من «قلائد الجمان في فرائد شعراء هذا الزمان» لابن الشعار الموصلي (ت ٦٥٤هـ)
ذكر من اسمه أسعد
أسعد بن مهذّب بن زكريا بن مماتي, أبو المكارم, الكاتب المصري.
أصله من نصارى لميوط- بليد بصعيد مصر.
وهو من أهل بيت في الكتابة عريق يتوارثونه وكان جدّه أبو المليح مماتي كاتبًا لبدر الجمالي؛ وهو كالمستولي على الديار المصرية, ليس علي يده يد.
وأما والده المهذب [فـ] كان كاتب ديوان الجيش بمصر في آخر أيام المصريين, وأول أيام بني أيوب مدّة. فقصده الكتَّاب, وجعلوا له حديثًا عند الملك ب/ فهمَّ به صلاح الدين يوسف وأسد الدين شيركوه- وهو يومئذ المتولي على الديار المصرية- فخاف المهذب فجمع أولاده, ودخل على السلطان وأسلموا على يده فقبلهم وأحسن إليهم, وزاد في ولاياتهم.
ولما مات المهذب خلفه ابنه أبو المكارم على ديوان الجيش, وتصدّر فيه مدّة طويلة.
ثم أضيف إليه في الأيام الصلاحية والعزيزية ..... ديوان المال- وهو أجل دواوين مصر- وتصدّر فيه. واختصّ بصحبة القاضي الفاضل ونفق عليه, وحظي عنده, وكرم لديه, فأقام بأمره, وأشاع في ذكره ونبّه على فضله. وكان يسمِّيه بلبل المجلس لما يرى من حسن خطابه, وجودة بيانه, وفصاحة منطقه, وكمال بلاغته. وكان متفردًا في عصره, فات النظراء بنظمه ونثره ذا فضل جلي وأدب عليّ, وشعر سويّ, وخاطر في الإنشاء قوي, ..... والفطنة الثاقبة, والدراية الصائبة. وصنّف عدّة تصانيف باسم القاضي الفاضل. ولم يزل كذلك إلى أن ملك الملك العادل
سيف الدين أبو بكر محمد بن أيوب- ﵁ الديار المصرية فكان وزيره والمدبر أ/ لدولته الصفي عبد الله بن علي بن شكر. وكان بينه وبين أبي المكارم ذحلٌ قديم أيام رآسته عليه.
ووقعت من أبي المكارم إهانة في حق ابن شكر فحقد عليه, إلى أن تمكن منه. فلما ورد إلى مصر أحضر أبا المكارم إليه, وأقبل بكليته عليه, وفوّض إليه أمور الدواوين التي كانت باسمه قديمًا, وبقي على ذلك سنة كاملة عمل له المؤامرات, ووضع عليه المحالات, وكثر فيه التأويلات, ولم يلتفت إلى أعذاره فنكبه نكبة قبيحة, ووجه عليه أموالًا كثيرة وطالبه بها, فلم يكن لها وجه؛ لأنه كان عفيفًا ذا مروءة؛ فأحال عليه الأجناد فطالبوه وقصدوه ولزوه, فهرب إلى حلب وأقام إلى أن مات بها ثامن عشر جمادى الأولى سنة ستّ وستمائة ودفن بالمقبرة المعروفة بالمقام على جانب الطريق المسلوك إلى دمشق خارج تربة أبي الحسن علي بن أبي بكر بن علي الهروي الموصلي الخراط.
وكان له نوادر مطبوعة, ونكت مستحسنة, وذلك أنَّ الملك الظاهر سلطان حلب كان قد استخدم السديد محمد بن المنذر على مصالح قناه حلب؛ ب/ فاتفق أن سئل القاضي الأسعد عن السديد بن المنذر ما هو؟ فقال مجاوبًا للسائل: مستخدم على القناة.
أنشدني القاضي أبو الماثر عبد الصمد بن عبد الله بن أحمد المصري بإربل سنة خمس وعشرين وستمائة, قال: أنشدني ابن مماتي لنفسه:
لمَّا شكوت صدَّهوما لقيت من أذى
ورقَّ قاسي قلبهوحبَّذا وحبَّذا
قال: صفا الوقت ولكنَّ الرَّقيب كالقذى
قلت: إذا غاب ارضنييا قاتلي, قال: إذا
وقال يصف أترجة كانت بين يدي القاضي الفاضل:
لله بل للحسن أترجَّةٌتذِّكر النَّاس بأمر النَّعيم
كأنَّها قد جمعت نفسهامن هيبة الفاضل عبد الرَّحيم
وقال من قصيدة:
لا تلم في اصفراره لاحمرارهجلُّ نار القلوب من جلَّناره
وهو خدٌّ يكاد يقتصُّ منهكلُّ طرف لولا أعتذار عذاره
/ أ/ مارئي منكرًا مدام رضابٍمذ روى طرفه حديث خماره
ليس فيه من راحه لمريدٍقبله تطفئ اضطرام اضطراره
غير أنَّ الحياء فيه مضاهٍللحيا في انهماله وانهماره
أوجدا الفاضل الَّذي أوجد الجود فمن كفِّه انفجار بحاره
وقال يصف الخليج يوم فتحه بالقاهرة:
خليجٌ كالحسام له صقالولكن فيه للرائي مسرَّه
رأيت بها الملاح تجيد عومًاكأنَّهم نجومٌ في المجرَّه
وقال في قصيدة عملها السديد أبو القاسم الكاتب "لامية مقيّدة":
تبكي قوافي الشِّعر لاميَّةبيَّضتها من حيث سوَّدتها
لمَّا علا وسواس ألفاظهاظننتها جنَّت فقيَّدتها
وقال أيضًا:
أحبابنا والَّذي يقضي بألفتنايوم الفراق ويخلينا من الفرق
ومازلت أخبط في عشواء مظلمةمن بعدكم وأبيع النَّوم بالأرق
/ ب/ حتَّى ثويت بنار الشَّوق في حرقًوصرت أشرق من دمعي على الشَّرق
فمتِّعوني ولو ليلًا بطيفكمما دمت أقدر من روحي على رمقي
وقال في غلام خيّاط:
وخيَّاطٍ نظرت إليه مفتونًا بنظراته
أسيل الخدِّ أحمرهبقلبي ما بوجنته
وقد أمسيت ذا سقمٍكأنِّي خيط إبرته
واحسد منه ذاك الخيط فاذبرى ريقته
وقال أيضًا:
يأ بدر تمٍّ هيَّجتشوقي لرؤيته المنازل
وغدت أدلَّته علىما قلت فيه من الدَّلائل
ظنَّ الشَّمول بريقهتخفى فاسكر بالشَّمائل
رشا تفقَّه في الخلاف فصار يلقيه مسائل
لا تقبلنَّ من الوشاةوتقبلن على العواذل
فالعين قد جنَّت ببعدك والدُّموع لها سلاسل
وأنشدني القاضي السعيد أبو محمد الحسن أ/ ابن إبراهيم بن الخشاب- أيده الله تعالى- قال: أنشدني ابن مماتي لنفسه بحضرة السلطان الملك الظاهر بحلب وقد حا [ن سقوط الثلج] فأشار عليه السلطان أن يعمل فيه شيئًا فأنشد بديهة:
قد قلت لمَّا رأيت الثَّلج منبسطًاعلى البسيطة حتَّى ضلَّ سالكها
ما بيَّض الله وجه الأرض في حلبٍإلَّا لأن غياث الدِّين سالكها
وأنشدني أيضًا، قال: أنشدني لنفسه في المعنى:
بعزِّ غياث الدِّين غازي بن يوسف بن أيُّوب دام النَّصر واتَّصل الفتح
فشبَّهته في الدَّست والثَّلج حولهفقلت سليمان بن داود والصَّرح
وله وقد خرج مع العماد أبي حامد الكاتب الأصفهاني إلى ثغري دمياط والإسكندرية، فوصلا إلى ترع وخلجان ومخاضات وغدران، فقال بديهًا:
لو أطلق الدَّمع مشتاقٌ ومدَّكرٌلمن يحبُّ لأشفينا على الغرق
/ ب/ لكنَّما هذه الخلجان قتاقهلأنَّها رشح ما يغضي من الحدق
أسعد بن عليِّ بن المبارك بن عبد الغفار بن محمدٍ، أبو القاسم الواسطيُّ، المعروف بابن رشادة الواعظ.
ولد بواسط، وبها نشأ، وتوفي فيها في جمادى الآخرة سنة ستّ عشرة وستمائة. وكان فقيهًا شافعيًا فاضلًا حافظًا للقرآن العزيز، لطيف التكلم في المواعظ؛ له فصول وعظية وشعر.
أنشدني ولده أبو المظفر عبد الله، قال: كتب إلى والدي من واسط، وأنا مقيم يومئذ بالجزيرة العمرية لنفسه من صدر كتاب، وأنشدنيها فيما بعد ذلك:
أحباب قلبي لا الطَّلاقة بعدكمعندي ولا ذاك السُّرور بباقي
جهَّمت وجهًا كان قبل فراقكمطلقًا وساءت بعدكم أخلاقي
قسَّمت قلبًا كان غير مقسَّمٍوأرقت دمعًا كان غير مراق
فغدت على الإنفاق كلّ ذخيرةولأدمعي مددٌ على الإنفاق
/ أ/ دمعًا لو أنَّ الورق تبكي شجوهًايومًا به عطلت من الأطواق
صبرًا على نوب الزَّمان فرُّبماسمح الزَّمان برجعةٍ وتلاقي
أسعد بن أحمد بن موسى بن منصور بن عليِّ بن نصرٍ، أبو المحاسن الإربليُّ الخزندار.
كانت ولادته بإربل، وبها توفي في ليلة الخميس سابع المحرّم سنة ثلاث وعشرين وستمائة، وقد جاوز أربعًا وثمانين سنة.
وكان يتولّى خزانة السلاح بإربل من قبل سلطانها الملك المعظّم مظفر الدين كوكبوري بن علي بن بكتكين- ﵁.
وكان شيخًا فكهًا ظريفًا يستظرف أشعاره ويستعذبها من يسمعها.
أنشدني أبو محمد الحسن بن أفشين بن حسنون الإربلي، قال: أنشدني أبو المحاسن لنفسه من قصيدة ويعرض فيها بنواب مطبخ الملك المعظم مظفر الدين-﵁:
والعدل عثمان المعنَّى لم يزلفي المطبخ المعمور خلف المنزل
عيناه إن رمدت تشمُّ دخانهتشتمُّ رائحة الطَّبيخ فتنجلي
/ ب/ ينقضُّ كالشَّاهين إن لاحت لهزبديَّة السِّكباج حتَّى يمتلي
ويقول: لا شلَّت يدا طبَّاخهاهذا النَّعيم فلا عدمنا جوسلي
وأنشدني: قال: أنشدني أبو المحاسن:
إذا كان شعر المرء في أمِّ رأسهقليلًا وباقي الرَّأس من شعره قفر
فذاك دليلٌ أنَّه ليس عندهمن الخير شيءٌ بل بساحته شرُّ
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه يهجو المنتجب إبراهيم بن أبي نصر. وكان هذا رجلًا من المعدلين بإربل، ويلقب مشكي:
رأيت ثورًا على جوادٍووجهه المكفهرُّ يبكي
فقلت: من ذا، فقيل: هذامنتجب الدِّين، قلت: مشكي
وله وأنشدني ولده أبو المجد، قال: أنشدني والدي لنفسه:
إذالم يغن عنِّي ... معالجة الطَّبيب ولا الدَّواء
ولا يغني سوى التَّقوى وحبِّيبقومٍ شمل ضمِّهم العباء
وأنشدني أيضًا ولده المذكور، قال: أ/ كتب إليّ والدي لنفسه وأنا بالموصل:
فدتك حياتي والحياة عزيزةٌلأنَّك أحلى من حياتي وأعذب
فلا كان يومٌ لا أرى فيه شخصكمفبعدكم عنِّي من الموت أصعب
قال فأجبته بهذين البيتين:
إذا ذكرتك كاد الشَّوق يقتلنيوأرَّقتني صباباتٌ وأوجاع
فإن نطقت فكلِّي فيك ألسنةٌوإن سكتُّ فكلِّي فيك أسماع
ومما نسب إليه أيضًا من الشعر:
كتبت بأقلام اشتياقي إليكمسطور دموعي كزمًا مدادها
وهاجر قلبي بعدكم كلَّ لذَّةكما هجرت عيني لذيذ رقادها
وجانب جنبي مضجعي فكأنَّماوسادي محشوٌّ بشوك قتادها
أسعد بن سعد بن زين العابدين الجرباذقانيُّ، أبو سعدٍ.
كان ذا علم بالعربية والآداب؛ فاضلًا شاعرًا مشهور الذكر ببلده.
أنشدني محمد بن أحمد الجرباذقاني الفقيه، قال: أنشدني أسعد لنفسه:
/ ب/ حنانيك يا صدر..... نحو لقياك جأشه
فأنحى عليه إذ أثيرت ضبابةٌفمن يحترشه اليوم جلَّ احتراشه
أسعد بن عبد الرحمن بن الخضر بن هبة الله بن عبد الواحد بن حبيشٍ، أبو التمام التنوخيُّ.
أصله من حماة.
وكانت ولادته بدمشق في سنة ثمان وخمسين وخمسمائة في شوال. وكانت وفاته رابع صفر سنة خمس وثلاثين وستمائة بالمَّزة من نواحي دمشق.
وكان أحد الشهود المعدلين بدمشق، واستوطنها إلى أن توفي بها. وكان يكتب الشروط على باب جامعها، وإمامًا بمسجد واثلة بن الأسقع باب الصغير. وسمع الحديث من أبي الفضل الحدوي، وحدّث عنه وعن غيره.
وكان ينظم شعرًا حسنًا رائقًا؛ ولي منه إجازة بجميع رواياته ومقولاته من النظم والنثر؛ وله أدب وفضل.
ومن شعره:
خلِّ لومي يا لائمي في البكاءكلُّ داءٍ رأيته دون دائي
/ أ/ نح معي ساعةً مع الرَّبع إنَّ الرَّبع أقوى من سادتي الكرماء
هول يوم الفراق فرَّق قلبيفرقًا من شماتة الأعداء
لهذ نفسي على الَّذين تولُّواإذ تولَّوا بفطنتي وذكائي
فغرامي من بعدهم لي غريمٌليس ينفكُّ والسَّقام ردائي
خيَّموا يوم بينهم في فؤاديوأقاموا في منزل البعداء
ليس آسي على الحياة لأنِّيبعدهم في مراتب الشُّهداء
ومما أنشدني لنفسه:
فعل الفتى يخبر عن أصلهفاختبر الإنسأن من فعله
ولا تعاتبه على زلَّةٍواحمله إن شئت على جهله
واصبر إذا الخلُّ جفا لا تقل:كم يصبر الخلُّ على خلِّه
وأدرج الأيَّام حتى إذاما سأل الدَّهر به خلِّه
إن لم تكن أصلًا بليغ الأذىعنك وإلَّا كنت من أهله
وأنشدني الأمير أبو حفص عمر بن أسعد بن عمار، قال: حدّثني أبو التمام بدمشق في شهر رمضان سنة ثمان وعشرين وستمائة ب/ قال: جاءني من سألني أن أعمل له على وزن قول الشاعر:
إن يكن حبلك من حبلي وهىفإلى شوقي إليك المنتهى
قال: فقلت بديهًا:
وإلى رؤياك طرفي طامحٌوإلى غيرك يومًا ماسها
كم أسلِّي النَّفس يا متلفهاوهي لا تزداد إلَّا ولها
ولزوم الصَّبر يا منيتهاوغرامي بك للصَّبر
قال لي العاذل: ماذا تشتهيقلت: هل غير حبيبي يشتهي
يخجل البدر إذا عاينهوتغار الشَّمس .....
إنتهى وجدي به عن صدِّهوتناهى بي وعنه ما انتهى
وأخبرني أيضًا، قال: أتاني من سألني وأنا بالجامع أن أضع على وزن بيتي عمر بن الشحنة وهما:
نعم عند الكثيب الفرد والبان وواديه
غزال ثمل اللَّحظ من الشَّوق بناديه
قال: فقلت بديهة:
/ أ/ وأبكيه إلى أن ضحك الرُّوض بواديه
غزالٌ عزَّ لقيأهومن لي بتلافيه
ووجهٌ سجد البدر له سبحان باديه
أراني الورد من خدَّيهوالصَّهباء من فيه
فلو عاينه العاذل ما عنَّفني فيه
تعالى الله ما أحلىتلافي في تلافيه
وأنشدني أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن حمدان العروضي الموصلي، قال: أنشدني أبو التمام لنفسه ما خلا البيت الأول:
إن قدَّر الله بالتَّلاقيوكفَّ عنَّا يد الفراق
وعاد عود الوصال غضًّابعودة الأهل والرِّفاق
شكوت ما في الفؤاد منكملتعلموا بعض ما ألاقي
فما لذا البعاد شافٍولا للسع الغرام راقي
يا سادةً حين فارقونيطلَّقت أنسي كلَّ الطَّلاق
صبري من بعدكم تولَّىعنِّي وجيش الغرام باقي
/ ب/ فالجسم في جلَّق مقيمٌوالقلب في حيِّز العراق
وإن تصبَّرت قال وجديصبرك هذا من النِّفاق
يا لهف نفسي على زمانبهم تولَّى عذب المذاق
أمرض بعد المزار عنكمقلبي وأضناني اشتياقي
وصرت في أمركم رهينًافخلِّصوني من الوثاق
وعلِّلوني منكم بقربٍقد بلغت روحي التَّراقي
وقال أيضًا:
أترى الأحبَّة عاقهم مرضأم هل لهم في غيرنا غرض
وعدوا الزِّيارة مغرمًا بهملكن حديث الزُّور ينتقض
إن أعرضوا فهم أحبَّتناأو أعرضوا ما منهم عوض
هب أنَّهم غدروا بلا سببٍمن ذا على الأحباب يعترض
يا لائمي في حبِّهم سفهًاهم جوهرٌ وسواهم عرض
قد خانني الصَّبر الجميل فهلمن مقرضي صبرًا فأقترض
أسعد بن نصرٍ، أبو غانمٍ الأبزريُّ.
/ أ/ كان من بلد بفارس يعرف بأبزر.
وكان فقيهًا جدلًا مناظرًا أصوليًا، درس علم الخلاف وأتقن طرفًا من الحكمة، ونظر في فن الأدب، وإنشاء الرسائل، وصنّف التصانيف مع قوله للشعر.
وكان يميل إلى الأدباء والفقهاء، ويحبّ المناظرة؛ فلما رآه صاحب فارس ماهرًا في العلوم، متبحرًا في فنونها عرض عليه وزارته، فأبى عنها. وكان يعمل عمل الوزارة إلَّا أنه لم يكن يليها. وكان إليه الأمر والنهي والحكم ببلاد فارس أجمع. وكان يلقب عميد الملك. وبقي إلى سنة إثنتين وعشرين وستمائة ثم قتله صاحب فارس.
ومن شعره يقول:
من للمحبِّ براجل أو فارسينبئه حالًا عن أحبَّة فارس
ينبيه عن غزلانها رأد الضُّحىيصر عن لحظًا كلَّ ليثٍ فارس
مفتون نيرنجات أسود ساحرٍوقتيل نارنجات غصن فارسي
ومباسم لو ذاقها دنف الهوىحسد الزمان على نعيمٍ يابس
وقال أيضًا:
/ ب/ بنفسي فؤادٌ يزدهيه غرامولا سيَّما إن حلَّ منه مرام
مرامي مرامي والسِّماكان دونهاإذا حلَّ شكلي خطوه فتمام
فخطوي لقومٍ آخرين مراحلٌوساعي أيَّامٌ ويومي عام
وما أدَّعي في الفضل فهو مسلَّمٌوما يدَّعي غيري ففيه كلام
ألام على حبِّ الكمال وحبَّذاملامٌ على حبِّ الكمال يلام
أسعد بن يحيى بن موسى بن منصور بن عبد العزيز بن رجب بن هبّان بن سوار بن عبد الله بن ربيع بن ربيعة بن رفيع بن أهبان بن ثعلبة بن يربوع بن سماك بن عوف بن امرئ القيس بن بهثة بن سليم بن منصور بن عكرمة بن قيس بن عيلان بن مضر بن نزار بن معدِّ بن عدنان، أبو المعالي السُّلميُّ السِّنجاريُّ:
القاضي الفقيه الشافعيُّ.
تفقه ببغداد على أبي القاسم بن فضلان، والمجير أبي القاسم البغداديين، وبالموصل على القاضي تاج الإسلام أبي عبد الله الحسين بن نصر بن خميس الجهني؛ ثم على الشيخ أ/ القاضي أبي سعد بن أبي عصرون بالشام، والقاضي أبي الرضا سعيد بن عبد الله بن القاسم الشهرزوري الموصلي.
وتميّز في الفقه، وتكلم في المسائل الخلافية، وسمع الحديث على القاضي أبي الفرج عبد القاهر بن نصر بن أسد بن غياث بن عبسون؛ إلَّا أنه غلب عليه قول الشعر، واشتهر به.
وولي القضاء بدنيسر سنين وبغيرها من البلاد. وكان شاعرًا من الشعراء المكثرين الفضلاء المتأدبين؛ طاف بلاد الشام، وامتدح ملوكها، وانتجع سلاطينها. وممن سار شعره واشتهر بين الناس أمره، وغنى به المغنون، ولطف موقعه في القلوب، وتداوله الناس بينهم.
وكان- مع ذلك- فقيهًا شافعي المذهب شيخًا مفاكهًا ظريفًا متنادرًا. وبلغ من العمر تسعين سنة، بل نيّف عليه.
واستوزره صاحب حماة وميّزه على نظرائه. وكان ينفذه إلى البلاد رسولًا.
أدركت أواخر أيامه ولم أرزق لقاءه، وروى لي عنه جماعة؛ وخبرت أنه توفي بسنجار في أوائل المحرم سنة أربع وعشرين وستمائة. وكان مولده في حادي عشر جمادي الأولى ب/ من سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة.
[ساق ذكره الصاحب شرف الدين أبو البركات المستوفي في تاريخه ..... قال: الفقيه الفاضل الشاعر ذو الألفاظ المتناسقة، والمعاني الرائقة، المفرغة في قوالب الإحسان صورها، المتلون بكل لسان آياتها وسورها، له أخلاق للصبا لطفها، ومحاسن لعطارد ظرفها. قال: وقرأ عليه أخي أبو المعز المظفر بن أحمد المستوفي شيئًا من شعره وكتبه له بخطه، وكنت أحب أن أجتمع به وآخذ عنه شيئًا من شعره حتى أتاح الله لقاءه رسولًا من حماة من الملك المنصور، وكان له عنده منزلة، فأنشدني من
أشعاره قطعًا عدّة رويتها عنه. ثم قدم في صفر سنة أربع وستمائة .....].
حدّثني الصاحب شرف الدين أبو البركات المستوفي- ﵀ قال: قدم علينا أبو المعالي أسعد بن يحيى السنجاري إربل غير مرّة، وقدم أخرى في صفر سنة أربع وستمائة، وقد ساءت حاله، وكان ورد قبلها من حماة وهو حسن الحال كثير التجمل.
ثم قال: وأنشدني لنفسه من قصيدة أوّلها:
وهواك ما خطر السُّلوُّ ببالهولأنت أعلم في الغرام بحاله
ومتى وشى واشٍ إليك بأنَّهسالٍ هواك فذاك من عذَّاله
أو ليس للكلف المعنَّى شاهدٌمن حاله يغنيك عن تسآله؟
جدَّدت ثوب سقامه وهتكت سرَّ غرامه وصرمت حبل وصاله
أفزلَّةٌ سبقت له أم خلَّةٌمألوفة من تيهه ودلاله
يا للعجائب من أسير دأبهيفدي الطَّليق بنفسه وبماله
بأبي وأمِّي نابلٌ بلحاظهلا يتَّقي بالدِّرع حدَّ نباله
ريَّان من ماء الشَّبيبة والصِّباشرقت معاطفه بطيب زلاله
كتب العذار على صحيفة خدِّهنونًا وأعجمها بنقطة خاله
تسري النَّواظر في مراكب حسنهفتكاد تغرق في بحار جماله
/ أ/ فكفاه عين كماله في نفسهوكفى كمال الدِّين عين كماله
وأنشدني الأمير ركن الدين أبو الثناء أحمد بن قرطايا المظفري الإربليّ، قال: أنشدني أبو المعالي أسعد بن يحيى السنجاريّ لنفسه، وعمل هذه الأبيات لمن سأله إياها بالموصل في غلام مليح الصورة اسمه سنجر بباب سلّة مصعب سنة ستّ وستين وخمسمائة:
لام العواذل في هواك فأكثرواهيهات ميعاد السُّلوِّ المحشر
جهلوا مكانك في القلوب فطوَّلوالو أنَّهم وجدوا لوجدي قصَّروا
صبرًا على عذب الهوى وعذابهفأخو الهوى أبدًا يلام ويعذر
لولا التَّفاوت في المحبَّة لم تبتتلتذُّ طيب كرى الجفون وأسهر
بأبي الَّذي حجبت محاسن وجههأشياء فيها ناظري متحيِّر
يا للعجاب بباب سلَّة مصعبظبيٌ ومن أسراه ليثٌ مخدر
متناسب الأوصاف خدٌّ أحمرٌضرجٌ بحمرته وشعرٌ أشقر
يبدو بقدٍّ كالقضيب أمالهسكر الصِّبا لله ذاك المنظر!
ويميس كالغصن الرَّطيب يكاد منأعطافه ماء الشَّبيبة يقطر
/ ب/ يا راشقًا غرض القلوب بلحظهرفقًا فقتل النَّفس أمرٌ منكر
ما إن عطفت برمح قدِّك طاعنًاإلّا وأنت بمن أردت مظفَّر
أصبحت سلطان القلوب ملاحةًوجمال وجهك في البريَّة عسكر
طلعت طلائع عارضيك مغيرةًبالنَّصر يقدمها لواءٌ أخضر
وتسرَّبت سرب القلوب وأقبلتتبغي الأمان ومثل جيشك ينصر
فلأنت أعلى رتبةً من سنجرٍأبدًا يدين لك الورى يا سنجر
وأنشدني أيضًا، قال: أنشدني لنفسه من قصيدة أولها:
عذاب قلبي فيكم يعذبوالموت في حبِّكم طيِّب
كدَّرتم صفو حياتي وقدلذَّ لقلبي ذلك المشرب
أحبابنا ما كان ظنِّي بكمهذا ولا كنت له أحسب
ما لي منكم سادتي مهربٌإلَّا إليكم المهرب
ولا لقلبي عنكم مذهبكيف وعشقي مذهبٌ مذهب
لا نلت آمالي من وصلكمإن كنت في غيركم أرغب
سلبتم عيني لذيذ الكرىوكلُّ من يهواكم يسلب
/ أ/ كأنَّما قد ذبح النّوم فيعيني فأجفاني دمًا تسكب
يا بدر تمٍّ برجه خاطريمشرقه ليس له مغرب
ما الخمر إلَّا ريقك المشتهىوالدُّرُّ إلَّا ثغرك الأشنب
يسكرني حين أرى شخصهكأنَّني في ناظري أشرب
وتلعب الرِّيح بأصداغهوصولجان الصُّدغ بي يلعب
قلت لمن يلعب في سلوتيبعذله أنت إذًا أشعب
قال: تبدَّى الشَّعر في خدِّهقلت له هذا الَّذي أطلب
لا تحسبوه شعرًا إنَّماذا قلتم الحسن به يكتب
هبَّت نسيمات الصَّبا سحرةًففاح منها العنبر الأشهب
فقلت إذ مرَّت بوادي الغضامن أين هذا النَّفس الطَّيِّب
هل خطر الظَّاهر يومًا بهعطَّره من نشره الموكب
أم ذاك من طيب ثنا نشرهطيب الثَّنا من طيبه أطيب
وأنشدني أيضًا الأمير أبو الثناء أحمد والشيخ أبو المجد إسماعيل بن هبة الله بن باطيش الموصلي الفقيه الشافعي- أيدهما الله تعالى- ب/ قالا: أنشدنا أبو المعالي لنفسه:
من منصفي من ملول لجَّ في الغضبيظلُّ يلعب والأشواق تلعب بي
تناسب الحسن فيه غير مكتسبٍوالحسن ما كان طبعًا غير مكتسب
مستعربٌ من بني الأتراك ما تركتأيَّام جفوته في العيش من أرب
مناني من لذَّة الدُّنيا بأجمعهاتقبيل دُّرِّيِّ ذاك المبسم الشَّنب
فديته من حبيبٍ قال مبتسمًادعني من الهزل ما أجني من اللَّعب
لله ليلتنا والشمس دائرةٌعلى النَّدامى ووجه البدر لم يغب
طافت لحيني كفُّ الأعجميِّ بهافكدت أسلب من عقلي ومن أدبي
بكرٌ إذا قرعت بالماء ولَّدهابكر السُّرور فيا فخر ابنة العنب
كادت تطير وقد طرنا بها طربًالولا الشِّباك التي صيغت من الجبب
تخالها بيد السَّاقي وقد مزجتمنثور درٍّ طفا في مائع الذَّهب
أدارها فتغشَّته أشعَّتهافخلته غاص في بحرٍ من اللَّهب
فقلت: يا قوم هذي النَّار تحملهاكفٌّ من الماء هذا غاية العجب
وأنشدني أبو عبد الله محمد بن محمد بن الحسين الرازي، قال: أنشدني أسعد بن يحيى لنفسه:
/ أ/ أعلمت ما صنع الغرام بقلبهأودى به لمَّا ألبَّ بلبِّه
بأبي الَّذي لا يستطيع لعجبهردَّ السَّلام فإن سلكت فعج به
لبَّاه لمَّا أن دعأه وهكذامن يدعه داعي الغرام يلبِّه
متتائهٌ بالحسن مغرورٌ بهلا يرعوي عند العتاب لعتبه
إن كنت تنكر ما جناه بلحظهمن سلبه يؤم الغوير فسل به
أو شئت أن تلقى غزالًا أعفرًافي سربه أسد العرين فسر به
ظبيٌ من الأتراك ما تركت ظباألحاظه من سلوة لمحبِّه
يا ما أميلحه وأعذب ريقهوأعزهَّ وأذلَّني في حبِّه
[الشَّمس تبدو من أسرَّة وجههوالغصن يخجل من مهفهف رطبه
كم من خمار دون خمرة ريقهوعذاب قلبٍ دون رشفة عذبه
يا للرجال أظلُّ أطلب قربهعجبا وأصل بليَّتي من قربه]
حدثني القاضي الإمام أبو القاسم عمر بن أحمد بن أبي جرادة الحلبي الحنفي- أدام الله أيامه- بمحروسة حلب بمنزله المعمور في العشر الأول من ربيع الآخر سنة اربع وثلاثين وستمائة- من لفظه- قال: حدّثني أبو المعالي أسعد بن يحيى بن موسى السنجاري الشاعر، قال: كان صاحب آمد يهوى قينة، فقال لها يومًا وهو سكران، فعلقت يدها في طوقه وقالت متمثلة:
/ ب/ (لتقرعنَّ عليَّ السِّنَّ من ندمٍإذا تذكَّرت يومًا بعض أخلاقي
فوقع ذلك في قلبه، فدخلت عليه فأخبرني بالقصة، فقلت: ارتجالًا وضمّن البيت:
أدر كؤوسك عنِّي أيُّها السَّاقيوأرفق عليَّ فهذا وقت إرفاقي
أما ترى سورة الصَّهباء قد سلبتعقلي وقد أسكرتني خمر أشواقي
نار الغرام وماء الدَّمع قد جمعافاعجب له بين إعراقٍ وإغراق
لم يبق منِّي هوى ليلى سوى رمقٍوفي الزُّجاجة باق يطلب الباقي
قالت وقد قلت في سكر أمازحها:سلوت عنك فمدَّتني بإطراق
لتقرعنَّ عليَّ السِّن من ندمٍإذا تذكارت يومًا بعض أخلاقي
وعدت معتذرًا ممَّا جنيت وقدقامت وقد قامت الدُّنيا على ساق
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه:
كلَّ يومٍ يلوح لي منك معنىوأنا العاشق الكئيب المعنَّى
وسقامي يزيد في كلِّ وقتٍأنا أفني وحبُّكم ليس يفنى
يا غزالًا ما بين نجد وسلعٍلك بين الضُّلوع ربعٌ ومغنى
كنت لا تستطيع عنَّا اصطبارًاليت شعري بمن تشاغلت عنَّا
/ أ/ ما رأينا من قبل قدِّك إن تأ..... الورد باللَّواحظ يجنى
غنّى لي سائحًا على مهره يومًا فناديته فعن فعنّا
ورماني عن قوس حاجبه سهمًا فناديته بوسنان وسنا
فتأمَّلته وقلت لصحبيما عليه لو أمَّ في اللَّيل وهنا
ثمَّ قالوا بأسرهم وهو معنىأنَّ هذا في حسنه ألف معنى
قد أصبنا به فقلت لهم: تالله بل كلُّنا به قد أصبنا
لي حبيبٌ كالبدر وجهًاوكالغصن قوامًا إذا بدا وتثنَّى
ومتى ما شكوت ما بي إليهمن جوى حبِّه جنى وتجنَّى
لهف نفسي على زمانٍ تقضَّىبأهيل الأثيل كانوا وكنَّا
فرَّق الدَّهر شملنا فافترقناواشتفى الحاسدون منهم ومنَّا
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه يمدح الأمير مجاهد الدين قايماز- ﵁:
يا عاذلي في الحبِّ كن عاذريأما لهذا العذل من آخر
عمرك لولا شقوتي لم أقل:ويلاه من ظبي بني عامر
مغفلٌ عمَّا ألاقي بهوراقدٌ عن سهر السَّاهر
/ ب/ ما كنت لولا سحر أجفانهأصدِّق القول على السَّاحر
نشوان من خمر الصِّبا قدُّهأهيف مثل الغصن النَّاضر
تجول قرطاه على سالفٍمثل صقال المرهف الباتر
يا قلب تبًّا لك من صاحبٍكلُّ البلا منك ومن ناظري
لله أيامي على لعلعٍوطيب أوقاتي على حاجر
يكاد للسرعة في مرِّهاأوَّلها يعتزُّ بالآخر
أحبابنا عودوا فقد عادنيعيد الضَّنا من زجره الزَّاجر
أهكذا كلُّ الورى غادرٌواحربا من صحبة الغادر
والله ما كان انقطاعي قلىولا جرى يومًا على خاطري
وإنَّما الأقدار تأتي بمالا أشتهي والحكم للقادر
كسرتم قلبي بهجرانكموجابري بحر النَّدى الزَّاخر
مجاهد الدِّين ومن لم يزلمذ كان للوارد والصَّادر
وله:
سائل برامة أهل الحيِّ مذ بانواوأين هم بعد ذاك الجزع سكان
وإن عطفت على وادي الأراك فقلبان الغضا فعسى أن يعطف البان
/ أ/ كم قد بكيت فما حنُّوا ولا عطفواوكم شكوت فما رقُّوا ولا لانوا
كيف استقلَّ ركاب الرّكب يوم غدواوهل على العهد من ..... أم خانوا
وقل لأهل الكثيب الفرد عادلناوللشُّؤون وقد حمَّ النَّوى شأن
وله:
وخلٍّ لامني لمَّا رآنيأسوِّد لون شيبي بالخضاب
فقلت له جهلت مكان قصديوذا حزنٌ على فقد الشَّباب
وأنشدني الخطيب أبو النجاء سالم بن عمر بن سالم الموصلي، قال: أنشدني أسعد بن يحيى لنفسه:
ومن العجائب أنِّني في لجِّ بحر الجود راكب
وأموت من ظمأٍ ولكن عادة البحر العجائب
وحدّثني الصاحب أبو البركات المستوفي- ﵀ قال: حدّثني أبو
المظفر بن سنينيرة الشاعر الواسطي، قال: كنت أنا وأبو المعلى أبعد بن يحيى السنجاري سائرين في طريق سنجار، وكان معه مملوك حسن الصورة بديع في جماله، ب/ فتقدمنا فناداه فلم يجبه، فأنشد بديهة:
بنفسي حبيبٌ جار وهو مجاورٌبعيدٌ عن المشتاق وهو قريب
يجيب صدى الوادي إذا ما دعوتهعلى أنَّه صخرٌ وليس يجيب
وقال يمدح الملك الناصر صلاح الدين- ﵁:
ما أومض البارق من نجدإلَّا واذكى لوعة الوجد
ولا جرت ريح نسيم الصَّباإلَّا جرى دمعي عى خدِّي
اشتاق أنفاس نسيم الصَّباإذ تتهادى عذب الرَّند
وأشتكي البين إلى بانةٍوقلَّما أجدى ولا يجدي
يا لأصيحابي على لعلعٍهل عندكم للبين ما عندي
قالوا أتشتاق ليالي الحمىقلت: لقرب العهد بالعهد
ليس الحمى إلَّا بأهل الحمىطيب زمان الورد بالورد
يا واحدًا شام بريقًا علىالشَّام غدا يحدو على الوخد
حيِّ أثيلات بوادي النَّقاوقف بأعلى العلم الفرد
وقل له حيِّيت من هاجرٍيحبُّه قلبي على الصَّدَّ
/ أ/ يمزج لي صابًا بشهد وماأحبُّ مزج الصَّاب بالشَّهد
بسهمه أثبت قلبي وماأثَّر خرق السَّهم في جلدي
أبعدني عنه زماني وماأعلم ما أحدثه بعدي
فعدِّ عن نجد وسكَّانهاإلى نمير البارد العدِّ
وذِّكر النَّاقة سعدانهاوقل لها: يا نأقتي جدِّي
قال: لقد بالغت في زجرهاقالت: لقد جزت عن الحدِّ
أمطلع الشَّمس بنا تبتغيفقلت: لا بل مطلع الحمد
الملك النَّاصر من وجههكالقمر الزَّاهر للرِّفد
سلطان أرض الله من مالهمقسَّم للحرِّ والعبد
يا ملك الدُّنيا ويا أوحد الوجود يا واسطة العقد
عدلت في العالم حتَّى لقدرعيت سرح الشَّاء بالأسد
سر واملك الأرض فإنَّ السُّرىتبلغ فيه منتهى القصد
فالشَّمس لولا سيرها دائمًاما طلعت في شرف السَّعد
يا من إذا أوعد يومًا عفاومن نداه سابق الوعد
لا ترض دون السّدِّ قصدًا فمامثلك من يرضى سوى السّدِّ
/ ب/ أسعد بن إبراهيم بن الحسن بن عليٍّ، أبو المجد النَّشّابيُّ، الكاتب الإربليُّ.
كان مولده بمدينة إربل في صفر اثنتين وثمانين وخمسمائة. وكانت صنعته في ابتداء عمره عمل النشاب فلذلك لا يعرف إلَّا بها.
فارق إربل وخرج إلى البلاد الشامية، وغاب عنها مدَّة، ثم عاد إلى إربل فقلّده الملك المعظّم مظفر الدين كوكبوري بن علي بن بكتكين- ﵁ كتابة الإنشاء بديوانه، وصار الراتق والفاتق عنده ذا أمرٍ ونهي كبير المنزلة بسيط الجاه، نافذ القول. ولم يزل كذلك في أمره ونفسه حتى قبض عليه الملك المعظم مظفر الدين في شهر رمضان سنة تسع وعشرين وستمائة وسجنه بقلعة كرخين لشيء أبلغ عنه؛ فلما أخذت إربل العساكر المستنصرية أفرج عنه، وذلك سنة ثلاثين وستمائة.
رحل إلى مدينة السلام فتولى بها عملًا جليلًا وكان شاعرًا بذيء اللسان مقدامًا أ/ على الهجو والسب، ذا أهاج سخيفة، وذم فاحش، كثير التعرض بأرباب الدولة وأصحاب المناصب؛ قلّ أن سلم احد من رؤساء إربل وأماثلها من لسانه؛ لأنه
سلك طريقة أبي الحسن علي بن بسّام في هجاء الأشراف والأكابر وتمزيق أعراضهم. وأشعاره لاذعة في الهجاء، ونثره دون شعره، واتصلت مدائحه بالديوان العالي المستنصري- مجده الله تعالى- فصارت له كل عام وظيفة تدرّ عليه، ورسم لا ينقطع.
لقيت أبا المجد النشابي بإربل سنة خمس وعشرين وستمائة، فأنشدني كثيرًا من أشعاره؛ ومما أنشدني لنفسه يمدح مولانا وسيدنا الإمام المستنصر بالله أمير المؤمنين أبا جعفر المنصور- أدام الله أيامه- ويشير إلى ذكر الخلفاء الراشدين- صلوات الله عليهم- من عهد السفاح إلى الدولة المستنصرية- ثبتها الله وأيدها:
الجدُّ يرتع في المقام الأفخروالعزُّ يربع في الجنا الأخضر
والدَّهر من بعد القطوب بدا لنايزهو كوجه الضَّاحك المستبشر
وتجلَّت الدُّنيا على أبنائهاتدعو بحيَّ على الفلاح الأكبر
/ ب/ وغدا بها الإسلام يحمل رايةًسوداء راية منذر ومبشِّر
والدِّين لاح له دليل النَّصر منسيف الإمام القائم المستنصر
أعلى الأئمَّة من سلالة هاشمٍقدرًا وأشرف محتدًا من عنصر
ورث الخلافة طاهرًا عن طاهرٍإرثًا تنزَّه عن مقالة مفتري
ولحقِّه إرث اللِّواء وبردهوحسامه وقضيبه والمنبر
فإذا أردنا ذكر بعض صفاتهيومًا قرأنا سورة المدَّثر
وإذا رأى الرَّاؤون نور جلالهلم يلق غير مهلِّل ومكبِّر
أعطى إلى أن قالت الدُّنيا قدٍوحبا إلى أن قال سائله: اقصر
فنداه في الدُّنيا بأرزاق الورىجمعًا وفي الأخرى بنهر الكوثر
جمعت مكارمه الشّراف جميع أوصاف الخلائف مفخرًا عن مفخر
فبكلِّ وصف منه نعت خليفةٍكالفعل شقَّ بيانه عن مصدر
فنواله السَّفَّاح والمنصور فالمنصور سيِّدنا الإمام الأنور
مهديُّ هذا العصر والهادي إلى الأمر الرَّشيد بنور هديٍ مبصر
وأمين أمَّة أحمد وإمامهاحقًّا ومأمونٌ لها في المحشر
طوبى لمعتصم به من واثقمن فضله بأواصرٍ لم تخفر
/ أ/ كم مدقعٍ أضحى على إنعامهمتوكِّلًا أمسى بمالٍ مكثر
لم يرض منتصرٌ ببعض عبيدهإن شبَّهوه بتبَّع في حمير
ما بات غير المستعين بعزَّةفي جنَّة من جوده أوعبقري
لو شاء معتزٌّ به أن يملك الدُّنيا رآها خاتمًا في خنصر
نصب السِّراط المستقيم لمهتدٍوأفاض نائله العميم لمعسر
ولكلِّ معتمدٍ ندًى لم يقترولكلِّ معتضد يدٌ لم تقهر
والمكتفي بعزيمة من بأسهيطأ البلاد بكلِّ ليث مخدر
مازال مقتدر المرام وقاهر الأعداء بالجدِّ السعيد الأظهر
فالله راضٍ بالَّذي يرضى بهإن قال خلقٌ غير هذا يكفر
ترضاه تقوى المُتَّقي ولكل مستكف بنائله كنوز الأبحر
فاز المطيع له فطائع أمرهيومًا متى أصفى السَّريرة يؤجر
ملك البلاد فكان أقدر قادرٍولحكمة قد دان كلُّ مقدّر
ما شأنه إذ كان قائم هديهمتقدِّمًا في عصره المتأخِّر
فالمجتدى من جوده المتوفِّركالمقتدي بعلائه المستظهر
وإذا استقلَّ بقوَّةٍ مسترشدٌوجد الهداية مثل لمحة منظر
/ ب/ هو راشد للمقتفي ومساعدٌللمعتفي ومعاندٌ للمجتري
هذا الَّذي أضحى الزَّمان بعزمهمستنجدًا في الحادث المستنكر
وإذا ادلهمَّ الخطب كان مسارهللمستضيء ضياء صبح مقمر
لله سيفٌ منه ناصر دينهوبغيره دين الهدى لم ينصر
فاليوم برهان النُّبوُّة ظاهربخلافة المستنصر المستنصر
جدٌّ تقاعست النُّجوم لعزِّهلو بيع كيوانٌ لكان المشتري
أو عاين المرِّيخ حمرة بأسهجعلته هنَّته بلون أصفر
قد بان سر الله فيه وقد دناأمد المنى ظفرًا بعزم مظفَّر
ويد المعجزة أدلة نصرهفي قهر كلِّ مخالفٍ متجبِّر
قهر العداة ولا انتضى عضبًا ولافتقت له ريح الجلاد بعنبر
ومنها:
ضلَّ الخوارزمي من بلواه فيصمِّي صمام وذلة المتجبِّر
وكفى جميع الأولياء قتالهوارتاح كلُّ مطهَّمٍ ومضمَّر
سبيت حلائله وأضحى ملكههملًا ونبت مناه لم يتأزَّر
وتشرَّذمت أنصاره وتمزَّقتأعوانه في كلِّ برٍّ مقفر
/ أ/ جدٌّ له عقد الملائك رايةًبالنَّصر دائمةً دوام الأعصر
وأنشدني لنفسه يمدح الملك المنصور أبا سعيد زنكي بن أرسلان شاه بن مسعود بن مودود بن زنكي بن أقسنقر-رحمه الله تعالى-:
يا لقومي قد جئتكم مستجيرالا أرى منكم وليًّا نصيرا
أنا ما بين عاذل ورقيبٍمنهما خلت منكرًا ونكيرا
بأبي شادنٌ تبدَّى فأبدىمن محيَّاه بهجةً وسرورا
وعذارٌ في ذلك الخدِّ أبدىمنهما الحسن جنَّةً وحريرا
وثنايا كأنَّها من لجينٍقدَّروها في ثغره تقديرا
لا رعى الله يوم زمُّوا المطاياإنَّه كان شرُّه مستطيرا
أودعوا حين ودَّعوا الصَّبَّ وجدًاونأوا والقلوب تصلى سعيرا
وأسالوا الدُّموع من نرجسٍ غضٍّ على الخدِّ لؤلؤًا منثورا
فغدا الصَّبُّ يرتضي الحبَّ دينًاويرى ناظر السُّلوِّ حسيرا
وهدي قلبه السَّبيل فإمَّاصابرًا شاكرًا وإمَّا كفورا
ملكٌ أشرقت به ظلم الدَّهر فأضحى لنا سراجًا منيرا
/ ب/ صمَّ سمعي عن الملام كما صرت بمدحي زنكي سميعًا بصيرا
وأرانا نواله وسطاهفرأينا منه بشيرًا نذيرا
أنا ساعٍ داعٍ له بدوام الملك ما زال سعيه مشكورا
كم سقى سيفه شرابًا حميمًاوسقى سيبه شرابًا طهورا
سرِّح الطَّرف في ذراه ترى ثمَّ نعيمًا به وملكًا كبيرا
لم ير النَّازلون في ظلمة المعمور شمسًا يومًا ولا زمهريرا
ويبيح الطَّعام والمال كم عمَّ يتيمًا بزاده وأسيرا
قسم الدَّهر بين بأسٍ وبذلٍفدعوناه سيِّدًا وحصورا
إذ توفَّى العفاة منه أجورًايقذفون العفاة منه دحورا
وأنشدني أيضًا لنفسه ابتداء قصيدة:
سل الخدَّ عن قتل الكئيب المتيَّمليخبر عنه العندميُّ من الدَّم
وحاذر إذا حاولت رشف رضابهكميًا بكسر الجفن رام بأسهم
رنا فانتضى من جفنه كلَّ لهذمٍوماس فأزرى بالوشيج المقوَّم
عجبت وقد أضحى يقوِّم قدَّهوفي فيه ثغرٌ درُّه لم يقوَّم
يقول وقد قبَّلته ورشفتهأراك أبحت الخمر والخمر في فمي
/ أ/ فقلت: طبخت الخمر حين لثمتهبأنفاس وجدي فهو غير محرَّم
ولمَّا رأى بالتَّرك هتكي ورام أنيكتِّم منه بهجةً لم تكتَّم
تشبَّه بالأعراب عند التثامهبعارضه يا طيب لثم الملثَّم
فما زادني إلّا نحولًا ونمَّ بيإلى النًّاس عذرٌ بالعذار المنمنم
شكى خصره من ردفه فتراضيالفضلهما بند القباء المكتَّم
وردَّ جيوش العاشقين لأنَّهأتاهم بخطِّ العارض المتحكِّم
وجسَّد ذاك النَّهد والرِّدف ثوبهفهل قدري يأتي بهتك المجسِّم
وقابلت دمع العين حمرة خدِّهفقال: أرى ثغري، فقلت: أرى دمي!
تملَّك رقِّي عندما تمَّ حسنهفشعري غدا في مالك ومتمَّم
يوهِّمني حفظ الوداد وعذرهيكذِّب مأ يعتادني من توهُّم
فأضحي إلى جوريِّ خدَّيه عاذلًاوأمسي ومن ميل القدود تظلمُّني
وقد كنت جربت الهوى وعرفتهفأصبح وجداني به مثل معدم
أعلِّل نفسي بالأماني تعلَّةًوأرجم شيطاني بغيبٍ مرجَّم
وما هوَّمت عيني سرورًا بنعسةٍولكن سرورًا بالخيال المسلِّم
أحبُّ مزار الطَّيف يخلو صنيعهمن الإثم في تنغيصه والتَّندم
/ ب/ وقال- وهو محبوس بقلعة كرخين-:
يا قلب خفِّض عليك حزنًاواصبر فللصابر طيب مجني
هبك ملكت البلاد جميعًاألست تبلى ألست تفنى؟
دنيا غدت كلُّها دنايافكلَّ يوم تكون أدنى
ونحن ركب الأيَّام فيهانرحل عنها كما نزلنا
أو مثل طيف الخيال يسريفي مقلة للزَّمان وسنى
والدَّهر يومان ذا الهناءبما أتاه وذا يعنَّي
فلا المعنَّى يدوم فيماعنِّي فيه ولا المهنَّا
وكلُّ مقضٍ يكون حتمًاوليس للمرء ما تمنَّى
في قصص الأنبياء وعظٌوالف معنىً لمن تمعنى
مات نبيُّ الهدى بسمٍّكذاك صدِّيقه المكنَّى
ومات فاروقه بقتلوقتل عثمان قد علمنا
وفي عليٍّ لنا اعتبارٌوفي بنيه لو اعتبرنا
والأمويُّون من قريشٍماتوا جميعًا قتلًا
والخلفاء الَّذين جاءواأئمَّةً للهدى وأمنا
/ أ/ كم من أخٍ قاتلٍ أخاهومن أب قد أباد إبنا
كلُّ نبيٍّ إلى وصيٍّرأى بلاءً وحلَّ سجنا
وفي الزَّمان الَّذي وجدناكم قد رأينا وكم سمعنا
وكم رزئنا وكم نعيناوكم ألفنا وكم فقدنا
أين الملوك الَّذين شادواوحصَّنوا بالحصون مدنا
وجمَّعوا المال واستقلُّواخزائنًا ما تحاط وزنا
تراهم أصبحوا جميعًابين مضيق اللُّحود رهنا
لو نطقوا كلُّهم لقالوايا ليت متنا يوم ولدنا
ولا أمرنا ولا نهيناولا أكلنا ولا شربنا
وهكذا الدَّهر في بنيهكم جار ظلمًا بهم وأخنى
فكلُّ من مسَّه بلاءٌقد كان ذا قبل أن خلقنا
فاصبر على الحكم في الرَّزاياوأحسن بربِّ السَّماء ظنَّا
وتب إليه تجد كريمًايجزي على السَّيِّئات حسنا
ما دام ما كنت أمس فيهأيضًا وهذا يزول عنَّا
وأنشدني لنفسه في سعد الدين ب/ ابن عبد العزيز الدمشقي- طبيب الملك الأشرف موسى- وكان قد حجّ:
حجَّ سعيد الطَّبيب عامًاوهو من الإثم غير ناجي
ما حجَّ إلَّا يتوب ممَّاقد قتل النَّاس بالعلاج
لا يقبل الله منه حجًّالأنها حجَّة المداجي
وأنشدني لنفسه في يعقوب غلام سراج الدين الكندي، وقد رحل إلى بغداد وامتدح أمير المؤمنين الظاهر بأمر الله- ﵁:
قالوا النَّجيب الكنديُّ صار لهشعرٌ لمدح الإمام مولانا
وقد حباه منه بجائزةٍعلى هذا يا ليت لا كانا
فقلت لا تعجبوا فسيِّدنًايجزي على السَّيِّئات إحسانا
وأنشدني لنفسه في أصحاب الديوان بإربل:
قد قسمنا الدِّيوان خمسة أقسامٍ عليها لكلِّ قولٍ دليل
ربَّ حقٍّ ولا يطاع ومنسوب إلى الظُّلم قوله مقبول
ثم شخصٌ كأنَّه الحرف في النَّحو فلا فاعلٌ ولا مفعول
/ أ/ ومصرٌّ على التَّجنُّف والظُّلمبعيدٌ عن الصواب جهول
وأخو حاجةٍ يمشي أحوالًالديه إن جاءه البرطيل
أتراهم لم يعلموا أنَّ كلًامنهم عن فعاله مسؤول
وأنشدني لنفسه يحرض الوزير أبا إسحاق إبراهيم بن علي بن أبي حرب ابن الوالي الموصلي، وهو يومئذ يتقلّد وزارة الملك المعظم مظفر الدين كوكبوري صاحب إربل- ﵁ حين عمل الحساب وحبس جماعة من الديوان:
جماعة الدِّيوان في ليلةٍ سخطٍ مظلمه
وقد غدت أيدي الوزير منهم منتقمه
لا رحم الله الَّذييرحم قومًا ظلمه
وأنشدني أيضًا من شعره فيهم:
جماعة ديواننا أصبحواوهم في العذاب لسوء الحساب
فإن كان يرجو الوزير الثَّوابفقتلهم من جزيل الثَّواب
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (٢٠٠٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع