من «قلائد الجمان في فرائد شعراء هذا الزمان» لابن الشعار الموصلي (ت ٦٥٤هـ)
ذكر من اسمه علي (٣)
/ ب/ علي بن أحمد بن فشتال، أبو الحسن الكاتب.
الفاضل الأديب.
أخبرني شيخ الشيوخ؛ قال: أظُّنه من أهل الأندلس، رأيته بمراكش. وكان معطلًا عن العمل حاليًا بفضائله، وإن كان في العطل.
وله رسائل حسنة، وألفاظ بديعة معتبرة؛ وكان يميل في رسائله وشعره، إلى طريقة أهل المشرق، وحصل من عندي كثيرًا من ترسل القاضي الفاضل، والعماد الكاتب وغيرهما – ﵏.
وكتب إلى بإحسان تجدد لي من السيد أبي يوسف يعقوب بن عبد المؤمن، وهو تمليك بستان بناحية أغمات، وتقدّم إلى بقضاء حوائج الغرباء والعود عنده:
رأيت بعيني اليوم في صحف المنىلمجدك ما تعطي من الحظِّ في غد
فصرت أمنِّي النَّفس تجديد ما عفىمن العزِّ لي في عزِّك المتجدِّد
عليُّ بن عبد الرحمن أ/ بن أحمد بن عليٍّ، أبو الحسن المراكشيُّ.
متفقه على مذهب مالك بن أنس – ﵁ – نزيل بغداد. أنشدني وجيه الدين الإسكندري؛ قال: أنشدني أبو الحسن لنفسه ويعرف بالكرديِّ والغّزي أيضًا:
خلعت عذاري في الحبيب تطرُّفًاعلى أنَّني من أخلع النَّاس في الخلع
وما [ذاك] في التَّحقيق مني تطبُّعًابلى هو في أصل الجبلَّة بالطبع
فمن رام من قلبي سلوا فإنَّمايكلِّفني بالجهل ما ليس في وسعي
يقولون لا تهواه هلاَّ سلوتهوهذا إذا حقَّقته فاسد الوضع
وهل شاهدت عيناي إلَّا جمالهدنا أو نأى في حالة الفرق والجمع
فمحبوب قلبي ما تعلَّلت باسمهولا وقع للعذَّال في القلب والسَّمع
فلست مطيع العذل..... ... لقتلي إمام العدل بالسَّيف والنَّطع
فإن قيل مجنون وقيل مموِّهوأكثرت الأقوال بالظَّنِّ والقطع
فعرضي مبذول ومالي مبذَّروقتلي وختلي مستباحان في شرعي
عليُّ بن يحيى بن المبارك بن عليِّ بن الحسين بن بندار، أبو المحاسن المخرّميُّ.
/ ب/ [قال]
ويوم دجوجيٍّ له الصَّقع غيهبولمع الظُّبى برق وسمر القنا شهب
كشفت بسيفي ما دجا من خطوبهوإني بذاك اليوم مستهتر صبُّ
وما زلت كشَّافًا لكلِّ ملمَّةرحى الحرب إن دات فإنِّي لها قطب
حبيبًا لدى الأقوام ليثًا لدى الوغىويعظم شأني كلَّما عظم الخطب
فسيفي لا يهوى سوى لمم العداويعظم شأني كلّما عظم الخطب
وأنشدني المجد النشابيّ عنه ببغداد:
يقول فتى الفتيان بشر بن خازممقالًا له في كلِّ صادقة نطق
وكيل لقينا العين في العين للعدافطرنا لحرب قبل أن يسفر الشَّرق
فأطلعت المرَّان فينا كواكبًابخرصانها والبيض ضاء لها برق
وأبدى بريق السابغات على الدِّماشعاعًا كما يبدي لنا الشَّفق الأفق
وإنَّا لنهدي بالسُّيوف إلى العدافما ضلَّ هادينا ولم تبهم الطُّرق
إلى أن بدا خيط الصَّباح كأنَّهعلى حالك من فرع غيهبها فرق
فيا لك من ليل فتت ظلامهبرتق علًا ما بعد رتقي لها خرق
وكم كربة كشَّفتها وملمَّةلعزمي عليها حين فرَّجتها حقُّ
بوجه حييٍّ في النَّوال وإنَّهوقاح لدى يوم الوغى وليس السَّبق
/ أ/ ولي صارم مغرى بحز غلاصمالأعادي وكلٌّ بالنوال لها عبق
ومن عجب أنِّي أسرت بنائليعفاة لهم من أسر إعدامهم عتق
أكذِّب ظنِّي في الوعيد وعندهوعود لها في ظنِّ إنجازها صدق
وفخري بإنعام الخليفة إنَّهندى عاش فيه الخلق واتَّسع الرِّزق
وله:
وربَّ فتيان صدق طاب ذكرهمنادمتهم ونجوم الأفق لم تغب
وشمسنا من سماء الكأس واجبةفينا وسورتها بالسُّكر لم تجب
يحدو بها مسمع في شدوه طربيرنِّح الشَّرب مغنى ذلك الطَّرب
وبيننا من أحاديث منمَّقةنظم من الشِّعر أو نثر من الخطب
حتى دعا للوغى داع فخلتهمنارًا تضرَّم أو جندًا من الغضب
وعادت الرَّاح محمر النَّجيع وماالكاسات غير الدُّرينَّيات والعضب
والضَّرب بالعود ضرب العود راسلهحسام قرب له بعد عن القرب
إذا سقوا فارس الهيجاء كأسهمفي الحرب سابقت اللَّبات للَّبب
لهم سماء من النَّقع المثار بهمن الأسنَّة لمع الأنجم الشُّهب
إذ السُّيوف بروق والصَّيهل بهارغد ووقع مطار النَّبل كالسُّحب
/ ب/ كأنَّما خلقوا دنيا لحربهمفأيقنوا أنَّها الدُّنيا بلا كذب
خطُّوا على كلِّ درع نقط خطِّهمفي شكل بيضهم نقلًا من الكتب
بيض الصَّفائح لا سود الصَّحائف فيمتونهنَّ جلاء الشَّكَّ والرِّيب
قالوا وقد سئلوا الأنساب بينهمجود الخليفة فينا أفضل النَّسب
وله:
لأنعامنا بالمدى إلفةكما يألف النَّاظران الشَّهر
تسيل المذاكي على حدِّهافما تراهنَّ إلَّا حمر
ترى العرف في ذبحها للضيوف وفي تركها للبقاء البكر
وجرد أعدَّت ليوم الجلاد عواري للسمع قبُّ شزر
صيام يلكن حديد اللِّجاموأسيافنا في الدِّماء الغدر
ولا نألف البيض بيض الخدورولا السُّمر إلَّا عوالي السُّمر
عليُّ بن يوسف بن نصر بن فتيان، أبو الحسن البصريُّ.
تفقه على مذهب الإمام الشافعي؛ ولديه فضل وأدب ويقول الأشعار أ/ الحسان.
خرج عن البصرة، متوجهًا إلى البلاد الشامية، ونزل دمشق، وقصد بها الملوك وغيرهم من الأمراء يمتدحهم بشعره، وهو مقيم بها.
أنشدني الشيخ أبو محمد عبد الله بن أحمد بن يوسف الفرّبالي اللخمي؛ قال: أنشدني أبو الحسن علي بن يوسف البصري لنفسه بدمشق – خارجها بسفح جبل قاسيون – في شهر شوال سنة ثلاث وثلاثين وستمائة:
يلومك في الظَّبي الظَّليم ظلومسليم من البلوى وأنت سليم
ويلحاك قوم في الغرام بأحوركريم وما يلحاك فيه كريم
أفي خدِّه أم خاله أم عذارهتلام وفي كلٍّ ملامك لوم
غزال له من مقلتيه صوارملها من قلوب العاشقين كلوم
وقالوا أتهوى أعرجًا يحمل العصاوذلك شين في الحبيب ذميم
فقلت لهم قد كان موسى بكفِّهعصا قبل من أهواه وهو كليم
كما وجهه في الحسن فرد وقدُّهكذا ساقه فرد أخوه عديم
وأنشدني؛ قال: أنشدني لنفسه:
يزورك من أنت لا تعشقوطيف حبيبك لا يطرق
/ ب/ فيا من بدا فتنةً للورىإذا ما بدا وجهه المشرق
تركت ازدياري خوف العدافطيفك باللَّيل ما يفرق
إذا غاب شخصك عن جلِّقفبعدك لا مطرت جلِّق
وأنشدني له أيضًا:
أهوى الغزال الَّذي ما زال مرتعهواد تضوَّع بالقيصوم والشِّيح
إنَّ الخمائل أمسى نشرها أرجًامن طيب ريَّاك من نسمة الرِّيح
هلاَّ كففت سهامًا أنت مرسلهافالقوم ما بين مقتول ومجروح
أهواك حتَّى إذا لم تبق لي جسدًاأسكنت حبَّك ما أبقيت من روحي
قد وفَّر الله حظِّي في هواك كمافي الحسن حظُّك أضحى غير مرجوح
منائح الله يؤتيها خلائقهوالنَّاس ما بين مجروح وممنوح
وأنشدني له أيضًا:
إمَّا مررت على النَّقا وكناسهفخذ الأمان من الظِّباء لناسه
فلربَّ ربِّ نهى بها فتكت بهتلك الجاذر لم يحفن لباسه
من كلِّ أحور ما رنا إلاَّ رمىقتلًا فقل دفاعه نبراسه
رشأ تشين الشَّمس غرَّة وجههوتفوق جنح اللَّيل طرَّة رأسه
/ أ/ وأنشدني له أيضًا:
فديت مولى لم يزل سابقًافضلًا دنا مملوكه أو قصا
ذا أدب لمَّا أتى طرسهأطاعني من كان قدمًا عصى
فها أنا في الشام عيسى الَّذيأرسل من بعد نبيِّ العصا
أنشر ذا الرَّمس بألفاظهوأبرئ الأكمه والأبرصا
لا زلت فخر الدِّين في نعمةتنمو وسعد لا يرى ناقصا
عليُّ بن خمير، أبو الحسن السبتيُّ.
كان فقيهًا مالكيًا، شاعرًا مفلقًا، أصوليًا عالمًا، أديبًا لغويًا؛ توفي سنة أربع عشرة وستمائة.
أنشدني أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أحمد بن علي بن عبد الواحد الأوسي السبتي بحلب المحروسة؛ قال: أنشدني الشيخ أبو الحسن علي بن خمير لنفسه:
إذا شئت أن تبكي فريدًا من الهوىفتندبه بعد النَّبيَّ المكرَّم
فحامل علم عالم متورِّعحرص على التَّحريض للمتعلِّم
/ ب/ وحاكم عدل بالشَّريعة قائميقول بحكم الله لا بالتحكُّم
وصاحب مال فاضل متفضِّليجود به حقًا على كلِّ معدم
وساهر ليل شافع متشفِّعبكلِّ نؤوم شابع متبشِّم
وصاحب سيف للعدوِّ مرابطيسدُّ به في كلّ ثغر مثلَّم
هم خمسة يبكون حقًا وغيرهمإلى حيث ألقت حملها أمٌّ قشعم
عليُّ بن محمد بن داود بن الناصر، أبو الحسن بن أبي جعفر الحسنيُّ.
من أهل حلب، ومن شرفائها المميزين؛ وكان فاضلًا قارئًا للقرآن العزيز، وأخذ طرفًا من العربية، ونظر في الأدب، وصار له معرفة حسنة.
وقال شعرًا متوسطًا، وكانت بينه وبين الشيخ أبو الحسن علي بن عبد الجبار القيرواني الكاتب المعروف بابن الزيات، مكاتبة بالأشعار ومجاوبة.
أخبرني الصاحب مؤيد الدين أبو نصر إبراهيم بن يوسف بن القفطي – أسعده الله
تعالى – قال: توفي أبو الحسن علي بن محمد بن الناصر في آخر شهر رمضان سنة أ/ ست عشرة وستمائة بحلب.
أنشدني من شعره نجم الدين أبو محمد القاسم بن محمد بن سراج الحلبي – أسعده الله تعالى – بحلب؛ قال: أنشدني الشريف أبو الحسين علي بن محمد بن داود بن الناصر لنفسه، يمدح الملك الظاهر – صاحب قلعة حلب – في سنة إحدى عشرة وستمائة:
سائل حداة الرَّكب أني يمَّمواهل أنجدوا بفؤاده أو اتهموا؟
وابلغ تحيَّته الفنيق وقل سقىمغناك من وطف السَّحاب المرزم
طلل أسمت بروضه سرح الصِّباورتعت فيه لاهيًا لا أسأم
أيام لا العذَّال تملك سلوتيفيها ولا يثني هواي اللُّوَّم
ما نافعي أنِّي أكتِّم حبَّهاخوف العواذل والضَّنى يتكلَّم
وإذا الظَّلوم رعيت عهد ودادهفي الحبِّ إنَّك منه فيه لأظلم
فخرت به الهيف القدود كما زهاالأملاك قاطبة بأنَّك منهم
ولأنت أفخرهم إذا انتسبوا أبًاوأجلُّهم نعمى إذا ما أنعموا
فخرًا غياث الدين يا أندى الورىكفًا وأشجعهم إذا ما استسلموا
وافى أخيرًا عصره وأتى بمالم يأته من عصره المتقدِّم
من منَّة مشهورة وصنيعةمأثورة ويد تعول وتنعم
/ ب/ بيمينه هيفاء يرهب نفثهاالجاني فتلك يراعة أم أرقم؟
في السِّلم يقطر من أنامله اللُّهىوالحرب يقطر من أنامله الدَّم
ومنها:
جاء الشِّتاء فليس عندي درهموبمثل ذلك قد يصاب المسلم
وتجلبب النَّاس الخزوز وغيرهاوكأنَّني بفناء مكَّة محرم
لا يغرر الرَّائي رداء مونقكلَّا ولا ثوب قشيب معلم
فمن الغياث قديمه وحديثهوهو الَّذي يولي الجميل وينعم
فتهنَّ بالشَّهر الأصمِّ ممتَّعًابالملك ما لبَّى بمكَّة محرم
وأنشدني الصاحب مؤيد الدين أبو نصر إبراهيم بن يوسف بن إبراهيم؛ قال: أنشدني الشريف لنفسه:
ومهفهف ثمل الشَّمائل زارنيفوشى عليه جماله والطِّيب
فمتى أسر بوصل من أحببتهوعليه منه مع الرَّقيب رقيب
عليُّ بن أحمد بن محمد، أبو الحسن أ/ الأشبيليُّ المعروف بالقسطار.
من أهل الحديث والقرآن، وله نظم. أقام بدمشق مدّة يسمع الحديث على مشائخها.
أنشدني الشيخ تاج الدين أبو الحسن محمد بن أحمد القرطبي الدمشقي، بها سنة أربعين وستمائة؛ قال أنشدني القسطار لنفسه:
سقاني ولم يشرب وذاك تأدُّبًاوأقسم أنِّي قبله سوف أشرب
فما اسطعت إلاَّ أن أبرَّ يمينهوكنت لعمر الله في السُّوء أرغب
وأنشدني؛ قال: أنشدني لنفسه، وقد سئل عن شوقه للأهل كيف هو؟:
يا سائلي كيف شوقي الأهل والوطناهيَّجت والله لي ما كان قد سكنا
كيف اشتياق غريب الدَّار منقطععشرين عامًا يقاسي غربة وضنى
شوقي إليهم شديد لا انفصام لهوالقلب ذو حرق مذ فارق السَّكنا
وأنشدني أيضًا؛ قال: أنشدني لنفسه، وكان يومًا عند شيخه خزعل بن عسكر النحوي؛ وسأله أبو موسى عيسى بن سليمان الرعيني أن يجيزه، فوعده الشيخ بذلك فقال:
/ ب/ جرت العوائد إذ يجاز محدِّثبحضور آخر لم يجز يتغبَّن
وعوائد المولى التقيِّ بفضلهجبر القلوب وجبر قلبي هيِّن
وأنشدني؛ قال: أنشدني لنفسه، وقد ذهب بابنه كرهًا إلى جدّته وهو يقول له: دعني عندك اليوم وغدًا وابعثني إليهم؛ فقال:
لهفي على الولد العزيز وقد غداكرهًا يفارقني إلى بيت العدا
ويقول: يا مولاي تسلمني إلىمن ليس يرحمني، ويوردني الرَّدى!
مولاي دعني عندكم متنعِّمًايومي وينتقمون مني هم غدا
مولاي كيف تسرُّ وابنك موثقفي أسر باغيه عليه تمرَّدا؟
فأجبته والدَّمع منهمل علىخدٍّ نحيل أصفر: نفسي الفدا
نفسي فداؤك من أذى جرِّعتهطفلًا فساعدك الإله وأسعدا
عليُّ بن عبد الرحمن بن عثمان بن الحسن بن عبلة بن الرفاعيِّ، أبو الحسن.
/ أ/ كانت ولادته – بقرية من سواد واسط، تدعى أم عبيدة – في سنة ثمانين وخمسمائة، وتوفي بها ظهر يوم الخميس الرابع عشر من جمادى الأولى سنة ست وثلاثين وستمائة، وقبره بها يزار – رحمه الله تعالى -.
كان شيخ وقته زهدًا وحالًا؛ فقيهًا شافعي المذهب، واعظًا كبير البيت، عارفًا بتفسير القرآن والحديث النبوي، وله جماعة كثيرة من المريدين والأتباع، ينتمون إليه، ويقصدونه من كلّ مكان، وأهل السواد يقبلون عليه ويعتقدون فيه اعتقادًا عظيمًا، وذكره مشهور في البلاد سيَّار في الأقطار.
أنشدني القاضي أبو العباس أحمد بن الحسن بن عبد الله بن سابور الهمامي، بالهرب من الأعمال الواسطية في شهر شعبان سنة تسع وثلاثين وستمائة، قال: أنشدني الشيخ الزاهد أبو الحسن علي بن عبد الرحيم بن الرفاعي لنفسه:
أتيناكم مستغفرين لأنَّناعرفناكم بالصفح عن كلِّ معتدي
وطفنا بناديكم وقلنا ترابهذرور به نعتاض عن كلِّ إثمد
بحرمة أيَّام الوصال الَّتي مضتوما شاب صافيها كلام مفنِّد
/ ب/ أقيلوني الذنب الَّذي قد أتيتهولا تشمتوا بي قلب واش وحسَّد
وله عند قصده باب الشيخ منصور بن الرفاعي – ﵄:
وفد الوفود إلى جنابك كلُّهمسألوا الشَّفاعة منك في الزَّلَّات
فتيقَّنوا أنَّ الإله بفضلهمنح القبول ومنَّ بالطَّاعات
فأنزل فديتك في ذراه فإنَّهأهل العطاء ومعدن الخيرات
وأبشر وجدَّ بقصده ومزارهوانعم بقرب منه في الجنَّات
وله:
ولو بذل الدَّلاَّل وصلك يافعًالقمت إليه راغبًا ومبادرا
وقبَّضته روحي وقلبي وقالبيوأيقنت أنِّي لست في ذاك خاسرا
وأنشدني صدر الدين أبو القاسم بن أحمد بن محمد بن عبد الرحمن بن عثمان الرفاعي؛ قال: سمعت الشيخ العالم ينشد هذه الأبيات لنفسه؛ قالها في مطرب كان بين يديه:
هذا الجمال عليٌّ في جماعتهكصنو بدر تجلَّى في ملاحته
/ أ/ ترنو إليه عيون النَّاس ناظرةًشوقًا إلى وجهه من طيب نغمته
يئنُّ كلُّ حسود من تحسُّرهعلى زمان مضى من قرب دكَّته
عليُّ بن محمَّد بن إبراهيم بن محمَّد المدنتانيُّ.
ومدنتان قرية من قرى بعلبك.
أبو الحسن الكاتب المدعو بالتقيّ، كاتب الملك الأمجد؛ كان عنده أدب وفضل
شاعر؛ ومن مختار شعره قوله يمدح الملك المنصور محمد – صاحب حمأة – وذلك في سنة سبع وتسعين وخمسمائة من قصيدة أوّلها:
نومي لهجر ظباء الجزع مهجوروالغمض يوم حضور البين محظور
كيف اصطباري ونار الشَّوق تضرم فيقلبي وخدِّي بماء الدَّمع ممطور
فمن لصبٍّ غريق بالدُّموع لهجسم حشاه بجمر الوجد مسجور
يشوقه بارق الجرعاء منبسطًاله على النَّور من روض الحمى نور
كأنَّه حين يبدو من غمامتهمهنَّد لامع المتنين مشهور
ما البان مذبان سكَّان العقيق بمأنوس وقد عتبت أقماره العير
/ ب/ ومنها في المدح:
أيَّام أنصر فيها بالوصال كماالإسلام بالملك المنصور منصور
سلطان حلم وبأس دنت أعبدهوقرن هيجاء معفور ومعفور
كم في قلوب العدا كلم لخيفتهلكنه بسنان الرُّمح مسبور
لا غرو أنَّ فرَّق الأعدا بسطوتهوهم فريقان محصود ومحصور
بدر كواعبه الخرصان راجمةًإذا دجا من عجاج الحرب ديجور
ملك هو البحر مرجى ما سجا فإذاما هاج موج ظباه فهو محذور
يجري على الناس من إنعامه نعمًاتترى وتجري بما تهوى المقادير
وفوده نحوه أنضت مراكبهاحتى شكاها إليه السَّرج والكور
مؤزَّر ببرود الحمد مشثتملمتوَّج بوقار الملك محبور
علي بن سعيد بن حمامة، أبو الحسن الصنهاجي التلكاني.
من أهل المغرب؛ كان شيخًا فيه فضل وأدب، وله معرفة بعلم العروض والقوافي، وعناية بتأليف الأشعار، وجمعها وترتيبها، ويلزم نفسه أ/ ذلك.
نزل حماة، وانقطع إلى لسانها الملك المظفر تقيّ الدين أبي المناقب عمر بن شاهنشاه بن أيوب بن شاذي – ﵀.
وجمع باسمه كتابًا سمّاه "نفائس الأعلاق في مآثر العشاق" وعمله مبوّبًا، عشرين بابًا، أودع فيه من بدائع الحكايات، ونوادر الأشعار.
وظفرت له بكتاب آخر، لقبه بـ "زناد المقتبس في ملح أهل الأندلس"، ..... الأشعار التي ضمنها الكتاب على حروف المعجم، ولم يأت فيه بغريب من الشعر.
وكان شاعرًا مكثرًا من النظم، وعمل الموشحات، قادرًا على إنشائه وارتجاله، يصنع منه ما شاء في ساعة واحدة بغير فكرة ولا رويّة.
وفد إلى البلاد الشامية، في أيام الملك العادل نور الدين أبي القاسم محمود بن زنكي بن آقسنقر – ﵀ – فامتدحه بقصائد شتى، ومدح بعده الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب – ﵀ – بعدة قصائد.
وبلغني أنَّه أدرك أوائل المائة السابعة – والله أعلم – كذا أخبرني بذلك الوزير الصاحب القاضي الأكرم أبو الحسن علي ب/ بن يوسف بن إبراهيم القفطي – أسعده الله – بحلب.
أنشدني أبو الحسن علي بن فيّاض بن علي المغربي الحلبي؛ قال: أنشدني أبو الحسن علي بن سعيد بن حمامة الصنهاجي التلكاني لنفسه – وقد رأى فاختة على شجرة نارنج وهي تغرّد:
ولابسة ثوبًا من الرِّيش أدكناتروقك مرأى في الغصون ومسكنا
بنت في أعالي الدَّوح وكرًا محصَّنًاتفيَّأ أوراقًا لدانا وأغصنا
أرتنا بأفنان الأراكة قيصراوقد حلَّ أعلى قبَّة الملك والسَّنا
وأنسك ألحانًا وسجع مخارقإذا مسَّ أوتارًا وغرَّد معلنا
بكت طربًا لمَّا بكيت صبابةًوكم بين مسرور ومن يشتكي الضَّنا
ومن شعره أيضًا أول قصيدة:
غنَّى الحمام على أغصانه طربافلم يدع مهجةً إلَّا التظت لهبا
هاجت لي الشَّوق في الأغصان صارخةًلا تعرف الوجد والأشواق والوصبا
ما إن رأيت جهولًا قبل رؤيتهاأصبى الحليم إلى أن بات مكتئبا
تبكي وما فارقت إلفًا ولا وطنافكيف من فارق الألاَّف مغتربا
/ أ/ يا قاتل الله صدَّاح الخمام إلىكم يألف النَّوح في أغصانه طربا
هاج الصَّبابة من أعنان كاظمةحتى استهلَّت علينا باللِّوى سحبا
ومن شعره أيضًا في كتابه المسمّى بـ"النفائس الأعلاق":
باتا بأنعم عيشة حتَّى بداصبح تألَّق كالأغرِّ الأشقر
فتلازما عند الصَّباح صبابةأخذ الغريم بفضل ذيل المعسر
عليُّ بن المعمّر بن أبي القاسم، أبو الحسن الواسطيُّ.
كان قارئًا حسنًا، محدّثًا شاعرًا؛ قرأ القرآن بواسط، وسمع الحديث الكثير؛ وعنده دراية بالنحو واللغة.
قدم بغداد واستوطنها، إلى أن توفّي بها يوم السبت ثاني شهر رمضان سنة تسع وستمائة، ودفن غربيها، عند قبر معروف الزاهد – ﵁.
أنشدني الصاحب الوزير أبو البركات المستوفي – ﵀ – قال: أنشدني أبو الحسن لنفسه، في شيخه ابن الجوزي، وقد أصابت ب/ النار بعض جوارحه:
ما مسَّت النَّار منك جارحةًذات خصال يهي معدِّدها
إلَّا لقول الإله ما أحدمن البرايا إلا سيوردها
فعجَّلت كي يكون في النَّشأة الأخرى سليمًا ممَّا ينكِّدها
وأنشدني؛ قال: أنشدني أيضًا لنفسه:
يا أحسن العالم وجهًا ويامن هو فينا فتنة الكلِّ
إن كان يرضيك دمي في الهوىفأنت من قتلي في حلِّ
سلبتني عقلي وقد لذَّ ليأنِّي أهواك بلا عقل
لأنَّ مجنونك يا متلفييسلم من لوم ومن عذل
وأنشدني؛ قال: أنشدني لنفسه:
عيناك لي أفلَّ من صارمأرهفه القين على عمده
لأنها تقطع في غمدهاوالسَّيف لا يقطع في غمده
وقال أيضًا:
يا نهر عيسى إلى عيسى نسبت ومانسبت إلَّا بتحقيق وإيضاح
فإنَّما بك إحياء القلوب كماعيسى المسيح به إحياء أرواح
عليُّ بن شمَّاس بن هبّة الله أ/ بن إبراهيم بن شماس.
وقد تقدّم شعر ولده.
أبو الحسن بن أبي الفضل الإربلي، المولد والمنشأ، الوزير.
كتب في ديوان الإنشاء بإربل للملك المعظم مظفر الدين كوكبوري بن علي بن بكتكين؛ ثم استوزره بعد قبضه على وزيره ولي الدين أبي الثناء محمود بن محمّد بن مقداد بن فارس الحرّاني. وتمكن لديه، وحكم في دولته، ونال عنده مرتبة رفيعة، لم ينلها أحد قبله ولا بعده.
ثم جرت له نبوة فسجنه بقلعة هرور من أعمال إربل؛ ومات بها محبوسًا يوم الاثنين خامس عشر من ربيع الأول سنة اثنتين وعشرين وستمائة؛ وكانت ولادته في ثامن عشر ذي الحجة سنة أربع وأربعين وخمسمائة – رحمه الله تعالى -.
وكان من محاسن زمانه، وظرفاء الدّهر وأعيانه؛ لطيفًا جليلًا عاقلًا حصيفًا؛ يرجع إلى فضل وذكاء وكفاية ودهاء بصيرًا بالأمور السلطانية، ذا رأي ثاقب، وحزم شديد، تاركًا للتكلف؛ يكره الحشمة والرئاسة، ويتبسط مع الأصدقاء والأصحاب، ويظهر البشر والبشاشة بينهم، ويتعصب للغرباء ب/ وأهل الأدب والشعر.
أنشدني الصاحب الوزير أبي البركات المستوفي؛ قال: أنشدني أبو الحسن علي بن شماس الوزير لنفسه في محبوس:
لا يشمت الحسّاد حبسك إنَّهشرف يتيه يمثله الأشراف
ثكلتهم أمُّ العلاء أما دروامأوى نفيس الجوهر الأصداف
لو كان ينصفك الزَّمان كفاك مايجني ولكن فاتك الإنصاف
وأنشدني؛ قال: أنشدني أيضًا لنفسه:
يا من يسامرني بعجمة لفظهفإخال سحبانًا بها متكلِّما
فأظلُّ مكتئبًا بنطق صامتيا قاتل الله الفصيح الأعجما
وأنشدني؛ قال: أنشدني لنفسه:
هل ناصر قد عزَّت الأعوانأم راحم قد لجَّ بي العدوان
أم حامل ضيمي وتلك بوارق الطَّمع الكذوب سحابها لمعان
وأنشدني؛ قال: أنشدني لنفسه من قطعة: [وكتب بها إلى الأمير عزّ الدين الدين محمد .. بدر ... الكردي يعاتبه من الحبس، وكان .... أولها:
متى ينقضي..... ... ..... ..... وجروح
.. أضرَّ بها النوىوتوقى دموع جفنهنَّ قريح
....... ... ..... ...... ..... تنوح]
وتجمعنا دار نعمنا بظلِّهاونغدو على جيراننا ونروح
ونهجر أوطان البلى ومنازلًاغبوقي أحزان بها وصبوح
/ أ/ ونعدم أثقال القيود وتذهب الجروح بأقدام لنا وقروح
ونأمن روعات الحبوس وينجليشحوب على حرِّ الوجوه يلوح
وينشر مطويُّ الأحاديث بينناونلقي عصا أحزاننا ونريح
ويعتذر الجافي إلينا ويصبحالسَّقيم من الأحوال وهو صحيح
إلى الله يشكو قسوة الدَّهر عاجزذليل على فرش الهوان طريح
قرارة أحداث اللَّيالي وملتقىجيوش الرَّزايا سانح وبريح
ومجتمع الأحزان فلُّ مصائبصريع بسيف النَّائبات جريح
سهام المنايا تنتحيه نصالهاومسلك أقوال الوشاة فسيح
يضجُّ ضجيج النِّيب نهب سقامهاوأعوزها ورد وعزَّ نصوح
وأصبح إلبًا لا يرجَّى ونفعهإذا سيم حمل المكرمات طليح
إلا مبلغ عنِّي ابن بدر رسالةلها نفحات بالعتاب تفوح
إذا تليت آياتها في محافلتيمَّمه اللَّوم الممضُّ صريح
أصاخ إلى قول الوشاة وبينهاوصدق أحاديث مهامه فيح
إلى خالق الخلق المصير ويقبل الصحيح إذا ضمَّ الجميع ضريح
[وقال يصف طبيبًا:
يا من غدا بقراط مع علمهعبدًا له في صنعة الطِّب
ومن به راحت نفوس الورىفي دعة آمنة السِّرب
ومن إذا شاهده..... ... ..... ..... ...... الكرب]
/ ب/ عليُّ بن ظافر بن الحسين، أبو الحسن بن أبي المنصور الأزديُّ.
من أهل الديار المصرية.
كان والده فقيهًا مالكيًا، إمامًا في الفقه والأصول؛ له حلقة يختلف إليه جماعة من المستفيدين، يقرأون عليه العلم.
وكان ابنه هذا رجلًا نبيهًا جليلًا، ذا فضائل وافرة، وبلاغة متظاهرة، ومكان جيد من صناعتي النظم والنثر؛ وله اليد الطولى في فن الأدب، مع أخذه بحظٍّ من مذهب مالك، وقيامه معلم الأصول والإطلاع على أخبار النّاس وأيامهم، وأمثال العرب وأشعارهم.
وصنّف عدّة كتب، تعرب عن فضله، وتنبئ عن فهمه؛ منها "كتاب الشجعان"، وكتاب "أساس السياسة"، وكتاب "الدول المنقطعة"، وكتاب "بدائع البدائة".
وترقت به الحال، إلى أن استوزره الملك الأشرف أبو الفتح موسى بن أبي بكر بن أيوب، على حرّان وأعمالها؛ فبقي يتولاها مدّة يظهر على أهلها الحماقة الزائدة أ/ عن الحدِّ والصلف؛ واستطال عليهم بالسفه والكلام الشنيع، ولم تحمد سيرته عندهم، فأبلغ الملك الأشرف ما كان يعامل به الناس، صرفه عن الولاية، فانتقل إلى مصر، فتوفّي بها في سنة ثلاث عشرة وستمائة.
وكان تيَّاهًا معجبًا بنفسه على من يخاطبه، شرس الأخلاق، تعتريه علّة سوداوية؛ وقفت على قطع وافرة من أشعاره، رواها عنه نجيب الدين بن شقيشقة.
أنشدني نجيب الدين أبو الفتح نصر الله بن أبي العزّ بن أبي طالب الصفار الشيباني الدمشقي بها في المحرم سنة أربعين وستمائة؛ قال: أنشدني أبو الحسن علي بن أبي المنصور ظافر بن الحسين الأزدي المصري الكاتب لنفسه يذم الدنيا، ويذكر أغراضًا له:
مقتُّ هذا الزَّمان بعد مقهقد يبغض المرء بعض ما عشقه
تبًا لهذي الدُّنيا فما رؤيتإلا بحبل الجهَّال معتلقه
عقيرة حولها الكلاب فقدوافق شن من أهلها طبقه
أين رجال الدُّنيا وساستهاذلك جيل أفناه من خلقه
قد سبقوني موتًا فلا بد للمسبوق أن يلحق الَّذي سبقه
/ ب/ وخلَّفوني بالكره في خلفأجرع من سوء فعلهم رنقه
زعنفة تسكن الحوانيت مازالت إليها للكسب منطلقه
وباعة تجمع الحرام ومامن غير أديانها لها نفقه
حتَّى إذا ما لمنصب وليتأضحت بسحت البرطيل مرتفقه
لو راهنوني في أنَّهم بقريومًا لأضحت رهانهم علقه
أو حلَّ ما بينهم هبنَّقةلكان أغنى حجاهم حمقه
ما في كتاب الأوراق أجمعهمثل أحاديثهم ولا الورقه
وزاده الملك ما التِّجارة منآلاتها يا طغام يا فسقه
أين السِّياسات للمالك منسمُّورة تشترى ومن وشقه
صونوا السوء بالأمر كم رفعتولا تكونوا لها من العققه
فربَّالكفّ فاتله حبلًا ... بما أبرمته مختنقه
كم ذنب صار من جهالتهرأسًا ففكُّوا من رأسه عنقه
وكم وضيع علا فحطَّ وقدأضحت قلوب الورى به حنقه
لولا تعاليه في سفالتهما حرموه الحنوَّ والشَّفقة
يا ليت ضبَّ الفلاة يسلم منمحترش وهو ساكن نفقه
/ أ/ أنت كالنَّجم بينهم وهم كاللَّيل يعلو ركامه غسقه
يخشونني كالحمير عاينت الليث فظلَّت مرهوبة فرقه
فهم يظنُّون [أنَّ] الأرض مائدةًمن رعبهم والسماء منطبقه
كذاك من يمتطي المناصب لامن أهلها لم تزل به قلقه
ومن رقى شاهقًا ولم يعتد المشي فلا يأمن به زلقه
كم مقرف رام رائعًا فكباوانشقَّ بهرًا ولم ينل طلقه
ما شاء يهوى خَلقًا ولا خُلقًاإلا كما شابه الرّصاص رقه
فلي لسان بالعلم منطلقإلى يد بالعطاء مندفقه
ولي كلام كالدُّر لو ظفر الدُّرُّ به وقت غفلة سرقه
معنى القنا خذ وخلِّ صورتهفكم أتتنا من دودة سرقه
كم ذا تراني أجدُّ منتحيًارتق أمور تجيء منفتقه
رقَّعتها مثلما يرقع بالدِّيباج خرق العباءة الخلقه
في فقراء من كلِّ تجربةوقفت عقلي عليهم صدقه
وباذل الودِّ مثل... وممحض الحبِّ مثل من مذقه
/ ب/ أخفى وفضلي في الأرض مشتهرهل يجهل المسك ناشق عبقه
خلِّ بلادًا عليمها مثل ذي الجهل وموثوقها كغير ثقه
للحرِّ في الأرض أيُّ مرتبعإن شوك دوح عنه حمى ورقه
وإنَّ في صوله الصَّواعق تكدَّسقيا السَّحائب الغدقه
ودن بيأس من رفد مرتزقمثلك عبد وارج الَّذي رزقه
واقدم على الهون غير مرتدعفإنَّ من رام مطلبًا لحقه
ولا يروعنك قولهم بطلحيَّة واد فأصله علقه
وما توقى الشجاع ناقصه خمرةقد كان يحمل الدَّرقه
أن لا يراكن خالقها منخلف أهداب جفنها الحدقه
وقلَّ ما تنفع امرءًا عدد الحرب إذا صرف دهره طرقه
لم تنفع القارة الرَّقاء وقدكادهم دهرهم ولا الحرقه
ولا تحامي المطَّيِّبين لأجل الحلف صرف الرَّدى ولا اللَّعقة
أودى بسعد من خلف شكَّتهمن ولدته لحتفه العرقه
ولا حماه سرد الحديد ولابأس إذا اللَّيث راءه فرقه
وأنشدني؛ قال: أنشدني لنفسه في الحكمة:
/ أ/ استنطق الإنسان يظهرنطقه خافي شؤونه
فالنَّاس فخَّار ويبدو حاله لك من طنينه
وقال بالإسناد:
إستقر أحوال الفتىإن شئت من قرنائه
فالنَّاس من ماء ولون الماء لون إنائه
وأنشدني: قال: أنشدني لنفسه:
إذا مكان لم ينب جانبهعنك فلا تطَّلب به بدلا
فذاك بغيٌّ والبغيُّ مهلكةوالمرء رهن بكلِّ ما فعلا
وأنشدني؛ قال: أنشدني لنفسه في غلام بديع الجمال، لابس حلقتين في أذنيه فيهما جوهرتان:
وبي شادن حالي المسامع مذ بدايميس هفت حبّا له منِّي النَّفس
حكت حلقتاه ضمن جوهرتيهماهلالين في نجمين بينهما شمس
وأنشدني؛ قال: أنشدني لنفسه في البطيخ:
وافى ببطِّيخ حكى في ريحهومذاقه شهدًا خليط مدام
/ ب/ فرأيته لما انتضى سكِّينهوغدا يشقِّقه لنا في الجام
كالشَّمس قطَّعت البدور أهلَّةًبضياء برق في سواد ظلام
وأنشدني؛ قال: أنشدني في صغير السنّ:
بي شادن صوَّرهلفتنتي من صوَّره
يودُّ من رآه خوف عشقه لو لم يره
ولم يصغِّر قدره السن الَّذي قد صغَّره
بل جاء كالغصين تحت صفحة كالزُّهره
يبيضُّ ذاك الوجه إذتسودُّ تلك الشَّعره
ذو ناظر هاروت لوقابله لسحره
ومبسم يبصره البرق فيغشى بصره
تراه كاللُّؤلؤ فيفم كلمح الجوهره
سبحان من نظَّم زهر الشُّهب وسط الزُّهره
وله في الحكمة بالإسناد:
لا تغترر بالعدوِّ يومًاإن لان منه عليك قلب
عوائد الطَّبع غالباتكم آلم الشُّوك وهو رطب
/ أ/وأنشدني؛ قال: أنشدني من شعره, وكتبه إلى صديق له بالموصل وهو
الأمير الأجل مجد الدين إسماعيل بن مجاهد الدين العماديّ يستهديه سمكًا:
يا أيُّها المجد الَّذي المجد شيمةٌله زان منها إذ سواه يشينها
ومن خلقه مثل الرياض تجاوبتحمائمها جهراَّ ومادت غصونها
يقولون لي أسماك دجلة شكلهابديع إذا لاحت لمن يستبينها
يعين الَّذي يبغي لها الاكل طيبهاويسعده في سرعة الهضم لينها
ملوك فما الأسماك إلاَّ عبيدهالذا لبست أثواب تبر متونها
إذا ما جلاميد الصخور غدت لهمحصوناً فأمواج البحار حصونها
فكالعسجد المحض النُّضار ظهورهاوكالفضة البحت الخلاص بطونها
وإن أزرق الياقوت ذاب فنهرهاوإن لم تذب أحجاره فعيونها
لبسن دروعاًدروع ... وفي مثل الدروع متونها
فيا عجباً منها تموت... كل لا يزال يصونها
وليس لنا طاه مجيد تطيب منصنائعه أنواعها وفنونها
//فدونك فاًصنع ماتشاء فأنت منيذل نفيسات الندى ويهينها
ودم للعلا توفى لديك وعودهاإذا جحدت يوما وتقتضى ديونها
وأنشدني؛ قال: أنشدني لنفسه في الحكمة:
إذا احتاج قوم للحكيم فإنَّهملذي الجهل ممَّن شأنه الحكم أحوج
فلا يرتجي الناس انتظام أمورهممتى لم يكن فيهم ركين وأهوج
وهل ينفع الرَّامي استقامةإذا لم يؤيده من القوس أغوج
وأنشدني؛ قال: أنشدني لنفسه:
إن ترض بالدُّون ممَّن ترتجيه تفزمنه بكلِّ زهيد القدر منحوس
ومن أبت نفسه نزر الجدا أنفاًينل نفائس مذحور وملبوس
رضا الحمائم بالآحواق أخرهاعن أن تشارك في وشي الطواويس
وقال أيضاً:
إعوجَّ إن كنت تريد الغنىتظفر وإلا عضك الاحتياج
فالفحُّ لم يصطد ولم يقتضلولا الَّذي فية من الإعوجاج
/ أ/ عليُّ بن أحمد بن عليٍّ بن عبد المنعم بن هبل, أبو الحسن بن
أبي العباس الحكيم، البغداديُّ المولد والمنشأ
الفاضل المشهور المعروف بالخلآطي، وليس خلاطياً على الحقيقة، إلآ أنه رحل
إلى خلاط, وأقام بها دهراً طويلاً, فنسب إليها.
وكان تلميذ أوحد زمانه أبي البركات هبة الله بن ملكا الحكيم البلدي، وعليه قرأ علم
الطبّ ب/ وأتقنه, واقتبس من فوائده, وتقدّم حينئذ وبرع في فنِّ الطب والمداواة،
وفاق أهل زمانه بالحذق والصناعة.
ثم قدم ماردين, ووزر لصاحبها قطب الدين إيل غازي بن البى بن
تمرتاش بن أرتق الأرتقي, وصنف في الطب كتاباً حسناً سماه
"المختار", وكان قدسمع شيئاً من الحديث على أبي القاسم إسماعيل السمر قندي,
وقرئ عليه بالموصل, وأضرَّ في آخر عمره.
وكانت وفاته بالموصل, ثالث عشر المحرم سنة عشر وستمائة, ودفن ظاهر
البلد _ غربيه _ بمقبرة المعافى بن عمران الزاهد _ ﵄؛ وكانت ولادته ببغداد
بباب الأزج, بدرب ثمل في الثالث والعشرين من ذى القعدة سنة ست أو خمس عشرة
وخمسمائة.
هكذا ذكرا لما سئل عن مولده, وكان مع ذلك كثير الصدقة, حسن الأخلاق, واسع
النفس, له أشعار.
أنشدني أبو العباس أحمد بن سيف بن محمد الموصلي؛ قال: أنشدني الحكيم أبو
الحسن لنفسه:
ومن لم يخف ذماً فلا ترج أنَّهيعفُّ عن العوراء وهو قدير
/ أ/ ومن لم تكن آباؤه وجدودهكراماً وإن يبخل فذاك جدير
وممّا وجد له ايضاً؛ قوله يتشوق فيه إلى أهله بالعراق, ونقِّل من خطه:
أيا أثلاث بالعراق ألفتهاعليك سلام لا يزال يفوح
لقد كنت جلداً عند قربي بقربهافقد عاد مكتوم الفؤاد يبوح
فمأ أحسن الأيام في ظل أنيبهاقبيل طلوع الشمس حين تلوح
وقد غرَّد القمري في غسق الدجىوداعي حمام في الغصون ينوح
ذكرت ليال بالصراة وطيبهانطير لها شوقاً ونحن جموح
وقال أيضاً:
أيا دوحة هام الفؤاد بذكرهاعليك سلام الله يا دوحة الأنس
رمتني النوى بالعبد منك وقولهاوقد كنت جاراً لاصفاً لك بالأمس
فيا ليت أنِّي بعد بعد احبتينقلت كريماً راضي النفس بالرَّمس
وإلاَّ فليت الدَّهر يمكن منهمبقبض حبال الوصل بالأنمل الخمس
إذا جال طرفي بالعراق وجوهكأني نظرت الأفق من مطلع الشمس
/ ب/ عليُّ بن محمد بن يوسف بن مسعود,
أبو الحسن القرطبيُّ القيسي القبذاقيُّ, المعروف بابن
خروف.
خرج عن الأندلس, وقدم بلاد الشام, ونزل حلب, واستوطنها في أيام الملك الظاهر
غياث الدين غازي بن يوسف بن أيوب, وانقطع إليه وامتدحه بعدة قصائد؛ ومات في أيامه
في سنة أربع وستمائة.
وكان من المطبوعين في الشعر, وظراًف الناس في وقته؛ وكان من المطبوعين ذا
فصاحة ودماثة, قيماً بعلم العربية والأدب, حسن الشعر, يتخالع فيه, وله مكاتبات ورسائل
ويد باسطة في عمل الموشح والأزجال الأندلسية. وكان من أقدر الناس في صنعتها.
وكان صديقاً لابن لهيب الشاعر, وبينهما انبساط يقتضي الاسترسال, معه [في]
المداعبة؛ ومما كتبه إليه وقد استدعاه ابن لهيب, فكتب إليه أبو الحسن الجواب:
أبن اللهيب دعانيدعاء غير النبيه
/ أ/ إن صرت يوماً إليهفوالدي في أبيه
وأنشدنى أبو الحسن علي بن عبد الجبار القيرواني؛ قال: أنشدني أبو الحسن ابن
خروف لنفسه من صدر كتاب كتبه إلى القاضي أبي المحاسن يوسف بن رافع بن شدّاد
الموصلي- قاضي حلب- يطلب منه فروة:
بهاء الدين والدنياونور المجد والحسب
طلبت مخافة الأنواء من حسناك جلد أبي
ففضلك عالم أنيخروف بارع الأدب
حلبت الدهر أشطرهوفي حلب صفا حلبي
وأنشدني الحكيم أبو الفرج عبد القاهربن عفيف بن عبد القاهر بن سكرة الحلبى
الإسرائيلي بحلب؛ قال: أنشدني ابن خروف لنفسه في المهذب بن الدخوار الدمشقي
/ ب/ إن الأعيرج حاز الطِّب أجمعهأستغفر الله إلا العلم والعملا
وليس يجهل شيئاًمن غوامضهإلا الجواهر والآعراض والعللا
في حيلة البرء قلت عنده حيلٌويدري للردى حيلا
الروح تسكن جثمان العليل علىعلاته فإذا ما طبه رحلا
وقال يصف النيل:
مأعجب النيل ما أحلى شمائلهفي ضفتيه من الأشجار أرواح
من جنّة الخلد فيَّاضٌ على ترعيهب قيها هبوب الروح أرياح
ليست زيادتهُ ماء كما زعمواوإنما هي أرزاق وأرواح
وأنشدني الحكيم أبو الفرج عبد القاهر بن سكرة؛ قال أنشدني ابن خروف
لنفسه:
أنت بطبِّ الوري عليمٌلكنه إن...........طبا
وقال في رجل مغربي يقال له ابن السُّميل:
أيا نجل السُّميل سملت حتي... غدوت من الممُّزقة الرِّثاث
عجانك من سباع الطير أوديبه قومٌ وأنت من البغاث
/ أ/ تناك وأنت أقرع ذو قرونفأشبهت الجرادة في ثلاثٍ
أي هو أقرع له قرون ويناك.
وقال وكان أميناَ ببيمار ستان بدمشق، وكان له بواب اسمه السِّيد:
مولاي مولاي أجرني فقدأمسيت في دار الآسي والحتوف
وكيف لي صبرٌ علي مننزلٍبوابه السِّيد وجدِّيخروف
السِّيد: الذئب.
وله يصف سنديّا، والسندي لاعب الخفّ الَّذي يلعب بالسيوف وغيرها:
ومنوَّع الحركات يلعب بالنهيلبس المحاسن عند خلع لباسه
متأوُّد كالغصن فوق كثيبهمتلاعب كالظبي عند كناسه
بالعقل يلعب مقبلاً أو مدبراًكالدَّهر يلعب كيف شاء بناسه
وقال في زربطانه:
لافظةٌ من جوفها دوراتعطِّل الَّروض من شاد وصدَّاح
/ ب/ مثل البراع ولكنها ما لها عقدٌإذا تسدًّد بالأفواه والراح
أبصرت راميةٌ في شكل طاعنةفتتمني لقسيِّ أو لأرماح
نفخت فيها وقّد سوَّيتها جسداًروحاً فتقبض أروحاً لأرواح
يا مشرقًا تشرق الدُّنيا بسؤددههبها فتاةٌ وخذ آيات امداح
وله يستهدي خمراً:
يا من يهزُّ المديح منهعطفاً حكي المائس المروحا
خذ جسداً ليس فيه روحوانفخ من الراح فيه روحا
وله في كأس:
أنا جسمٌ للحمياَّوالحميَّالي روح
بين أهل الظرف أغدوكل وقتٍ وأروح
وله في الحكيم الأعرج المهذب بن علي الكحال المعروف بالدخوار الدمشقى:
تجرِّر ياأعيرج ذيل كبروتعلم لؤم وغد أنت نجله
وتمشي مشية الخيلاء زهواًأمام السَّامري وأنت عجله
السامريّ: رجل كان بدمشق، وكان شريكًا للاعيرج.
عليُّ بن عمّار بن عليِّ بن جميل بن صالح بن عثمان بن علىِّ بن محمد بن عمر، أبو الحسن الكرخينىُّ.
وكرخنيى قلعة حصينة بينها وبين إربل مسافة يومين؛ وأبو الحسن كان خطيبها،
وفتح لها مكتبً يعلم صبيانها الخط، وتوفي بها يوم الجمعه غرّة رمضان
سنة إحدى وستمائه، وبلغ سنًا عالية حتي قارب المائة؛ وكان من حفاظ القرآن العظيم، وأهل اخير، له أشعار ضعيفة.
أنشدني ولده عبد المؤمن؛ قال: أنشدني والدي له في الملك العظيم مظفر الدين كوكبوري بن علي بن بكتكين-
﵁ ويعِّرض بذكر رجل، يلقب بالشجاع، وكان عاملا بكرخين:
ألا يا أيُّها الملك المطاعومن ذلَّت لهيبته السِّباع
بكر خانينا أسدٌ ضريُّأخو بأس يقال له الشُّجاع
/ ب/ يناصحكم مناصحةً بصدقوأوفر همَّة لا تستطاع
تكاد القلعة العلياء تسموبه لو قبلها سمت القلاع
كأنَّ تجاوب الأجراس فيهامثاني العود حرَّكة السَّماع
فدم لا زال ملكك في دوامعلي الأيَّام ليس له انقطاع
وأنشدني؛ قال: أنشدني والدي لنفسي:
زار وجيش الظَّلام مفلولوسيف نجم الصباح مسلول
مهفهفٌ صيغ من محاسنهفهو بماء النفوس مجبول
قد كتب الحسن فوق عارضهكل محبّ بالهجر مقتول
سري بأنفاس مقلتى قمرٌمنقوط خطِّ العذار مشكول
ومنها يقول:
ياأيٌّها المجد أنت من كرميرجي إذا زادت الأقاويل
عرِّف بفضلي من ليس يفهمهعلمًا فإنَّ الغريب مجهول
وانعم وجد واغنم الثَّنا ثمنًاإن الوري فاضل ومفضول
علىُّ بن ملاعب بن علويِّ/ أ/، أبو الحسن الموصليُّ
المولد والمنشأ، الإربليُّ الدار.
كان حافظاً للقرآن الكريم، قرأه بالموصل علي أبي بكر يحيى بن سعدون بن تمام القرطبي المقرئ.
سكن مدينة إربل إلى أن توفي بها في شهر الله رجب سنة أربع وستمائة، فكان يكتب بها الشروط، وختم عليه القرآن
أكثر من أربعمائة شخص؛ وكان من أهل الفضل والصلاح، عاقلا متدنيا؛ يقول الشعر.
أنشدني ولده أحمد؛ قال: أنشدني والدي لنفسي:
ياراكبًا يفلي الفلا بمناسمتدمي كطرفي أو كقلبي الخافق
عرِّج علي وادي العقيق فأهلهعقُّوا وضلُّوا بالخيال الطارق
واقر السَّلام عليهم من معشرعلقوا من الدُّنيا بقطع علائق
غاروا بطرفهم الغرير مع النوينوم الغرير علي محبٍّ شائق
وبحاجر حجروا العقول وحرَّموامذ حرَّموا وصلي بكل طرائقي
بانوا فما بان الآراك بمائسأبداً ولا ماء العذيب برائق
ما ضرَّوا لو رقُّوا لرق هواهمبالقرب بعد تباعدٍ وتفارق
وأنشدني؛: قال أنشدني أبي يمدح القاضي عون الدين ب/أبا العباس أحمد بن حنبل بن محمد بن منعة بن مالك الإربلي:
علَّلاني بالأماني فلعلِّيواعذراني واعذلا من رام قتلي
وارحما من ظلَّ يحسو دمعهكلَّما غنَّي حمامٌ فوق أثل
يرتجي طيف خيالومتي يطرق في غير محلِّ
آه إن عاود جفني وسنٌوسري طيفٌ وهيهات ومن لي
خفِّفوا عن كاهلي نقل الهوىملكم من في الهوى يرحم مثلي
أو ما يكفي عزاءً أنّنينازح الآوطان عن جارٍ وأهل
قد عدمت القرب والوصل معاًوعطا شمل من قاض أجلٌ
هو عون الدين مولي ما لهفي جميع الناس من شبه وشكل
طود علم ما له من مرتقَّىبحر جود فيضه في كلِّ سبل
أيها الموالي الَّذي إنعامهونداه كالحيا في كلٍّ محل
لا تطل مطل محبٌ صادقٍفعذاب الدَّهر في فقر ومطل
وابق للعلياء ما لاح سنيبارقٍ أو جعجعً الحادي بإبل
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (٢٠٠٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع