباس بن أبي المكارم العمرانيُّ الأزديُّ الموصليُّ.

من أبناء الرؤساء والمتصرفين في جلائل الأعمال في الدولة الأتابكية ولهم المحلُّ الأسنى في الرئاسة.

وأبو العباس هو اليوم المستوفي بالديوان الملكي البدري بالموصل، وإليه الحكم والنظر في الارتفاعات.

حفظ القرآن العزيز، وقرأ طرفًا من الأدب، وعرف من الفرائض ما يحتاج إليه؛ وله اتساع تام في صناعة الحساب وضروبه والأشغال الديوانية، أ/ وحل التراجم والألغاز.

لقيت أبا العباس بمدينة إربل سنة ست وعشرين وستمائة؛ فوجدته عارفًا بمقادير الناس، كثير الثناء عليهم، رئيسًا في نفسه، غاية في الذكاء والفهم، ينشئ فصولًا حسنة، ويعمل أشعارًا جيدة. ثم إنه أي لغز سمعه تسارع في حله وكشفه من غير توقف ولا فكرة كأنه يعرفه.

ومما أنشدني لنفسه، وكان قد وعده أبو الفتح نصر الله بن محمد بن عبد الكريم الجزري الكاتب المنشئ بشيء من رسائله، فاستنجزه بهذه الآيات:

قل للوزير ضياء الدِّين منبسطًافي القول إنَّك ذو فضل وإفضال
أحرزت قدح المعلَّى في العلاج جذعًاوفزت من مجدها بالشَّامخ العالي
خطبت منك وحسن الظَّن يشفع ليإليك إبنة فكر مهرها غالي
لمثلها تذهل الألباب ليس لذيخدر تجرِّر تيها فضل أذيال
قلَّدتني مننا بالوعد قابلهاشكري وحقَّقت في علياك آمالي
فاشتدَّ شوقي إلى استجلاء عزمتهاأفدي البشير بها بالأهل والمال

وله:

/ ب/ لولا تعلُّله بقرب كتابكمعادت حشاشته لشوق تزهق
عذر يذود عن اللِّقاء ومهجةسلبت قرارًا فهي وجدًا تقلق

وأنشدني أيضًا قوله:

رعى الله أحبابًا ترحَّلت عنهموخلَّفت قلبًا عندهم لا يفارق
وما كنت ممن نفسه بفراقهمتسامح لكن فيه عذري ناطق

وأنشدني أيضًا من شعره:

على العهد القديم وإن تناءوامزارًا أو تباعدت الدِّيار
أحنُّ إليكم فأبلُّ شوقيمن الذِّكرى وهل يغني إدِّكار
عدمت الصِّبر مذ رحلوا وبانواإذا بعد الأحبَّة لا قرار
فوا أسفًا على عصر التَّصابيكأنَّ العيش فيه مستعار
إذا أرخى الزَّمان لنا عنانايعزُّ به ومن كثب يغار
فأيَّام الثُّبور به طوالوأعوام السُّرور به قصار

وأنشدني لنفسه لغزًا في القبر:

ومستودع كلُّ الأنام لهم بهوثوق وفيه الغدر ضربة لازب
.. بما يحويه حينًا وبرهةويتلفه فعل العدوِّ الموارب

وأنشدني لنفسه يرثي أخاه أ/ أبا حامد محمد بن علي، وتوفي بمدينة إربل:

رسوم عفت منكم ورسم تجددَّاوقلب غدا من شدَّة الوجد مكمدا
وعين بفيض الدَّمع تجري تأسُّفاعلى من ثوى في ظلمة الرَّمس ملحدا
أقول لربع كان بالحبِّ أهلًافأقفر من سكَّانه وتأبدا
أيا منزل لأحباب لا زلت بعدهمخرابًا وما والاك إلا
أبا حامد لو يرهب الموت... لها بك حقًّا أن يفاجئك بالرَّدى
أبا حامد لو خلَّد المرء مجدهلكنت على المجد الأثيل مخلَّدا
أبا حامد فقت الأنام تفضُّلًاوفضلًا وإحسانًا وحلمًا وسؤددا
إذا افتخر الأقوام يومًا بحلَّةفخرتهم بيتًا كريما ومحتدا
لقد كنت لي عضبًا أصول بحدِّهإذا كشَّرت عن حدِّ أنياها العدا
وقد كنت لي حصنًا ألوذ بركنهمن الدَّهر إن مدَّت حوادثه يدا
يهيج أحزاني عليك حمائمتحاور من شجو حمائم غردَّا
سقى الله تربًا أنت فيه موسَّدسحاب الرِّضا والعفو مثنى وموحدا
أيا ساكن الأرض الغريبة ميِّتًاعليك سلام الله وقفًا مؤِّبدا

وأنشدني لنفسه وقد أهدى إلى بعض الرؤساء طيبًا:

/ ب/بطيب ذكرك ..... ... إذا ما كان غيرك مستطيبا
وما أهدي إليك الطِّيب إلَّاليكسب منهم أرجًا وطيبا

أحمد بن جعفر بن أحمد بن محمود بن هاشم، أبو الفضل الوائليُّ الهيتيُّ المعروف بالحائك.

شاب أسمر؛ وهو شاعر من المكثرين الأكياس المطبوعين، ماجن خفيف الروح، دمث مداعب، يقفو نهج أبي عبد الله الحسين بن الحجاج في أقاويله، ويتبعه في سائر مقاصده وفنونه.

قدم بغداد، وامتدح الناصر لدين الله أبا العباس أحمد – ﵁ – ومن بعده من الخلفاء، ورؤساء الحضرة والأمراء وغيرهم. وهو صاحب الكتاب الموسوم بـ "الانتصار لآل شيث على ذوي الابن والمخانيث" ناقض به كتاب الصدر أبي محمد عبد الله بن محمد بن الهروي في ذكر معائب الحاكة وسخافة عقولهم، واتضاع أقدارهم وخمولهم؛ فأنشأ أبو الفضل هذا الكتاب، أحسن ترتيبه أ/ ووضعه، وأجاد ترصيفه وجمعه؛ وضمّنه كل نكتة غريبة، ونادرة عجيبة، من أحوال المخنثين،

وأمور البغائين، ومما اصطلحوا عليه في كلامهم ومخاطباتهم وأقوالهم؛ فجاء الكتاب لم يسبقه أحد إلى تأليف مثله أعجز من تقدمه، وجاء بعده في هذا الشأن.

وله القصيدة السائرة التي سماها "ذات الفنون وسلوة المحزون" نحا فيها نحو القصيدة السوسية التي أوّلها:

الحمد لله ليس لي بختولا ثياب يضمُّها تخت
للشاعر محمد بن عبد العزيز السوسي، اقرأ القصيدة

وقصيدة أبي الفضل تربي على ثمانمائة بيت، استوعب فيها جميع أجناس الحرف والصنائع على اختلاف حروفها. وكتبت منها أبياتًا يسيرة ولم أستكثر منها شيئًا لفرط ما حشا فيها من الهزل والمجون، وفيها مدح للإمام الناصر لدين الله – ﵁.

أنشدني منها بمدينة السلام، وأولها:

لحى العاذل البتّعلى الفقر وأصبحت
وما نلت الغنى حتىيقول الناس أفلست
للشاعر أحمد بن مهدي الهيتي، اقرأ القصيدة
/ ب/ ولم يدر بأنِّيفي طلاب الحظِّ لجَّجت
فلو نال الغنى بالجدِّجدًا كنت قد نلت
وما أبصرت لي ملجاسوى أنِّي تمسَّكت

بحبل من إمام العصر مولانا وفوَّضت

إليه الأمر لما صلح الفكر وسلَّمت

كذا أيقنت أنِّي منصروف الدَّهر قد فزت

وأعطيت به الأمن من الدَّهر فأنقذت

هو النَّاصر لازالبه ينتصر الوقت
هو القبلة للخلقولي أنَّي توجَّهت
بالائك يا مستخلفالرَّحمان قد لذت

فما في الخلق لي غيرك لا فوق ولا تحت

ولا إلَّاك لي بحريروِّيني ولا قلت
ولا غير أياديكوآلائك أمَّلت
وأنت القبل والبعدفعش ما اتَّسع البيت

وهي طويلة، وهذا القدر يغني.

وقال أيضًا:

/ أ/ الجهل عمَّ ولو خصَّ الحجى أحدًالباينوه وساموه إلى البله
والغافلون إذا ما أبصروا يقظًاظنوا بيقضته ضربًا من الوله

وقال أيضًا من قصيدة:

لك الخير موفور إلى م تغوروقربك مأثور وأنت أثير
وحتَّام [ربع] الوصل منك مصوِّحوعود غرامي في هواك نضير
سقاك الحيا هل نظرة تبرد الحشابها ولنار الشَّوق فيه زفير
وهل تسمح الأيَّام منك بزورةتريني طول اللَّيل وهو قصير
فوجدي مقيم والسُّلوُّ مقوَّضودمعي طليق والفؤاد أسير
وإنِّي على قرب المعاهد والنَّوىمقيم بعهدي ما أقام ثبير
ضنين بسِّري فيك سمح بما حوتيدي ..... والحادثات تجور
أعلَّل فيك النَّفس بالوعد بالمنىومثلي بإدراك المرام جدير
عجبت لعزم مرهف العزم باترشكيمة جفن و [هو] فيه فتور
قضى الحبُّ أن يستأسر الظَّبي ضيغمًاويقضي على ..... غرير
وما الحبُّ إلاَّ لوعة تملك الحشايضارع مأمور بها وأمير

/ ب/ وأشعاره كثيرة في كل نوع، وطريقته في الخلاعة والمجانة ينفرد بها على أبناء جنسه، ولا تجري معه فيها، وخبرت عنه أنه صرف وتاب عن قول الشعر، وسلك طريق أهل الدين والخير.

أنشدني لنفسه من قصيدة مدح بها الناصر لدين الله – رضوان الله عليه – أوَّلها:

الله أكبر..... ... ..... .....

وفيها يقول:

يا من إذا بالغت في تمجيدهألفيته ..... ..... أمجدا
وبأي شيء قست غامر جودهفي الخلق كان أبرَّ منه وأجودا
ما أنت إلا الجوهر الصافي الَّذيفاضت به الأشياء حين تولَّدا
فلذاك بتَّ من البريَّة كلِّهابجميع أوصاف العلا متفرِّدا
لم نتل آيًا أو حديثًا معجزًاإلاَّ وجدناه إليكم مسندا
وضعت بنو العبَّاس أسًّا للعلافرقا أبو العبَّاس فيه وشيّدا
كلأ العباد برأفة نبويَّةمضريِّة الإطراق سامعة الصَّدى
ورعاهم منها بعين جفنهافي حفظ جنب الله بات مسهَّدا
لله درك يا ابن عمِّ محمَّدلقد ارتديت من الفخار
/ أ/ ونصرت دين الله ثم أقمتهفليهن ما فعلت علاك محمَّدا
وجريت في سنن العلاء مشمِّرًاحتَّى بلغت إلى مدى عبر المدى
وظفرت بالشَّرف الَّذي ما نالهإلاَّك فارق فأخمصيك الفرقدا
واعلم بأنَّك ما بلغت المنتهىفيما حباك الله هذا المبتدا

أحمد بن عبد الرحمن بن عبد الرزاق بن عبد الملك، أبو العباس.

كان أبوه من أهل قزوين، وابنه هذا موصليُّ المولد والمنشأ.

قرأ طرفًا من العربية على أبي حفص عمر بن أحمد النحوي، وسمع من الحديث جملة، وله قول صالح، ونظم حسن في المقطعات؛ إلَّا أنه عاجز في القصائد، ومقامه بالموصل يكتب بها القصص للناس.

أنشدني لنفسه في الأمير شمس الدين لؤلؤ بن عبد الله أحد الأمراء بمدينة حلب، وقد كبابه الفرس:

رأى طرفك الميمون بحرًا وضيغماوطور حجى عالي الذرى فوق متنه
/ ب/ ونسكًا ومجدًا مشمخرًا وسؤدداوحلمًا حباك الله منه بمنِّه
كما فرقًا إذا لم يطق حمل هذهالمكارم من ربِّ السَّماح وخدنه
فوقِّيت من دنياك من كلِّ آفةومات الَّذي يشناك كبتًا بضغنه

وأنشدني لنفسه، وكتب إلى نقيب العلويين عبد المطلب بن المرتضى الحسيني الموصلي، يلتمس منه ثوبًا من أثوابه:

أنا يعقوب في التأسُّف والحزن وفي الحسن أنت يوسف مصرا
واشتياقي إليك يا ابن عليٍّترك العين بالمدامع عبرى
وشفاها منك القميص لألقيهعليها في ساعة الحال تبرا

ومعاليكم أجلُّ إذا فهت فلم أحصها مدى الدَّهر حصرا

فسلام عليك من عبدك القنِّ سلام أذكى من المسك نشرا

وأنشدني لنفسه يهجو:

صلبت أعالي سالم لمَّا غدتمنه الأسافل بالمنىِّ تلين
فيما حوى سرواله متكرِّموبما حوت كفَّاه فهو ضنين

وأنشدني قوله:

/ أ/ وأعجب ما الله حظُّ أمرئ لهمدائح نظم في معاليك تشرق
وجودك قد عمَّ البرايا بأسرهموباب الندى في وجهه منك مغلق
وأنشدني لنفسه فيإنسان اسمه مطر يهجوه:
مطر يشحُّ ولا يسحُّ بقطرهوالغيث يحيي قطره الأقطارا
هو كاسمه مطر يصوب عذابهأبدًا على جلسائه مدرارا

وأنشدني ملغزًا في غلام اسمه حمزة:

اسم الَّذي أهواه في خدِّهوفي فؤادي ثمَّ في فيه
قد صدَّ عنِّي وانثنى معرضًاطاب تلافي في تلافيه

وأنشدني في محمد الشاعر، ويلقب حمار النصارى، وقد رآه لبوس الصليب:

تعجَّب قوم لبوس الصَّليبمحمَّد لمَّا رآه اضطرارا
ولا ريب أنَّ النَّصارى حميرفكيف يكون حمار النَّصارى

وأنشدني أيضًا من شعره:

من يبت وهو مستلذٌّ بوصلفلقد بتُّ كارهًا للوصل
/ ب/ مستلذُّ بالهجر إذا ارتجى الوصلوأخشى في الوصل تشتيت شملي

أحمد بن عليِّ بن أحمد بن شندل، أبو العباس الأوانيُّ:

وأوانا بلدة مشهورة فوق بغداد بعشرة فراسخ.

ولد سنة خمس وسبعين وخمسمائة خارجها، ونشأ بها؛ وهو شاعر مكثر مداح منتجع، يمتاح بأشعاره، له بديهة في الشعر، وخاطر جيد في نظمه، يتكل على طبعه في النظم لا يستعين بغيره على عمل الشعر. وجلُّ قوله في شكوى الزمان وأهله، ولم يزل من الدهر متألمًا، ومن أبنائه متظلّمًا، لقلّة حظّه من أهل عصره، يتردّد إلى مدينة السلام، ويفد إلى أمرائها وأماثلها مستجديًا لهم بشعره وعنده دعاو عظيمة، وافتخار بقوله، ويرى تفضيل نفسه على أبي تمام والبحتري والمتنبي! حتى يسرف في القول.

لقيته ببغداد في شهر رمضان سنة أربع وعشرين وستمائة، وزعم أنه لم يعرف من النحو شيئًا، ولا قرأ منه لفظة، أ/ ولا طالع كتابًا قط إلا [أنه] يضع الشعر طبعًا.

سئل عن معنى "شندل" فقال: هو من أجدادي؛ وهو لقب له غلب عليه، وذلك أنه نزل إلى بئر فخرج منها وقد أصابه البرد، فمشى غير مستقيم، وقيل: كأنَّه شندل، فنحن نسمى ببني شندل.

وكان رجلًا أسمر طويلًا خالطه الشيب خبِّرت أنه توفي في الشعر الأخيرة من رمضان سنة خمس وثلاثين وستمائة.

أنشدني لنفسه في لطف التقاضي:

..كأن ضبّا ... أتى يبغي مواصلة لحوت
حياء مانع حسن التَّقاضيوفقر يقشعرُّ من السُّكوت

وأنشدني له:

سألت عن انتهالي من شمولتباعد بين قلبي والهموم
وقلت حصرت ما أوعيت منهابقسطاس محقٍّ مستقيم
فقلت الشُّرب من حمراء صرفمعتَّقة على صوت قديم
يوفَّر تارةً ويقلُّ أخرىعلى قدر المسامر والنديم

وأنشدني قوله:

/ ب/ منيت بما أعيا عليَّ علاجهوكنت أنا الجاني فواعجبا منِّي
يقرِّبني شعري من الخصم كلَّماترنَّمه والضِّغن يبعده عنِّي

وأنشدني لنفسه:

لك الخير إن كان المراد فأغننيعقيب التَّمادي بالزَّهيد من البرِّ
فخذ بالرِّضا حظِّي وعجِّل بنائليحيل على طرس العلا قلم الشُّكر

وأنشدني له:

إذا ما سعى الإنسان في طلب العلاوجدَّ ولم يظفر ببعض مراده
جنى كلَّ يوم يجتليه وليلةثمار التأسِّي من غصون اجتهاده

وأنشدني أيضًا لنفسه في إنسان يقلب "التقي":

ألا أيُّها المغترُّ في طلباتهبكلِّ حسود في كلام منمَّق
إذا شئت أن تقضي مآربك الَّتيكلفت بها في مجلس فاتَّق التَّقي

وأنشدني من شعره:

ما شربنا من العلوم جليلًاولو أنَّا نريد بيعًا لبعنا
فاتَّبعنا ولو سبقنا إلى ماقد منحنا به لكنَّا تبعنا

/ أ/ وأنشدني لنفسه:

يقولون عنِّي قد أصاب بأسرهمإذا أنا من لفظي نظمت لهم سمطا
وألقي يدي صفرًا عقيب كلامهمفيا ليتهم جادوا وقالوا: لقد أخطا

وأنشدني أيضًا من شعره:

أشوقًا وقلبي لا يمثِّل غيركملطرفي إذا ما غاب شخصكم عنِّي
فإن نمت جاد الحلم لي بخيالكموإن لم أنم أدنأكم ولهي منِّي

وأنشدني أيضًا لنفسه:

لا تنقموا يا قوم فرط تطاوليتجدوا على الأعراض فضل الجوهر
وتدبروا شعري الَّذي أودعتهلفظ القديم وصنعه المتأخِّر

وأنشدني قوله من قصيدة:

ولو أنَّ النجوم بغت عناديلما أمنت مصافحة الرُّغام
رضعت ثديَّ أبكار المعانيولكنِّي أمنت من الفطام

وأنشدني أيضًا لنفسه

لنا زمان حكمه نافذفي كل سبَّاق ومسبوق
فيفعلبأبنائه ... من وامق منهم وموموق
/ ب/ يغصُّ ذو النَّقص بمأكولهمنا وربُّ الفضل بالرِّيق
كأنَّه آلى على نفسهألا يصفِّى عيش مخلوق

وأنشدني له:

لقد كنت أحكي عنكم في مجالسيفصول ثناء تستحبُّ وتعشق
وكان حديثي عنكم لمطارحييضوع كمسك أذفر حين ينشق
فلمَّا صبحتم من صحبت من الورىوملتم إلى من عرضه متمزِّق
تقاعست عن ذكري لكم بفضيلةمخافة أن آتي بها لا أصدَّق

وقال:

عشقتك عشق الطِّفل للثدي وانطوتضلوعي على حبِّيك في زمن الوصل
وصدَّقت زور القول منك جهالةواتبعت قربي بالتَّباعد عن أهلي
فلمَّا حببت الغدر حبِّي للوفاوجرَّعتني يا هذه جرع المهل
هجرتك حتَّى لو رأيتك في الكرىذممت رقادي عند جدِّي والهزل

أحمد بن عبد الله بن إبراهيم بن الحسن بن عبد الواحد بن محمد بن الحصين، أبو العباس أ/ ابن أبي عليٍّ، الموصليُّ المولد والمنشأ، البغداديُّ أصلًا.

وجدّه أبو سعد الحسن بن عبد الواحد، كان صاحب المخزن في الأيام المستظهرية. وكان يعرف بابن الفقيه.

وأحمد هذا كان شابًا ذكيًا، صرف همته مديدة فختم فيها القرآن الكريم، وحفظ جملة من المقامات الحريرية.

وكان يتولّع بالشعر وعمله، ومات شابًا ليلة السبت لليلتين بقيتا من جمادى الأولى سنة اثنتين وعشرين وستمائة بالموصل، ودفن غربيها ظاهر البلد بمقبرة المعافى بن عمران الزاهد – ﵁ – وكانت ولادته في ربيع الأول سنة ستمائة.

ومما أنشدني لنفسه – رحمه الله تعالى -:

ورشيق القدِّ من مبسمهسفت مسكًا وترشَّفت مداما
عرض الوصل فلمَّا رمتهمنع الوصل وأعطاني السَّقاما
اطلع البدر لنا من وجههثمَّ غشَّاه من الفرع ظلاما
كالطَّلا الوسنان إلاَّ أنَّهما رعى شيحًا ولا ساف خزامى
ما رأينا قبله من رشأجعل الثَّغر على الجيد نظاما
/ ب/ كلَّما عرَّضت شكوى حبِّهملأ القلب من الجفن سهاما

وأنشدني أيضًا لنفسه:

ملك الزَّمان بأسرهمن قادني في أسره
فنهاره من وجههوظلامه من شعره
والرَّاح من وجناتهوحبابها من ثغره
والسِّحر من لحظاتهوسقامنا من خصره

أحمد بن عبد الله بن الزبير بن أحمد بن سليمان أبو العباس الشيبانيُّ الخباوريُّ.

زعم أنه من قرية بالخابور تدعى الحدقانية قريبة من المجدل.

شاب أسمر اللون قصير مقرون الحاجبين، يتزيا بزي ذوي التصوف، كثير التنقل والأسفار لا يستقر في مدينة إلاّ قد أذهب جدة عمره في الغربة، وأقبل على الأشغال؛ وحصل في سفره أدبًا وفقهًا.

وهو فقيه شافعيُّ المذهب، خلافيٌّ عالم فاضل جدلي مناظر حافظ للقرآن العزيز أ/ يقرأه للسبعة والعشرة، من أحسن الناس قراءة للقرآن في زمانه، وأطيبهم صوتًا، درس القصيدة الشاطبية حفظًا جيدًا على الإمام أبي الحسن علي بن محمد السخاوي المقرئ النحوي؛ وله يد في علم الإعراب وغيره.

وهو مع ذلك فيه لطافة وحسن عشرة وكياسة ودماثة أخلاق، جواد النفس، وأي شيء يحصل له من عرض الدنيا لا يستبقي منه شيئًا إلا يخرجه، وذلك لسفه نفسه.

ولد سنة ستمائة بالحدقانية. وكان والده من ..... من سواد البصرة، ويقول النزر من الشعر نحو البيتين والثلاثة. شاهدته بإربل وحلب والموصل وبغداد.

أنشدني قوله:

نعمنا بجمع الشَّمل مع من نحبُّهزمانًا وأشقانا القضا فتفرَّقنا
فقل لصروف الدَّهر ما شئت فاصنعيفقد كان ما خفنا وما منه أشفقنا

وقال:

مررت على ديار قد عفاهاوغيَّرها البلى بعد النَّعيم
تذَّكرت الشَّباب بها وأهليوجيراني وأروح النَّسيم
/ ب/ وهاجت عبرتي زفرات حزنيجدِّدهن إخلاق الرُّسوم

أحمد بن عبد الله بن شعيب بن محمد بن عبد الله أبو العباس بن أبي محمد التميميُّ.

سمع الحديث الكثير وطلبه بنفسه ورواه عن مشايخ دمشق والواردين عليها من الأقطار، ومن مشايخه الحافظ أبو محمد القاسم بن علي الدمشقي، وأبو اليمن زيد بن الحسن الكندي، وأبو جعفر أحمد بن علي بن إسماعيل القرطبي، والأمير عزيز بن شداد بن باديس الحميري، وأبو البركات أسعد بن المنجا التنوخي، وحنبل بن عبد الله بن الفرج البغدادي، ..... النساخ وغيرهم.

وحفظ القرآن العزيز على والده وجوده على علم الدين السخاوي، وقرأه بالقراءات السبع المشهورة، وعلى تاج الدين الكندي بالسبع وغيرها، وعلى الشيخ أبي محمد عبد الخالق بن يونس بن موقا الإسكندري.

وأخبرني أنه ولد في أوائل سنة إحدى وتسعين وخمسمائة، وشخص إلى الديار المصرية؛ فسمع من أصحاب السفلي، وقرأ أدبًا وفقهًا وحصل أشياء أ/ حسنة من الحديث والقرآن والقراءات، وكتب بيده شيئًا كثيرًا من الأدب والحديث.

أنشدني لنفسه في الإمام العالم تقي الدين بن الصلاح، وفي علم الدين السخاوي عند فراغه عليها قراءة مسلم:

جزيت خيرًا تقيَّ الدِّين سيَّانايا قاصدًا ما له مثل يماثله
يا من تجمَّع فيه ما تفرَّق منكلِّ العلوم فما تخفى فضائله
فتحت للناس بابًا مغلقًا أبدًاعلى الصَّحيح فما خلق يزاوله
فمسلم لو رآكم، قال مفتخرًا:هذا الَّذي طال علمًا من نطاوله

هذا الَّذي بيَّن المخفيَّ من علل الحديث حتَّى بدا للخلق قائله

يا طالب العلم يمِّمه تجده علىحالاته متقنًا فيما يحاوله
ما للفتاوى له مثل يسطِّرهاكلاَّ ولا في الورى قرم يساجله
يا ابن الصَّلاح غدا علم الشَّريعة فيأمن من الخوف محروسًا دلائله
يبيضُّ من نور فتواه المداد إذاعاينت ما هو مبديه وباذله
قد فاق في العلم كلَّ الحاسدين لهومن يعادي فما تخفى شمائله
ومن يرد كيد عثمان بمنقصةفاعلم أخي بأنَّ الله خاذله
/ ب/ فما له مشبه في فضله أحدإلا علىُّ الرِّضا حقًّا يعادله

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (٢٠٠٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف الهمزة

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.