تجاوز إلى المحتوى

من «قلائد الجمان في فرائد شعراء هذا الزمان» لابن الشعار الموصلي (ت ٦٥٤هـ)

ذكر من اسمه الفتح

الفتح بن تميمٍ الهاشميُّ الحمويُّ

أنشدني هذه القصيدة المولى القاضي الصدر السعيد بهاء الدين أبو محمد الحسن بن إبراهيم بن سعيد -أيده الله تعالى- عن نظامها الفتح بن تميم الهاشمي الحموي:

يا ربع أهلك بعد البين ما فعلواوأيَّ منزلة بعد الحمى نزلوا
ساروا بقلبي أسيرًا في رحالهملمَّا استقلَّت بهنَّ الأينق الذُّل
لا يبعد الله أحبابي الَّذين همغيثي الملثُّ وروضي المخصب الخضر
وساحر الطَّرف يقضي العاشقون بهنحبًا ويحيا عليه اللُّوم والعذل
في خلقه ترفٌ في خلقه صلفٌفي عطفه هيفٌ في ردفه ثقل
إذا بدا ظلت من فرط الغرام جوىكأنَّني من صدامٍ شاربٌ ثمل
سقى دمشق وأيامًا بها سلفتإن لم تصبها دموعي مسبلٌ هطل
/ أ/ حيث الرِّياض بها النُّوَّار مبتسمٌوالغيث باك بدمع ماله مقل
وللسَّواجع رجيعٌ يهيج جوىوللجداول في أقطارها جدل
كأنَّ جود بها الدِّين باكرهاحتَّى تروَّض منها السَّهل والجبل
ندبٌ له الجدُّ والمجد الأثيل إذاتفاخر النَّاس ثمَّ العلم والعمل
مازال يخطب منَّا المدح نائلهحتَّى تنافس فيه المدح والغزل
أعيت على كلِّ مدَّاح فضأئلهمن أن يحيط بها التَّفصيل والجمل
بالجدِّ متَّشحٌ والجود منتطقٌوالفضل متَّرزٌ والعدل مشتمل
تثنى البلاد أهلوها عليه كماتثنى الرِّياض سقاها العارض الهطل
كم قائل زر فتى الخشَّاب إنَّ لهمواهبًا صحَّ فيها الظَّن والأمل
جودٌ يبخِّل جود املعصرات ندىيظلُّ متَّصلا والغيث منفصل
وعزمةٌ لا يرى في جدِّها لعبٌطول الزَّمان ولا في حدِّها ملل
تريك أراؤه ليل الخطوب ضحىفما بآرائه زيغٌ ولا ميل
مناقبٌ أضحت الأيَّام مشرقةًبهنَّ حاليةً أجيادها العطل
أبا محمَّد سدت النَّاس قاطبةًفضلاً به في البرايا يضرب المثل
أجريت في كل قطر بحر مكرمةعذبًا تضيق به الأقطار والسُّبل
/ ب/ أسرعت في صنعك الخيرات مبتدئًاومن عوائدك الإسراع والعجل
وقد أقمت صفي الأيَّام فاعتدلتمن بعد ما ظلنَّ قومٌ ليس تعتدل
إيَّاك يعني ابن أوس في مقالتهإذ قال حقًا وبعض القوى منتحل
يدي لمن شاء رهنٌ لم يذق جرعًامن راحتيك درى ما الصَّاب والعسل
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «فحواك عين على نجواك يا مذل»
أنت المؤمَّل دون النَّاس كلِّهمعلى عطاياك بعد الله نتَّكل

الفتح بن عبد الله بن محمد بن عليٍِّ بن هبة الله بن عبد السلام بن عبد الله بن يحيى، أبو الفرج بن أبي منصورٍ البغداديُّ.

كانت ولادته ببغداد يوم عاشوراء سنة سبع وثلاثين وخمسمائة. وتوفي بها في المحرّم سنة أربع وعشرين وستمائة، وصلي عليه بجامع القصر، ودفن من الغد في مقابر قريش.

وكان من أبناء المحّدثين الكتاب، وكتب الحديث ورواه هو وأبوه وجّده وأبو جدّه. سمع الحديث على مشايخ بغداد: كأبي عبد الله الطرائفي، وأبي غالب بن الداية، وجدّه أبي الفتح محمد بن أ/ علي بن هبة الله، والقاضي علي بن الحسين الزينبي؛ وهو آخر من حدّث عنه فيها بعلم، وأبي الفضل محمد بن عمر بن يوسف الأرموي، وأبي القاسم هبة الله بن الحسين بن علي الحاسب، وأبي الفضل أحمد بن طاهر بن سعيد المديني، وسعيد بن أحمد بن الحسن بن البناء، وأبي الكرم المبارك بن الحسن الشهرزوري وغيرهم.

وكان يتولّى النظر بطريق خراسان في زمن الناصر لدين الله أبي العباس أحمد- ﵁ وكان يرجع إلى فطنة وأدب وسلامة قريحة في قرض الشعر، ويحفظ القرآن، ويحكي الحكايات في مواضعها وعمِّر حتى تفرّد بشيوخ يروي عنهم؛ كتب عنه أبو الحسن محمد بن أحمد القطيعي.

وكان مشتهرًا بالميل إلى التشيّع على مذهب الإمامية، وكفّ بصره في آخر عمره؛ وفي ذلك يقول، وكتبه إلى الإمام الناصر لدين الله –﵁:

مولاي عبدك قد أضرَّ وقد غدافي قعر منزله طريحًا كالحجر
لا يستطيع السَّعي فيما فاتهلمصابه بالعين مع وهن الكبر
والعبد عبدك شاكرٌ لمصابهإذا كان من دون البصيرة بالبصر
فامنن أمير المؤمنين ببرِّهواجبره يا خير الورى فقد انكسر
/ ب/ فالنَّاس كلُّهم لبرِّك عيلةٌولمثل هذا اليوم برك يدَّخر
فالموت اهون من تقلُّد منّةلسوى أياديك الشَّريفة ذي الغرر
لا زال أمرك في البريَّة نافذًاأبدًا وفي الأرضين ياخير البشر

وقال في عماه أيضًا:

سئمت حياتي بعد فقدي لناظريوصرت أرى الأشياء بالَّلمس والسَّمع
أسيرٌ لمن يقتادني غير حاجتيله الحكم في ضرِّس وإن شاء في نفعي
ولم يبق وهن الشَّيب منِّي بقيّةلدفع أذى عنِّي إذا مسَّ أو منع
أقوم إذا رمت القيام لحاجتيعلى أربع تلوى من الضَّعف كالشَّمع
أقضِّي نهاري والَّليالي ترقُّباًلداعي الفنا مصغ إلى قوله سمعي
نديمي أحزاني على ما اقترفتهمن الذَّنب في جهلي وسرِّي من دمعي
فياربِّ جد لي منك لطفًا برحمةٍأفوز بها يا مالك الضُّر والنَّفع

وقال أيضًا:

يا من شكاني فلم أنم جزعًا .. ز أدعو له بالشِّفاء مقتبلا

يا ليت ما تشتكيه من ألميكون بي أو إليَّ منتقلا

وأنشدني الشريف أبو نصر: أ/ محمد بن أبي طاهر الهاشمي، قال: أنشدني أبو الفرج لنفسه:

أقول للنَّفس إذا همَّت بمسألةلغير خالقها في العسر والعد
كفِّي فلو متَّ صبرًا لم أكن سمحًابماء وجهي لمخلوق من الأمم
لكنَّني أسأل المعني لهم كرمًاعنِّي بأن يغنيني عنهم غنى كرم

وقال أيضًا:

ولقد وددت بأن أراك فأجتلىأنوار وجهك فهو بدرٌ مشرقٌ
لكن أوقات اللِّقاء غزيزةٌالله يحرمها العباد ويرزق

وقال أيضًا:

مالي رجاءٌ سوى نعماك من أحدفي سائر النَّاس في الدُّنيا ولا أمل
فانعم بتحقيقه نقدًا بلا عدِّةفالوقت سيف وما في الحالم حتمل
وانهض إلى النذَضر فالأعداء لا سلموابصارم الخوف من لقياك قد قتلوا

وقال أيضًا:

إذا أنا لا أحظى بقرب محمَّدفموتي عندي والحياة سواء
فتى هو ذخري في الحياة وعندماأموت فلي آباؤه شفعاء

/ ب/ قال أبو الحسن القطيعي، أنشدني أبو الفرج الفتح بن عبد الله بن محمد بن علي بن عبد السلام لنفسه، وكتب بها إلى المستضيء بأمر الله. يستقيل من خدمته بالتركات:

يا ابن الخلائف من آل النَّبي ومنيفوق علمًا ونسكًا سائر النَّاس
يا مستضيئًا بأمر الله مقتديًايا خير مستخلف من آل عبَّاس

يا من إذا رمت أمرًا عزَ مطلبه فاجابه منعمًا من غير إحباس

وإن دجى زمني في مقلتي أمليسعيت من جوده فيه بمقياس
أشكو إليك معاشي إنه كدرٌما بين ناعٍ وحفَّار لأرماس
مذ صرت فيه جغاني النَّاس كلُّهموأنكرتني تصاريفي وأجانسي
إذا مررت بقوم ساءهم نظريكأنَّني أعورٌ والبوم جلاَّسي
يذمُّني منهم من لم ألمَّ بهيقول بالظَّن: هذا قلبه قاسي
تأتي إليَّ صباحًا كلُّ ناحيةٍيضيق من كربها صدري وأنفاسي
فآه من حالتي، ضرٍّ بليت بهاسواد بختي وشيب الشَّعر في راسي
وبحر جودك ينجيني وينقذنيمن بحر همٍّ وأفكار ووسواس
/ أ/ بقيت مالك اهل الأرض قاطبةتفني الإادي شديد البطش والباس
في دولة وهب الله الخلود لهاكأنَّ أيامها أوقات أعراس

وكتب إليه أيضًا في المعنى:

إمام العصر يا خير البراياتهنَّ بمقدم العام الجديد
تهنَّ به فقد وافى ببشرىلملكك بالتَّأبد والخلود
وإن كان الهناء به حقيقًاإذا ماكنت ذا عمر مديد
رماه الحظُّ في التَّركات رغمًابلا رزق ولا عيش رغيد
يصبِّح كلَّ يوم بالرَّزاياويلعن لعن عادً أو ثمود
بقيت على الإمامة والرَّعايابقاء النَّجم في فلك السُّعود

الفتح بن موسى بن حمّاد بن عليِّ بن إبراهيم بن اسماعيل، أو بنصرٍ الأمويُّ الأندلسيُّ.

من أهل الجزيرة الخضراء أصلاً.

ومولده بقصر كتامة بين فاس وسلا في الثالث عشر من شوال سنة أربع وثمانين وخمسمائة، كذلك أخبرني من لفظه.

فقيه شافعي المذهب، أصولي عالم له معرفة ب/ بالنحو والعروض، ونظر في علم الحكمة والمنطق. قرأ المقدمة الجزولية على مصنفها قراءة إتقان وفهم، ونظم كتاب "المفصل" لأبي القاسم الزمخشري أرجوزة، وعمل كتاب "الإشارات" لأبي علي بن سينا شعراً، ونظم كتابًا في العروض لطيفًا. ورحل إلى مدينة السلام سنة ثلاث وعشرين وستمائة، وسمع بها الحديث على أبي الفضل الداهري وغيره.

نزل برأس عين، وتولى بها تدريس المدرسة النظامية على الفرق الأربع، ثم فوض إليه امر ديوانها. شاهدته بإربل في شوال سنة خمس وعشرين وستمائة في محبة فلك الدين أبي القاسم عبد الرحمن بن هبة الله بن علي المسيري المصري. وكان حينئذ قد وردها رسولاً.

أنشدني لنفسه يمدح إربل ويصفها:

يا إربلٌ ما أنت إلاَّ جنَّةخصَّت بأكرم جيرة وقرار

لو لم تكوني جنَّة الدُّنيا لما .. ز كان الصِّراط إليك بيت النَّار

سلطانها الملك المعظَّم قدرهفي قلب كلِّ معظَّم جبَّار
يكفيه عند الله وهي عظيمةٌتعظيم مولد أحمد المختار
/ أ/ فليحمدَّ إذا التَّقى بمحمَّدآثار ما أولاه من آثار

وهذه الخطبة من إنشائها، وتلاها بالقصيدة الدالية يمدح بها القاضي زين الدين عبد الله بن عبد الرحمن الأسدي الحلبي، قاضي حلب –﵀ وذلك حين أنفذ رسولاً إلى الديار المصرية إلى السلطان الملك الكامل –﵀:

"الحمد لله الذي كشفت عن الأمة ظلمه الغمة، وأفاض عليهم ما استفاض من سوابع النعمة وسوائغ النعمة، ومد عليهم من جلال العصمة وكمال النعمة وظلال الرحمة رواقًا فيأهم من أماني ظلاً ظليلاً و ﴿خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً﴾ وقضى لخلقه أجلين؛ اجلاً اختراميًا مسمى عنده، وأجلاً مستفادًا بتقديره مؤجلاً فأمات وأحيا بالأجلين: الإخترامي، والمستفاد دولاً وخولاً ﴿سنة الله الَّتي قد خلت من قبل ولن تجد لسنَّة الله تبديلاً﴾.

اخترم النفس النفيسة الملكية الملكة العزيزة –قدس الله روحها- //ب ونور ضريحهل –لأجلها المحتوم، والحق جزءها الحقيقي، الموجود بالجزء المجازي، لا بل بحر المعدوم. وكأن تصورات المحن، وتصديقات الأحن، تلبس المجهول بالمعلوم وتتخاذل العزائم الإنسانية ﴿وكان الشَّيطان للإنسان خذولاًَ﴾

فصعدت العزائم الصاحبية القاضوية الدينية الأسدية والأسدِّية عن أنوار الهداية، وسطعت آيات آياتها ببوارق سوابق الحمامة والدعاية، وأشارت العناية الصريحة بما هو اهله من الاختصاص باصطفاء العناية، فبعث رسولاً كريمًأ كفيلاً بسعادته، ان يبلغ ما شاء املاً وسؤلاً. فنهض –أيده الله- بأعباء الرسالة نهوضًا واجبًا، وأثبت أسباب الملك الصلاحي بسبب موانعه عنه فكان بحكمية المتقابلين موجبًا وسالبًا. وأسفر صباح سفارته عن صلاح بشارته/ ونجاح رسالته آيبًا وذاهبًا، فقال: ﴿إنّي عبد الله أتاني الكتاب وجعني نبيًا وجعلني مباركًا أين ما كنت﴾ وبعثني رسولا.

فامن من سبقت له الحسنى من رأى رايات صدقة الباهرة، وصنفت موارد وسعود

الرعايا بتسخير الله له ملوكًا، قبلت إشارته وامتثلت أ/ أوامره، وأسبغ الله على الكافة بحسن تدبيره، وحسنى تقديره، نعمه الباطنة والظاهرة، وهدى به سواء السبيل ﴿فربُّكم أعلم بمن هو أهدى سبيلاً﴾ فألف الله به الكلمة على أحسن نظام وأثبت أساس، واستقر به أمراء من الرعية، .... عنهم لباس البأس، وتكفل تأييد الملك وتأبيده في خير أمة أخرت للناس، ولسان حال الملوك يقول: وكفى به قائلاً، وبكافله كفيلاً".

وهذه القصيدة:

ما شئت يا دهر فاصنع غير مقتصدوعدِّ عن قصد مقصودي ولا تعد
واستجلب العذر عن عذر وفيت بهوخذ أمانك عن خوفٍ يدًا بيد
فقد حللت حمى لو يستجير بهحمى كليب لاضحى في حمى الأسدي
الصَّاحب الصَّدر زين الدِّين من بلغتبه علاً أمدًا أربى على أمد
قاضي القضاة الَّذي أضحت مناقبهمؤسَّساتٍ من التَّقوى على عمد
يهدي عقول الورى من علم علمٌاناف فوق شناخيب النُّهى الجدد
تضيء أنواره من نار فكرتهفتنجلي الحكم القدسيَّة المدد
وتستقلُّ أياديه وإن كثرتفكم أياد له عند الورى ويد
/ ب/ صدرٌ أقام قناة الملك عن أودٍفي صدرها فانثنت عن ذلك الأود
نائي المحلِّ تراه من تواضعهللخلق في صبب من ذلك الصُّعد
سدَّ الثُّغور وقد سدَّت مسالكهاعن العقول برأي صائب سدد
ومهَّد الملك حتَّى أصبحت حلبٌفي درِّ ضرع المنى للوقذ في الصَّفد
مضى لمصر فأمضى من عزائمهبيضًا تقدُّ قلوب الأسد في الزَّرد
بدت لهم معجزاتٌ من مناقبهفأرسلوه لها في طالع السعد
فقام بالحقِّ لا يلوي مناصحةفيما تنال به الأخرى على أحد
فآمنت بهداه أمَّةٌ سبقتلها من الله حسنى الفوز والرَّشد
فاستوسق الملك وانجابت بهمَّتهدجى الخطوب ودام الملك للأبد
وعاش من كان يخشى الموت في حلبٍومات أعداؤه من شدَّة الكمد
وكان أكبر عيد يوم مقدمهمهنَّأ بالمنى في النَّفس والولد
تباشر النَّاسفي لقياه واحتشدواله بأجمل ما يلقى من الحشد
قل للمحدِّث عن أخباره سؤددهحدِّث حديثًا صحيحًا عالي السَّند
وانثر على صفحات الدذَهر من مدحيفيه بديع نظام اللؤلؤ البدد
وقابل العالم العوي أجمعهمنه بكلِّي فضل فيه متَّحد
/ أ/ وعفِّر الوجه في ناديه إنَّ بهمسكيَّ ترب به يشفى من الرَّمد
وراجع الفكر وارجع عن مهابتهحسير طرفك والحظ لحظ متَّئد
تلحظ جلال جناب تقشعرُّ لهجلود كلِّ عظيم الجأش والجلد
وهمَّةً ضاقت الدُّنيا بما رحبتعن حملها وسطا الصَّمامة الفرد
وقاضيًا أحكمت أحكامه حكمًاجلَت فحلَّ ت ظلام الظُّلم والفند
مؤيِّدًا حكم دين الله مجتهدًافيه بما يرتضيه كلُّ مجتهد
ياذا الَّذي صيغ من طيب ومن زبدٍوغيره صيغ من طين ومن زبد
تبارك الله ما اولاك من رجلٍبفضل ما حزت من سمتٍ ومن رشد
كم اجتهدنا على عيبٍ نعيذ بهكمال مجدك من عين فلم نجد
لفظ الفضيلة لم توضع حقيقتهإلاَّ عليك فمن ينقله لم يفد
وحلَّة المحد مذ ألبستها يفعاًساودت علاك فلم تنقص ولم تزد
أعيذ يا وحد الدُّنيا وصاحبهافضلاً خصصت به بالواحد الصَّمد
ونلت في قرَّتي عين الفضائل ماتختار من أملٍ يبقى مدى المدد
ففي الكمال كمالٌ جلَّ مبدعهوفي البهاء بهاء غير منتقد

فلله حركة أوجبت سكون ما انزعج من الخواطر، وبركة ردت ب/ سحائب الفتن وهي قواطر مواطر، وهمّة أسدية قامت مقام القَّنا والقنابل، والبواتك البواتر حين كادت ترجف الأرض والجبال ﴿وكانت الجبال كثيبًا مهيلاً﴾ فغلب

بحمد الله على ما أراده من إصلاح الدولة الصلاحية. وكان من حزب الله عالبًا، واحكم ما حكم به من مصالح النصائح شاهدًا وغائبًا، وقضى للغائب وعليه كان قضاءً نافذًا واجبًا. والقاضي إذا قضى للغائب وعليه كان قضاؤه جائزًا مقبولاً".

وأنشدني لنفسه مهنيًا الملك الأشرف بفتح دمياط من قصيدة أوِّلها:

الله أكبر هذي أكبر الرُّتبشاهت لها أوجه الاوثان والصُّلب
وحصحص الحقُّ وانجابت غياهبهواجتثَّ دابر أهل الشِّرك والرِّيب
وصدَّقت عزمات السِّيف ما كتبتأيدي الغيوب من الأنباء في الكتب
كادت تنوب بني الإسلام نائبةٌمن الفرنج فكادتهم يد النُّوب
من بعد ما شام أهل الشَّام قاطبةًمنهم بمصر بروق الأين والوصب
وغادروا ثغر دمياط وبرزخهتبكي عليه جفون الدِّين والحسب
/ أ/ طمَّت عليهم سجالٌ منك زاخرةٌفلجَّجت بهم في لجَّة العطب
غضبت لله يا موسى وما علموابأن رضوانه في ذلك الغضب
وأجَّجت يدك البضاء بينهمنارًا فكانوا لها من جملة الحطب
هم الفراش فمهما ألهبت لهبًاأنوارها سقطوا في ذلك اللَّهب
يا للعجائب! عيسى وهو عندهمربٌ دعاهم إلى التَّقوى فلم يجب
ولم يزل وهو روح القدس ينذرهمآيات موسى وما فيها من العجب
فجاء عيسى رسولاً من محمَّدهإلى أبي الفتح موسى البطش والرَّهب
علمًا بأنَّ اليد البيضاء ما برحتتبدي لموسى بمصر آية العجب
فجاء موسى لدمياط على قدروالنَّصر يقدمه في حجفل لجب
وحال ما بين دمياط وبينهمبكلِّ مرتقب للهول مرتكب
بكل قلبٍ كأنَّ السُّمر أضلعهلم يهف قلبٌ له يومًا ولم يجب
قجاء فرعون عكَّا خائفًا وجلاًيبغي إمامًا ينجِّيهم من الرُّعب
مستيقنين بأنَّ الله خاذلهموأنَّ مرجعهم للسَّيف والهرب

وأين يهرب من موسى وفي يده الدُّنيا جميعًا وحبل الله في الطَّلب

فسلَّموها وما جادوا بهعا كرمالكنَّهم فدوا المسلوب بالسَّلب

/ ب/ الفتح بن عليّ بن محمّد بن الفتح بن أحمد بن هبة الله بن عليَّ أبو إبراهيم بن أبي الحسن البنداري، الكاتب الاصفهاني المنشيء، نزيل دمشق.

اخبرني أنَّه ولد بأصبهان في منتصف شعبان سنة ستٍّ وثمانين وخمسمائة. من أبناء الرؤساء الأصفهانيين وأشراف أماثلها وأرباب النعم والجلالة.

وأبو ابراهيم هذا صدر نبيل، ذو قدر جليل، من أصحاب الهيئات والمروءات في أموره واعتراف بأقدار الناس مع سكون وعقل، ووفور أدب وفضل، وتواضع مبين، ودين مبين، وصلاح وسداد.

سمع الحديث الكثير في بلده، وقرأ فقهًا وأدبًا، وله اليد الطولي في الكتابة الإنشائية بالفارسية والعربية. فارق وطنه وقدم دمشق في المحرم سنة سبع عشرة وستمائة في أيام الملك المعظم شرف الدين أبي الفتح عيسى بن أبي بكر بن أيوب صاحب دمشق.

وصنّف عدّة تصانيف، واختصر منها كتاب "نجوم الهدى وأعلام التُّقى" في أسماء العلماء الشافعية، مجلد. أ/ وكتاب "سنا البرق" اختصره من كتاب العماد الكاتب المسمى "البرق الشامي"، واختصر كتاب "خريدة القصر" وسمّاه "وشاح الخريدة وطراز الجريدة" واختصر كتاب "نصرة الفترة" سماه "نخبة النصرة" في وزراء الملوك السلجوقية، وكتاب "منتهى الآمال من كتاب الاكمال" لابن ماكولا مختصر منه. وكتاب "التذكرة الأشرفية والصناعة الطبية"، وديونا نظمه ونثره بالفارسية والعربية، وعرّب كتاب "شاه نامه" ونقله إلى العربي وأهداه إلى الملك الأشرف موسى بن أبي بكر بن أيوب –﵀ واختصر كتاب "الأنساب لأبي سعد السمعاني، ولقبه

"بكتاب اللباب في الأنساب"، وكتاب نقله في ترجمة أخبار ملوك العجم خمس مجلدات عمله للملط المعظم عيسى بن أبي بكر.

لقيته بدمشق في سنة أربعين وستمائة، فرأيت منه رئيسًا كافيًا، وحبرًا كاملاً –فأكرمني وأفضل عليّ وأحسن إليّ، فبلّغه الله تعالى امنيته، وهو أحد الكتاب المترسلين بدولة الملك الصالح أبي الفداء إسماعيل ب/ بن أبي بكر بن أيوب.

وأنشدني لنفسه في أواخر ذي الحجة سنة تسع وثلاثين وستمائة، وقد نزل تبوك: -

لمَّا نزلنا تبوك انتابني طربٌحتَّى لقد خلت بي مسّاً من اللَّمم
فظلت ألصق خدِّي بالثَّرى كمدًاوأمتري منشدًا من دمعي السَّجم
لم لا أدوس برأسي ترب منزلةقد ادسها خير خلق الله بالقدم
يا أرض طيبة لازالت مرفرفةعليك أجنحة الانواء بالدِّيم
لله تربك أنَّى ضمَّ في جدثبحر الفضائل والإفضال والكرم
جعلت هالة بدر يستضيء بهأهل البسيطة من عرب ومن عجم
لو استطاعت بلاد الأرض أجمعهاسعين نحوك للإجلال عن أمم

وأنشدني لنفسه، وقد أراد أن يزور النبي –ﷺ من الشام فلم يقدّ ﴿له ذلك في تلك السنة:

إشتقت طيبة أعوامًا فإذ قربتمنذِي مسالكها أقصاني القدر
وكنت كالحائم الحيران حين دنتمنه موارده اودى به الصَّدر
قد كدت أدرك صفو العيش مغتبطًالكن أبى ذاك دهرٌ كلُّه كدر

/ أ/ وقال فيه –ﷺ وأنشدنيه:

نبيَّ الهدى لولا علائق شقوةعلقن بذيلي ما تركت مزاركًا
نعم عفوك الفضفاض ضاف إزارهفأسبل على التَّقضير مني إزاركا

وأنشدنيه حين تشرف بزيارة إبراهيم الخليل –صلوات الله عليه- سنة سبع عشرة وستمائة:

أيا رافعًا للحقِّ شمَّ قواعدٍبها شاد من أركان بنيانه الدّين
نشرت على الآفاق نورًا من الهدىوأدم في طيِّ الثَّرى بعد مكنون
وأظهرت للأبصار بدرالورى ... فلا حمأ فيما تروق ولا طين
نعم طينك النُّور المبين وإنَّهبماء من الوادي المقدَّس معجون
اتاك خليل الله تذرف عينهخليلٌ كصادٍ ورده الكاف والنون
تشفَّع إلى الرَّحمان يطلق رحمةًفها هو في حبس الجرائم مسجون
عليك سلام الله ما ذرَّ شارقٌولاح هلالٌ مثل ما اعوجَّ عرجون
نعم وعلى أولادك الغرِّ بعدهصلاةٌ لها صوت الملائك تأمين

وأنشدني لنفسه في القاضي بهاء الدين أبي المحاسن يوسف بن رافع بن تميم بعد منصرفه من مصر:

/ ب/ لقد سرَّ سرُّ الشَّافعيِّ وأشرقتأسرَّته بشر الوجه ابن رافع
قناواه من دون الصَّفائح معلنًانداء وعاه القلب قبل المسامع
لك الخير من ضيف أتاني مسلًَّماًومن زائدٍ نائي المنازل شاسع
بعلمك ذكري ف المحافل شائعٌلشعيك قد أنشرت بين المجامع
أنرت منار الحقِّ بعدي في الورىببرهان فضلٍ ساطعٍ النور صادع
وصيَّرت ما بين المذاهب مذهبيكشرع رسول الله بين الشَّرائع
فلازلَّت ذا قدر يعزُّ منالهولازلت ذا فضل على الخلق واسع
وهذا خطابٌ ذا قدر يعزُّ منالهولازلت ذا فضلٍ على الخلق واسع
وهذا خطابٌ عنه أفصح حالهلكلِّ أخي فهمٍ من الحقِّ سامع
ويكفيك ما بين الأنام دعاؤهوذلك عند الله أعلى الشَّوافع

وأنشدني لنفسه لمّا نزل السلطان الملك الأشرف بعين الفارسية متوجهًا إلى البلاد الشرقية:

ولمَّا إن رحلنا من دمشقٍوخيَّمنا بعين الفارسيَّه
تقدَّم من مهابتنا سريعًاإلى أعدائنا ألفا سريَّة

/ أ/ وأنشدني أيضًا وكتبه إلى الملك:

أيا ملكًا رحيب الباع سمحًاحططت ببابه العالي رحالي
لقد قرَّت غداة رأتك عينيوفازت من لقائك باكتحال
رعاك الله من مدرار فضلبوصف علاه جيد الفضل حالي
أؤمِّل منك أن تسعى لرزقعلى نعماك في الدُّنيا محال

وأنشدني أيضًا لنفسه:

إذا شئت أن تسمى وتصبح مالكًارقاب قلوب الخلق في الأرض قاطبة
فأوسعهم لطفًا وبشرًا ولا تكنعبوس المحيَّا كالح الوجه قاطبه

وأنشدني أيضًا لنفسه:

أيا ملكًا ملوك الأرض طرّاًلهم بنواله في الأرض أسوه
إذا قسننا بحار الأرض كلاًّإلى جدواك كانت مثل حسوه
عزمت على الرَّحيل إلى دمشقوأرجو من نداك الغمر كسوه

وقد هجمت جيوش البرد تترى وغادرت الرِّجال الغلب نسوه

بميمنة وميسرة وقلبٍعلينا لم يزل يزداد قسوه
وإن لم تكسني شيئًَا فأيقنبأنِّي لست الحق أرض

/ ب/ وأنشدني أيضًا من شعره:

لا تحملنَّ أمانةً فلربمالعبت بحاملها يد الإتلاف
قد أودع الصدف السَّحائب قطرةةًوبها تشقُّ خواطر الأصداف

وأنشدني أيضًا قوله:

إذا ما النَّائبات غزتك يومًاوهمَّت بالحوادث أن تدوسك
فعذ بالله متًّكلاً عليهولا تنزع من التَّقوى لبوسك
ولا تقصد من الأمراء إلاَّعماد الدِّين داد بن موسك
هو المولى الذي إن ناب خطبٌيفرِّج عنك بالإفصال بؤسك

وأنشدني أيضًا من شعره في غرض:

وحنتني الأيَّام لمّا أثقلتظهري على جلدي بفادح همٍّها
فالظهر قوسٌ والصا وترٌ لهاوكلامي المستدُّ ضائب سهمها

وأنشدني لنفسه:

كريم المحيّا أبلج الوجه ماجدٌزكت منه أرضُ في السعادة أعراق
طلاقته تجري سحائب أنعمٍبها قسمت بين الخلائق أرزاق

وأنشدني له:

/ أ/ ذو الفضل لا يعدوه نقص حظوظهوأولوا التناقص حظهم متناسق
مثل اليمين تراه عينك عاطلاًوعلى الشِّمال يرى الطِّراز الرَّائق

وأنشدني لنفسه:

يا من نأى فدموعي فيه مطلقةٌوالقلب في أسر أشجانٍ وأشواق
أبقيت منِّي على طول المدى رنقًالكن فراقك ما أبقى على الباقي
فالآن لم يبق لي عينٌ ولا أثرٌسوى رجاء التَّلاقي من إخفاق

وقال أيضًا:

تبّاً لدهر ظلمه كظلامهما إن يزال يجور في أحكامه
متلوِّنٌ كالغول يلبس دائمًافينا لياليه على أيَّامه
يستنزل العصم العواقل مثلمايستخرج الضَّرغام من آجامه
فيذل هذا لللكلاب نواحًاويشكُّ ذاك بنبله وسهامه
بينا العقاب تراه عينك في السَّماإذ حطَّه بنباله من رامه

وأنشدني لنفسه:

وأمٍّي لمشتاقٌ إليك وذاكرٌمدى الدَّهر عهدًا كان للشَّمل يجمع
تمثِّلك الذكرى لعيني ساهرًاوطيفك يأتيني إذا العين تهجع

/ ب/ وأنشدني لنفسه في القوس ملغزًا:

ألا يا عالمًا لم تلق عينٌولن تلقى مدى الدُّنيا قرينه
حللت المشكلات بنور ذهنٍأشغَّته كدنيا مستبينه
فما محنَّية الأضلاع تطوىجوانحها على حسك الضَّغينه
إذا صحَّفتها فهي اسم جمعٍلواحدة بها دعيت مدينة

وأنشدني من قوله:

ذكرتكم فاهتزَّ عطفي كأنَّماأديرت بذكراكم عليَّ شمول
وعاود عودي رونقٌ ونضارةٌوقد مسَّه بعد الفراق ذبول
فياليت شعري هل أرى لي عودةٌإليكم وهل لي بالعقيق نزول

وأنشدني لنفسه من قصيدة أوّلها:

قد زمِّت العيس صابرًاإنِّي إذاً في حسن عهدي ضنين
هيهات أين الصَّبر من عاشقما إن له غير الأسى من قرين
يبيت موقوذ الحشا ساهرًابليلة في الطُّول تحكي سنين
يدٌ على القلب وأخرى علىالرَّأس حليفٌ للجوى والحنين
/ أ/ يذري دموعًا لو جرى فيضهاظلَّ الورى ما بين ماء وطين
لله بيضاء هضيم الحشاأصبح قلبي بهواها رهين
ذات نطاق خصرها تحتهيشبه شكّاً قد حواه يقين
تدير عيني رشأ أغيديصمي بسهم اللَّحظ أسد العرين
يرقُّ لي صمُّ الصفاً رحمةًوقلبها ذو قسوةٍ ما يلين

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (٢٠٠٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف الفاء

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.