تجاوز إلى المحتوى

من «قلائد الجمان في فرائد شعراء هذا الزمان» لابن الشعار الموصلي (ت ٦٥٤هـ)

حرف الشين

شعيب بن أبي طاهر بن كليب بن مقبل، الضَّرير، أبو الغيث البصريُّ:

دخل بغداد وأقام بها إلى أن توفي في يوم الجمعة مستهل المحرم سنة ثمان وستمائة.

تفقه على أبي طالب صاحب ابن الخل، وقرأ كتاب الخلاصة في الفقه لأبي حامد الغزالي على الشيخ أبي جعفر بن البوقي، وأخذ على العربية عن أبي البركات عبد الرحمن بن محمد الأنباري النحوي، وأبي محمد بن عبيدة المقرئ البغدادي، وكان أحد القراء النحويين، عالمًا فاضلًا، يحب الخمول لفسه، ويكره الصيت والرئاسة، وله شعر ورسائل، وصنف كتابًا سماه "الحتم المفروض في علم العروض"، وكتاب: "الأهم في الأهم".

أنشدني الإمام زين الدين بن [أبي] ألبة بن أبي جعفر بن ناصر الشيرازي الشافعي، قال: أنشدني أبو الغيث شعيب الضرير لنفسه.

ألا إنَّ أشواقي إلى ما عهدتهمن الحضر العلياء ذات شبوب
/ أ/ تأجَّج وجدًا كلَّ يوم وليلةوتزداد وقدًا عند هبَّ جنوب
ولو حملتني شمال في هبوبهالطرت إليكم عند كلِّ هبوب
ولكنها تسري إليكم ووفرهاسلامي وأشواقي ودمع غروب

وأنشدني قال: أنشدني لنفسه:

ألا ليت شعري هل أفوزنَّ مرةبنظرة محبوبي وحسن مالي
وهل يجمعنَّ الله من بعد بعدناوقد فنيت أعمارنا بتقالي
وقد برحت أيدي المدى بجموعناوولَّى نضير العيش غير مبالي
وعدنا نسجُّ الدَّمع حزنًا وحسرةًعلى طيب أيام مضت وليالي

وقال أيضًا:

كتابي بأشواقي إلى من أحبُّهيناجيه عنّي بالغرام المحرِّق
ويشكو إليه عن لساني تألُّميبطول النَّوى عنه وطول التَّفرق

وقال أيضًا:

إليك يا رب أشكو ما أكابدهمن التَّنائي وأنهي ما ألاقيه

قد مسَّني الضرُّ فارحم مدنفًا قلقًا يفنى الزَّمان بفيض من مآقيه

يرعى نجوم السَّما من وقد لوعتهتردُّه النَّفس منه في تراقيه
/ ب/ لو لم يكن منك يرجو أن سيجمعهيوم بمن يبتغي ما عاش باقيه

شمعلة بن أبي النَّما، أبو محمد الواسطيُّ:

هو من قرية من أعمال واسط، تدعى نهفة وقيل: من مركوري، وكلاهما من الأعمال الواسطية.

كان رئيس قريته وشيخها، شاعرًا متأدبًا، جيد الروية، مطبوع الشعر، حسن النظم، سمح اليد، واسع النفس، تام المروة، متعصبًا لمن يقصده.

أنشدني أبو الحسن علي بن أبي الفرج بن محمود الخرابي النحوي الواسطي قال: أنشدني شمعلة لنفسه ما كتبه على سيفه، وكان يومئذٍ عاملًا بنهر جعفر في أيام

الناصر لدين الله أبي العباس أحمد بن المستضيء بأمر الله- ﵄:

شمعلةٌ قد أعدَّ هذالنصرة الحجَّة الإمام
فقل لأهل العناد صبرًاسنجلي غيهب الظَّلام
فقل لأهل العناد صبرًاسينجلي غيهب الظَّلام

/ أ/ وأنشدني قال: أنشدني لنفسه في ابن الأمير السيد هاشم بن علي العلوي، وكان ناظرًا بواسط.

إنَّ عندي لهاشم بن عليٍّمننا كالنُّضار لا تستحيل
وثناء كأنَّه قطع الرَّوض أريضٌ غضٌ عريضٌ طويل
جدُّه أحمد وحسبك بالآباء من بعد حيدر والبتول

وأنشدني قال: أنشدني لنفسه:

ألا إنَّ لي نفسًا أبت أن أسومهالخسف وأن ترضى بذمٍ طباعها
أكلِّفها سرَّ الهوى فتصونهمخافة أن يبدو لسرٍّ قناعها
حكت نفثات الدارميِّ وقولهوناهيك أبيات يروق سماعها
وفتيان صدقٍ ليس يطلع بعضهمعلى سرِّ بعض غير أني جماعها

وأنشدني قال: أنشدني لنفسه:

أمحمِّلي عبء الغرام وتاركيغرض السِّهام متى غليلي ينفع؟
وإلى م ما تنفكُّ نيران الأسىوالوجد ما بين الجوانح يسفع؟
ولأيِّما حال أذاد عن العلاوالصَّاب كاسات الرَّدى أتجرع؟
وتلذُّ عينك بالرُّقاد وما كذافعل الكرام ومقلتي لا تهجع
/ ب/ ما كنت أحسب يا محمد خلَّتيتُثنى ولا تلك العهود تضيِّع
فلئن أضرَّ بي الغرام ونال منجسدي السقام وهام قلبي الموجع
فلقد كتمت الوجد وهو مبرِّحٌولأمت شمل الجمع وهو مصدَّع
وظللت أظهر للوشاة تجلدًاوببعض قول أبي ذؤيب مقنع
وتجلدي للشَّامتين أريهمأني لريب الدهر لا أتضعضع
للشاعر أبو ذؤيب الهذلي، من قصيدة «أمن المنون وريبها تتوجع»
ولسان حال أخي الرِّواية منشدبيتًا عليه بنو الهداية أجمعوا:
إذا المنية أنشبت أظفارهاألفيت كلِّ تميمة لا تنفع

وأنشدني قال: أنشدني شمعلة لنفسه في وجع عينه، ويصف شخصًا يعرف بابن ريان الطبيب:

ما مات بقراط إذ أضحى له خلفٌمن آل ريانًا من الحكم
يقضي على الداء فلأقدار جاريةمما يحاول من برء ومن سقم
[هذا وأيسر شيء من محاسنهإنشاده عند حسم الداء والألم
لا يحمد الدَّهر في ما شاء يكنفهافلو أردت دوام البؤس لم يدم)]

وأنشدني موفق الدين أبو الحسن علي بن مهذب بن أبي محمد بن بكران بن العاصماني الواسطي، بأرض البطائح يوم الجمعة أ/ خامس شعبان سنة تسع وثلاثين وستمائة، قال: أنشدني شمعلة بن أبي النما لنفسه ما كتبه إلى ابن أخيه:

عليُّ افترق فينا وما شئت جازنيمحازاة من لم يرع حقًّا لوالد
وعدِّ عن الصُّنع الجميل وخلِّنيأكابد من بلواك ما لم أكابد
فقد خُيّبت فيك الظُّنون وصدِّقتمقالة من آسى اللَّهى بالمحامد
بنونا بنو أبنائنا وبناتنابنوهنَّ أبناء الرَّجال الأباعد
فيا حسن إحساني إليك وقبح ماأسأت فدن ما بين مثنٍ وجاحد

شجاع بن علي بن إبراهيم بن محمد بن أبي زهران، أبو محمد الموصلي:

كانت ولادته تقديرًا سنة أربعين وخمسمائة، وتوفي مستهل رجب سنة عشرين

وستمائة بالموصل.

كان صاحب فضل، ومحاضرات، وفكاهة، وحكايات، ومعرفة الناس وأيامهم، وله أشعار كثيرة، ورحل إلى البلاد الشامية، وامتدح الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب- ﵁ وولديه/ ب/ الظاهر والأفضل وغيرهم.

أنشدني ولده أبو شجاع يعقوب قال: أنشدني [أبي] لنفسه يمدح صلاح الدين يوسف بن أيوب بدمشق سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة، ويذكر فتحه بيت المقدس- رحمه الله تعالى-:

دموع جرت يوم الفراق سجاموقلب لناء الشَّوق فيه ضرام
لحى الله يوم البين إنَّ مذاقهلكلِّ نفوس العاشقين حمام
وكلُّ محبٍّ لم يمت يوم فرقةفذاك له عند المنون ذمام
لئن درست بالأنعمين معاهدٌوعزَّ بأعلى الجلهتين مقام
وأمست عراص الأبرقين مواثلًافمنِّي على تلك الديار سلام
وإن جلِّ خطب أو عرتني ملمَّةٌفليس عجيبٌ أن يفلَّ حسام
سأدَّرع الليل البهيم لعلَّنيأجوب الموامي والعيون نيام
إلى من حباه الله بالملك إذا رأىحمول الهدى والكفر فيه غرام
وزيَّنه بالحلم والعلم والتُّقىفما حسن إلا لديه يرام
أقام قنا الدِّين الحنيفي راغبًاإلى الله لما آض وهو ثمام
إلى ملك الدُّنيا الذي لو تفرقتكتائبه والمشركون نيام
/ أ/ لقام مقام الجيش حتَّى تزورهمبأيدي الفيافي أنسر وهوام
إذا الحرب أعيت كلِّ قرم وباسلوخام شجاعٌ واستسرَّ همام
وجاشت نفوس المسلمين بأسرهموعزَّ على المستسلمين كلام
كشفت قناع الرَّوع عنهم بمهجةتميت وتحيي والصفوف قيام
عليها من الرحمن في الروع جُنَّةومن غير الدهر الخؤون زمام
وحين لقيت المشركين وظنُّهمبأنَّهم في الحرب ليس يضاموا
أدرت عليهم بالصَّوارم والقناكؤوسًا لها مزج الدِّماء مدام
وغادرت فتح القدس للنَّاس آيةًولم يكُ حتى الحشر قط يرام
تهنَّى به الإسلام شرقًا ومغربًاوصلَّى لديه العابدون وصاموا
ضمنت لربِّ العرش ملء جهنَّممن النَّاس فاقتل ما عليك أثام
وحين عفت سبل المكارم والنَّدىوأصبح حلُّ الجود وهو حرام
وقال ذوو الآمال عطِّل ذا الورىمن الجود أم غال الكرام لئام؟
شرعت لهم سبلًا شواهدها النَّدىوأوردتهم بحر السَّماح فعاموا
لقد جدت حتى لم تجد قطُّ سائلًاوحاربت حتى ما يسل حسام
وأرهبت أهل الظُّلم حتى كأنَّماعليهم رقيبٌ منك حيث أقاموا
/ ب/ كأنَّك في الملك ابن داود طاعةوفي العزم ذو القرنين ليس يرام
لك الفتح لمَّا كان للسُّدِّ قسمةٌمن الله إذ لاسبسب وأكام
لك الرزق فاقسم حيث شئت على الورىلك الأرض إمَّا اخترت فهي مقام
تكاد الحصون الشُّم تسعى محبَّةإليك وأرباب الحصون قيام
نهضت بأعباء الكتاب وإنَّهليعجز عنه يذبل وشمام
سهرت لئلاَّ يسهر النَّاس إنَّهمتى سهر الملك المعظَّم ناموا
لطاف بنو سام وحام ويافثبأروع فيَّاض نداه غمام
من النَّفر الغلب البهاليل في الوغيوفي السَّلم إن ضنَّ الغمام كرام
مطاعيم في اللأواء والعام أشهبمطاعين والجيش الخميس لهام

ومنها:

ولمَّا رأيت الخطب قد جدَّ جدُّهوقد مرَّ عام بالهموم وعام
وذلك لما انتاشني الدَّهر ما حوتيميني وقلَّ الأقربون ولاموا
سلكت فجاج الأرض أسعى بهمَّةلها ذروة فوق السُّها وسنام
إلى ملك لو أنَّ نور جبينهعلى الدَّهر ما اجتاح الضياء ظلام
فعاينت بحرًا يغرق البحر جودهوبدرًا يشين البدر وهو تمام
/ أ/ بقيت على الإسلام ما ذرَّ شارقوغرَّد قمري وسحَّ غمام

وأنشدني قال: أنشدني والدي لنفسه من قصيدة يتذكر بها أيامه بالموصل، ويتشوق إليها، ويمدح الملك الأفضل نور الدين علي بن الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب –﵄:

خليّياني ولوعتي خلِّيانيما عليكم يا عاذليَّ ضماني
إنَّ طيف الخيال شرَّد نوميوعراني لزروة ما عراني
طارق بالشّام من سرحة الموصل يا حبَّذا البعيد الدَّاني

ومنها يقول:

وبباب العراق من سكّة الليــث مغان أكرم بها من معاني
سكَّة تطلع البدور فما تفــتا تلقى بدرًا على غصن بان
كم خلعت العذار بالشرف الأعــلى وأطلقت في السُّرور عناني
روضة تخجل الرِّياض بزهرمثل وشي البرد القشيب اليماني
حيث تلقى بها من الطير ما نغــنى به عن مثالث ومثاني
/ ب/ يتناغى بها الهزار على الشَّحـرور فالحيقطان فالورشان
وتطرَّبت مستهامًا إلى ديــر سعيد بالرَّاح والرَّيحان
وزمان مضى بدجلة فالخوصر فالحوض بالوجوه الحسان
ولكم بالغروب أصبحت معتاضًا دواليبها عن العيدان
فمتى ما سمعت يومًا بباب الــجسر بلّت مدامعي أرداني
وكذا إن ذكرت ساحة شطِّ النــهر لج الفؤاد بالخفقان
غادر الباصلون قلبي قريحًالفراق الخلاّن والنُّدمان
وغزال مقرطق يخلب الألــباب منَّا بطرفه الفتَّان
تلك أشهى إليَّ من رقَّة القفــص فقطر بل مع البردان
يا خليلي إن كنت أمسيت ناءعن بلادي وغبت عن أوطاني
فإلي الأفضل المعظّم نور الددين ركن الهدى ثنيت عناني
ملك صيغ من نوال ومن بأس ومن عفَّة ومن إحسان
حلَّ في شامخ من المجد في بيــت ثراه سام على كيوان

/ أ/ شيبان بن تغلب بن حيدرة بن سيف بن طراد بن عقيل بن وثاب بن شيبان، أبو عبد الله الشيباني:

من أهل دمشق، كان شيخًا فقيهًا، أدبيًا شاعرًا، رقيق الشعر، طيب الغزل، أنشدني القاضي الإمام ابو القاسم عمر بن أحمد بن أبي جرادة الفقيه الحنفي –أدام الله سعادته- بحلب المحروسة، قال: أنشدني شيبان بن تغلب لنفسه بدمشق سنة ثلاث وستمائة:

من ذا يخلِّصني من شادن غنجيميت قلبي أحيانًا ويحييه؟
حلو الشَّمائل لا أبغي به بدلًاولا أطيع عذولًا لا مني فيه
من كان مقتسبًا نارًا فوجنتهأو كان ملتمسًا درًا فمن فيه
دعا فؤادي فلبَّاه لشقوتهلأنَّه ما رأى شيئًا يضاهيه
فحسن صبري فان من تذكرهوحسنه دائم لا شيء يفنيه
أموت مما تلاقي مهجتي كمدًالا أستطيع من الواشين أبديه

وأنشدني أبو الحجاج يوسف بن الخليل الدمشقي قال: أنشدني أبو عبد الله شيبان لنفسه:

كفِّي عن الصد كفِّيففي صدودك حتفي
وواصلي أو فجوديبنظرة منك تكفي
/ ب/ يا من سبتني بقدِّقد قدَّ قلبي وطرفي
وتيَّمتني بجيدومعصم وبكفِّ
قد زدت في الحسن حتىجللت عن كلِّ وصف
بالله وقِّي لذلّيوسوء حالي وضعفي

وأنشدني قال: أنشدني أيضًا لنفسه:

أحببت ظبيًا حسناشردَّ عنِّي الوسنا

حلو إذا مرَّ على أيك يحاكي الغصنا

مرمر عيش عاشقبه المعنَّى افتتنا
دموعه منهلَّةوجسمه حلف الضَّنا

وأنشدني أبو الحجاج قال: أنشدني شيبان لنفسه:

لام العذول ولو درىمن قد عشقت لأعذرا
ظبيًا غريرًا شادنًاصقل العوارض أحورا

وأنشدني أيضًا قال: أنشدني أبو عبد الله قوله:

بلوتهم مذ كنت طفلًا فلم أجدكما أشتهي فيهم صديقًا وصاحبا
ولا ساترًا عيبًا إذا كنت حاضرًاولا قائلًا خيرًا إذا كنت غائبًا
فصوبت رأيي في فراري منهموشمَّرت أذيالي وامعنت هاربا

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (٢٠٠٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «قلائد الجمان في فرائد شعراء هذا الزمان»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.