من «قلائد الجمان في فرائد شعراء هذا الزمان» لابن الشعار الموصلي (ت ٦٥٤هـ)
ذكر من اسمه علي (٧)
ومن شعره ما قاله في الشيخ العالم الأديب تاج الدين أبي اليمن زيد بن الحسن الكندي:] من المتقارب [
إذا عمرو دهري أسدى إليَّمكاره أفعاله المولمه
ندبت إلى ضربه زيدهإمام الأنام فتى المكرمه
أتانا وأفكارنا سذَّجٌفأضحت بعلمٍ له معلمه
وقرَّب عهد نبيِّ الهدىبعالي أسانيده المحكمه
وأفصح عن غامضات العلوموأين البيان من الحمحمه
وقوَّى أدلَّة قول النُّحاةوكان أخو النَّحو ذا مفحمة
ترى في معانيه فصل الخطابومن غيره تسمع الهمهمه
بألفاظه توضح المشكلاتإذا الغير فرَّ إلى الهينمه
فلا حقَّ إلَّا الَّذي قد روىولا علم إلَّا الَّذي أحكمه
بمعلومه شدَّالكلام ... كما شدَّت الكفُّ بالبرجمه
علمت حقائق كلِّ العلوموغيرك من شأنه الخضرمة
/ ب/ لك الخير إنِّي أسير الزَّمانيعاهد حالي بالدَّمدمه
وإن لم تجر جار في حكمهوجرَّعني من حماه حمه
فعطفًا عليَّ مليك الزَّمانهزبر العرين أخا الملحمه
أبا الفتح عيسى خليل النَّدىمعظَّم ذا العصر ما أعظمه
أبا اليمن جدلي بأهل اليمينولا تتركَّني في المشأمه
وتوصي فديتك عنِّي الخبيرومن يعتري لفظه غمغمه
وأنت الخبير بكل الأمورلك العلم بين البرايا سمه
مغش آمنًا من صروف الخطوبمعافى الشَّمائل من مهرمه
وقال يمدح الملك الظاهر غياث الدين من قصيدة مطلعها:] من السريع [
لا مدح إلَّا لمليك الزَّمانمن المنى في بابه والأمان
غياث دين الله في أرضهإن أخلف البرق وضنَّ العنان
فالضُّرُّ مصروع بساحاتهاواليسر سامٍ في ظهور الرِّعان
وراحتاه راحة للورىعلى كريم الخلق مخلوقتان
فكفُّه اليمنى لبسط الغنىوكفُّه اليسرى لقبض العنان
/ أ/ تعرب في الهيجاء أسيافهعن حركاتٍ مثل لفظ اللِّسان
ومنها، يقول في ولديه:
بدران بل شمسان ما يكسفانروحان للملك وريحانتان
لؤلؤتا بحرٍ وإن شئت قليا قوتتا نحرٍ وعقدا لبان
فرعان في دوحة عزٍّ سمتغيثان بل بحران بل رحمتان
سيملكان الأرض حتَّى يرىلي منهما حرَّان والرَّقَّتان
فاسلم على الدَّهر شديد القوىذا مرَّةٍ ما شدَّ كفٌ بنان
واستوطن الشَّهباء في عزَّةٍواحسس بغمدان وقعبي لبان
وقال من قصيدة:] من الطويل [
إذا وجفت منك الخيول لغارةٍفلا مانعٌ إلَّا الَّذي منع العهد
نزلت بأنطاكيَّةٍ غير حافلٍتعلّة جندٍ إذ جميع الورى جند
فكم أهيفٍ حازته هيف رماحكموكم ناهدٍ أودى به فرسٌ نهد
لئن حلَّ فيها ثعلب الغدر لاونٌفسحقًا له قد جاءه الأسد الورد
وكان قد اغترَّ اللعين بلينكموأعظم نارٍ حيث لا لهبٌ تبدو
جنى النَّحل مغترًا وفي النَّحل آيةٌفطورًا له سمُّ وطورًا له شهد
/ ب/ تمدُّك أجناد الملوك تقرُّبًاوجند السَّخين العين جزرٌ ولا مدُّ
تهنَّ بها بكرًا خطبت ملاكهافأعطت يد المخطوب وانتظم العقد
فجيشك مهرٌ والبنود حمولةوأسهمكم نثرٌ وسمر القنا نقد
وكان قد شرع في كتاب سمّاه: "كشف المهم في غوامض الأمّ في شرح مذهب الشافعي"؛ ولم يتم إلى الآن، يكون ستين مجلدًا. وكتاب "ما تحرر الآن من أخبار آل قليج أرسلان"، وكتاب "بلاغة الخطباء في بلاغة السفهاء"، وكتاب "أخبار اليزيدين وأشعارهم"، وكتاب "تمحيص اليزيدين بذكر المحمدين"، وكتاب "التحرير لما ورد في لبس الحرير"، وكتاب "التعبير لأخبار محمد بن جرير"، و"تتمة كتاب البلاذري" كبير يكون عشرين مجلدًا، "تاريخ مصر على حروف المعجم، وذكر من دخلها"، فمن له ذكر كبير. وكتاب "الطيب في أخبار أبي الطيب".
] [
/ أ/ عليُّ بن حمزة بن عليِّ بن يوسف، أبو الحسن بن أبي المعالي الغرَّافيُّ.
من أهل الغرَّاف.
ورد بغداد، وتفقه بالمدرسة النظامية على مذهب الإمام الشافعي ﵁ وولي قضاء بلده سنة اثنتين وعشرين وستمائة في أيام الإمام الظاهر بأمر الله أبي نصر محمد أمير المؤمنين -رضوان الله عليه-، وله شعر حسن.
شاهدته عدّة مرات، ولم آخذ شيئًا من أشعاره. وكان رجلًا جافي الجثة بدينًا عبل الجسم، ويلقبه جماعة من الفقهاء بالثور.
وهو القائل من قصيدة طويلة، مدح بها باتكين بن عبد الله الناصري. وكان يومئذ أمير البصرة:] من البسيط [
وأنت خير فتًى ترجى فواضلهبذكره تحسن الأيَّام والسِّير
سهل الخليقة لا تخشى بوادرهوللمكارم والافضال يبتدر
موفَّق الرَّأي محمودٌ نقيبتهفي النَّاس يحسن منه الخبر والخبر
هذا وسعيك مشكورٌ وجدُّك منــصورٌ ونشرك ما بين الورى عطر
/ ب/ ومن فضائلك اللَّاتي سموت بهامحمود أن نطقت في فضلك البقر
] [
عليُّ بن أحمد بن إبراهيم بن عليٍّ، أبو الحسن الواسطيُّ الشريف العباسيُّ، المعروف بابن العطار.
من أبناء النقباء الأشراف بواسط.
سكن بغداد وتعلق بخدمة الديوان العزيز في أيام الإمام الناصر لدين الله -رضي
الله عنه- وله فيه مديح كثير، إمتدح بعده الإمام الظاهر بأمر الله أبا نصر محمدًا ﵁ والإمام المستنصر بالله ﵀.
قصدت منزله بمدينة السلام سنة اثنتين وعشرين وستمائة، لأكتب عنه شيئًا من شعره فصادفته وقد شرب دواء، فاعتذر إلي من هذا السبب.
وأنشدني أبياتًا يسيرة من قيله، ولم يكن في الوقت سعة لأعلقها عنه، فبعد ذلك ما عدت اجتمعت به إلّا راكبًا؛ وخبرتُ أنه توفي في بغداد سنة ثلاثين وستمائة.
أنشدني في عبد الكريم بن الزكي بن شبانة المعلم الحظيري، وقال: أنشدني أبو الحسن علي بن أحمد بن العطار لنفسه: -] من الطويل [
/ أ/ ألمَّت فحيَّا قبل زورتها النَّشرثقيلة ردفٍ لم يطق حمله الخصر
وهزَّت قوامًا كالقضيب إذا انثنتيميل ومن خمر الشَّباب بها سكر
وعطَّر مسراها الثَّرى فكأنَّمايتيه لنا من كلِّ ناحيةٍ عطر
إذا رمت وصلًا ما نعتني نهودهاألا بأبي ما ضمَّه ذلك الصَّدر
تروم عن الواشين استتارًا وما الَّذييروم عن الواشين وجهًا هو البدر
تجمَّع في فيها سُلافٌ ولؤلؤٌفمن ثغرها درٌّ ومن ريقها خمر
ومن شعرها ليلٌ ومن وجهها ضُحًىومن قدِّها غصنٌ ومن لحظها سحر
وقال أيضًا في غرض له:] من الطويل [
وفتَّانة العينين معسولةٍ اللَّمايبيح لنا وصلًا ومعنى إسمها ضدُّ
يطيب التُّقى إلَّا ليالي وصلهاويحسن إلَّا في محبَّتها الزُّهد
لها ريقةٌ كالرَّاح طاب مذاقهاوثغرٌ كما في سلكه نظم العقد
وقدٌّ كخوط البان ميَّله الصِّبايميل على أردافها فاحمٌ جعد
إذا سفرت أهدت إلى اللَّحظ نرجسًاوخدًا إذا قبَّلته خجل الورد
حكى خصرها جسمي نخولًا فلو بغتنهوضًا لكاد الخصر بالرِّدف ينقدُّ
تغازلني، والنَّجم كالنَّجم بهجةًودرُّ المعاني الغرِّ من لفظه يبدو
/ ب/ يصافح راح الرُّوح لطفًا وينجليمحيًّا برؤيا وجهه المقل الرُّمد
لئن عاد ربع العيش بالقرب آهلًاوكان لأيَّامي الَّتي سلفت ردُّ
غفرت إساءات الزَّمان وأدهستأيادي التَّداني سوء ما فعل البعد
وإن كنتم عنِّي لغيري جعلتمبديلًا فمالي عنكم أبدًا بدُّ
] [
عليُّ بن محمَّدٍ، أبو الحسن الخيّاط الحلبيُّ.
من أهل حلب.
عامي له ذوق صحيح في استنباط المعاني اللطيفة. له أبيات أجاد نظمها وأحسن سبكها؛ أنشدنيها محمد بن يوسف الشاعر التلعفري، قال: أنشدني أبو الحسن الخيّاط لنفسه:] من المنسرح [
حسنك يا من به إحتيالمالي على مثله احتيال
قسمة أفعاله لحينيثلاثة ما لها مثال
وعدك مستقبلٌ وصبريماضٍ وشوقي إليك حال
] [
عليُّ بن أبي الفضل أ/ بن يوسف بن محفوظٍ الحلبيُّ، أبو الحسن.
من شعراء حلب الخاملين.
ذكروا له شعرًا كثيرًا نحو اثني عشر ألف بيت، ولم يمدح أحدًا لرفده. وكان عفيف الفرج، طاهر اللسان، حسن السيرة، وقيل: إنه غسل هجوه عند موته، وعاش سبعين سنة، ولم تعرف له صبوة. وكان يحضر مجالس الأنس. وحدّثت عنه أنه قال: لا رزقني الله شفاعة محمد -صلى الله عليه- إن كنت حضرت مجلسًا فيه شيء مما يفسد ديني وعقلي، أو رآني الله على معصية.
وكانت وفاته في سنة ثلاث وعشرين وستمائة، ودفن بالجبيل، شمالي قلعة
حلب ﵀.
ومن شعره ما أنشدني أبو الفداء إسماعيل بن نصر بن محمد بن عبد الواحد الحموي المعروف بابن المعلم، قال أنشدني أبو الحسن علي بن أبي الفضل لنفسه:
] من مجزوء الرمل [
زارني يخطر فيحندس الظَّلماء بدر
أهيف القامة يختال بعطفيه سكر
بابليُّ اللَّحظ منهبلبل العشَّاق سحر
لو تراني وتراهقام لي عندك عذر
/ ب/ خدُّه ماءٌ ولكنيتلظَّى فيه جمر
جمع الأضداد فيهمن له نهيٌ وأمر
وقال أيضًا:] من الكامل [
قد طاب فيك تهتُّكي وجنونيوسمحت فيك بعبرتي وجفوني
وكففت إلَّا في جفاك مدامعيوسترت إلَّا في هواك شجوني
ولبست فيك السُّقم حتَّى لم يكنيهدي إليَّ الطيَّف غير أنيني
فهواك أوَّل ما عرفت من الهوىوبه لبست ملابس المحزون
هبني بقيَّة مهجةٍ أفنيتهاأسفًا يقطِّعها عليك حنيني
ولقد صبرت على جفاك وإنَّمافاضت على صبري بحار شؤوني
قل للعواذل: كم عليَّ تألَّبواوعلى غرامي فيكم عذلوني
ويح الخطوب المولعات بنا لقدصيَّرن يوم البين يوم منون
وتركن أيَّام الشبيبة والصِّبافي ناظريَّ كما اللَّيالي الجون
وسلبنني طيب الكرى حتَّى لو ارتجع الخليط لما سرى بحصوني
لهفي وهل يدني التلهُّف منهمبالغيب بين صفائحٍ وحزون
متباينين ...... سكنوافلا يلقون غير سكون
/ أ/ وعلى وجوهٍ كنَّ مثل أهلَّةٍوعلى قدودٍ كنَّ مثل غصون
وكأنَّهم وكأنَّما أجداثهمفي البيد صرعى درّه الزَّرجون
لو زحزحت عنهم رأيت مهالكًاتبدي لقلبك لوعة المحزون
تلك الجسوم كأنَّهنَّ كنائرٌرثَّت وكنَّ كلؤلؤٍ مكنون
رحلوا عن الأوطان فهي لفقدهمكوجوه أقوامٍ بغير عيون
وقال أيضًا:] من مجزوء الرمل [
أيُّ بدرٍ أخذتهحادثات الدَّهر منِّي
كنت لا أصبر عنهوهو لا يصبر عنِّي
كان ظنِّي فيه يبقىخيَّب المقدور ظنِّي
أيُّها العاذل فيهبالَّذي عافاك عنِّي
أو فقل لي غير لاهٍ:كيف أسلوه ومرني
إن أرم عنه بديلًايا لها صفقة غبن
إن جفاني نور عينيأيُّ شيءٍ عنه يغني
ربَّ ليلٍ أرَّقتنيبنت طوقٍ ذات غصن
أنت ما شوقك شوقيلا ولا حزنك حزني
لك إلفٌ عنك ما بان وإلفي بان عنِّي
] [
عليُّ بن نصر بن هارون، أبو الحسن الحليُّ الأديب.
سمع الحديث على أبي المظفر بن التُّريكي الخطيب العباسي، وأخذ علم الأدب عن أبي البركات عبد الرحمن بن محمد الأنباري. وكان يصلي بطاشتكين؛ أمير الحاج
الصلوات الخمس. وكان إمامًا فاضلًا قارئًا.
وتوفي ليلة الإثنين الحادية عشرة من شوال سنة خمس عشرة وستمائة، وحمل من الغد إلى الكوفة، فدفن بها، وجمع من كلام شيخه أبي البركات الأنباري الذي ينطق في مجالسه كتابًا لطيفًا سمّاه: "سلك الدر".
وجدت له هذين البيتين معزوين إليه وهما:] من البسيط [
يا عاذلي في غرامي بعد فرقتهمكفَّ العتاب وخلِّ اللَّوم والعذلا
أما ترى الشَّمع يجري فيض أدمعهبعد القطيعة لمَّا فارق العسلا
] [
عليُّ بن محمَّد بن عبد الصمد أ/ بن عبد الأحد بن عبد الغالب الهمدانيُّ، أبو الحسن السخاويُّ.
الشيخ الفاضل الأديب النحويُّ المغربيُّ.
مولده ببلدة سخا من ديار مصر في حدود سنة ثمان وخمسين وخمسمائة. وقرأ في بلده على أبي إسحق إبراهيم بن جبارة السخاوي، وسمع بالإسكندرية على أبي طاهر إسماعيل بن مكي بن عوف الزهري، وعلى الحافظ] أبي طاهر أحمد بن محمد السلفي [.
وكان مالكي المذهب، ثم انتقل إلى مذهب الشافعي، وقرأ القرآن العزيز على أبي القاسم بن قرة بن أبي القاسم الرعيني الشاطبي للسبعة.
وقدم دمشق ولزم أبا اليمن زيد بن الحسن الكندي؛ فقرأ عليه القرآن للسبعة، وسمع منه كتاب سيبويه والإيضاح واللُّمع وغيرها من الكتب. وسمع عليه ديوان المتنبي وشرحه. وغير ذلك من الكتب الأدبيات، وقرأ عليه أكثر مسموعاته عن مشايخه.
وحجَّ سنة ثمان وتسعين وخمسمائة، وعاد إلى دمشق، فتصدّر فيها للإقراء بالجامع -عمره الله تعالى- وأقبل الناس إليه، وقرأوا عليه القرآن والحديث وعلم العربية، وغير ذلك. وصنَّف كتبًا منها: "كتاب فتح الوصيد في شرح القصيد"، ب/ وهي قصيدة أبي القاسم الشاطبي في القراءات السبعة. وكتاب "الوسيلة إلى كشف العقيلة" شرح القصيدة التي نظمها الشاطبيُّ أيضًا في رسم مصحف عثمان ﵁ وهي مائتان وثمانية وتسعون بيتًا على قافية الراء، سمّاها الشاطبيّ: "عقيلة أتراب القصائد". وكتاب "المفضَّل في شرح المفصَّل" شرح به الزمخشري، ونظم أشعارًا كثيرة أودعها مدح النبي -صلى الله عليه- وله كتاب سمّاه: "جمال القراء وكمال الإقراء" يتضمن علوم القرآن العزيز من التجويد والناسخ والمنسوخ والإعجاز وتجزئة القرآن وعدة آياته وكل ما يتعلق به. وكتاب "تنوير الدياجي في تفسير الأحاجي" يتضمن شرح أحاجي الزمخشري، ومعارضة كل واحدة بمثلها نظمًا مسائل نحوية. وكتاب "تحفة الناسك في معرفة المناسك".
وسمع أبا القاسم هبة الله بن مسعود البوصيري، وأبا الثناء حماد بن الفضل الحرّاني بالديار المصرية.
وله كتاب "سفر أ/ السعادة وسفير الإرادة" وكتاب "ذات الحلل ومهاة الكلل" فيما اتفق لفظه واختلف معناه، وهو قصيدة نظمها في ذلك. أجازني جميع ما رواه ووصفه، وما أنشأه وألفه.
وأنشدني لنفسه: -] من البسيط [
قد كنت منكم على بالٍ فأين مضىعنِّي ترفُّقكم بي يا موالينا
حاشاكم وجميل الصَّفح عادتكمأن تنقضوا بالجفا عاداتكم فينا
وحين دخلت دمشق المحروسة قافلًا من مدينة السلام في شهر ذي الحجة سنة تسع وثلاثين وستمائة. سألت عن الشيخ أبي الحسن هذا، فقيل لي، إنه حيّ يرزق يفيد الناس، ويغشى مجلسه المستفيدون وأهل الفضل والأدب، وأوقاته مستغرقة بالمشتغلين والطلبة، ويزدحمون عليه، ولم يتفرغ البتة إلّا في داره، فقصدت منزله وهو بسفح جبل قاسيون ومعي قصيدة من عمله في النبي ﷺ ومقطوعة أخرى من إنشائه، فدخلت إليه في مسجده بعد عشاء المغرب، وهو قائم يصلي، فلما فرغ من الصلاة نهضت فسلمت عليه وقبلت يده، فوجدته شيخًا كبير السن قد نيّف على الثمانين مطيلسًا قصيرًا ب/ على زيّ أهل تلك البلاد المصرية، فلم يكن في الوقت سعة للاجتماع به، فألفيته في الطريق راكب حمار، قاصد المسجد الجامع، فسلمت عليه ودعوت الله فردّ عليَّ وبين يديه تلميذان له يقرآن عليه شيئًا من القرآن الكريم، فحين أنهى ذلك التلميذ قراءته أشار عليّ بالقراءة، وابتدأت فقرأت تلك القصيدة المقطوعة في جادة الطريق.
ووجدته ذا فهم ثاقب، وذهن حاضر، وحسٍ جيد وقت القراءة عليه، لم يسأم ولا يأخذه ضجر في ذلك، والقصيدة التي له في مدح المصطفى سمّاها: "ذات السعا" وهي:
] من الكامل [
قف يالمدينة زائرًا ومسلِّمًاواشكر صنيع الدَّمع فيها إن همى
فهي المنازل لم تزل تشتاقهاأبدًا وكنت بها المعنَّى المغرما
ألصق بتربتها الفؤاد فكم شفتداءً دفينًا قد أذاب المسقما
عجبًا لصبٍّ عاينتها عينهفوعى الجواب أو استطاع تعلُّما
هذا هو الحرم الشَّريف فقف بهواقر السَّلام على الرَّسُّول متمِّما
وقل: السَّلام عليك يا من أنقذ الضُّــلال من ظلم الجهالة والعمى
يا سيِّد الهادين يا خير الورىحسبًا وأوسعهم ندًى وتكرُّما
/ أ/ يا خاتم الرُّسل الكرام ومن لهالآيات تحكي في السَّماء الأنجما
وله انشقاق البدر والجذع الَّذيأبدا حنينًا والجماد تكلَّما
والماء ينبع في الإناء ومن دعازمرًا إلى النَّزر اليسير فأطعما
ودعا بأشجار الفلاة فأقبلتوغدا على الحجر الأصمِّ فسلَّما
وعلا على متن البراق مشرَّفًاوسرى إلى أعلى السَّماء معظَّما
يا صاحب الوجه البهيِّ كأنَّما القمر المنير إليه في النُّور انتمى
يا صاحب الخلق الرَّضيِّ فما يرىإلَّا رحيمًا مغضيًا أو منعما
يا صاحب القدِّ الرَّشيق فإن مشىبين الطِّوال علا على من قد سما
يا مطلع الإيمان نورًا مشرقًايمحو من الكفران ليلًا مظلما
صلَّى عليك الله ما انهلَّ الحيافكسا الرِّياض مفوَّفا ومنمنما
وعليك من ربِّي السَّلام مضاعفًاما ردَّدت ورق الحمام ترنُّما
وأتت إليك اليعملات مشوقةًتطوي المهامه والقفار على الظَّما
وعلى أبي بكرٍ خلفتك الَّذيللحقِّ قام مثقِّفا ومقوِّما
وغدا بأعباء الخلافة ناهضًالا عاجزًا فيها ولا متلوِّما
وعلى سبيل الله أنفق مالهحتَّى تجلَّل بالعباءة معدما
/ ب/ سمَّاه بالصِّدِّيق صدق يقينهسبق الرِّجال إلى النَّجاة فأسلما
وغدا بذيل المصطفى متمسِّكًاوعلى أوامره يشدُّ مصمِّما
وأنيسه في الغار حيث يقول: لاتحزن فإنَّ الله أمنع من حمى
وضجيعه في قبره ورفيقهيوم القيامة في الجنان منعَّما
وعلى أمير المؤمنين منكِّس الأصنام حين غدا عليها مسلما
عمر الَّذي للدين كان مؤيَّدًاولمن يعانده مذلًا مرغما
في الحقِّ فظٌّ ليِّنٌ متعاظمٌيجفو الشَّريف له ويدنو الأيِّما
سلس القياد لما يرى فيه رضا الرَّحمان صعبٌ حين يخشى المأثما
فتح الفتوح وشاد للدِّين العلاوغدا به ربع الضَّلال مهدَّما
وعلى ابن عفَّان الَّذي استحيت لأجل وقاره منه ملائكة السَّما
القانت العقب الصَّبور أحاطت البلوى فأذعن للقضاء مسلِّما
عثمان ذي النُّورين صهر المصطفىزوج إبنتيه غدا بذلك مكرما
الجامع القرآن والحبر الَّذيفي كفِّه نطق الجماد فأفهما
جعل النَّبيُّ المصطفى يده لهعن كفِّه بدلًا إلى أن يقدما
وعلى أبي الحسن الإمام المرتضىذي الفخر والنَّسب الكريم المنتمى
/ أ/ زوج البتول أخي الرَّسول فتى الوغىما مرَّ قطُّ ولا تأخَّر محجما
وبخمَّ قال المصطفى: من كنت مولاه، فمولاه عليٌّ معلما
يا ربِّ وال وليه ونصيرهأبدًا وعاد عدوَّه أنَّى ارتمى
من كان في الأحكام أقضاهم وبالــعلم المصون عن البريَّة أعلما
وبنوه والصَّحب الكرام جميعهموالتَّابعون لمن خلا وتقدَّما
وعلى ابنة الصِّدِّيق عائشة الَّتيفي شأنها نزل الكتاب معظِّما
وجميع أصحاب النَّبيِّ وآلهصلَّى عليهم ربُّنا وتسرحمَّا
يا سيِّد الأبرار جئتك أشتكيألمًا ألمَّ وحادثًا قد أظلما
رانت على قلبي الذُّنوب فلم يع الذِّكرى وقد بلغ الزُّبى سيلٌ طما
وبذا الجناب أعوذ يا خير الورىإذ زرته من أن أزور جهنَّما
ولقد وقفت بساحة المولى الَّذيوسع الأنام يدًا وجاد فعمَّما
يا سيِّدي والوفد منقلبٌ غدًابم يرجع المسكين منقلبًا بما
إنِّي أتيتك زائرًا متنصِّلًامستغفرًا من زلَّتي متندِّما
يا ذا الجلال ارحم بحقِّ المصطفى الــعبد الفقير المستجير المجرما
وامنن عليه بتوبةٍ تمحو بهاما كان منه وما جناه وقدَّما
/ ب/ واغفر لمنشدها عليٍّ ذنبهواغفر لمنشيها عليٍّ وارحما
فبمدح أحمد يرجوان شفاعةًذا منشدًا فرحًا وذاك منظِّما
واغفر لمستمعٍ دعا لهما فماأجدى دعاء المسلمين وأكرما
وقرأت عليه -أيده الله- بطريق سفح جبل قاسيون، ظاهر دمشق -حرسها الله- بكرة يوم الإثنين السادس عشر من ذي الحجة سنة تسع وثلاثين وستمائة، ما قاله وقد طلبت منه الإجازة لأمير المؤمنين المستنصر بالله: -] من الطويل [
سلامٌ على مغنى الخلافة والهدىوحيث أقام الدِّين والفضل والعلم
على سادة الإسلام شرقًا ومغربًاقضاءً من الله الَّذي حكمه الحكم
قضى لبني العبَّاس أن يعلو الورىفطاعته فرضٌ على خلقه حتم
بني عمِّ خير العالمين ومن بهمناقبهم تعلو وجدُّهم يسمو
دعا فسقى الله الورى وأجابهليعلم ما أعطاه من عنده فهم
ولا يرزق الإيمان من لا يحبُّهكذا جاءنا والمصطفى قوله جزم
وقال: قد آذاني من آذاه، إنمَّاأبو المرء في القربى يماثله العمُّ
/ أ/ وأعطي في النَّسل الشَّريف خلافة البُّنوَّة إن قرمٌ مضى حازها قرم
فهم كنجوم الأفق إن مال غاربٌلمدَّته أكليلها طلع النَّجم
أنار بها السَّفاح كلَّ دجنَّةٍوقام بها المنصور فابيضَّت الدُّهم
فمهديُّها فالهادي ثمَّ الرَّشيد فالأمين فمأمونٌ له العفو والحلم
ومعتصمٌ مع واثقٍ متوكِّلومنتصرٌ والمستعين الذُّرى الشَّهم
ومعتزُّهم والمهتدي ثمَّ بعدهلمعتضدٍ تسطُّو ومعتمد تسمو
وبالمكتفي يتلوه مقتدرٌ كماإلى القاهر الرَّاضي كذا العدُّ ينضمُّ
كذلك مستكفٍ أتى بعد متَّقٍوبعد مطيعٍ طائعٍ للعدا الرُّغم
وقادرها مع ثمَّ مقتدرٍ ومستظهرٍ يتلوه مسترشدٌ شهم
وراشدهم والمقتفي ثم أنجدتلمستنجدٍ والمستضيء وقد تمُّوا
بناصرهم والظَّاهر العفِّ وابنهفعمَّ البرايا عدله وانتفى الظُّلم
إمام الورى المستنصر الأيِّد الَّذيبنصرة دين الله يعنى ويهتمُّ
فمن أيده نارٌ تجيش لدى الورىوأيديه جنَّاتٌ يجيء بها السَّلم
ومنه لأدواء العفاة دواؤهاومنه لمرَّاد العتاة الرَّدى السُّمُّ
وكم فضَّ من ختمٍ عن المال باذلًاوكم في الدَّياجي حين يتلو له ختم
/ ب/ أجزت له دامت قواعد مجدهمشيَّدةً لا نقض يخشى ولا هدم
جميع الَّذي ألَّفته ونقلتهوما قلته ممَّا تضمَّنه نظم
وللسَّيِّدين الماجدين تعالياولا زال في كسب العلا لهما الغنم
لهم ذاك إن شاؤه والرَّأي رأيهمولي شرفٌ فيه إذا ما هم همُّوا
وقرأت عليه -أيده] الله [- يوم الخميس ثامن عشر ذي الحجة بدمشق المحروسة بمسجدها الجامع، عند رأس يحيى بن زكريا ﵇ لنفسه:] من الوافر [
عجبت لقائلٍ هل أنت ممَّنيحبُّ بني الرَّسول الغرِّأم لا
فقلت: أبتغي الإسلام دينًاوتبغض سادة الإسلام جهلا
وتجعل جدَّهم ذخرًا شفيعًاوتبغض أهله وتجور كلَّا
عقدت على محبَّتهم ضميريفما أحدٌ يطيق لذاك حلَّا
أحبُّ محمَّدًا حسنًا عليًّاأباه محمَّدًا قد حاز نبلا
وأحببت الرِّضا أعني عليًّاوموسى قبله الحبَّ الأجلَّا
وجعفرًا المقدَّم ثمَّ حبِّيأباه محمَّدًا ما ليس يبلى
ووالده عليًا والحسين الشَّهيد بكربلا والحق أعلى
/ أ/ كما أحببت والدهم عليًّاأجلَّ العالمين نهًى وفضلا
وحبُّ السَّيِّد الحسن اعتقاديفبعدًا لامريءٍ عنهم تولَّى
وأنشدنا لنفسه يمدح شيخه أبا اليمن زيد بن الحسن الكندي -رحمه الله تعالى-:
] من الخفيف [
أيُّها الدَّائب المعنَّى المعانيمضض الكدِّ في معالي المعاني
لذ بباب الكنديِّ زيدٍ أبي اليمن إمام الأنام فرد الزَّمان
فعقول الورى إلى الفهم عنهذات فقرٍ للفضل والعرفان
هو بحرٌ فيه نفيس لآلٍوسواه كالآل عند العيان
غير بدعٍ أن قرَّ في البحر درٌّوهو تاجٌ والدُّرُّ للتِّيجان
صورةٌ صوِّرت من السُّؤدد المحض وطيب الأنفاس والإحسان
محكمٌ سيبويه منفردٌ فيه باسناده وبالإتقان
وكذا شرح سيبويه وما حلَّ بأقطارها له فيه ثاني
وكتاب الإيضاح قد فاق فيه بجليِّ الإيضاح والتِّبيان
وكذا كامل المبرِّد مع مقتضبالفصول الحسان
/ ب/ وأصول السَّرَّاج واللُّمع الفرد وشرحاه حبَّذا الشَّرحان
والَّذي حرَّر ابن برهان في النَّحو وما قال قبله الرُّمَّاني
والتَّفاسير والقراءات والتَّجويد فيها ومشكل القرآن
وحديث النَّبيَّ والقول فيهقوله في غريبه والبيان
والتَّواريخ والقوافي من الشِّعر وعلم العروض والأوزان
وله في القريض ما لم تجدهلمجيد القريض في ديوان
بين جزلٍ غدا حبيب حبيبٍوحسانٍ كانت هوى حسَّان
يقظٌ واسع المجال رحيب الباع فيما نبا عن الأذهان
يرشد الغافل الذَّّكيَّ من السَّهو بقلبٍ ذي فطنةٍ يقظان
وجنانٍ له وقد ناهز التِّسعين حولًا معانة العنفوان
ويدٍ ترقم الطُّروس كما فصِّل عقيان ناظمٍ بالجمان
فانظر الخطَّ واسمع اللَّفظ تنعممنه في روضتي يدٍ ولسان
وفرَّ الله بعد طول بقاءٍفي نعيمٍ نعيمه في الجنان
وأخبرنا الشيخ علم الدين في التاريخ "المذكور، قال: أخبرنا الشاطبي، قال: كان أ/ ابن السمال كثيرًا ما ينشد:] من المنسرح [
إذا خلا في القبور ذو خطرٍفزره يومًا وانظر إلى خطره
أبرزه الموت من مساكنهومن مقاصيره ومن حجره
قال الشيخ الشاطبي؛ فحملني إستحسانهما على الزيادة فيهما، فقلت:
] من المنسرح [
إلى ديار البلى فحلَّ بهايا ليت شعري ما كان من خبره
لم يغن عنه مالٌ ولا ولدٌولا حميمٌ يعدُّ من نفره
ولم يجد في ظلام قعرتهنورًا سوى ما أنار في عمره
من لم يكن بالقبور متَّعظًاأخفق في ورده وفي صدره
قال الشيخ: وسئلت الزيادة فيها، فأنشأت هذه الأبيات:] من المنسرح [
مرَّ بها ناسيًا لوحشتهاوهو إليها يجدُّ في سفره
ولم يرعه فظيع منظرهاكأنَّه قد أصيب في بصره
عجبت من شامتٍ بمخترمٍوأنَّه ذاهبٌ على أثره
ومن كبيرٍ دنت منيتهولا يخاف الرِّدى على كبره
/ ب/ الحمد لله ما قضاه جرىولا يفرُّ العباد من قدره
ومن شعره ما كتبه إلى الملك العادل سيف الدين أبي بكر بن محمد بن أيوب ﵀:] من الكامل [
يا من تقابل وجهه شمس الضُّحىفيفوقها في النُّور والإشراق
مالي كخابط ظلمةٍ متحيِّرٍلا يهتدي أفقًا من الآفاق
يا من يجلِّي الهمَّ عن قصَّادهفي كلِّ ضائقةٍ وضيق خناق
أنت المرجَّى في الورى لملمَّةٍتعرو وعارفةٍ وحلِّ وثاق
فكذا غدت أبوابهم مهجورةًوكأنَّ بابك مجمع الأسواق
تلقاهم متكفلًا بمناهمومؤمِّنًا بهم من الإخفاق
ثقةً بسلطانٍ له هممٌ غدتمشعوفةً بمكارم الأخلاق
العالم الملك المعظَّم طابق اللَّقب الحقيقة فيه أيّ طباق
عيسى كعيسى ذاك ينشر أعظمًابليت وهذا ناشر الأرزاق
وكبعث ذاك الميت من أكفانهإحياء هذا ميِّت الإملاق
لا تعجبنَّ لما أقول فإنَّمافي ذا وذاك الفعل للخلَّاق
وكأنَّه في الرَّوع موسى والعصاكعصاه إذ لقفت قنا الفسَّاق
/ أ/ تهتز مثل الأيم تنفث نابهاسمًّا وما لسليمها من راقي
نل بالسَّعادة ما تريد تمامهلك خاضعٌ متطامن الإطراق
وأنشدنا أيضًا لنفسه، موانع الصرف:] من الطويل [
سأذكر ما لم يصرفوه ممثِّلًابأمثلةٍ كي تفهموه وتهتدوا
فقل: زينبٌ إسحاق عثمان طلحةٌومع عمرٍ، قل: حضرموت وأحمد
فذي سبعةٌ مصروفةٌ إن تنكَّرتوإن لم تنكَّر قطُّ فالصَّرف يفقد
وأحمر مع حمراء مثنى مساجدٌوسكران عنها الصَّرف ينأى ويبعد
على كلِّ حالٍ وهي في العدِّ خمسةٌفخذها بحدٍّ والإله المسدِّد
وأنشدني لنفسه، في حصر أقسام التنوين:] من الهزج [
لتعويضٍ وإطلاقٍوتنكيرٍ وتمكين
وغالٍ مع مقابلةٍوجدنا كلَّ تنوين
] [
عليُّ بن يحيى بن محمَّد بن الحسن بن يوسف بن عبيد الله، أبو الحسن الشلمانيُّ.
ينسب إلى شلمى وهي قرية من بلد فنك من أعمال الحزيرة العمرية ب/ كان من أهل القرآن والفقه، له شعر، وتوفي بالجزيرة سنة خمسين وستمائة.
أنشد في ولده محمد، قال: أنشدني لنفسه:] من الوافر [
هي الدُّنيا ومرتعها وخيموما أحدٌ بها منها سليم
إذا وهبت تعود فتقتضيهكما يعتاد ذا الدَّين الغريم
وإنِّي راحلٌ عنها وفانٍوأنت كأنَّك الباقي المقيم
فلا تحزن ولا تفرح بشيءٍفلا بؤسٌ يدوم ولا نعيم
وأنشدني أيضًا، قال: أنشدني والدي ما كتبه إلى معبد النجمي الشاعر، وكان منقطعًا إلى بيت الكدكي، وله فيهم مدائح كثيرة، وهي ثابتة في ديوان شعره:
] من الطويل [
ولو لم يكن للكدَّكييِّن ميزةٌعلى النَّاس طرًّا والعلا بهم أحرى
لما شيَّد النَّجميُّ بنيان مجدهمفأصبح فوق النَّسر مشتملًا عطرا
فأجابه معبد، أن أثبتها في ديوان شعره:] من البسيط [
سوى عليِّ بن يحيى ليس في البلدعلى الودائع بالمأمون من أحد
فتًى ترى عنده الأموال مودعةًبغير كيلٍ ولا وزنٍ ولا عدد
] [
/ أ/ عليُّ بن أبي بكر بن عليٍّ، أبو الحسن، الهرويُّ أبًا وأصلًا، الموصليُّ مولدًا ومنشأ.
وكان والده من أهل هرات خراطًا، ويعرف بابن الخراط السائح، الَّذي كان يكتب على الحيطان. حدَّث بما ذكره عن نفسه في كتابه. وكان يكتب خطّه في المساجد في كل موضع. كان رجلًا قد سلك القفار، وطاف الديار، وركب البحار، ورأى الآثار، وسافر البلاد، وعاشر العبَّاد الأشراف؛ وأخلق جديد العمر في التجوال والتطواف، وزار الأولياء الصالحين، وسمع الحديث على المشايخ والعلماء، وشاهد العجائب، وعاين الأبنية والعمارات، ونظر الأصنام والآثار والطلسمات. وأدرك ما لم يدركه أحد من السائحين والزهاد، ولا يصل إليه أكثر المسافرين والعباد، وجال الأرض بقدمه، وأثبت ما ذكره بقلبه وقلمه. وصنّف في ذلك كتبًا يتعذر وجودها منها: كتاب "منازل الأرض ذات الطول والعرض". ب/ وكتاب "العجائب والآثار"، وكتاب "الإشارات في معرفة الزيارات".
وسمع الحديث الكثير، ورأيت له خطبًا من إنشائه، وكلامًا منثورًا وشعرًا. إستوطن حلب وأقام بها إلى أن توفي فيها في شهر رمضان سنة إحدى عشرة وستمائة في العشر الوسطى.
وكانت ولادته سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة.
وقبره ظاهر المدينة قبليها على الجادة الآخذ إلى دمشق بئرًا نسبت إلى إبراهيم الخليل ﵇. وكان صوفيًا له معرفة بالسيمياء والتخييلات.
وكانت له بحلب وجاهة ومنزلة عند صاحبها الملك الظاهر غياث الدين.
أنشدني القاضي الإمام أبو القاسم بن أبي الحسن الحنفي -أيده الله تعالى- قال أنشدني علي بن أبي بكر الهروي لنفسه، وهو ما ضمنه كتاب الإشارات الَّذي تقدّم آنفًا:] من الكامل [
طفت البلاد مشارقًا ومغاربًاولكم صحبت لسائحٍ وحبيس
ورأيت كلَّ غريبةٍ وعجيبةٍولقيت هولًا في رخاي وبوسي
أصبحت من تحت الثَّرى في وحدةٍأرجو إلهي أن يكون أنيسي
/ أ/ وأنشدني القاضي الإمام أبو القاسم -أيده الله تعالى- بمنزلة المحروس بحلب، في سنة أربع وثلاثين وستمائة، قال: أنشدني الشيخ أبو الحسن علي بن أبي بكر بن علي الهروي لنفسه، يرثي الشيخ أبا البركات بن قرناص:] من الخفيف [
دع ملامي فإنَّه لا يفيدلا تلمني فإنَّ قلبي عميد
كفَّ عنِّي فالصَّبر منِّي ضعيفٌومصابي صعب وخطبي شديد
هذه نكبةٌ لها أضحت الأرض بما فوق منكبيها تميد
مات شيخ الإسلام شرقًا وغربًاوإمام الهدى الوليُّ الفريد
سيِّد الأولياء والزَّاهد العابد والفاضل الإمام الوحيد
هبة الله مذ فقدناك مات الخير والزُّهد والنَّدى والجود
هبة الله لا صفا لي عيشٌكيف يصفو وقد علاك الصَّعيد
فالقبور الَّتي حللت بها بيضٌ وهذي القصور بعدك سود
أتلذُّ الحياة نفسي وشيخيهبة الله في الثَّرى ملحود
صاحب الزُّهد والتِّلاوة والورد الَّذي للورى عليه ورود
/ ب/ ندبتك الآيات يا هبة الله وتبكيك المرسلات وهود
ندبتك الدِّيار والمسجد المعمور يبكيك والكتاب المجيد
فعليك السَّلام منَّا إلى يوم التَّنادي إنَّ المزاز بعيد
وأنشدني، قال: قال أبو الحسن قبل موته بأيام، هذه الأبيات وكتبها على حائط تربته:] من مجزوء الرمل [
قل لمن يغترُّ بالدُّنيا وقد طال عناه
هذه تربة من شيَّد هذا وبناه
طالما أتعبه الحرص وقد هدَّ قواه
طلب الرَّاحة في الدُّنيا فما نال مناه
وأنشدني، قال: نقلت من خطه -وأجاز لي الرواية عنه- طلب بعض أمراء الشام قميصًا يتبرّك به من ثيابه، فأنفذ له قميصًا ومعه هذه الأبيات:] من السريع [
/ أ/ قميص عبدٍ مذنبٍ غافلزمانه في صفقةٍ خاسره
فابك على من ضلَّ في غفلةٍقد خسر الدُّنيا مع الآخره
وأنشدني، قال: نقلت من خطة لنفسه هذه الأبيات قالها وأشتد به ألم ظهره، وعجز عن القيام بغير عصا، واظنني سمعتها منه -والله أعلم-:] من الخفيف [
لو تراني كسعفةٍ يوم ريحٍعاصفٍ إذ مشيت بالعكَّاز
خائفًا زاحفًا أسير على الأرض هوينى في رعدةٍ واهتزاز
شبه قوس النَّداف يزعجها الضَّرب فيهوي بها كريش الباز
] [
عليُّ بن عبد الله بن عمر بن تيمٍ، أبو القاسم الموصليُّ.
كان ذا طبع سهل في محاولة ما يرومه من المنظوم والمنثور، صالح البديهة في إنشائها، جيد الفكر. وكان من المتفردين في زمانه بصناعة الكتاب والإنشاد، وبمذهب الكتاب إلَّا أنه كان ب/ تحت الحظّ الناقص، خامل الذكر، لم يشهر نفسه بذلك.
أنشدني أبو النجاة سالم بن عمر بن سالم الخطيب الموصلي، قال: أنشدني أبو القاسم لنفسه في الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب ﵁ وقد أصابت الكرة فمه:] من الخفيف [
قبَّلت ثغرك الممنَّع عن كلِّ فتاةٍ من الكواعب خود
كرةٌإلى زهرة الشَّمس بنانٌ من النٌّهى والسَّعد
حسدتها الأفلاك حيث ترقَّترتبةً أبهرت عيون الأسد
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه:] من الخفيف [
يا غزالًا يشكو سقامًا بعينيه فؤادٌ يصفيه ودًّا صحيحا
مرضت واعتدت به فعداهافشكت واشتكت بها التَّبريحا
ما رأينا من قبل لحظك سيفًامرهفًا حدُّه يكون جريحا
وأنشدني أيضًا، قال: سألت أبا القاسم أن يجيز هذا البيت:] من الخفيف [
رجلٌ علَّق الطَّلاق بشهرٍقبل ما بعد قبله رمضان
فأجازه في الحال من غير توقفٍ:] من الخفيف [
/ أ/ أيُّها العالم الَّذي فاق فضلًافهو في كلِّ مذهبٍ برهان
أفتني في الَّذي أقول فما مثلك من عزَّه جوابٌ مصان
رجلٌ علَّق الطَّلاق بشهرٍقبل ما بعد قبله رمضان
] [
عليُّ بن إبراهيم بن مبادرٍ، أبو الحسن الأسديُّ.
هو من السندية، قرية بسواد العراق من قرايا نهر عيسى. كان شيخها ومقدمها ورئيسها، ذا ثروة وافرة، ونعمة غزيرة، ومروءة مشهورة، ونفس واسعة. يقصده كل من يرد ذلك المكان. وكان كريمًا سخيًا شائع الذكر، نبيه القدر، مشهورًا بالقرى مقصودًا في قريته. وكان له عبيد، وإماء برسم ما يصنع للضيوف من الخبز والطعام ومواضع معدّة لذلك.
وحكى عنه بعض الفضلاء، قال: - لمَّا كنا ببغداد، قصدت ابن مبادر في يوم عيد الأضحى، فحضر خوانه خمسة وعشرون شاعرًا، أنشدوه المدح بعد أن رفع الطعام، فأجازهم كلّهم؛ ففيهم من أجازه بالجبّة والعمامة، ومن أجازه بالذهب، قال: وبلغني ب/ أنّه نزلت به سرية من العرب ليلة، فعلق على خيولهم ألفًا وأربعمائة عليقة، وأضافهم تلك الليلة. وكان مع ذلك فيه ميز وفضل وأدب وذكاء، ويقول الشعر الحسن، فرضي الله عنه ورضي عني كل من كان فيه مروءة وسخاء.
أنشدني عبد العليم بن عبد الله بن عبد الرحمن الأنباري، قال: أنشدني أبو الحسن لنفسه ما كتبه من السندية إلى والدي، وهو مقيم بالبصرة:] من الطويل [
خلعت على أرض البصيرة رونقًاوجمَّلتها لمَّا اتَّخذت بها مغنى
وأصبحت الدَّار الَّتي قد هجرتهاكعينٍ بلا نومٍ ولفظٍ بلا معنى
وغادرت في سنديَّة البيت وحشةًفلو أنَّها تنبي لقالت كما قلنا
وقال فيه أيضًا:
يا خير من ركب المنابر واعظًاوأجلَّها عند الصَّلاة إذا دعا
شرفت بك الأعواد ثمَّ تباشرتلمَّا علت قدماك منها موضعا
حسدوك أقوامٌ ملأت قلوبهمغيظًا كما حسدوا البطين الأنزعا
ما كان مثل أبي ترابٍ فيهمبالرُّغم أناف الأعادي جدَّعا
/ أ/ ما دمت ملتزمًا بحبل ولائهفإليك نسعى طائعين وخضَّعا
ما أبتغي بالمدح فيك إجازةًإلَّا الدُّعاء وحسب من طلب الدُّعا
عليُّ بن أحمد بن عليِّ بن محمّد، أبو الحسن بن أبي العباس، المعروف بابن دوَّاس القنا العنبريُّ الواسطيُّ.
من بيت أدب وشعر، مشهور الذكر. وأبو الحسن كان شاعرًا أديبًا له يد في علم التنجيم، وكتبة التقاوم، وكان نائب صاحب التركات.
أنشدني أبو محمد الحسن بن علي بن أبي البركات الضرير الواسطي، قال: أنشدني أبو الحسن لنفسه من قصيدة، وهي من مشهور شعره:
يا زاجر الحمر النِّياقعرَّج بزوراء العراق
واقر السَّلام على الَّذيمن بعده طال اشتياقي
ومنها:
أبدًا شهودي أربعٌمتنزِّهون عن النِّفاق
ذلِّي وفيض مدامعيونحول جسمي واحتراقي
/ ب/ ومنها قوله:
والشَّمس عند طلوعهاتحمر من فرح التَّلاقي
وكذاك عند غروبهاتصفَّر من ألم الفراق
عليُّ بن أبي منصور بن أبي عبد الله، أبو الحسن الموصليُّ الضرير الفريضيُّ.
كان شاعرًا ذكيًا، ثاقب الحسِّ، دقيق الفطنة، إذا أورد الشعر يقيّد أسماع الحاضرين بصوته. وكان في أول عمره يضرب بالعود. وكان في حلقه بحَّة مستعذبة.
وأخبرني الشيخ أبو عبد الله أحمد بن الحسين النحوي، قال: خبرت عن أبي الحسن أنه كان يأخذ الشعرة من لحيته، ويقطعها بالطول أربع قطع ويعقدها لزكره.
وكان آخذًا من علوم شتى بأطراف، وسمعته يتكلم في النجوم وفي الطب، ورأيته يأخذ النبض، وعاشر الشيخ صدر الدين بن قيداس الفرضي الحاسب زمانًا طويلًا. وكان من أخصائه، أ/ فلما توفى، ولّاه زعامة الأضراء، فلم يصف له
الأمر لأنّه كان ذا إقتار، وممن أفسد عليه صهره، محمد بن أحمد الضرير الواسطي. وتوفى في الحمام فجأة وذلك أنّه اغتسل، فخرج ولبس ثيابه، وأسند ظهره إلى الحائط، فحرّك فإذا به وقد توفي، وذلك ما بين سنة ست وسبع وستمائة بالموصل -رحمه الله تعالى-.
أنشدني أبو عبد الله النحوي الأديب، قال: أنشدني أبو الحسن علي بن أبي منصور لنفسه، يمدح عماد الدين زنكي بن مودود بن زنكي بن آق سنقر، من قصيدة أوّلها:
لعيني سليمى مهجتي وخضوعهاوإن كان لا ينفكّ عنها ولوعها
ولست أفدِّيها بغير حشاشةٍإليها وإن شطَّ المزار رجوعها
يقول خليلي: خلِّ عنها وفي الحشامن الشَّوق نارٌ لا يكلُّ وقوعها
وكيف أسلِّي القلب عنها ولم يزليخالف أمري في الهوى ويطيعها
ومنها:
وقلت لعيني اسكبا الدَّمع إنَّهامنازل أحبابي وهذي ربوعها
/ ب/ ومخلصها في المديح:
سحائب لا تنفكُّ أو تذر الثَّرى رويًّا وحتَّى كلُّ شيءٍ نقيعها
كجود عماد الدِّين زنكيِّ ذي النَّدىإذا ألسن الشَّهباء أقوت مروعها
وله قصيدة طويلة يمدح بها أتابك أبا الحارث أرسلان شاه بن مسعود بن مودود بن زنكي، صاحب الموصل ﵀ أولها:
خليليَّ عوجا بي على بانة الحمىعسى عائدٌ من عيشنا ما تصرَّما
ومرَّا على الوادي فبي لظبائهجوىً كلَّما شطَّ النَّوى بي تضرَّما
فيا حبَّذا بان الحمى وعرارهوسكَّان واديه وغزلانه الدُّمى
فلا بان إلَّا بانه قطُّ ما سرتله نفحةٌ إلَّا أثارت متيَّما
كأنَّ السَّليم المستقلَّ بريِّهغداة سرى عن طيب سعدى تنسَّما
سرى ناشرًا من طيفها ما انطوى بهرداها فأبدى منه سرًّا مكتَّما
يميس إذا ما سافه ذو صبابةٍشفاه فلا يلقى لوجد تألُّما
وحيث استقلَّت بين سرب نسائهاوهزَّت قوامًا كالقضيب مقوَّما
/ أ/ تريك شبيه البدر تحت مرجَّلٍأثيثٍ يريك اللَّيل أسود أفحما
فما الدُّرُّ أعطاه الصَّفاء ملاحةًتزان بها في كلِّ جيدٍ منظَّما
بأحسن منها حين أبدت تنسُّمًابذي أشرٍ كالدُّرِّ لمَّا تبسَّما
ومنها:
أيا سائقًا يطوي التَّنائف مغرقًاوطورًا يحث الرَّكب في البيد متيَّما
يحاول وردًا يستفاد بريِّهإذا ما اشتكى الظَّمآن ضن نيله الظَّما
توخَّ بها الحدَّاء نحو مليكها المطاع تجد بحرًا من الجود مفعما
مليكٌ إذا ما بخَّل المال أهلهعن البذل ألفى البذل للمال مغنما
رأى العدل والإحسان في النَّاس خير ماتحلَّى به ربُّ العلا وتوسَّما
فأحياهما بعد الدُّثور فأصبحاوقد جمعا فيه الثَّناء المقسَّما
وألفى عفاف المرء خير اعتقادهفعفَّ ولم يركب مدى الدَّهر مأثما
وحيث تأمَّلت الملوك ومجدهوجدت له فضلًا عليهم معظَّما
يقدِّمهم أصلًا وفرغًا وهكذاتفيد الأصول الزَّاكيات التَّقدُّما
فطورًا تراهأنَّى تبسَّما ... وطورًا تراه اللَّيث أنَّى تجهَّما
يجول على الشُّجعان في حومة الوغىفيسقيهم كأسًا من الموت علقما
/ ب/ وإلّا فسل عنه الصَّوارم والقناليخبر عنه والجواد المطهَّما
هو الفارس المذكور لا هو في الوغىإذا ما انقضى للحرب عضبًا ولهذما
وقد ألقت الحرب العوان جرانهاوألبست الأبطال بالدَّم عندما
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (٢٠٠٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع