تجاوز إلى المحتوى

من «قلائد الجمان في فرائد شعراء هذا الزمان» لابن الشعار الموصلي (ت ٦٥٤هـ)

ذكر من اسمه أحمد (٧)

أنزلتني من ظلِّ بابك في الأنيس المستطاب

ومنحتني من بعض جودك ما يجلُّ عن الحساب وأعدت لي من لطف برِّك حسن أيَّام التَّصابي

لقياك مأمولي ومايرضيك من أسنى طلابي
وحماك مقصودي وبأبكإذ يجور الدهر نابي
أنسيتني وطني وأغنانينوالك عن صحابي
فأتيت محمود السُّرىورجعت مشكور الإياب
غردًا بمدحك لا أحاييفي هواك ولا أحابي

وبك استطلت من الزَّمان على نوائبه الصِّعاب

يا من مواهب كفِّهفي غير جدواها ارتيابي
المجد ناب بمدحهعنِّي فأحسن في المناب

ومن العجائب أنَّ نظم الدُّرِّ ناب عن السِّخاب

/ ب/ إذ قال منتدبًا لمجدكبالدُّعاء المستجاب
لا زلت تختطف العدابشهاب عزم غير نابي

فالضدُّ شيطانٌ وانت ابن الشِّهاب أبو الشِّهاب

وكناك صار أبا شجاعٍوالكنى عين الصَّواب
لمَّا غدوت بصعدةمثل الشُّجاع بألف ناب
وسقيت من ضرب الملاحمللعطاش على ظراب
وبكى على بغراس حينأخفننها حصن الخوابي
وغدوت في كلِّ العلوممكمِّلًا فصل الخطاب
ولديك مسند أحمدٍيروي صفاتك في كتاب

ولك الوجيز من النِّظام مهذبًا سهل الجواب

ولك الفصيح من الكلام إذا بدا ما في الوطاب

إيضاح لفظك مجملٌومفصلٌ في كلِّ باب
لا زال مجدك سالمًافي الدَّهر من عارٍ وعاب

وقال أيضًا بمدح الإمام المستنصر بالله أمير المؤمنين أ/ -خلّد الله دولته ونشر بالنصر ألويته-:

ورد الحياء بوجنتيك نضيرته ما لحسنك في الأنام نظير
يا مضعفي من وجنتيه بمضعفجوريُّه أبدًا عليَّ يجوز
حتى م أحرم من رضابك خمرةًما ذقتها وأنا بها مخمور
غادرت دمعي بعد بعدك مطلقًافعلام قلبي في يديك أسير
دانت لدولتك القلوب محبَّةًلا شكَّ إنَّك في الملاح أمير
وغدت تطيعك للجمال عساكرٌأبدًا بهنَّ على القلوب تغير
ما قابلت جيش التصبُّر من فتًىإلا وعاد وقلبه مكسور
مخضرُّ عارضك الصَّقيل وخمرة الخدِّ الأسيلتشهير
أصبحت يا ملك الملاحة آمرًافي العاشقين وغيرك المأمور
تعطي المحاسن من تشاء محكَّمًافي الحسن تخلع وشيه وتعير
فالقد رمحٌ فيه وجهك طلعةٌوالشَّعر منه لواؤك المنشور
شهرت صوارم مقلتيك على الورىفحديثها في فتكها مشهور
وسمت بوجهك للمحاسن دولةٌخدَّامها دون الملاح كثير
في الخدِّ ريحانٌ وثغرك جوهروالخال عنبر دونه كافور
/ ب/ وبجيش حسنك فوق خدِّك عارضٌبالمسك أثبت خطُّه المسطور
يدعو النُّفوس إلى هواك بحاجبٍأبدًا بتعذيب النُّفوس يشير
وحميت ثغرك باللِّحاظ كما حمىدين الهدى المستنصر المنصور
القائم المهديُّ صفوة رِّبهفي العالمين وهديه والنُّور
مولًى إذا جار الزَّمان على الورىفنداه من جور الزَّمان يجير
خضعت لدولته الملوك فما لهممن بأسه إلَّا حماه مجير
القهر محتومٌ على أعدائهفعدوُّه من نفسه مقهور
نزلت ملائكة السَّماء بنصرهفله المهيمن حافظ ونصير
فلديه من آي الكتاب كتائبٌوعليه من سير النُّبوَّة سور
بدرٌ أقلُّ عطائه لك بدرةٌحبرٌ أنامل راحتيه بحور
مبتسِّمٌ للقاصدين فبشرهبندى يديه لقاصديه بشير
هو مطلق العأني الأسير وعندهأنَّ الكثير من النَّوال يسير
أخلاقه وندى يديه لوفدهوالعام أغبر روضةٌ وغدير
ليث تحاذره اللُّيوث مهابةًغيثٌ على مرَّ الزمان مطير
سدِّت ثغور المسلمين بعزمهفتبسَّمت للنَّصر منه ثغور
/ أ/ طودٌ إذا عاذ المسيء بحلمهفالذَّنب منه بعفوه مغفور
أبدًا تخفُّ له الشَّوامخ خيفةًويكاد يذبل يذبل وثبير
طالت مكارمه الكرام فقد غداعنه لسان الشُّكر وهو قصير
من معشر أحسابهم ووجوههمفي اللَّيل للسَّاري تكاد تنير
المنقذين من الضَّلال ومن لهمغررٌ تكاد لها النُّجوم تغور
وهم البحور إذا الموارد اعوزتوهم إذا خيف الضَّلال بدور
وهم ظهور اللَّاجئين وفي الوغىفهم القلوب وفي النَّديِّ صدور
فقرًى تقرُّ به العيون وأربعٌيعشو إلى نيرانها المقرور
أحيا أمير المؤمنين زمانهمفهم وإن غاب الشُّخوص حضور
ولهم من المستنصر بن محمَّدبحرٌ نمير ندى يديه يمير
فمن الخليفة عنهم خلفٌ لهملكن تخالف أعصرٌ ودهور
وافى أخيرًا في الزَّمان... ما ضرَّه في عصره التَّأخير
هو أوَّل في المكرمات وجودهختم الكرام فجاء وهو أخير
طولًا أمير المؤمنين على الورىوعلًا فدون محلِّك التَّأثير
ولآل ربِّ العربش أمر عبادهفجميع ملك غير ملكك زور
/ ب/ سارت بسيرتك الرَّكائب في العلافعلى زمانك نضرةٌ وسرور
ودعا تبسُّمك العفاة إلى النَّدىفسفور وجهك للعفاة سفير
فتهنَّ بالشَّهر الَّذي في مثلهأبدًا يضاعف سعيك المشكور
حتَّى يعود عليك في أمثالهصومٌ غدا متقبَّلًا وفطور
فتملَّ بالعيد السَّعيد فإنَّهدون الأنام إلى علاك يشير
طالت فضائله الفضائل رتبةًفالمدح في تقصيره معذور
لو رام يمدحكم جريرٌ بالغًاأقصى المدائح ما أطاق جرير

وأنشدني لنفسه في [غلام] يعرف بالسكَّر، وكان صبيًا مليحًا جميلًا حين اختط عذاره، اسمه حسن:

الحاظ عينيك فاتناتجفونها الوطف فاترات
للغصن من قدِّك انفتالوالظَّبي من جيدك التفات
والثَّغر كالثَّغر في امتناعيحميه من لحظك الرُّماة
للشاعر ابن الحلاوي، اقرأ القصيدة
حيَّات صدغيك قاتلاتٌفما لملسوعها حياة
للشاعر ابن الحلاوي، اقرأ القصيدة
فرَّق بيني وبين صبريمنك ثنايا مفرَّقات
للشاعر ابن الحلاوي، اقرأ القصيدة
يا حسن صدُّه قبيحفجمع شملي به شتات
/ أ/ الشَّمس لو حاكمتك حسنًاقضت عليها لك القضاة
قد كنت لي واصلًا ولكنعداك عن وصلك العداة
للشاعر ابن الحلاوي، اقرأ القصيدة
يا بدر تمٍّ له عذارٌبحسنه تمَّت الصِّفات
منمنم الوشي في هواهيا طالما نمَّت الوشاة
للشاعر ابن الحلاوي، اقرأ القصيدة
نبات خدٍّ حلَّاك حسنًاوالحلو في السُّكَّر النَّبات

وأنشد لغزًا في الشبابة وهو:

وناطقة خرساء باد شحوبهاوتكنَّفها عشرٌ وعنهنَّ تخبر
للشاعر محيي الدين ابن زيلاق العباسي، اقرأ القصيدة
يلذُّ إلى الأسماع رجع حديثهاإذا سدَّ منها منخرٌ جاش منخر
للشاعر محيي الدين ابن زيلاق العباسي، اقرأ القصيدة

فقال:

نهاني النُّهى والحلم عن وصل مثلهافكم مثلها فارقتها وهي تصفر

وقال أيضًا، وكتبه إلى بدر الدين ابان الرومي كاتب الإنشاء بالديوان العزيز يذكر برسمه من الوزير نصير الدين بن الناقد سنة تسع وثلاثين وستمائة:

/ ب/ يا أيُّها البدر المنير ومن لهأعلى المراتب فى النَّدى والباس
أنت الَّذي فضل الأنام فذكرهبين الأنام معطَّر الأنفاس
لولا ذكاؤك لم يقل في شعرهيومًا حبيبٌ في ذكاء إياس
حاشاك أن أنسى لديك ولم أكنأبدًا لشكرك في المحافل ناسي
فإلى متى السترى يغدوا منشديما في وقوفك ساعةً من باس
كن مذكر المولى الوزير بشاعرٍجزل المدائح في بني العبَّاس
فمن العجائب والحلاوة نسبتيأنِّي أذوق مرارة الإفلاس

وأنشدني لنفسه في الأمير ركن الدين أبا شجاع أحمد بن قرطايا –أيده الله- ويعرض في ذلك بذكر الموفق بن أبي الحديد:

اركن الدِّين يا أسنى البراياوأسمى النَّاس في كرم وجود
وخير فتًى له مننٌ وجودٌيطوِّق بالمواهب كلَّ جيد
يخوِّفني الموفَّق كل وقتويأمرني بتجويد القصيد
وقلت له قصائد حين تجلىكنثر الدُّرِّ في نظم العقود
فلنت أأذكرت وغير بدعٍإذا لان الحلاوة للحديد

/ أ/ وقال أيضًا:

علمت بأنَّت صائرون إلى الفناوما يتساوى عالمٌ وجهول
وأنَّا وإن عشنا زمانًا فإنَّناإلى الموت من بعد البقاء نؤول
على الشَّمس منَّا رحمةٌ ما دجا الدُّجىوما حان من شمس النَّهار أفول
فتًى كان أهلًا للجميل وفعلهفما صبرنا عنه الغداة جميل
ولسنا مخاريقًا على فقد هالكوظلُّ أمير المؤمنين ظليل
وما ضرَّنا أعمارنا أن تقاصرتوعمر أمير المؤمنين طويل

وأنشدني لنفسه يمدح الملك الصالح ركن الدين عز الإسلام، وفخر الأنام جلال الدولة ناصر أمير المؤمنين إسماعيل بن المولى الملك الرحيم بدر الدين –شيّد الله قواعد دولته بمحمد وعترته-:

هل للمتيَّم عن هواه عدولوشهود ادمعه عليه عدول
يغريه تفنيد الوشاة وربمااغرى المحب مفنِّدٌ وعذول
يا لائمي فيمن كلفت بحبِّههيهات عذلك في الغرام يطول
/ ب/ ألزمتني بالصَّبر عنه تجلُّدًاوالصَّبر إلَّا عن هواه جميل
كيف التَّستُّر في الغرام وفاضحنيدمعٌ على الخدِّ الأسيل يسيل
وبليَّتي لدن القوام يزينهخصر كجسمي في هواه نحيل
نطق النِّطاق بشرح حالي عندهلما صمتن أساورٌ وحجول
يحمي بعسَّال القوام إذا انثنىلدن المعاطف ثغره المعسول
ظبيٌ عن الصَّبِّ الكئيب نفارهغصنٌّ عن الهجران ليس يميل
جهلت على قلبي رماة جفونهفعلام يفتك بالعليم جهول
ورنا عن اللَّحظ الكحيل تزينهسنةٌ فجفني بالسُّهاد كحيل
في خدِّه زهرٌ يزيد غضاضةلا يعتريه على الزَّمان ذبول
جوريُّ ورد مضعفٌ قبَّتهكلفًا فضاعف حسنه التقَّبيل
أرجو ازديار الطَّيف منه تعلُّلًالو كان ينفع حبَّه التَّعليل
أو كيف ينعم بالزِّيارة مانعأم كيف يسمح بالخيال بخيل
ما لي إليه وقد تناءت دارهإلَّا نسيمات العشيِّ رسول
ولذاك يطربني النَّسيم إذا انبرىفكأنَّ أنفاس الشَّمال شمول
رشا به تحيا الصَّبابة مثلماأحيا لنا الآمال إسماعيل
/ أ/ الصَّالح الملك الجليل ومن بهيرجى دفاع الخطب وهو جليل
الألمعيُّ يحلُّ كلَّ عظيمةٍعقل البليغ بمثلها معقول
فإذا اختبرت ذكاءه في مشكلطرد ..... ذهنه المصقول
ملكٌ لديه من السَّخاء مخايلوعليه للشَّرف الرَّفيع ديل
ذرب اللِّسان يحار في أوصافهفهم البليغ إذا رآه يقول
حلو الشَّمائل في السَّماح مذرَّبجمُّ الفضائل في الفخار أصيل
فالغيث منه يصوب في يوم النَّدىواللَّيث منه على العداة يصول
يقظ إذا شغل الجهالة خدنهبالمكرمات ..... مشغول
ضمنت لنا عنه النَّجابة أنَّهيسمو على أترابه ويطول
ملكٌ تبيَّن في أسرَّة وجههأنَّ الممالك نحوه ستئول
ألقى تمائمه النُّهى فاستبشرالسَّيف الصَّقيل بأنَّه المحمول
ونضا ملابس للصِّبا متدرِّعًاحكمًا فسرَّ التَّاج والإكليل
حاز الفصاحة والسَّماح فلفظهجزل وجود ندى يديه جزيل
ما همُّه في ناهد بل همُّهنهد المراكل زانه التَّحجيل
كلَّا ولا البيض الرِّشاق شجونهلكن شجاه الأبيض المصقول
/ ب/ لهج على صغر بكلِّ بديعةعظمت فحار لحلِّها المعقول
شبلٌ من الأسد الَّذي أظفارهفي يوم مغزاه قنًا ونصول
فله من البيض الصَّوارم جنَّةٌوله من السُّمر اللَّهاذم غيل
ومجدِّل اللَّيث الهزبر يمدُّهكفٌّ ازب وساعدٌ مجدول
ملكٌ له السَّيف المهنَّد صاحبٌأبدًا ومن زاكي الخيول خليل
ما إن يلذُّ بسمعه يوم الوغىإلَّا صليل صوارم وصهيل
كلفٌ بعيد المكرمات فقلبهلا تطَّبيه الغادة العطبول
طودٌ يخفُّ إلى المكارم عطفهلكن سطاه على العداة ثقيل
كرم الأبوَّة ضامنٌ بسموِّهمن فوق كلِّ متوَّج وكفيل
فيكفِّيه ماء السَّماحة هاطلٌوبوجهه ماء الحياء
أبدى شمائل من أبيه فحلبهبولاء آل محمَّد موصول
فهم له سفن النَّجاة إلى الهدىوهم الوسائل عنده والسُّول
يا أيُّها الملك الَّذي شهدت لهبالبأس سمر لهاذم ونصول
أنت الَّذي ترجى لكلِّ ممنَّعصعب المراس وجودك المأمول
وعليك للملك الرَّحيم شواهدٌنطقت بأنَّ عدوَّك المخذول
/ أ/ وسموت فالمثني عليك مقصِّرٌأبدًا وباعك في السَّماح طويل

وأنشدني لنفسه، وكان قد خلع عله الملك العزيز محمد بن عبد الملك الظاهر غازي ابن يوسف– صاحب حلب- خلعة صفراء فلم يرضها فكتب إليه:

يا أيُّها الملك الَّذي شهدت لهبالمكرمات شوارد الأخبار
والمقتني حسن الثَّناء وخير منزفَّت إليه عرائس الأفكار
ما كنت أرجو أن تكون ملابسيإلَّا كما ألبست من أشعاري
أبستكم حلل الثَّناء قشيبةًكالرَّوض جيد بعارض مدرار
فعلام ألبس من فواضل جودكمما لا يليق بهمَّتي وفخاري
صفراء آذن لونها لمًّا أتتبقصةر حجَّتها عن الأعذار
قابلتها بيد القبول وإنَّماشعري تأبى أن تكون شعاري
فرددتها ولسان حالي منشدٌما في قعودك عاريًا من عار

وكتب إلى محيي الدين محمد بن سعيد بن أبي النداء الجزري الوزير، وكان قد

أمر مشرفه ب/ على المطبخ أن يحمل إليه طعامًا وكان أحول فقصَّر فيه:

أيا ماجدًا تلفى السَّماحة والحجىوبدر الدُّجى والبأس ما بين ثوبيه
أأشكو إليك الباقلانيَّ لائمًاوقد رحت محتاجًا إلى برِّ كفَّيه
يجيء إلينا بالقليل يظنُّهكثيرًا وليس الذَّنب إلَّا لعينيه
للشاعر ابن الحلاوي، اقرأ القصيدة
ومن سوء حظِّي أنَّ رزقي مقدَّرٌبراحة شخصٍ ينظر الشَّيء مثليه

وأنشدني لنفسه في إنسان يدّعي معرفة العروض:

وقالوا غدا نجل الجنيد مصنِّفًاعروضًا وبعض النَّاس أفضل من بعض
يقطِّع أعراض البسيط وإنَّمايقطِّعه أهل البسيطة في العرض
لقد رميت بالثَّلم والخرم دبرهكما رميت كفَّاه بالكفِّ والقبض

وقال فيه:

قالوا غدا ابن الجنيد منفردًاما مثله في العروض من أحد
وقصدنا فكُّ دابرهوهو بسيط يفكُّ بالوتد

وله فيه من أبيات:

/ أ/ أريناه الطَّويل وقد أرانابسيطًا شكل دائرة المذال
نقطِّعه بأسباب خفافٍعلى الأسماع وهو من الثِّقال

أحمد بن بوران بن سنقر بن عبد الله، أبو عليِّ بن أبي أحمد الموصليُّ، النقاش الدهان.

أخبرني أنَّه ولد بالموصل في سابع عشر رجب سنة ستّ وتسعين وخمسمائة.

شاب من الأذكياء في صناعة التزويق والنقش وتصوير المدور والكتب وتذهيبها، فاق في ذلك على أهل زمانه لا يماثله أحد فيما يخترع من غرائب التزاويق، وبدائع التصاوير، ويكتب خطًا مليحًا، ويرجع في الشعر إلى صحّة طبع، وسلامة قريحة في المنظوم.

أنشدني لنفسه يمدح الملك الرحيم بدر الدنيا والدين عضد الإسلام والمسلمين تاج الملوك وشرف السلاطين أبا الفضائل نصير أمير المؤمنين- أنفذ الله أمره- ويذكر الجوسق الذي أنشأه بظاهر البلد بالرضاصي ب/ ويصف ما فيه من التزاويق والتماثيل والبرك والبساتين وغير ذلك:

تبلج صبح الملك بعد ظلامهوبدِّل عن تقطيبه بابتسامه
وجمَّع أشتات التَّهاني نظيمةًوشتَّت عشقد الهمِّ بعد انتظامه
وأصبحت الدُّنيا تطير بأهلهاسرورًا فقرَّت عينها بدوامه
بملك أقام الدِّين بعد اعوجاجهوأنصفه من بعد طول اهتضامه
ألا فأنظروا هل نال مثل منالهمليكٌ مضى أو همَّ مثل اهتمامه
يشيد بناءً لا ترام لغيرهشواهده في عزمه ومرامه
تخبِّرنا أن ليس قصدٌ كقصدهوليس غرامٌ بالعلا كغرامه
هي الدَّار لا دارٌ سواها فقف بهاترى منظرًا باليمن حسن ابتسامه
تطوف بها الأملاك من كلِّ جانبٍكما طاف إبراهيم حول مقامه
فلا يوان لا إيوان كسرى ببابلٍلما قد حواه من فنون رخامه
إذا ما رنا طرفٌ ليدرك شأوهيعود كليلًا دونه لم يسامه
.. فيها البرُّ والبحر عامرًابحيتانه في عامر بنعامه
تلاعب فيها الضَّبُّ والنُّون دائبًافمن سابحٍ أو سائحٍ في إكامه
/ أ/ ترى الرَّوض ما أبدى رفيع سقوفهالطائف من نوَّاره وثغامه
تميس غصونًا لم يمسن وما شدتعلى الأيك منها طائرات حمامه
فكم من نديم أوطأ الكأس كفَّهولكنَّه لم يرتشف من مدامه
وهيفاء امست يوجع العود ضربهاوما هو عنها مفصحٌ بكلامه
وريمٍ رماه نابل فأصابهوما ذعرت ألَّافه من بغامه
وكم من هزبر فاغرٍ فاه طالبٍكميًا على طرف ثنى بلجامه
ومن باذل ما نيط حبل عقالهولا سابقٍ يلوى بجرِّ زمامه
وفتيان صدق من قوارير كوِّنوافكل يرى عن حلمه لاحتكامه
صفوا عن يد الأكدار فالسِّر عندهممذاع ولمَّا يحمدوا باكتتامه
فكلٌّ ترى من جاءه من ورائهجليًّا كمن قد جاءه عن أمامه
لدى بركة حفَّت بوشي حدائقٍيخجِّل زهر الرَّوض حسن نظامه
تدرُّ ضروعًا لا يملُّ رضيعهاولا هي تدعوه أليم فطامه
تدافق فيها الماء من كلِّ جانبفيطرب من تصفيقه وانتظامه
إذا انبعت فوَّارة منه منبعًاتخال ..... ما فوَّقت من
يروع العذارى الحاليات نثيرهفتدرك كلٌّ عقدها بالتزامه
/ ب/ فمن كامل التَّثمين لاقى مسدَّسًافوافق في التَّربيع عند لحامه
كأن مدار القطب وجه بساطهاترى الشُّهب من وحدانه وتؤامه
تصدِّق إن قلت السَّماء لأنَّهيرى البدر فيها كاملًا في تمامه
مليكٌ براه الله للنَّاس رحمةًبقوم تحدِّي حلِّه وحرامه
فللبرِّ والحسنى بنان يمينهكما ضمن الآجال حدُّ حسامه
به ختم الله الكرام لأنَّهرأى كلًّ خير فضله بختامه
تواضع في عزٍّ وصار محاربًاوجاد احتسابًا عند إقتار عامه
رأى منه تحت الملك ما لم يحلُّهسليمان في أطياره وهوامه
فأشرف في الآفاق نورٌ مملَّكٌسنى البدر في الظَّلماء تحت لثامه
فعلَّم منه اللَّيث بأسًا وجرأةًكما علَّم الأنواء فيض سجامه
كميٌّ أذاق التُّرك يوم نزالهمن الموت كأسًا مرة من زؤامه
حمى حوزة الإسلام بالبيض والقنافما ذمَّ دهرًا داخلٌ في ذمامه
وما حفظت أهل الثُّغور ثغورهابغير مواضي حدِّه واعتزامه
فللذئب برٌّ زائدٌ من شراكهوللنَّاس حظٌّ زائدٌ من طعامه
هنيئًا نداماه لقد نلتم بهعلى قصر الجوزاء نيل سنامه

/ أ/ بلغتم به أقصى الأماني فحبُّكم .. بمن جرع الأعداء كأس حمامه

جوادٌ به بلِّغت ما كنت آملًافأصبح حظِّي ناقهًا من سقامه
يجود بلا منٍ ولا لي موعدٌإذا الغير خلَّاب بلمع جهامه
فمن أجل ذا لم يشك للبين مركبيمجاذبه من نسعه وزمامه
وما خاب طرفٌ فاز منه بنظرةٍولو شامه إنسانه في منامه
فبورك بنيانًا وبورك ساكنًاوبوَّأه الرَّحمان دار سلامه
ولا زال مأهول الجناب مؤيَّدًاممرَّ اللَّيالي دائمًا بدوامه

وأنشدني أيضًا لنفسه:

سلاه هل عدَّ قتلي بالصُّدود رضاأم ساخطًا كان في أمرٍ عليَّ قضى
كلَّفت قلبي لديه الصَّبر معترفًا..... كلَّما عاينته انتقضا
إني لأعجب من طرف التَّجلُّد فيهواه يعثره وجدي إذا ركضا
وعارضٍ من جفوني كلَّما نظرتعيناي بارق ثغر منه معترضا
أما وليل كحظِّي من ذوائبهعلى صباح كفرق في الجبين أضا
لا كنت ممَّن يرى في الحبِّ مبتذلًاعنه ولو جار أو أبغي له عوضا

أحمد بن إبراهيم بن أحمد ب/ بن هبة الله بن الحسين بن الحسن، أبو العباس بن أبي إسحاق الموصليُّ.

من أبناء الرؤساء المتصرفين بالموصل.

أصل آبائه من الجزيرة العمرية، وانتقلوا إلى الموصل وتولوا بها الأعمال الجليلة لبني أتابك؛ وهبة الله جده يعرف بالعفيف وبه يعرف بيتهم.

وأبو العباس أخبرني أنه ولد في شهر صفر سنة اثنتين وستمائة، ونشأ في طاعة الله تعالى، والتمسك بآثار النبي ﷺ مع سداد وصلاح، وحفظ القرآن العزيز، وسمع الحديث على أبي الحسن علي بن محمد بن عبد الكريم الجزري، والنقيب أبي الفتوح حيدر بن محمد بن عبيد الله الحسيني، وصحبة مدّة. واستدعى إلى ديوان الاستيفاء بعد موت والده فما أصاب وأعرض عن ذلك ورعًا وتدينًا ونزاهة نفس.

ثم تولّى خزانة كتب المدرسة المولوية السلطانية البدرية المطلّة على دجلة- عمّرها الله ببقاء منشئها-.

وهو من سروات الناس وأمثالهم، وأماجد أهل بيته وأفاضلهم، ذو دين وافر، ونسك ظاهر أ/ كثير الخير، واسع النفس، مهذَّب الأخلاق؛ له بلاغة في

خطابة، وحسم عبارة، وخط رائق، وشعر مستحلى، ولم يكن يؤثر إظهار شيء من أشعاره، ولا يسمح عليّ بها فحيث طالع هذا الكتاب وتأمله قراءة شرَّفني ببيتين من قيله، وهما:

وجمعت أرباب الفضائل والنُّهىفي سفرك الحسن الأنيق الكامل
وسلكت أجمل مسلكٍ في رصفهفوقيت لؤم العائب المتجاهل

أحمد بن ملاعب بن علويٍّ أبو عليٍّ الإربليُّ

أصله من الموصل.

شاب ملء بدنه، عبل الجسم، أسمر.

يحفظ من الحكايات المستظرفة، والنوادر الغريبة جملة. وكان كيسًا مطبوعًا مازحًا فيه دماثة ومداعبة، ولم يكن نظم الشعر من شيمته إلا [أنَّه] يقوله طبعًا.

كان يتولى في الدولة الظاهرية عملًا، فحين جاءت الدولة المستنصرية عزل عما كان عليه، وصار يكتب القصص بالأجر، واستشهد بإربل حين دخلها التتار- خذلهم الله تعالى- سنة أربع وثلاثين وستمائة.

/ ب/ أنشدني لنفسه ما كتبه إلى الصاحب شرف الدين أبي البركات المستوفي- ﵀:

كان ظنِّي متى قصدت عليًافي مهمٍّ يبرُّ لي مقصودي
خاب ظنِّي فما عليَّ جناحٌإن تواليت بعدها ليزيد

وأنشدني لنفسه في قرد رآه راكب كلب، وناس يطوفون به الدروب والأسواق يتكسبون عليه رزقًا:

واعجب ما رأيت ركوب قردٍعلى كلب يطوف به المغالق
وماذا بالعجيب فكم رأيناكلابًا بحتها دهمٌ سوابق

وأنشدني لنفسه، وكتبه إلى شرف الدين أبي البركات المستوفي- رحمه الله تعالى-:

أيا شرف الإسلام قد مسَّني الضُّرُّفلا جلدٌ من بعد هذا ولا صبر
أجرني فقد أضحى الزَّمان معانديوحسبي بلا منة أيسره الفقر
وماذا احتيالي قد بليت بأربعٍبها حسدي مضني وقد نفد العمر
وحيدٌ ومعيول وطول مطالةٍدهاني تماديها وقد خانني الدَّهر
/ أ/ وكم لي أسلِّي النَّفس عما أصابنيعلى مضض منِّي إذا هاج بي الفكر
أقول: اصبري بالله يا نفس واعلميبأن ابن موهوب لنا في الورى ذخر
رئيسٌ كبيرٌ عالمٌ سيِّدٌ معًاكريم حليمٌ صائمٌ قائمٌ حبر
له عزمات في النَّوال متى دناأخو عسرة مغناه حلَّ به اليسر
فلو حاتمٌ في الجود باقٍ بعصرهلكان له عبدًا لديه ولا فخر
ولو أنَّ كسرى عاش فينا بعدلهلبان لنا من عدله أنَّه كفر

ومنها:

فخذها عروسًا طفلةً فجهازهامديحك والإحسان منك لها المهر
وعش وأبق في عيشٍ رغيدٍ ورفعةٍمدى الدَّهر ما لاح السَّما وبدا البدر

وأنشدني لنفسه، وهو مما قاله على لسان مسعط:

أيا عدَّة المولود إذ هو يشتكيظماءً فأورده زلال الماء
ومن العجائب أنَّه يشتاقنيأدنو إليه فينثني ببكاء

أحمد بن جعفر بن الحسن بن علوان ب/ بن حمزة بن سويدة التكريتيُّ الأصل.

شيخ رديء العينين، عاميّ لم يعرف ما يقوّم به لسانه، بغدادي المولد والمنشأ والدار. وهو دلّال الكتب وبائعها.

لقي جماعة من شعراء العراق وروى عنهم شيئًا من أشعارهم. وكان كثير التردد إلى الموصل، ويقيم بها. ثم رحل عنها إلى بغداد في تجارة الكتب، ولم تحمد طريقته مع الناس في معاملته؛ وربما يصدر عن خاطره أبيات قريبة. وأنا أستبعد هذا الشعر منه لكونه عاميًا لم يقرأ من الأدب شيئًا؛ سئل عن مولده، فقال: في سنة ستين وخمسمائة.

وروى الحديث عن أبي القاسم سعيد بن أبي المكارم بن بركة النحاس، وسماعه صحيح.

أنشدني لنفسه:

قدم المعين فأشرقتبغداد إذ قدم المعين

فأمارنا بالبرِّ حتَّى خلت ممنهله معين

قد كان حظِّي حين وافى منه أحسن ما يكون

وبحست منه الجانبينوذاك عندي لا يهون

وأنشدني أحمد بن جعفر بن الحسن أ/ الكتبي لنفسه:

ذهب العمر بالمنى والتَّقاضيوبصدِّ الحبيب والإعراض
وتولَّى عصر الشَّباب ومانلت مرادي منه ولا أنا راضي
وتبدلت بعد بهجة لونيباصفرارٍ ولمَّتي بالبياض
أفأرجو من بعد هذا بقاءًإقض يا دهر فيَّ ما أنت قاضي

أحمد بن أبي شجاع بن أحمد بن أبي البدر الدمشقيُّ، المعروف بالذهبيِّ.

نسب إلى بني تميمٍ نفسه، وادَّعى أن الحيص بيص الشاعر هو جدُّه من قبل الأمّ.

وأشعاره ضعيفة جدًا، قليل الحظ من العربية ومعرفتها. وفي شعره لحن فاحش. يتشيّع ويقصد الناس بأقواله؛ وهو دميم الصورة، خفيف اللحية والعارضين، قبيح الهيأة، يفرط في الفحش، كثير الكذب، ..... في ذاته.

أنشدني لنفسه؛ وهو أصلح شعره، يستدعي صديقًا له:

نحن في مجلسٍ حكى الرَّوض تفويفًا وما في الرِّيَّاض ما هو فيه

/ ب/ نرجس الأعين المراض وتفَّاح خدودٍ الحاظنا تجتنيه

وروامش سوسنٍ يخجل الخيريَّ في صبغه الَّذي يبديه

ونديمٌ قد اكمل الله للأنفس فيه جميع ما يشتهيه

ومدامٌ أرقُّ من دمعة الصَّبِّ وشاد ألجٌ من عاذليه

لم يفته ممَّا تجرُّ المسرَّات إليه إلَّا حضورك فيه

وأنشدني أيضًا لنفسه في غلام وضع في فمه درهمًا:

وشادن قابلت في ملعبٍوهو بعقلي تائهٌ يلعب
فقلت لمَّا اختال كالغصن لاأجيء من وجد ولا أذهب
فافترَّ تيهًا فبدا درهمٌفي فيه لي مبسمه يحجب
فقلت هذا منظرٌ لم يجدفي النَّاس منه قبله أعجب
عضَّ على حقفٍ نقًا فوقهبدر دجًى في وسط كوكب

وأنشدني لنفسه في غلام اسمه موسى بخدِّه خال:

واهيف القدِّ على خدِّهخال على سفك دمي عونه
/ أ/ فهو كموسى والعصا لحظهوقلب من يهواه فرعونه

وأنشدني لنفسه:

سقى ليلةً بتنالها في مسرَّةوقد غفل الواشي ونام المراقب
أقبِّل وردًا فوق خدٍّ وعارضًاأسيلًا عليه العنبر الرَّطب ذائب
وأرشف ريقًا كالأقاحي وأجتليهلالًا أنابت عن دجاه الذَّوائب
ذهلت به حتَّى توهَّمت أنَّنيمن الوجد في وادٍ من الحلم ذاهب
وحتًّى حسبت البدر يدنو صبابةًوكادت بأن تهوي إلينا الكواكب

وأنشدني قوله:

وزائر ٍكالهلال واللَّيل قدجرَّ على الخافقين أذياله

حسبته حيث زارني قمر التَّمِّ له من عذاره هاله

وأنشدني له:

لبست جديد الحيِّ لمَّا تعرَّضتعلائق ودٍّ قبله وعهود
وها أنا لمَّا أخلق العذر... تعرَّض منِّي جفوة وصدود
وقد كان قلبي لم يطعني على القلىوها هو طوعي اليوم كيف أريد

وأنشدني لنفسه:

/ ب/ وذي هيفٍ من الأتراك وجديبرشف رضابه وبوجنتيه
ولكني أحاذر حيث يرنومهاجمة الرَّدى من مقلتيه
أقول قد ثناه التيه لينًاوجاذبني تأوُّدُّه إليه
فوا أسفي على عمر أقضِّيبجفوته وواحربي عليه
رمى ورنا فكان اللَّحظ أودىبقلب الصَّبِّ ممَّا في يديه

وأنشدني أيضًا لنفسه:

زارني خلسةً من الرُّقباءبعد مطلٍ مبرقعًا بالحياء

غير أنَّا لمَّا اندفعنا إلى بثِّ شكاةٍ من لوعةٍ وعناء

أبعدتنا عين الرَّقيب... نتشاكى باللَّحظ والإيماء

وأنشدني قوله أيضًا:

وددت لو زارني حبيبيولو خيالٌ بلا رقيب
فوالَّذي بالهوى ابتلانيووَّكل القلب الوجيب
ما قلت: أيأتي الحبيب إلَّاجاء رقيبي بلا حبيب

أحمد بن داود بن بلال أ/ بن معالي الإربليُّ، أبو العباس الخطيب المقرئ.

شاهدته كهلًا ضعيف النظر، إحدى عينيه نادرة. وهو دلال الكتب بمدينة إربل؛ من أهل العلم والقرآن وسمع الحديث كثيرًا على جماعة.

أنشدني لنفسه ما كتبه إلى الوزير الصاحب شرف الدين أبي البركات المستوفي- ﵀:

ألا أيها المولى الَّذي سار ذكرهواثقلني دون البريَّة برُّه
أهنِّيك بالعام الجديد وإنَّمايهنَّي بك العام الجديد وعشره

أحمد بن اسفنديار بن الموفق بن أبي عليٍّ، أبو المكارم بن أبي الفضل البغداديُّ الواعظ الصوفُّي.

وسيأتي شعر والده في موضعه من هذا الكتاب- إن شاء الله تعالى-.

كانت ولادته في الثامن والعشرين من رجب سنة سبع وثمانين وخمسمائة ببغداد، وتوفي بعد منصرفه من بغداد في أوائل شهر ذي القعدة من سنة تسع وثلاثين وستمائة.

شاهدته ببغداد؛ وهو متقدم الصوفية ب/ برباط الإرجوانية، وهو كهل حسن يروى عن أبي محمد إسماعيل بن أحمد الكاتب، وبالإجازة عن أبي الفرج بن كليب وغيرهما من المشايخ البغداديين.

وكان حافظًا للقرآن الكريم، صحيح السماع والإجازة، واشتغل بفن الوعظ على أبيه؛ ولديه فضل وأدب، وقال الشعر ودوّن لنفسه ديوانًا يشتمل على مجلدتين، ولم يودعه هجوًا البتة.

وذكر لي- في سنة ثلاث وعشرين وستمائة- أنَّ شعره يبلغ عشرة آلاف بيت.

وكان شيعي المذهب، غاليًا في الولاء.

أنشدني لنفسه يوم الأحد الحادي عشر من شهر رمضان بالجانب الشرقي من مدينة السلام بالرباط المقدم ذكره، وذلك في سنة تسع وثلاثين وستمائة، يمدح الإمام المستنصر بالله أمير المؤمنين- خلّد الله ملكه-:

قضى لك الله بالتَّأييد والظَّفرما لاح في الأفق ضوءٌ من سنى القمر
خليفة الله يا من نور نائلهجلَّى غمامة فقر البدو والحضر
.. مربع الإسلام منهمرًامن جنودك الغمر يغنيه عن المطر
إحسأن مستنصر بالله منتصرلله معتضد بالله مقتدر
/ أ/ فلو رأى زمن المنصور صوب ندىالمنصور لم يبق من ضرٍّ ولم يذر

إمام حقٍّ رآه الله خير بني العبَّاس من آمرٍ منهم ومؤتمر

فناط حكم بني الدُّنيا بهمَّته القدسيَّة الحدس والأوهام والنَّظر

تفويض راضٍ لما أولاه من كرممأثور سيرته المحمودة الأثر
خليفةٌ زيَّنت أنباء سيرتهمحاسن الكتب والآثار والسِّير
مصوَّرٌ في مقرِّ القدس من صورٍجلَّت لتقديسها من عنصر الصُّور
في خلق يوسف في أخلاق أحمد فيحكم المسيح المصفَّى من أذى الكدر
فجاء أغنى بني الدُّنيا بسؤددهعن أن تعرَّف بالأوضاح والغرر
ينسي بإحسانه الأجواد من مضروبالسِّياسة ما قد قيل عن عمر
كأنَّه في معاني فضله ملكٌوإن تصوَّر في ملك من البشر
فيا أبا جعفر عمِّرت منتصبًافي سدَّة الملك أقصى منتهى العمر
ولا برحت لآفاق العلا فلكًايهدي سنى نوره للشَّمس والقمر
ولا عدتك تهاني العيد وافدةًما هزَّت الرِّيح ميَّادا من الشجر
وعشت عيدًا لأعياد البريَّة ماترنَّمت ساجعات الورق في الشَّجر

ولا خلا منك دست الملك ما فرق الفصيح ما بين لفظ الغمر والغمر

/ ب/ ولا ألمَّت بربعٍ أنت ساكنهإلمامهٌ من مجاري حادث الغير
ولا برحت لبرج المجد نيِّرهالعلويَّ ما طاف وفد الله بالحجر

وأنشدني أيضًا لنفسه في مولانا أمير المؤمنين، وذكر أنه أنشدها بالمدرسة التاجيّة في يوم الغدير. وكان قد صادف ذلك اليوم مجلس الوعظ:

لا تسق بالقدح الصَّغيرمن كان ذا خطرٍ كبير
إنَّ الأكابر للأكابروالأصاغر للصَّغير
وأدر كؤوسك لا عدمتكمن أخي نظرٍ مدير

حمراء يشرف من زجاجتها سنى القمر المنير

جلَّت محاسن وصفهاعن أن تشبَّه بالخمور
بكرًا إذا نطقت حكتما كان في قدم الدُّهور

كانت ولم يخطر وجود الكون في نفس الضَّمير

يهدي إلى قلب الحزينحديثها روح السُّرور

قدسيَّة الأوصاف مشرع ودرها العذب النَّمير

يجلو العمى وينير بالإيمان أوعية الصُّدور

/ أ/ فإذا انتشيت من المدام ومست في حلل الحبور

وأرتك أنوار الهدىبخلًا لدى النَّظر البصير

فاحلف بمن ظهرت خصائص فضله يوم الغدير

وعلا على كتف النَّبيِّ الصَّادق البرِّ الطَّهور

وأباد عمرًا بالحسامالمقصل العضب الطَّرير
وشفى بقتله مرحبفي خيبر قلت البشير
إنَّ الندَّى المستنصريًّندى يجلُّ عن النَّظير
جود الخليفة لا يقايسبالحيا الهامي الغزير
أنَّى وكيف وفضلهالقدسيُّ عن كرمٍ وخير
ومواهب المنصور للإسلامكالحامي النَّضير

مولى يخاف سطاه قلب الباسل الأسد الهصور

فاسلم امير المؤمنين من الردَّى حتى النُّشور

في دولةٍ أساسهاتعلو على الفلك الأثير

تبنى دعائمها برأي وليِّك المولى الوزير

النَّاصح البرِّ الوفيِّالصَّادق العفِّ الضَّمير

/ ب/ وأنشدني أيضًا لنفسه في المستنصر بالله، وأنشدها بالبدرية الشريفة من لفظه:

لست أخشى جور الزَّمان وإن جار إذا كان عدَّتي المنصور

فإليه تعزى المناقب والفضل وعنه يروى النَّدى والخير

كالمعالي حيث استقرَّ استقرَّتوالأيادي تصير حيث يصير
جدَّد الله ملكه ألف عامٍيتوالى للخلق فيه السُّرور
وأرانا فيه المنى ووقانافي معالي حلاله المحذور

وجرت بالَّذي تنشَّا المقادير وواتاه بالمنى المقدور

أنا أدعو والله يعلم صدقيفي ولائي وما يجنُّ الضَّمير
يا إمام الهدى الَّذي للمعاليبمعاني آرائه تدبير

رجبٌ قد أتى يبشِّر بالنَّصر فنعم الآتي ونعم البشير

فتملَّ الزَّمان وأبق لدهرأنت فيه مؤيَّدٌ منصور

فبكم يجبر الكسير وينفكَّ الأسير العاني ويغني الفقير

وقال أيضًا:

/ أ/ مالي ألام على الهوى وأعنَّفما في العواذل في اللَّوائم مصنف
أيلام صبٌّ وجده متوقِّدٌوسحاب مدمعه يسحُّ ويذرف
صبٌّ إذا ذكر الحمى وعهودهلحمى العقيق ورامة يتأسَّف
حيران لا ينفكُّ مذ شحط النَّوىبالظَّاعنين عن اللِّوى يتلهَّف
يرعى النُّجوم كأنَّه لطلوعهاوغروبها مترصِّدٌ متكلِّف
شوقًا يهيِّجه إذا جنَّ الدُّجىنشوان من خمر الملاحة مخطف
رشا لواحظ طرفه سحريَّةوبفيه لو بذل المراشف قرقف
رشا به عرف الملاحة مثلمابشحوبي الوجد المبرِّح يعرف

أحمد بن الحسن بن عمر بن محمدٍ، أبو الفضل الأسفرايينيُّ.

نزيل ملطية من بلاد الروم.

شاب أشقر؛ شاهدته بالمدرسة النورية بحلب المنسوبة إلى بني عصرون، وقد وردها صحبة القاضي تاج الدين يوسف بن عبد الصمد بن أبي بكر التبريزي حين وافى رسولًا من سلطان البلاد الرومية، وذلك في شهر ربيع الأول ب/ سنة سبع وثلاثين وستمائة.

وأنشدني لنفسه ما تضمنت هذه شيئًا من شعره. وسألته عن ولادته، فقال: ولدت ليلة الجمعة رابع جمادي الأولى سنة سبع وتسعين وخمسمائة.

وشعره لم تكن عليه طلاوة، وتظهر فيه العجمة والتكلف، فمما أنشدني له قوله:

نسيم الصَّبا عرِّج على ملطَّيةوبلِّع سلامي أهلها وتحيَّتي
وخصِّص بفرط الشَّوق من بينهم سربهمغزالًا أراني البعد عنه منيَّتي
وقل بلسان الذُّلِّ يا غاية المنىيقول فلانٌ حلَّ فيك رزيَّتي
تمرُّ وفي عيني خيالك غدوتيوتمسي وفي قلبي هواك عشيَّتي
نسيت وطول العهد منسي عهودناوإنِّي على الحالين اخلصت نيَّتي
وعنك على بعد المزار روايتيومنك وإن طال البعاد رويَّتي
نسين الصَّبا تأبى القبول تخيُّرًاوإلَّا فها روحي إليك هديَّتي

أحمد بن عليِّ بن أبي المكارم بن مسعود بن حمزة الموصليُّ، البغداديُّ الأصل، أبو العباس.

حفظ القرآن على والده، وعنده صدر حسن من العربية؛ أ/ ومولده سابع صفر سنة ثماني وتسعين وخمسمائة.

أنشدني قوله:

وإنِّي لأولى من تفيَّأ ظلَّكموأحرى من استصنعتموه مدى الدَّهر
لأنشر ديوان المدائح فيكمولا طيَّ بعد النَّشر إلَّا إلى الحشر
فإحسانكم عندي تليدي وطارفيومعروفكم يسري مع العسر واليسر

أحمد بن أبي القاسم بن أحمد بن أبي القاسم بن نصر بن سعيد، أبو العباس المعروف والده بالجزار الموصلي، وأحمد يلقب كشاجم.

وهو شاب معاشر مسترفد بقوله لا غير، ينظم الشعر في الهجو والمدح والغزول وغير ذلك. وخبرت أنَّه يتهم في أشعاره، وينتحل أشعار الناس ويسرقها والله أعلم صحة ذلك؛ وليست له حرفة يعتمد عليها سوى التكسب بالشعر والاستجداء.

وسألته عن ولادته، فقال: ولدت سنة خمس وتسعين وخمسمائة بالموصل.

وأنشدني لنفسه يمدح الملك الأشرف- ﵀:

/ ب/ دانت لطاعة أمرك الأقداروجرى بما تختاره المقدار
وبيمن سعدك أيُّها الملك الَّذيأحيا العلا فلك السُّعود يدار
فاحكم على الدُّنيا فإنَّك مدركٌمنها بجدِّك كلَّ ما تختار
ومن القضاء بما تشاء فإنَّهلك والزَّمان وأهله الأنصار
فاسعد بملكك والَّذي أوتيت مننعمٍ بها تستعبد الأحرار
واسلم إلى يوم الحساب محكَّمًافي العالمين إذا ألمَّ بوار

وأنشدني لنفسه يمدح بعض الرؤساء:

حكَّمته لحاظه في القلوبفحمته من كلِّ لحظٍ مريب
رشا كالهلال وجهًا وكالغصنقوامًا وردفه كالكثيب
بابليُّ الجفون في وجنتيهجنَّة القلب في دماء القلوب

أيُّها الهائم الَّذي ظلَّ في الحبِّ ضلالًا يلومني في الحبيب

أنا صبٌّ به كئيبٌ وكم فييده من فؤاد صبٍّ كئيب
ما احتيالي والخصم قاضٍ وعنديمرضٌ دلَّه عليَّ طبيبي

يا أخلَّاي هل مجيبٌ خليُّ البال من حرِّ لوعةٍ ووجيب

يستميل الحبيب أو يرجى لواش بنا أو يغضُّ لحظ الرقيب

/ أ/ وغزال تراه في اللَّيل بدرًافي قضيب يسعى بشمس الغروب
كلَّما رمت سلوةً عنه وافىحسنه سافعًا بفنٍّ غريب
زارني والظَّلام داجٍ فأغنىعن سراجٍ بكأسه المقطوب

وسقاني إلى الصَّباح من الرَّاح ومن ريقه بكأس وكوب

حبَّذا ما مضى لنا من زمان الوصل واللَّهو بالحمى والكثيب

حيث غصن الشَّباب غضٌّ وريقٌناعمٌ لم تصبه عين المشيب
والصِّبا شافعٌ إلى كلِّ خودٍكقضيب الأراك رؤد ٍكعوب
لو تراءت للشَّمس غابت وإن لميدعها للمغيب وقت المغيب
تنفث السِّحر من جفون مراضفاتكات بكلِّ سهم مصيب
لم تذق خمرةً وتسطو بقدٍّمن حميَّا كأس النَّعيم شروب
فعلها بالعقول أفعال تاجالدِّين بالفقر والعدا والخطوب
الوزير الَّذي يحلُّ بنو القافة منظلِّه بناد رحيب
يبسم الثَّغر من محيَّاه بالآمالوالنُّجح في الزَّمان القطوب
كلَّما جاد جاد من فيض نعمىراحتيه فيض السَّحاب السّكوب
جلَّ من أن يحدَّ وصفًا فأضحىفي الورى واحدًا بغير ضريب
/ ب/ ينثني عطفه إذا سمع المدحوطيب الثَّناء مثل الطَّروب
وكأنَّ المديح إذ صار فيهنشر زهرٍ أو نشر مسكٍ وطيب
منحته الورى ولاءً وحبًاوحبته طبعًا صفاء القلوب
ذو يد تغمر الوفود بجودٍطافح دافقٍ غزير القليب
ومتى أجدب الزَّمان أنخنامنه آمالنا بربع خصيب
ملبسي من مناقب المجد عارٍفي بني الدَّهر من جميع العيوب

عالمٌ بالأمور والدَّهر والغامض من كلِّ كائنٍ والغيوب

عزمه في الزَّمان يفعل ما يعجز عن فعله شفار القضيب

فات ريح الجنوب سبقًا وهل فات سواه في السَّبق ريح الجنوب

نافذ الأمر في الحروب إذا مانبت الزُّرق والظُّبي في الحروب

أيَّها السَّائق الَّذي يقطع البيد وجوب الفلابحثِّ النِّيب

ناد للمكرمات مولاي بدر الدِّين تظفر منه بجود صبيب

وسحاب هام وطود أشمٍّوسميع لكلِّ داعٍ مجيب

أيُّها المالك الَّذي أصحب الآمال قصدي في مشهد ومغيب

أنا عبدٌ لكم بودٍّ صريحٍمحكم في الأنام غير مشوب
/ أ/ فانظر الآن في ولاء محبٍّصادقً في الثَّناء غير كذوب
وافتقدني عمًّا عهدت بجودٍمن أياديك دافق الشُّؤبوب

وابق واسلم ما لاح نجمٌ وما هلَّ هلال في ظلِّ عيشٍ رطيب

وله:

امدد إليَّ يد السَّماح لأنهاعونٌ على السَّراء والضَّراء
تولى مواليك النَّوال وتارةًبالبيض تفتك في طلى الأعداء

وأنشدني لنفسه من صدر مكاتبة:

وانتحب الرَّاووق في مجلسوطاف في المجلس ساق براح
وقال عند السُّكر مستهترًابالرَّاح: هذا وقتها لا براح
وحنَّ مستاقٌ إلى أهلهوأحيت الجود الأكفُّ السِّماح
ودام في الأرض مهبُّ الصَّباواستظرف النَّاس حديث السَّماح
وناحت الورق وراق الصَّباوشقَّ جيب اللَّيل كفُّ الصَّباح
وأمَّل الجود فتى فاقةوتاه مثلي بالوجوه الصِّباح

وأنشدني لنفسه في الشيطان الشاعر، وقد توجه عن الموصل ب/ قاصدًا مدينة إربل:

سرى الشَّيطان عن بلدٍ رحيبٍإلى ضنك وجانب خير مالك
فقلت مقارقًا جنَّات عدنٍيمهِّد منزلًا في قرب مالك

وأنشدني أيضًا من شعره:

باكر إلى كأس راحٍ بات يمزجهابريقه ثمل الأعطاف نشوان
في خلقه روضةٌ بالنُّور مشرقةٌوفي خلائقه حسنٌ وإحسان
فثغره أقحوانٌ أشنبٌ عطرٌوخدُّه الورد والتَّعذير ريحان
وجفنه جفن بيض الهند مصلتةًسنان قامته الهيفاء وسنان
علا على رأسه شاشٌ حوى عجبًافيه لعاشقه كفرٌ وإيمان

أحمد بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن أبي بكر بن خلّكان بن باوك بن عبد الله بن شاكلٍ الإربليُّ الأصل.

من أبناء الأكراد ومن بيت فقه وعلمٍ.

شاب قصير يتزيّا بزي الأجناد.

أخبرني أنه ولد بالجزيرة العمرية يوم الخميس آخر النهار ثالث عشر ذي الحجة سنة تسع أ/ وتسعين وخمسمائة، ولم يكن عنده ما عند أهله من الفقه.

أنشدني هذه الأبيات يرثى بها بعض بني عمه، وليس هي من صالح الشعر؛ غير أنَّ في أبياتها أبياتًا قريبة.

رأيته بالموصل في رجب سنة اثنتين وثلاثين وستمائة، وأنشدني لنفسه:

عظم المصاب فعزَّ فيه عزائيوتبدَّلت عبراتنا بدماء

ومنها يقول:

وتصرَّمت لفراقه نار الجوىوتأجَّجت في القلب والأحشاء
واستوحشت لمَّا خلت أوطانهمنه وحلَّ الأنس بالصَّحراء
يا أيُّها الجدث الَّذي صفحاتهصدفٌ لستر الدُّرة الغرَّاء
أتراك تعلم ما حويت وما ثوىبك من عفافٍ وافر وجباء
لله قبرٌ طيُّ سرِّ ضميرهأصل الفخار وسيِّد العلماء
يا راحلًا أبقى الغرام مخيِّمًاعندي وبان بسلوتي وعزائي
قد كنت قرَّة كلِّ طرٍف ناظرٍفاليوم صرت قذًى لعين الرَّائي
أتفقَّد الأحياء بعدك لا أرىهيهات مثلك قطُّ في الأحياء
يا ليت شعري كيف حالك أنت فيضيق اللُّحود ووحشة الظَّلماء
// فعليك رضوان الإله ورحمةٌتأتيك في الإصباح والإمساء
مولاي إبراهيم والشَّرف الَّذيأضحى تحمل سائر الوزراء
اصبر على هذا المصاب تجمُّلًافالصبر محمودٌ على الضَّراء

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (٢٠٠٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف الهمزة

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.