من «قلائد الجمان في فرائد شعراء هذا الزمان» لابن الشعار الموصلي (ت ٦٥٤هـ)
ذكر من اسمه علي (٢)
فيك سر لولاك ما خلق الله علي الناس جنة وحريرا
قد هدانا بك السبيل فإمامؤمناً شاكراً وإما كفوراً
/ ب/ فعليك السلام يا أقرب الناس لمن جاء شاهداً ونذيرا
وقال يمدح الملك الاشرف موسي بن محمد بن أيوب بن شاذي:
يا بارقاً اذكر الحشا حزنهمنزلنا بالعقيق من سكنه
ومرتع اللهو يانع خضرأم غير الدهر بعدنا دمنه
يا برق هذا جسمي يذوب ضناًومهجتي بالعقيق مرتهنة
يا برق اشكو عساك تخبرهموكل من هام يشتكي شجنه
بلغ حديث الحمي وساكنهلمغرم أنحل الهوي بدنه
أسمعه ذكر الحبيب مقترباًفقد اصمت عذاله أذنه
هم آنسوه لكن بوحشتهمونفروا عن جفونه وسنه
أشقي المحبين عادم وطراًفكيف ان كان عادماً وطنه؟
لو بيع يوم منها وكيف بهكنت بعمري مسترخصاً ثمنه
اليك يا عاذلي فلست أناأول صب جمالهم فتنة
فكم لنفسي علي سيئةًوكم لموسي علي من حسنه
مجازف في عطاه آملهمحرر الرأي عند من وزنه
/ أ/ للجود والشكر خازن أبداًولم يصن ماله ولا خزنه
مؤيد الرأي، من ينافسهتحت حضيض الخمول قد دفنه
لو لم يقيض للجود راحتهلم تعترف فرضه ولا سننه
له بنان تسدي لنا منحاًومن يعاديه يشتكي محنه
عليُّ بن أحمد بن عثمان بن وهب بن عمر، أبو الحسن، المعروف بابن الجمَّاس.
كان مولده بقرية من قرايا دجيل؛ تسمي حصاية، قدم هو وأبوه من العراق، وأقام بقرية من قري إربل، تدعي باكلبا؛ وتزوج بها وولد له.
وكان مدة معلم صبيان؛ ثم فتح الله عليه بالشعر، فمدح به السوقة والشاه ومقدمي النواحي، واشتهر كلامه، واستجاده اهل الادب، ثم سافر إلى الشام طامعاً فيما عند الملك الاشرف شاه أرمن أبي الفتح موسي بن ابي بكر محمد بن أيوب، فتوفي بحران في شهر رمضان من سنة تسع وستمائة، ودفن بها.
أنشدني الوزير الصاحب ب/ أبو البركات المستوفي – ﵀ تعالي -؛
قال: أنشدني أبو الحسن بن الجماس لنفسه من قصيدة أولها:
صب عراه من الصبابة ما عريوسري الخيال بقلبه لما سري
عبث السقام بجسمه فأعادهنضواً وصيره الفراق كما تري
رشا أراك الفرع ليلاً مظلماًوأراك نور الشعر صبحاً مقمرا
قابلته فرأيت بدراً مشرقاًتحت الظلام يغض طرفا أحور
وضممته فوجدت غصناً ناضراًولثمته فوجدت راحاً مكسرا
في ليلة لولا حار رقيبهاكادت لطيب نعيمها أن تقصرا
ومنها في المديح:
قوم ينادي في الظلام نذيرهميا طارق البيدا إلى [أم] القري
رسخوا جبالاً واستضاؤوا أنجماًوسط .... واستفاضوا لأبحرا
وعباب سيل سيوفهم يغني الوغيوعباب سيل أكفهم يغني الوري
وأنشدني القاضي أبو عبدالله محمد بن علي بن محمد الكفر عزي؛ قال: أنشدني الحسن بن الجماس له:
/ أ/ أما الخليط فقد زمت نواجيهفما لدمعك ما تهمي هواميه
هذا الكثيب الَّذي كان الفريق بهوهذة ساحة الوادي وشاطيه
يا صاحبي قفا بالربع نقض لهحقاً فللربع حق لا نؤديه
أفديه من طلل ناجيته حرقاًلو كان يعقل نجوي من يناجيه
لقد رنا لبكائي لبلواي جاذرهولا اصاخت لشكواي جوازيه
إني لأنكر هذا الربع حين خلامن البدور التي عاينتها فيه
ما اظلم الدار مذ غابت أهلتهاوأوحش الربع مذ بانوا اهاليه
نادي مناديهم بالبين فارتحلواعن الحمي وثوي فيه أثافيه
أقول للقلب لما إن وقفت بههذا لحمي ..... أين حاميه؟
إن كان قد نحلت مثلي معالمهأسي فلم لا بكت مثلي جوازيه؟
وبالديار سقيم لا يعللهبجانبيه ولا الدالي يدانيه
إذا تذكر جيران العذيب رقتأنفاسه حين لا ترقي ماقيه
حياته موته وجداً وصحتهسقامه ومناياه أمانيه
ومتلفي بتلافيه وقد قنعتروحي بطيب تلافي في تلافيه
/ ب/ أنا الَّذي عرف البلوي ومارسهابالصبر حتي حلت عندي مجانيه
وأنشدني أبو العباس أحمد بن داود بن بلال الإربلي؛ قال: أنشدني ابن الجماس لنفسه في القاضي تاج الدين جعفر بن محمد الكفر عزي:
ليس الزمان علي حال بمنفردفاغضض علي كمد إن كنت ذا كمد
ولا الضرار وإن طال المطال بهولا النعيم بمقرون مع الأبد
والعسر واليسر أوقات مقررةفإن رأيت رخاً لابد من نكد
وليس من شدة الا لها فرجما بين يومك محتوم وبين غد
فإن بليت بها يوماً فكن رجلاًواصبر فإن عقيب الصبر كالشهد
ولا اري لك في الدنيا أخا ثقةإذا تبين نصحاً منك قال: قد
ومن يواسيك في بؤس وفي رغدٍواين من يستوي في البؤس والرغد
والناس أكثرهم شوك بلا ثمروإن يكن ثمر في الشوك لم يفد
ما ليس تدركه بالسيف عندهمفكيف تطلبه بالنفث في العقد
لقد عبثت بأبناء الزمان فماوجدت ذا خلق أطوي عليه يدي
/ أ/ إلا بقية قوم أنت مجدهمبجعفر فوق كيوان علي عمد
مولاي جعفر تاج الدين خذ بيديفأنت لي وعليك الدهر معتمدي
انهي إلى علمك المحروس ما اخذتيد المشقة من قلبي ولم تعد
كم من قلائد در قد نظمت عليمن ليس يفرق بن الدر والبرد
حتي وضعت تقاصيري علي رجليضيع في بلد واهاً لذا البلد
قوم علي رشد ظنوا فأكثرهمندي لفظ بكف منه غير ندي
وآخرون علي جهل بهم منعوافضاع منهم بين الجهل والرشد
يا أوحد الناس ما قلبي بمعتمدٍعلي سواك ولا كفي بمنعقد
عليُّ بن سالم بن محمَّدٍ، أبو العباس العباديُّ الشنينيُّ الحديثيُّ.
من الحديثة_ بلدة على طرف الفرات _ كان من قرية من أعمالها تدعى الخزانة.
وكان شاعراً كثير الشعر، منتجعاً بشعره، واسع النفس في عمله يحفظ صدراً جيداً من اللغة، صفراً من علم الأدب والعربية؛ كان يفد إلى بغداد، ويمدح الملك المعظَّم/ ب/ أبا الحسن على بن أمير المؤمنين الناصر لدين الله أبى العباس أحمد- ﵄ وغيره من رؤساء الحضرة والأمراء.
أدركت أيامه، وأنا جنيد مقيد ببغداد وهو بها؛ ولم يقدّر الاجتماع به لمرضٍ لحقني، فلما أبللت منه، سافر إلى وطنه، وذلك في سنة اثنتين وعشرين وستمائة وخبرت انه توفي هنالك.
أنشدني أبو بكر محمد بن عبد الغني بن نقطة البغدادي؛ قال: أنشدني أبو الحسن لنفسه:
همُّ الفتى في طلاب المجد متَّصلوصادق العزم مقرونٌ به الأمل
والمرء ساعٍ فإما بالغٌ أملاًأو قاصرٌ يختليه دونه الأجل
فانهض إلى شرف العليا وكن رجلاًتسمو به هممٌ من دونها زحل
ولا تخف ما تخاف اليوم من عنتفي مأزق لجبٍ يعنو له البطل
فالعمر منتهبٌ والغمر مستلبٌوالعيش مقتضبٌ أيامه دول
لا تقنعن بالأماني والخمول فمانال المعالي قديماً معشرٌ خملوا
ولا حوي السَّبق في الغايات منسدرٌمواظبٌ في الملاهي عاجزٌ وكل
ولا تقم بديار الهون مقتنعًاببلغة في المعالي أصلها النفل
لولا مفارقة الأغماد ما شكرتبيض الصِّفاح ولا الخطِّيِّة الذُّبل
/ أ/ وقد بليت بأقوام ذوي حمقٍعلي الغبا وعدوات النهي جبلوا
عميٌ عن الحقِّ مفتوحٌ عيونهمإلى معايب قومٍ عنهم شغلوا
والحرُّ ممتحنٌ..... وذو النُّهي والتُّقي مغري بت السَّفل
عداوةٌ بين أهل العلم قاطبةًوصدِّهم ليس في إصلاحها عمل
وقال يمدح بعض الأمراء، واسمه كج قندي:
بدرٌ جلا بجماله الحنديساوجلا علينا في الكؤوس شموسا
ذهبيَّةٌ عقد الحباب بكأسهاتاجاً تخال شعاعه مقبوسا
فتك اللٍّحاظ تجوب في وجناتهماءٌ ونار جراحه لا توسى
ما هزَّ غصن قوامه في مجلسٍإلا وأضرم في القلوب وطيسا
لبس العيون من الملاحة حلَّةٌوأذاب من وجد عليه نفوسا
يبدوا فيسجد كلُّ حسنٍ في الورىويظلُّ من فرط الحياء حبيسا
حاز الصٍّفات كحوز كوج قندي العلاحتَّى سماكيوان والنَّرجيسا
الباذلٍ المعروف قبل سؤالهوالتَّارك البطل الكميٍّ فريسا
تتقاصر الأوهام دون صفاتهوتخال عقل ذكيٍّها مألوسا
/ ب/ ما سلَّ سيف العزم يوم كريهةإلاَّ وفاقت الجسوم الرَّوسا
أسدٌ فرائسه الأسود إذا الوغىزينت عن النَّشب النَّفيس الشُّوسا
يصطاد كلًّ هزبر غاب أهيسٍيصطاد إن عزَّ الحصيد الهيا
وافي بعين اللَّيث عين كريهةشثن البراثن ضيغماً دعِّيا
تعدو السَّوابق حين يزأر جفَّلاَّعنه تكاد من الجراء تكوسا
أشبهت ايبك في الخلال وطالماولد النَّفيس من الملوك نفيسا
ملكٌ تدين له الملوك محبَّةٌقربًا وبعداً سائسًا ومسوسا
أربى على هرمٍ ومعن وحاتمٍكرماً وطال علاً أبا قابوسا
عمَّ الخزانة والقصر بجودهعفواً وعمَّ بعدله آلوسا
يا شمس دين الله دونك حرَّةٌتحكى بحسن صفاتها بلقيسا
تأتي الكرام فيعرفون محلَّهاعلمًا وتأبي أن تزور خسيسا
من شاعرٍ سبك الكلام وصاغهدرّاًً ورصَّع جوهراً ولبيسا
فاسلم له ولكلِّ جالب مدحةلا يعرف الدَّعوى ولا التَّلبيسا
ما لاح وضَّاح الصَّباح وما دجاًليلٌ ورفَّعت الحداة العيسا
وقال أيضا يمدحه ويهنئه بعيد الفطر:
/ أ/ كتم الغرام فنمَّ دمع شجونهوشى إلى الواشين عن مكنونه
والدَّمع أعدل شاهد أبدى الهوَّىمن وامق وأذاع سرَّ جفونه
في حبِّ معتدلٍ القوام مهفهفيذري بنور البدر نور جبينه
لبس العيون من الملاحة حلَّةٌما حاطها إلاَّ بدمع فتونه
فغدت قلوب الخلق طوع شمالهعشقًا لصورته وطوع يمينه
جمعت صفات الحسن فيه بأسرهأوغني بأدنى الحسن عن تحسينه
لو كان يعدى خلقه من خلقهأعدى قساوة قلبه من قلبه
وأرقَّ للصبِّ الكئيب فؤادهوأضافه المضنون من ماعونه
وزكاة ربِّ الحسن واجبةٌ علىحكم الهوى عطفًا على تمكينه
لولاه ما بات الغرام ملازميوالُّسُّقم ينحلني لسقم جفونه
ومديح شمس الدِّين كج قندي غداهمِّي لأقضي شكر بعض ديونه
الباذل المعروف قبل سؤالهوالقاتل الضِّرغام وسط عرينه
والتَّارك البطل المدِّل ببأسهيوم الوغى يكبوا على عرنينه
ما واجه اللَّيث الهزبر بمعركإلاَّ وجرَّعه كؤوس منونه
تتجمَّل الدُّنيا بكلِّ متوَّجفيها بفضل عفافه وبدينه
/ ب/ ويطيع خالقه ومالك أمرهوأباه في حركاته وسكونه
لا ينثني يوم النِّزال إذا اكتنىفي مأزق إلا بروح طعينه
يا ماجداً فاق الملوك بحلمهوبعلمه إذ حاز عشر سنينه
إن رمت مدحك فالصِّفات معينةٌفي نظم أبكار القريض وعونه
فاسعد بعيد الفطر وابق مؤيداًبشيوع نصر سار ذكر مبينه
ما حرَّك الدَّوح النَّسيم وما دعاورق الحمام على فروع غصونه
وقال أيضاً يمدح:
أسفر الجدُّ في بروج السُّعودوسما في العلاء عالي الصُّعود
وبدا المجد فوق كيوان قرباًبعد كيوان عن محلِّ الصَّعيد
شرفٌ باذخٌ ومجدٌ أثيلٌوفخارٌ ما فوقه من مزيد
والمعالي ما أنتجت بالعواليبين خطف الظًّبى وخفق البنود
ونوال مواصلٍ بنوالٍلقريبٍ من الورى وبعيد
كنوال الملك المنيل فلان الدّين خدن العلا المحيد المجيد
النَّجيِّ الوفيِّ لله بالعهدوللنَّاصر الإمام الرَّشيد
ملكٌ همُّه ابتداع معالٍلم تنلها أيدي الملوك الصِّيد
/ أ/ ملكٌ وصفه يجلُّ عنالوصف لذي فطنة كرمل زرود
ملكٌ صدره تضيع بهالدُّنيا اتِّساعاً في كلِّ خطب كؤود
من ملوك التُّرك الَّذي يعقد الملك لهم صغرةٌ بطون المهود
ونشا مذ نشا يسوس أمور النَّاس عدلاً بحسن رأيٍ سديد
ورآه الإمام ناصر دين الله أهلا لكلِّ فعلٍ حميد
يقظًا عالمًا حليمًا رحيمًاذا وفاءٍ مغري بحفظ العهود
فحباه الفرات ملكًا ورفقًاللرعايا ..... وحفظ الجنود
فحماها بنائلٍ وحسامٍوبعدل وردِّ كلِّ شديد
وغدا ذكره حميداً بمصرٍوتعدَّىَّ في الخلق أرض زبيد
يا مليكي ومن سما كلَّ ملكٍفي البرايا بنشر عدل وجود
هكذا هكذا نوالك للخلقمباحٌ في كلِّ يومٍ كعيد
وأمير وفاك في طلبالمجد ونجح المرام بالتَّأييد
فاق أضرابه سماحًا وبأسًاوانتسابًا إلى جناب سعيد
ناظمًا نفسه بسلك معاليكليحظى بحظَّك المسعود
فأتحفنه إتحاف موسى شعيبًادرَّةً من نفيس درَّ فريد
/ ب/ ساد آباؤها جميعوأجدادها جميع الجدود
في ظلال الإمام ناصر لدين الله والمرتجى ليوم الخلود
فابق في نعمةٍ وفي عزِّ ملكٍواقتدارٍ وسعد جدِّ جديد
وقال أيضًا:
أعيذك من قلبي المعنَّى ووجدهوجسمي على طول البعاد وجهده
وطرف متى ما شام للشام بارقًاتتابع عقد الدَّمع من حلِّ عقده
وخلَّ متى ما حان إَّبان وصلهتعرَّض صرف الحادثات لصِّده
أطيع الهوى فيه واعصي عوازليوارضي من الطَّيف الطَّروق بوعده
كانَّ مذاب الشَّهد رف رضابهكأنَّ جنيُّ الورد توريد خدَّه
تزاحم فيه الحسن من كلِّ خلقهوقدَّ قضيب الخيزرانٍ بقدِّه
شهيُّ اللَّما عذب المباسشم أحورٌ..... ..... ......
يصيب قلوب الخلق سهم لحاظهويصمي على قرب ..... وبعده
رعى الله أيَّام الوصال وقربهوعيشًا فقدت النَّوم في حال فقده
فلا وجد [عندي] دون وجدي ببينهولا وجد إلاَّ بعض وجدي بوجده
/ أ/ علقت به طفلاً وليدً فإنَّنيفتى ليس يسلوه إلى رمس لحده
وكلُّ هوى يسلى سوى إلفة الصِّباوكلُّ محبً حبُّه مثل ودِّه
خلقت وفيًا حافظًا كلُّ صحبةمقيمًا مدى الدًّنيا على حفظ عهده
كحفظ أبي الغارات كج قندي العلابحدِّ الظًّبى والجود جزلاً لوفده
ومن يحمل اللَّيث الهصور لباسهومن يخجل الغيث السَّحوح لرفده
ومن نظر الأقوام فيه شمائلاًتدلًّ بعظم القدر من وقت مهده
ومن همُّه كسب المحامد والعلاتراثًا وكسبًا عن أبيه وجدِّه
ومن طال أرباب المعاقل همَّةٌوطال النُّجوم الزَّهرات بمجده
إذا ما اكتنى في مأزق متضايقٍتثعلب أهل الحرب من عظم شدِّه
وإن جال فالآجال طوع مرادهوإن صال فالأبطال صرعى لحدِّه
حبا مذ حبأ واحتلَّ ناصية العلاوانطق جدواه الأنام بحمده
.. رأى منه الإمام مهذَّبًاوفيًا محبًا خالصًا عند نقده
يطول الملوك نائلاً وفضائلا ًوحلمًا وفهمًا يستضئ بوقده
تهنَّ بسعد العيد وابق مؤيدَّاًبنصرٍ يدين العالمين بجدِّه
مدى الدَّهر ما ناح الحمام وما رساشمامً وما سار الغمام برعده
/ ب/ وقال من قصيدة:
ظبيٌ من الأنس يهواني وأهواهيشوقني منه رؤياه وريَّاه
إذا بدا سجد الحسن العميم لهودانه الخلق من راه وما راه
مورَّد الخدِّ لدن القدِّ قد طبعتعلى سقام فتى عاناه عيناه
ما سلَّ سيف لحاظ يوم المعركهإلاَّ وجدل في ملقاه ملقاه
ولابد للورى يختال في حللٍإلاَّ وأصمى بمغزاه ومعزاه
فجمَّع الحسن فيه كلَّ مفترقٍمن الصِّفات فأصفاه وصفاه
يقلّ ليلاً على صبحٍ على غصنٍعلى كثيب نقًا لو تاه واتاه
لو مرَّ يومًا على ميت له سنةًفي القبر ملقى وحيَّاه لاحياه
لام العوازل لي فيه ولو علمواماذا أذان اللَّما فيه لما فاهوا
يزوروني وهو مزورُّ على عجلٍخوف الرَّقيب وأغشاه وأخشاه
وينثني وغرامي فيه مستعرٌخوفًا عليه لما أهواه أهواه
يأتي إلى على بعد المزار فيالله ما طيب مسراه وأسراه!
لو لاح للبدر في تمِّ لأخجلهأو مرَّ بالضَّخر خدَّاه لخدَّاه
يفترُّ عن برد عذب مراشفهلو يستطيع محلاَّه لحلاَّه
/ أ/ أهوى هواه ويهو ما هويت ومنأصفيه وديا ومن أرعاه أرعاه
عليُّ بن محمَّد بن عليٍّ، أبو الحسن النيريزىُّ.
بكسر النون وتسكين الياء المعجمة باثنتين من تحتها، وبعدها راء مهملة ثم ياء معجمة باثنتين من تحتها، وبعدها زاي معجمة. قرية من أعمال شيزار؛ كان أبو الحسن يتولى خطابتها.
وكان عالمًا فاضلاً فقيهًا محدِّثًا شاعرًا؛ له خطب وأشعار، وتصنيف في كتاب الله تعالى؛ روى عن أبي المبارك عبد العزيز بن محمد بن ابراهيم الشيرازي الآدمي، كتب عنه أبو عبد الله محمد بن سعيد بن الدُّبيثي، وأبو الحسن محمد بن أحمد القطيعي ببغداد
وكانت ولادته في سنة ثمان عشرة وخمسمائة بتبريز، ونشأ بشيراز؛ وتوفي سنة اثنتين وستمائه.
أنشدني أبو عبد الله محمد بن سعيد الدبيثي؛ قال: أنشدني أبو الحسن لنفسه
تقوَّست من سهم رماني به السِّحروصرت هلالاً في فراقك يا بدر
جلا وجهك الوضَّاح ليلة وصلهوسوَّد ليلي مثل طرَّتك الهجر
/ أ/ وأنشدني؛ قال: أنشدني أيضًا من شعره:
ألمَّ بنا طيفٌ يجلُّ عن الوصفوفي طرفه خمرٌ وخمرٌ على الكفِّ
وقال أبو الحسن القطيعي؛ أنشدني علي بن محمد النيريزي:
دخل البستان يومًا يلعبوحشاه للطوى يلتهب
قال: لمَّا نيل [من] معروشهحامضٌ والله هذا العنب
عليُّ بن محمَّد بن محمَّد بن المختار بن عمر بن المسلم بن محمد بن محمَّد بن عبد الله بن عليِّ بن عبيد الله بن الحسين بن عليِّ بن أبي طالب، أبو الحسن الكوفيِّ.
النقيب بالكوفة. كان من أشراف عترته، وسادات أسرته، أدبًا ورئاسة، حاسبًا كاتبًا، مترسلاً شاعرًا، حسن النظم، رقيق الشعر.
أنشدني أبو عبد الله الحسين بن علي بن يوسف النيلي؛ قال: أنشدني النقيب/ أ/ أبو الحسن علي بن محمد لنفسه من قصيدة أوّلها:
عاتبتني ظالمةٌ يا عتبمذنبةٌ وقلت منك الذَّنب
وجرت في الحكم ولمَّا تنصفيإذ هو فيك مستهامٌ صبُّ
سلي نجوم اللَّيل هل زار الكرىطرفي تخبِّرك النُّجوم الشُّهب
أو لامس المضجع لي بعدكملمَّا اجتنيت وهجرت جنب
يلوموني العاذل فيكم ضلَّةًمنكم ونيران الهوى تشبُّ
قلبك مره بالسُّلوِّ عنهموقلت هيهات فأين القلب؟
لا والَّذي حجَّت قريشٌ بيتهقصدًا وما ضمَّ الصَّفا والشِّعب
والمستجير قبره بطيبةأكرم من أمَّ ذراه الرَّكب
ومر بأكناف الغريِّ إنَّهسلم الهدى ..... حرب
ما خطر السُّلوان لي بخاطرٍأنَّى وقلبي للغرام نهب
ولا جرى ريح الصَّبا بذكركمإلاَّ صبوت واستطار اللُّبُّ
من لي بأن يعقب بعد هجركموصلٌ ومن بعد البعاد القرب
أو تصفر الدَّار الشَّطون بكموينقضي يا عتب ذاك العتب
/ ب/ أحبَّكم قلبي فما جزيتمغير القلى والبغض من يحبُّ
عليُّ بن منصور بن عليِّ بن عبد الله بن رطلبن، أبو الحسن الصًّرويُّ.
من الصَّروات، قرية من أعمال الحلّة؛ وكان واسطي المولد والمنشأ.
نزل مدينة السلام، وتفقّه للشافعي بالمدرسة النظامية، وصار فيه الخبز والمشاهرة.
وكان له معرفة بالأدب، وصناعة الشعر؛ وكان شاعراً فاضلاً، لقيته ببغداد سنة ثلاث
وعشرين وستمائه، ووعدني أن يكتب شيئاً من شعره، فعاقت دون ذلك عوائق، وما عدت رأيته
ومن شعره يمدح القاضي تاج الدين أبو ذكريا يحي بن القاسم التكريتي:
لبقاء تاج الدِّين يحي ذي الحجيلذوي السيادة من خيار المرتجي
الصَّالح بن القاسم بن مفرجٍنسباً يردُّ اللَّيل صبحاً ما دجا
من بات يرضع ثدي كلِّ فضيلةحتي اغتدي متحرِّياً متحرِّجاً
لذوي التَّهاني التَّهنيات هدايةٌمادام جيش الصُّبح يطرده الدُّجي
/ أ/ طبٌّ إذا ما الأمر أبهم وجههأبدي له في الشَّرع وجهاً أبلجا
وإذا رأي العلماء يحجر بينهمحجرٌ وبين الحق يأبي مرتجي
رأت الَّذي آباؤه أقوالهمونجا بت من كلِّ همٍّ ما نجا
ولكلِّ ما ألفوه أفضلهم تقًّيوأجلُّهم قدراً وأوضح منهجا
وجدا المجاهد في الهداية مدخلاًحسناً به ومن الضلالة مخرجا
ردَّ الزَّمان صبيح فرحة مشرقٍولطالما أضحى بوجه أسمجا
ما قام مجتهدًا يريد جدالهإلاَّ انثنى عمَّا استخار معرِّجا
إن سابقوه إلى ابتدار فضيلةٍيومًا أقاموا صامتيين وأدلجا
أو باهلوه تقاعسوا وسما بهمحكم إذا ما ضاق أمر فرِّجا
حبر إذا اجتهدوا وشادوا منزلًافي الأرض شاد على المجرَّة أبرجا
وإذا تضايقت الأمور عليهمجعلوه من بعد الإله الملتجا
ما جال في ميدان حرب حكومةإلا وحلَّ حزام من قد أسرجا
لا تطَّبيه كما أطَّبى من قبلهحسن تختَّم أو تلبَّس دملجا
أيروم سبق أقبَّ أجرد سابحمن كان يسبقه المعبَّد أعرجا
هيهات يدرك شأو منتعل الشَّوىفي حلبة خطم القوائم ذو وجى
/ ب/ ثان ثنى في كلِّ أرض مصنعًاللوافدين وكلِّ شعب دولجا
حتَّى حبانا بالجميل وخصَّنابضياء دين الله معتمد الرَّجا
لا زال في ظلِّ الخلافة ما حداحاد وما اتَّخذ الظَّعائن هودجا
أنشدني أبو طالب علي بن أنجب بن عثمان بن عبد الله البغدادي، بمدينة السلام سنة تسع وثلاثين وستمائة؛ قال: أنشدني أبو الحسن لنفسه، يمدح المستنصر بالله – ﵀:
هبَّت إليك مع الرَّواحكهبوب أنفاس الرِّياح
بدرت فأشرق في الدُّجىمن وجهها فلق الصَّباح
هزَّت معاطف قدِّهامن عجبها هزَّ الرِّماح
فبدا لنا من نشرهانفحات كافور رياحي
حسناء في حركاتهابرء لمختلف الجراح
نشأت على لطف الخلاعة والدُّعابة والمزاح
وألذ من حدق الرِّياض على غدير في براح
خطرت بأرجاء القراح فعطرت كلَّ القراح
/ أ/ وسرت بعنبرها النسيم ففاح في كلِّ النَّواحي
عمَّاله لا ترتضيغير المحلَّل والمباح
تهوى الأميريَّ الصحيح ولا تميل إلى الصلاحي
ومحَّبة المستنصري فما عليها من جناح
ظهرت إلى عين الرَّقيب وهوَّنت قول اللواحي
وأتت وقد علمت بأنِّي من هواها غير صاحي
علقت بما ظفرت يديوظفرت منها بالنَّجاح
قد طاب في حبِّي لهاهتكي وهان بها افتضاحي
علق الفؤاد بها فمالهوى فؤادي من براح
وهوى تمكَّن في الفؤاد فما الملام له بماحي
جمع الجمال لها وفرِّق منه في كلِّ الملاح
جمع الخليفة كلَّ مافي العالمين من السَّماح
ملك يحثُّ على المكارم بابتسام وانشراح
ويجدُّ في نفع الرَّعية في المساء وفي الصَّباح
قسما بهمَّته التيأمضى من البيض الصِّفاح
/ ب/ إنَّ الإمام طباعهخلقت من الكرم الصُّراح
أعدى الشِّحاح نوالهفتسمَّحت أيدي الشِّحاح
مولى يسرُّ إذا رأىأنَّ الرَّعَّية في صلاح
وتلوح بشراره إذاما قيل حيًّ على الفلاح
وإذا بدت عزماتهفي جحفل يوم الكفاح
أغنى الجيوش برأيهفي الحرب عن حمل السِّلاح
فليسلمنَّ خليفةفي طيب عيش وارتياح
فسلامة المنصور غاية الاختيار والاقتراح
لا زال طائر نصرهبالسَّعد متَّصل الجناح
تجري بطاعته الأمور مجاري القدر المتاح
ما زيَّن الله الورىبالأوجه البيض الصِّباح
علي بن أحمد بن سعيد، أبو الحسن المقرئ، المعروف بابن الدباس الواسطي.
قدم بغداد في سنة ثلاث وستمائة؛ وروى بها عن جماعة. وكان أ/ قد قرأ القرآن، وسمع الحديث من عبد الوهاب بن لخفان بن الصابوني، وأبي الكرم المبارك ابن الشهرزوري، وعلي بن محمويه اليزدي؛ وبهمذان من أبي زرعة والحافظ أبي العلاء؛ وبواسط من أبي الفتح المبارك بن أحمد بن زريق الحداد، وأبي بكر أحمد بن أحمد بن عمر القطيعي؛ وقال: لمّا قدم هذا الشيخ كان إمامًا بمسجد الخليفة بسوق العجم مقابل سوق العميد؛ إلى أن توفي سنة سبع عشرة وستمائة.
وقال: أنشدني لنفسه: (ص)
لهفي على عمري لقد أفنيتهفي كلِّ ما أرضى ويسخط مالكي
ويلي إذا عنت الوجوه لرِّبهاودعيت مظلومًا بوجه حالك
ورقيب أعمالي ينادي شامتًايا عبد سوء أنت أول هالك
لم يبق من بعد الغواية منزلإلا الجحيم وسوء صحبة مالك
علي بن رشيد بن أحمد بن محمد، أبو الحسن الحربوي المعدل الحنبلي.
قدم من حربا إلى مدينة السلام سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة، وتولى وكالة
الخدمة ب/ الشريفة، وسمع الحديث من نصر بن نصر العكبري.
واشتغل بالفقه على القاضي أبي بن الفرّاء، وبعده على أحمد بن بكروس، وشهد عند القاضي أحمد بن علي الدامغاني في سنة إحدى وسبعين وخمسمائة. وجمع كتابًا يشمل على الوكالة وشروطها، وتولّى استيفاء الجزية بغير إشراف عليه.
ثم تقدم فصار وكيلًا للخليفة؛ وتوفي يوم السبت ثامن عشر شوال سنة خمس وستمائة.
قال أبو الحسن القطيعي: أنشدني أبو الحسن لنفسه يمدح أمير المؤمنين – ﵁ –
إمام يجلُّ المدح عن وصف مجدهويقصر باع الحلو عن طول حدِّه
له طالع بالسَّعد ليس كسعدهنظير ولا جدٌّ لشَّخص كجدِّه
تراه كغيث السُّحب ينهلُّ مزنهابفيض على كلِّ البرايا برفده
ولو جمع الأملاك من لدن آدمإلى وقتنا هذا لدانوا بمجده
فلا زالت الأيَّام طوع قيادهولا زالت الأقدار تجري بسعده
عليُّ بن عليِّ بن روزبهان أ/ بن الحسن بن باكير، أبو المظفر الفارسيُّ الأصل، البغداديُّ المولد والمنشأ.
روى عن أبي القاسم إسماعيل بن أحمد السمرقندي؛ كتب عنه أبو الحسن القطيعي؛ وقال: سألت ابن باكيرا، لم سميت بالفارسي؟ فقال: أنا وأبي ولدنا ببغداد وزرت الملك سليمان السلجوقي، حيث كان تحت ظلّ الخدمة لأمير المؤمنين. وإنَّما
جدِّي روزبهان فارسي.
وسألته عن ولادته؛ فقال: ولدت سنة خمس عشرة وخمسمائة، وكانت وفاته بطريق مكّة في سنة إحدى وستمائة؛ قال: وأنشدني أبو المظفر علي بن باكيرا:
قنعت من الدُّنيا بما لا أودُّهوألزمت نفسي خطَّة الضَّيم والضَّعف
وجرَّعتها هجران كلِّ لذيذةإلى أن غدت تنقاد طوعًا إلى الحتف
وما ذاك إلاَّ أنَّ حظِّي مذمَّمفما لي من الدُّنيا سوى الهون والعسف
فبالنرد إن جاذبت دستي مشذّروإن خفت بالشِّطرنج شاهي على ضعف
ترى ينقضي هذا الشَّقاء فأغتديإلى راحة أو تستمرُّ إلى الحتف
عليُّ بن محمَّد بن إبراهيم ب/ بن أبي نصر بن المبارك بن غنّاج، أبو الحسن الواسطيُّ مولدًا ومنشًا.
وأصله من خسر سابور، وكان حافظًا للقرآن الكريم، وأخذ طرفًا من علم العربية، وله شعر صالح، وكان يتشيع، ويميل إلى المرد الملاح، ويشعف بحبِّهم، ولم ير منه ريبة، مع غفلة كانت فيه وبله.
أنشدني أبو الفضائل جعفر بن محمد الواسطي؛ قال: أنشدني علي ابن غناج لنفسه في غلام مغن يلقب اللطيف بن جعفر، سافر إلى بغداد من واسط ولم يودّعه، ثم جاءه بعد ذلك منه كتاب:
علام أخفِّي ما ألاقي من الوجدوأكتمه والدَّمع من مقلتي يبدي
فيا ساكني الزَّوراء رفقًا بمدنفرمت شمله أيدي التفرُّق بالبعد
سبي قلبه فيكم غزال ببهجةكبدر الدُّجى يسمو عن الوصف والحدِّ
له مبسم كالأقحوان وريقهألذُّ من الخمر المعتَّق والشَّهد
سرى طيفه وهنا فأضحت بنشرهرياض النَّقا أذكى من البان والرَّند
وحقِّ هواه لا سلوت ودادهولا حبَّه حتى أوسدَّ في لحدي
وإن كان قد أبدى الملال وحال عنعهود الهوى إنِّي مقيم على العهد
/ أ/ أحنُّ إلى لقياه وجدًا بحبِّهوإن كان لا يغني حنيني ولا وجدي
وأكره دارًا قد خلت من جمالهولو خليت لي بعده جنَّة الخلد
فيا أيُّها الرَّكب العراقيُّ بلِّغواسلامي حييتم بالتَّحيَّة والرُّشد
إلى منية القلب اللَّطيف ابن جعفروقولوا له من لوعة القلب ما عندي
وقولوا له: إنِّي قرأت كتابهوقابلته بالشُّكر لله والحمد
وقبَّلته ألفًا ففاضت مدامعيفأنشدت قول الشاعر الفطن الجلد:
شممت بنجد شيحة حاجريَّةفأمطرتها دمعي وأفرشتها خدِّي
وأنشدني أيضًا، قال: أنشدني أبو الحسن لنفسه من قصيدة مبدؤها:
أيا ساكني دار السَّلام سلمتمأجيروا المعنَّى من عيون الجاذر
وردُّوا فؤادًا طالما ظلَّ عندكمأسير هوًى ما بين وافٍ وغادر
وأنشدني أبو المنصور بن أبي عبد الله بن أبي منصور العامري؛ قال: أنشدني علي بن محمد بن غناج المقرئ الواسطي لنفسه:
/ ب/ أيا ساكني دار السَّلام سلمتمأجيروا المعنَّى من عيون الجاذر
وردُّوا فؤادًا طالما ظلَّ عندكمأسير هوًى ما بين وافٍ وغادر
ومنُّوا بإهداء السَّلام تكرُّمالصب على هجرانكم غير صابر
سبى قلبه يوم النَّوى في رحالكمغزال عجيل من قبيلة عامر
شهيُّ اللَّما عذب المحيَّا مهفهف القوام بطرف فاتر اللحظ ساحر
أرى أنَّ هلكي في هواه صيانتيولو أنه دون البريَّة هاجري
وأنَّ عذابي في تجافيه طيِّبأيا عاذلي كن في عذاريه عاذري
يمينًا بأيَّام السديرة والهوىوطيب ليال بات فيها مسامري
لأنِّي على العهد الَّذي كان بينناوما خطر السُّلوان يومًا بخاطري
وأنِّي على ما تعهدون من الوفاوما راق شيء مذ نأيتم لناظري
وأنِّي إذا ما عزَّ يومًا لقاؤكمعلى ناظري ألفيتكم في ضمائري
وأنِّي إذا عزَّ الحيا في بلادكمسقيت ربي العاقول فيض محاجري
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه:
هي دار الحمى فقف يا خليليبوقوف في الرَّبع يشفي غليلي
/ أ/ وانشد الربع ساعةً في المغانيوأنخ في محلَّة العاقول
فبها أهيف مليح المعانيقد سباني بغنج لحظ كحيل
ما أدلهم الظَّلام إلاَّ غنينابسنى وجهه عن القنديل
إن تثنَّي في الفاضليَّات ليلًاصحت ويلاه من عنائي الطَّويل
أو تبدَّى تحتصبحًا ... قلت: بدر الدُّجى بلا تطويل
يا نسيم الصَّبا بحقِّ اشتياقيأخبريه وجدي به ونحولي
وأخبريه أني على العهد باقما تبدَّلت في الهوى ببديل
عليُّ بن عبد الله بن عبد الرحمن بن زيدٍ، المعروف بابن حريقٍ الكاتب، أبو الحسن البلنسي.
شاعر مفلق، وأديب محقِّق، قيِّم بالشعر والأدب، عارف باللغة وأيام العرب، عالم بتفسير القرآن والقراءة، حافظ لجملة وافرة من الأخبار والحكايات.
ولم يكن في زمانه أجود منه شعرًا، ولا أحسن نظمًا ونثرًا؛ مدح ملوك الأندلس، وأخذ صلاتهم، وانتشر ذكره ب/ هنالك؛ وتولى التصرف في الأعمال الديوانية مع كتابة الإنشاء لبني عبد المؤمن، المستولين على الديار الأندلسية.
أنشدني أبو محمد عبد الله بن أحمد بن أبي بكر الشاطبي الأنصاري، قال: أنشدني أبو الحسن علي بن محمد بن حريق لنفسه في غلام أعور؛ وأحسن فيما قال وأبدع في المعنى:
لم يعبك الَّذي بعينيك عنديأنت أعلى من أن تعاب وأسنى
لطف الله ردَّ سهمين سهمًارأفةً بالعباد وازددت حسنا
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه يهجو كاتبًا:
وكاتب ألفاظه وكتبهبغيضة إن خطَّ أو تكلَّما
ترى أناسًا يتمنُّون العمىوآخرين يحمدون الصَّمما
وأنشدني أبو القاسم محمد بن محمد الشاطبي؛ قال: قرأت على أبي الحسين ابن حريق من شعره قوله:
يا ويح من بالمغرب الأقصى ثوىحذر العدا وجبيبه بالمشرق
/ أ/ لولا الحذار على الورى لملأتما بيني وبينك من زفير محرق
وسكبت دمعي ثم قلت لسكبهمن لم يذب من زفرتي فليغرق
لكن خشيت عقاب ربِّي أن أرىأحرقت أو أغرقت من لم أخلق
وأنشدني؛ قال: أنشدني أبو الحسن بن حريق، وكان قد خرج إلى متنزهٍ له مع من يحبّه إلى خارج؛ فجاء السيل ومنع محبوبه من العود إلى البلد، فباتا جميعًا:
يا ليلةًَ جادت الأمانيفيها على رغم أنف دهري
تسيل فيها عليَّ نعمييقصر عنها طويل شكري
إذ بات في منزلي حبيبيوقام لي أهله بعذري
وأنشدني إسماعيل بن عبد الله بن إسماعيل البياسي، بمحروسة حلب في سنة أربع وثلاثين وستمائة؛ قال: أنشدني أبو الحسن علي بن حريق البلنسي لنفسه بيّاسة، وكان مشرفها:
/ ب/ يا صاحبيَّ وما البخيل بصاحبيهذي الدِّيار فأين تلك الأدمع
أتمرُّ بالعرصات لا تبكي بهاوهي المنازل منهم والأربع
هيهات لا ريح الصَّبابة بعدهمرهو ولا طير التشوُّق وقَّع
حلفوا على قلبي بسحر جفونهملا زال يتعبه الهوى ويصدِّع
وأبى الهوى إلَّا الحلول بلعلعويح المطايا أين منها لعلع
لم أدر أين ثووا فلم أسأل بهمريحًا تهب ولا بريقًا يلمع
وكأنَّهم في كلِّ مدرج ناسمفعليه منهم رقَّة وتضوُّع
وإذا منحتهم السَّلام تبادرتتبليغه عنِّي الرِّياح الأربع
عليُّ بن عبد الله [بن] ورياش بن المبارك بن يوسف بن موسى بن يزكوك، أبو الحسن الوهرانيُّ الأنصاريُّ.
نزيل دمشق، الخطيب الصالح الفاضل.
كانت ولادته بوهران، في رجب ستة سبع وثلاثين وخمسمائة، وتوفي – ﵀ – يوم الأربعاء سادس عشري ذي القعدة سنة خمس عشرة أ/ وستمائة، بداريا من أعمال دمشق – كان خطيبها -.
وكان قد أعطاه الله العلم الوافر، والعمل الصالح، له تصنيف وأشعار، كان يقولها، وفضله على كثير من أبناء زمانه؛ وكان تقيًا في نفسه ذا ورع وخير، سديد
الطريقة، جميل الأمر.
خرج عن بلاد المغرب، ونزل الشام، وتولّى خطابة داريا، وأوطنها، إلى أن توفي بها؛ وصنف تفسيرًا لكتاب الله تعالى أجاد في تصنيفه وأحسن.
أنشدني نجيب الدين أبو الفتح نصر الله بن أبي العزّ بن أبي طالب الصفار الشيباني الدمشقي بها في أوائل سنة أربعين وستمائة؛ قال: أنشدني الشيخ الجليل الصالح أبو الحسن علي بن عبد الله ورياش بن المبارك الوهراني لنفسه في الوحدة:
أصبحت والحمد للرحمن منفردًاعن كلِّ وغد من الأقوام شتَّام
ما لي أنيس سوى أنِّي امرؤ عكفتنفسي على الكتب أيَّامي وأعوامي
أوحي إليها بطرفي وهي تخبرنيعن من تقدَّم من سامٍ ومن حام
وأنشدني؛ قال: أنشدني لنفسه:
أما في ذا الزَّمان أخ شفيقكثير فضله غمر طليق
/ ب/ يردُّ بفضله الأزمات عنِّيإذا طرقت ويتَّسع المضيق
فقد كثرت حوادثهنَّ عنديولا سيما إذا فرغ الدَّقيق
تهدُّ لخطبها الشُّمُّ الرَّواسيفكيف يطيقها الشَّخص الرَّقيق
وأنشدني؛ قال: أنشدني لنفسه في الحر:
ويوم تمجُّ الشَّمس فيه لعابهايكاد الحصى من حرِّه يتفلَّق
ينضِّج أفراخ القطا جوف قيضهاويتَّرك الرُّبد النقانق تفهق
فلو حطَّ شلو فوق أمعر شاهقلعاد حنيذًا لحمه يتمزَّق
وأنشدني؛ قال: أنشدني لنفسه في حاله بدمشق:
عليَّ ثياب باليات لو أنَّهاتقوم ولم تبلغ بقيمتها فلسين
وإني أراني عزَّة وجلالةإذا سرت فيها أسحب الذيل ذا القرنين
وما ذاك إلاّ العلم يسمو بربِّهفيستصغر الدنيا وما جمعت من عين
وتبصر فيها من المال والعلامع البؤس والفقر الملمّ بها سيبين
وأنشدني؛ قال: أنشدني لنفسه في الشَّمعة:
وراهب بات طول اللَّيل منتحبًايبكي وفي رأسه طرطور من ذهبه
/ أ/ يشكو إلى الله إحراق الجحيم لهيا فوخه واحتكام البرد في ذنبه
وأنشدني؛ قال: أنشدني لنفسه في البرغش:
لله ليلتنا ما كان أطولهاظللت أقمص والبرغوث يرتقص
وبات يزمر حولي اللَّيل برغشهاوبتُّ الطم وجهي وهو يمَّلصُّ
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه من أبيات في الغربة:
هبَّت له من ثنيَّات العيون صبافحنَّ وجدًا لأيَّام الصِّبا وصبا
وذاب من ذكر وهران ومنزلةقد شبَّ فيها قديمًا عظمه وجبا
لله أيامنا والشَّمل ملتئمبساحتيه ودهر بالسرور حبا
إذ أسحب الذَّيل من عار الحمام إلىطود الشَّرائع أسعى والهوا خببا
لا أعرف الهمَّ أنى سار متَّجهًاولا أوافق داعي العمر إن وثبا
فشتَّت الدَّهر شمل من معالمهاكصاحب السدِّ إذ يسعى به سببا
وبدِّلت عيشتي بعد النَّعيم بهاكما تبدَّل جنَّات بأرض سبا
وقد تردَّيت ثوب العزِّ بعدهموبعد عزِّ وثوب الذُّل للغربا
إذا رأيت غريبًا سحَّ أدمعهوافقته في البكا إذ كلُّنا نسبا
/ ب/ وما توادع قوم يوم بينهمإلا توقَّد قلبي والحشا لهبا
أعارض الرَّكب علِّي أن أرى رجلًامن آل وهران أو ألقى به كتبا
لا تيأسنَّ فإن الدَّهر ذو عجبوربما أعتب الدَّهر الَّذي عتبا
قد فاز يعقوب في الدُّنيا ببغيتهمن بعد ما عاش في أحزانه حقبا
عليُّ بن أبي منصور بن محمد، أبو الحسن الموصلي.
حدثني الصاحب أبو البركات المستوفي – ﵁ – قال: كان من صناع الموصل الصفارين؛ عاميًا جاهلًا في غاية.
لقيته عند شيخنا أبي الحرم النحوي، وقد أنشده أبياتًا عينية، وارتكب فيها ألفاظًا ومعاني، لا يفهمهما من وقف عليها، ولا هو إذا سئل عنها يعلم معناها!، إنما هي ألفاظ موزونة فقط؛ وكان شيخنا أبو الحرم قد بلغه أنه يقع في شعر أبي عبد الله النجراني؛ فتغيظ عليه ذلك اليوم تغيظًا شديدًا، فلم نزل نسكنه عنه حتى سكن.
كان يرد إربل ويتوصل إلى لقاء الوزير ولي الدين أبي الثناء محمود بن محمد بن نقدار الحراني، الَّذي كان مقدمًا بها، ليمتدحه فيأبى عليه أ/ ويجبهه بكل منكر، وهو لا يكثرث لذلك، ولا يزال حتى يأخذ من صلة السلطان مظفر الدين أبي سعيد كوكبوري بن علي بن بكتكين؛ ومنه هكذا في كل سنة.
وقد سمعت منه كثيرًا من شعره، إلا أني لم أره أن أقيد عنه شيئًا لجهله؛ هذا كلّه كلام الصاحب أبو البركات – ﵁ – ثم أنشد له هذه الأبيات من قصيدة:
أدرها كؤوسًا يا نديمي ودارهوخذ واعطه من قبل حال داره
ولا تسقنيها في صغار محرِّمًافإني أرى تحليلها في كباره
ولا تطف نيرانًا لها بمياههااتقَّ الله واحذره وخف حرَّ ناره
معتقةً من رحل آدم في الحياوعذراء بكرًا كالطلا في كباره
لها حبب كالدرِّ في الكأس لم يزلعلى رأسها في نظمه ونثاره
.. دهقانها في يمينهترى لهبًا أو شعلةً في يساره
عليُّ بن أحمد بن عليِّ بن محمد، أبو الحسن بن أبي العباس العنبري المنجم، المعروف بابن دوَّاس القنا.
/ ب/ من أهل واسط، ومن بيت معروف بها، كان هو وأبوه وأخوه شعراء،
وهم من بيت أدب وفضل.
وكان أبو الحسن يقول شعرًا مقاربًا، ويمدح به الناس، وله يد جيدة في تقويم الكواكب، وكتبة التقاويم؛ قرأ علم الأوائل، وانفرد بمعرفة علم النجوم وتسيرها، وأجاد في ذلك، واشتهر به، وعرف بهذا النوع وإحكامه.
قدم بغداد مرارًا، وقرأ بها على جماعة من أدبائها ومشايخها، وأخذ عنه من أهلها، واستوطنها إلى أن قبر بها في شهر ربيع الآخر سنة اثنتي عشرة وستمائة؛ وكانت ولادته سنة أربع وأربعين وخمسمائة.
أنشدني الحافظ أبو عبد الله محمد بن محمود بن الحسن بن النجار البغدادي، بها في سنة تسع وثلاثين وستمائة؛ قال: أنشدنا أبو الحسن علي بن أحمد بن دواس القنا لنفسه في الإجازة ونقلته من خطه؛ وأنشدني عنه ابن الحمامي:
إنِّي أعالج أقوامًا إذا اختبرواكأنَّ شاب جمال تحتها صور
مقدَّمين فلا أصل ولا حسبولا نسيم ولا ظلٌّ ولا ثمر
/ أ/ هم الصدور ولكن لا قلوب لهايا ليت مذ نظروا ما كان لي نظر
من كلِّ صدر متى لاقاه مادحهكانت مواهبه التَّقطيب والضَّجر
عليُّ بن سعد.
هكذا رأيته.
ناولني القاضي الإمام بهاء الدين أبو محمد الحسن بن إبراهيم الخشاب – أيده الله تعالى – مجلّدة متضمنة أشعار شعراء العصريين بخطوطهم، منهم جماعة امتدحوا السلطان غياث الدين الملك الظاهر – صاحب حلب – فتصفحتها، فعثرت في أثنائها باسم هذا الشاعر على قصيدة من نظمه معنونة "المملوك علي بن سعد"، لا غير.
فسألت القاضي بهاء الدين – أيده الله تعالى – عن شيء من أمر هذا الرجل؛ قال: لا أعرف من حاله شيئًا؛ والقصيدة في الملك الزاهر محيي الدين أبي سليمان داود بن يوسف بن أيوب بن شاذي – صاحب البيرة -:
فخر الملوك مجير الدِّين داودمن ظلُّ جدواه فوق الخلق ممدود
/ ب/ من الملوك وإن جلُّوا وإن عظمواعند التناسب محسوب ومعدود
ملك غدا فضله في الأرض منتشرًاومجده فوق أفق الأرض معقود
قف حيث دوحة ذاك الملك زاهرةوالسَّيف ذو شطب والرُّمح أملود
والعزُّ أقعس والآمال باسمةوللعفاة ببذل الجود تبديد
فثمَّ أبلج وضَّاح الجبين إلىحديث نائله تعلو الأسانيد
يهزُّ للمدح أعطافًا مكرَّمةًلم يثنها عن بناء المجد تفنيد
متيَّم بالمعالي هائم دنفسكران من نشوات الفضل عربيد
ما بال سيفك لا تنبو مضاربهتراه في عزمك الفتَّاك مقدود
وخيلك الجرد لا تنفكُّ غائرةًكأنَّها المال من كفَّيك والجود
وطيب نشرك لا ينفكُّ ذا أرجكأنَّه المسك والجاديُّ والعود
إنَّ الإمارة إسم أنت مثبتهوالملك أنت له ركن وتشييد
والفضل لولاك ما قامت دعائمهولا استقام له ساق ولا جيد
لله أنت فكم قد حزت من شيمبنشرها يستلذُّ الرَّكب والبيد
فضل وعلم وإفضال ومعرفةوهمَّة وندى كفٍّ وتأييد
لا يطَّيبه أقاويل مزخرفةولا يرنِّحه الوهنانة الرُّود
/ أ/ وللسرير وللدست المطلِّ بهوالتَّاج والسَّرج تعظيم وتمجيد
وما سمعنا بملك قبله بشركفَّاه بحر ندى والقلب جلمود
يهتزُّ تحت وشيج الخطِّ منه فتىفي الحرب والسِّلم معروف ومشهود
طلق النَّقيبة في النَّادي لآملهوفي الكريهة مقدام وصنديد
حوض وروض لجانيه وواردهفالحوض والرَّوض مروود ومورود
يقول للوفد والطرَّاق نائلههذا الغنيُّ متى ما شئتم عودوا
كأنَّما نغمات السَّائلين إذاطافوا بأبوابه لحن وتغريد
زها به الملك وانقادت شكائمهإليه فهو إلى الأملاك محسود
أفتى وأفتك في يومي ندى ووغىلأنت ذاك على الحالين محمود
نثني عليك وتأتينا عوائدك الحسنى فأنت لنا قصد ومقصود
قد أسعد الله أرضًا أنت مالكهاوعصرها بك يا داود مودود
ربوعها بندى كفَّيك مرتبعوكلَّ يوم لأهليها بها عيد
باتت إليك أمانينا وأنفسناكثيرة الشَّوق والمهريَّة القود
كالأرض تشتاق هطَّال السَّحاب إذاما صوَّح النبت يومًا أو ذوى العود
لا زال كفُّك للقصَّاد منتجعًاتبيضُّ من جوده آمالنا السُّود
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (٢٠٠٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع