من «قلائد الجمان في فرائد شعراء هذا الزمان» لابن الشعار الموصلي (ت ٦٥٤هـ)
ذكر من اسمه محمد
محمد بن محمد بن أبي حنيفة محمد، أبو عبد الله بن أبي القاسم البغدادي المعروف بابن الفرضي المؤدب
أجرى ذكره الصاحب أبو البركات المستوفي في تاريخه- ﵁ وقال: ورد أبو عبد الله إربل في سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة؛ ومدح والدي أبا الفتح أحمد بن المبارك المستوفي- رحمه الله تعالى- بقصيدة، وقف والدي عليها، فوجدها قد جمعت إلى حسن الإصابة، جودة الكتابة؛ فنقله إليه لتأديبي عليه، فأقام مدةً طويلةً بها إلى أن ورد إربل الملكان؛ الملك المغيث فتح الدين عمر، والملك القاهر بهاء الدين الخضر ابنا السلطان الملك العادل أبي بكر محمد بن أيوب- ﵁ بكرة الاثنين ثاني عشر جمادي الأولى سنة خمس وتسعين وخمسمائة، فاتصل بهما، وتأدبا عليه.
وسافر في حبتهما إلى الديار المصرية؛ مكنوفاً بحسن الإكرام، محفوفاً بضروب الإنعام، له من الملك المغيث عطاء لا يغب نواله، وسخاء واعتناء يتوالى عليه أفضاله، ومكانة كثر معها توقيره، ومنزلة جرت على اختباره فيها أموره؛ إلى ان ركب معه البحر، فهبت ريح سوداء منتنة، مرض منها جماعة وماتوا، منهم الملك القاهر بهاء الدين الخضر بن الملك العادل أبي بكر محمد بن أيوب، وأبو عبد الله محمد بن محمد المذكور، فدفن بالقاهرة، وذلك ف سنة اثنتين وستمائة، أخبرني بصحته ولده محمد وغيره- ﵀.
وكان لطيف المحاضرة، ظريف المعاشرة، له خلائق كالشهد عذوبة، وشمائل كالماء رطوبة، شاب المجون بالتنسك، ولم يسلك في الخلاعة طرق التهتك، وكان
دينًا مستورًا، معروفًا بين الأكابر مذكورًا:
إذا جد عند الجد أرضاك جدهوذو باطلٍ إن شب ألهاك باطله
قطع مدةً من شيبته في مصاحبة الشطار، وأنفق جملةً من عمره في معاشرة الفتاك والدعار، وحبس في سجن بغدد على ما أخبرنا به.
وكان صادقًا مدة سبع عشرة سنة، مقيمًا في منزل ضنك موحشة أقطاره، ومحبس نزل مظلم ليه ونهاره، لا يرى السماء إلا مريعة من جميع نواحيه، ولا يزيد إلا وحشة كثرة ساكنيه، ينسخ المصاحف؛ فكتب على ما اخبرني نيفا وستين مصحفًا لطيفًا في جملة ما كان يورقه.
حدثني- رحمه الله تعالى- أنه كتب في الحبس مصحفًا لطيفًا أقام على كتابته مدةً، وضمن ألا يكتب فيه حرفًا مغلقًا ولا مطموسًا، ووفى بذلك، وأهداه إلى الوزير عون الدين أبي المظفر يحيى بن محمد بن هبيرة، يتوصل به إلى إخراجه؛ فقال: يجب على من كتب هذا الكتاب الكريم على هذا القدر، قطع يده، هلا كتبه مقدار حمل تعظيمًا له؟ أو كما قال.
فلما أطلق من اعتقاله، وخلص من ضيق وثاقه وعقاله، وصل إلى الموصل، ثم فصل عنها على إربل؛ فكان من حاله ما تقدم ذكره، وسأعقب هذا الفصل بجملةٍ من شعره، التي هي محصوله من عمره؛ مما يستدل به على سلامة قريحته، ويعتبر به سماحة فكرته وكان يعمل على طبعه في النظم، فيقع له الحسن المنقح، والعامي المطرح؛ وكان مولعًا باستعمال الألفاظ العامية؛ فمن ذلك ما أنشدنيه لنفسه؛ أنشدني الصاحب الوزير أبو البركات المستوفي؛ قال: أنشدني أستاذي ومؤدبي أبو عبد الله لنفسه:
من لصب متيمقد حناه حنينه
أنحلته أشواقهواستهلت جفونه
كلما ناحت الحماثم زادت شجونه
وإذا الليل جنهواعتراه جنونه
ظل يبكي بأدمعهاطلاتٍ شؤونه
وأنشدني؛ قال: أنشدني أبو عبد الله لنفسه من أبيات:
إنما كان ولوعي طمعًاوالردى لا شك عقبي الطمع
واحتقرت العشق حتى قادنيبزمامي فأراني مصرعي
إن من أسكنهم في كبديوانطوت صونًا عليهم أضلعي
عرفوا موضعهم من مهجتيفأضاعوا بالتجافي في موضعي
أنا أفدي قمرًا ودعتهوهو بالتقبيل منه ممنعي
ملني بعد الوفا من كان ليوبحكمي خاتمًا في إصبعي
لو رعى حفظ ودادي لم يضعما رأى في خلوتي من ورعي
حين ضمتنا ليالٍ بربىإربلٍ لا باللوى والأجرع
وأنشدني؛ قال: أنشدني مؤدبي لنفسه
كلما هيجني ذكركمصحت من وجدي بكم واحزني
وإذا ما رمت عنكم سلوةبكرت أشواقكم تلعب بي
ذهب العمر بعيشٍ كدرنكد لم أقض فيه أربي
فإلى من أشتكي ما نابنيحين غابوا وإلى من مهربي
وزفيري بالأسى في صعدودموعي بالبكا في صبب
ما هناني مذ تولت عيسهمواستقلوا مطمعي أو مشربي
فإذا قلت تقضت شقوتيخانني صبري وزادت كربي
وأنشدني؛ قال: حدثني أبو عبد الله، أنه رآها في المنام فانتبه وقد حفظها:
بال محمد أرجو نجاتيغدًا من شر أهوال القيامة
ومن ربي أرجي العفو عماأتيت إلى البرية من ظلامه
فإن غفر الإله عظيم ذنبيفأجدر أن أهنى بالسلامة
وإن لم يعف عن ظلمي لنفسيعضضت يدي من طوال الندامة
وأنشدني؛ قال: أنشدني لنسه:
بوجنة كالشقيق تنحسر الــأعين عن حسن وردهما الأحمر
حاذر أن تجتنى فحصنهافي سالفيه بعارضٍ أخضر
وأنشدني، قال: أنشدني من جملة أبيات مديحًا:
وقل له عبدك الداعي المنيب ومنيأوي إليك إذا ما نابت النوب
فأنت من معشرٍ إن سولموا صفحواأو حوربوا حربوا أو سوئلوا وهبوا
يحمون أعراضهم بالمرهفات ولايحمون ما لأيادي الحمد ينتهب
فالبر أنفس مدخورٍ لمدخرفي يوم لا نسب يغني ولا سبب
وأنشدني؛ قال: أنشدني لنفسه:
أيها الحادي بهم قف وقفةفعسى تحيي بها من عشقا
قو ولو طرفة عينٍ ربماردت النظرة فيها رمقًا
ومنها في المديح:
أسد يقدمه الرعب متىما غزا جيشًا تولى فرقا
لو رأى عمرو بن معدي كرببأسه خر لديه صعقا
كلما أسهبت في المدح لهقال من يسمع قولي: صدقا
محمد بن عمر بن الحسين بن الحسن بن علي، أبو الفضل الطبرستاني البكري الرازي المعروف بابن خطيب الري.
كان جده الحسين خطيب الري، وجده الحسن ولد بمكة، وكان تاجرًا مثريًا، سكن الكعبة الحرام أربعين سنة؛ وكان من ولد أبي بكر الصديق- ﵁.
ورحل أبو الفضل من الري في بدء أمره إلى أذربيجان، وكان بها رجل يقال له: مجد الدين الجيلي، عالمًا بالحلم، فقرأ عليه شيئًا من العلوم الأولية؛ ثم فتح الله عله فتحًا كبيرًا، فأخذ من الكتب، وفرغ من عنده.
ثم رحل إلى خوارزم، ثم إلى ما وراء النهر، ثم رجع إلى خوارزم إلى البلاد الخراسانية ومنها إلى الباميان، وهي بلدة في الغور، وكان صاحبها بهاء الدين
سام بن محمد بن الحسين بن سام؛ فأقام عنده سنين كثيرة، وكسب من جهته أمولًا غزيرة.
وهو الإمام الفقيه المتكلم، الأصولي الحكيم العلامة المتفنن في كل نوع يأخذ فيه، المنقطع القرين في سمو رتبته، وقيامه بالعلوم؛ وكان ينتحل الفقه على مذهب الإمام الشافعي- ﵁ ويتكلم على رأي أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري، وبرع في علمي الأصول والخلاف والمنطق والطب وسائر أجزاء الحكمة.
وصنف كتبًا جمة، اشتهرت في الدنيا في ذلك كله نذكر ما تيسر منها؛ كتاب تفسير القرآن الكبير؛ سماه "مفاتيح الغيب" سوى تفسير الفاتحة، أفرد لها تصنيفًا اثنا عشر مجلدًا بخطه الدقيق. وكتاب "التفسير الصغير"، وكتاب "نهاية العقول في علم الأصول"، وكتاب "المحصول في علم الأصول"، وكتاب "المحصل في الأصول"، أيضًا، وكتاب "الملخص في الحكمة"، وكتاب "شرح الحكمة"، وكتاب "الحكمة المشرقية"، وكتاب "لباب الإشارات"، وكتاب "المطالب العالية في الحكمة"، وكتاب "شرح الإشارات"، وكتاب "الأربعين في أصول الدين"، وكتاب "المعالم في الأصولين"، وكتاب "شرح كليات القانون"، وكتاب "الطب الكبير"، وكتاب "مناقب الإمام الشافعي"﵁ وكتاب تفسير "شرح أسماء الله الحسنى"، وكتاب "أسرار التنزيل [وأنوار التأويل" مجلد لم يتم]، و"تفسير القرآن"، وكتاب "السر المكتوم"، وكتاب "الطرفة في الجدل"، وكتاب "شرح سقط الزند"، وكتاب "منتخب دنكلوشا"، وكتاب "مباحث الوجود والعدم"، وكتاب "مباحث الجدل"، وكتاب "جواب الغيلاني"، وكتاب "الجامع الكبير الملكي في الطب"، وكتاب "النبض"، وكتاب "شرح القانون" مجلد لم يتم، وكتاب "التشريح من الرأس إلى الحلق" لم يتم، وكتاب "الأشربة"، وكتاب "الآيات البينات"، وكتاب "منتخب المحول في أصول الفقه"، وكتاب "تفسير
الفاتحة مجلد"، وكتاب "تفسير سورة البقرة" مجلد على الوجه العقلي لا النقلي، وكتاب "شرح الوجيز للغزالي" لم يتم، حصل منه العبادات والنكاح في ثلاث مجلدات بخطه. وكتاب "الطريقة العلائية في الخلاف" أربع مجلدات، وكتاب "لوامع البينات في شرح أسماء الله والصفات" مجلد، وكتاب "في إبطال القياس" لم يتم، وكتاب "شرح نهج البلاغة" لم يتم، وكتاب "فضائل الصحابة الراشدين"، وكتاب "القضاء والقدر"، وكاب "رسالة الحدو" مجلد، وكتاب "تعجيز الفلاسفة بالفارسية" وكتاب "البراهين الربانية" بالفارسية، وكتاب "اللطائف الغياثية"، وكتاب "شفاء العي من الخلاف"، وكتاب "الخلق والبعث"، وكتاب "الخمس في أصول الدين" بالفارسية، وكتاب "عمدة النظار ونبذة الأفكار"، وكتاب "الأخلاق"، وكتاب "الرسالة الصاحبية"، وكتاب "الرسالة المجدية"، وكتاب "عصمة الأنبياء"، وكتاب "في الرمل"، وكتاب "شرح مصادرات أقليدس"، وكتاب "في الهندسة"، وكتاب "رسالة نفثة المصدور"، وكتاب "رسالة في ذم الدنيا"، وكتاب "الاختيارات العلائية في الاختبارات السماوية"، وكتاب "أحكام الأحكام"، وكتاب "الرياض المونقة في الملل والنحل"، وكتاب "رسالة في النفس"، ورسائل في كل فن من علم الرياضي، والمنطق والحكمة وغير ذلك.
وكان من جلالة القدر، وعظم الذكر، وفخامة الهيبة بحيث لا يراجع في كلامه، ولا ينبس أحد بين يديه لإعظامه، ما هو مشهور متعارف، وكان مع تفرده بهذه العلوم واستيلائه عليها، له اليد الطولى في الأدب والعربية والتصريف، وسار ذكره في شرق الأرض وغربها، وقصده الناس من كل صوبٍ وناحية، وانتشرت تلامذته في الأقطار، وتخرج عليه عالم كثير لا يحصى.
وكان يحضر مجلسه ثلاثمائة متفقه لا يعلو صوت أحدٍ منهم على صوته، إعظامًا له واحترامًا، وكان مهيبًا في أصحابه، شديد الوقار ذا حشمةٍ وافرة، وقدرٍ كبيرٍ عند السلاطين.
وكان السلطان خوارزم شاه علاء الدين أبو شجاع محمد بن تكش بن أيل أرسلان بن تتش بن محمد نوشتكين، مع عظم سلطانه وسعة ملكه يقصد زيارته،
ويتواضع لديه ويجله ويبالغ في كرامته.
وكانت ولادته سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة، وتوفي بهراة يوم عيد الفطر سنة ست وستمائة- نور الله ضريحه وبرد صفيحه- فلقد كان آية من آيات الدنيا، ومحاسن الزمان.
أنشدني أبو المعالي عبد الجبار بن محسن بن مزني بن عبد الجبار الجيلي الهمامي؛ قال: قرئ على شيخنا أبي الفضل محمد بن عر الرازي لنفسه، وأنا أسمع:
نهاية إقدام العقول عقالوأكثر سعي العالمين ضلال
وأرواحنا في وحشةٍ من جسومناوحاصل دنيانا أذى ووبال
وكم قد رأينا من رجال ودولةفبادوا جميعًا مسرعين وزالوا
وكم من جبالٍ قد علت شرفاتهارجالٌ فزالوا والجبال جبال
وقال أيضًا: وهي القصيدة التي لقبها بالهادية:
يا طالب التوحيد والإيمانأبشر بكل كرامةٍ وأمان
واعلم بأن أجل أبواب الهدىتقرير دين الله بالبرهان
وأعز خلق الله ناصر دينهبالعقل والأخبار والقرآن
فإلهنا بعلو عز جلالهمتقدس عن .... الإيمان
فردٌ قديمٌ دائمٌ لصفاتهمن غير وهم تعاقب الأزمان
حارت عقول الخلق في سبحاتهوعلا على الأفهام والأذهان
خضعت له الأرواح والأشباح فيتسبيحها وتخر للأذقان
العرش في عرصات عز جلالهمتبلد كالواله الحيران
والجسم في درجات نور كمالهمستحقر مثل الخيال الفاني
لو كان عرشيًا لكان مركبًاولكان كالإنسان في الجثمان
لو جاء قيوم السماء بذاتهيوم القيامة كان في الحدثان
لو كان ينزل من أعالي عرشهلإفاضة الإحسان والغفران
لتبدلت أوصافه في ذاتهولكان ذلك غاية النقصان
من كان هذا دينه فكأنهقد فاق أهل الشرك في الخذلان
أو كان هذا منتهى توحيدهفعليه محض لعائن الرحمن
ومحمد خير البرية جاءنابشريعةٍ تهدي إلى الرضوان
فمن المحال محبه في دينهبالسخف والتشبيه والبهتان
لولا التغير والتناهي لم يكنبالنجم ما يرميه بالحدثان
يا من توحد في وجوب وجودهوعلا على الأشياء لا بمكان
يا حي يا قيوم يا محيي الورىيا دائم المعروف والإحسان
يا منتهى أملي وغاية رغبتيوعليك معتمدي بكل أوان
أدعوك دعوة خاشعٍ متخوفمتلهف من كثرة العصيان
لا تشغلني عن جلالك لحظةبشواغل الأفلاك والأركان
لا تحجبني عن جلالك لمحةفي لاحق الأحياز والأحيان
أنت الذي خلق الخلائق كلهابدلالة الحدثان في الأعيان
أنت الذي خلق الخلائق كلهابشهادة الإحكام والإتقان
أنت المريد لخيرنا ولشرنافي طوري الوجدان والفقدان
أنت المغيث لنا وكاشف ضرناومجيز جاهلنا من النيران
وأنا الضعيف المستجير بفضلكمعند البلى في ملبس الأكفان
قد هد أوصالي وأضعف قوتيطول الزمان وكثرة الأحزان
وسئمت ما قد كنت أطلب قربهومللت طول مكائد الأقران
ما تم ستون الحياة وليتنيعانيته في موقف البطلان
إني أرى الدنيا مقام متاعبومصائب موصولة الدوران
وأرى سعادة أهلها كالماء في الــسيلان أو كالثلج في الذوبان
ورأيت أرباب الضلال تعاونوافي الإثم والتلبيس والعدوان
وعهدت جمهور الخلائق آثروانقض العهود ونكثة الإيمان
فطفقت أطلب سلوة لي حلوةمع كثرة الإمعان في الأعوان
فعجزت عن وجدانها حتى بداأن لا سبيل إذًا إلى الوجدان
أتحفت سلطان الورى بقصيدةتربي على الياقوت والمرجان
سلطان أرض الله ناصر شرعهفيها وأهل الزيغ والطغيان
لا زال ظل جلاله متمددًاأبدًا مع التمكين والإمكان
وكلامنا في الدين أصبح واضحًايبيض مثل الشمس في اللمعان
يا رب إني كيف أقدر قدركممع أنني من عنصر الإنسان
لكنني ألزمت عقلي مدحكمفي كل ما يسمو إليه لساني
إن كان حقًا كان من توفيقكمأو كان مختلًا فمن شيطاني
وله في الثناء على الله- ﷾:
تتمة أبواب السعادات للخلقبذكر جلال الواحد الأحد الحق
مدبر كل الممكنات بأسرهاومبدعها بالعدل والقصد والصدق
تعالى عن الأذهان سلطان عزهوجلت معاليه عن التحت والفوق
أجل جلال الله عن شبه خلقهوأنصر هذا في الغرب والشرق
إله عظيم العدل والفضل والعلاهو المرشد المغوي هو المسعد المشقي
رجاء جميع الخلق في جود وجودهورهبتهم من قهره لا من الخرق
فمن كان في عرفانه كان في الهدىومن كان في عصيانه كان في المحق
ومن ظن أن العدل يدرك كنههفقد صار عرفًا في الضلالة والحمق
ولما رأينا كل جسمٍ مركبًاعلمناه محتاجًا إلى الموجد المبقي
فمبدئ كل الممكنات منزهعن الشكل والمقدار والجمع والفرق
ولما وجدنا جسمنا متركبًامن العظم والغضروف والجلد والعرق
وشحما لمرآنا وعظمًا لسمعناولحمًا سحيقًا للبنان وللنطق
قضى العقل منه انه متولدبتدبير خلاقٍ يدبر بالرفق
ومما يقوي كونه متعاليًاعن الطبع والإيجاب والغلق والفلق
تفاوت أوصاف الذوات بأسرهامن الوضع والمقدار والخلق والخلق
ومما يقوي كونه موجبتفاوت حال الحلق في الرتق والفتق
ومما يجلي حلمه واقتدارهتخالف وصف البحر في السكر والبثق
ومما يزيل الريب عن صدق دينناعجائب حال الحمل في منتهى الطلق
براهين دين الله جم كثيرة.... وفي الجري والبعد والسحق
ومن دان للدين الحنيفي عقلهيصير مدى مسراه في ليله طلق
ومن عجب الأقدار دولة جاهلومكث لبيب في الكدورة والرنق
وكم قد رأينا جاهلًا ملك الورىوكم قد رأينا كاملًا ضيق الرزق
يجد فلا يجدي ويسعى فلا يرىويبعث يوم الحشر بالأعين الزرق
وكم أحمق قد ساد بالحمق عالمًاوكم من بلاءٍ جر بالعقل والحذق
عجائب آيات تعاظم وصفهاعلى الحكماء اللسن والألسن الذلق
ولاح بأن الكل من حكم حاكمٍسرى حكمه في الطول والعرض والعمق
إلهي لساني في ثنائك قائموموقف نفسي موقف الذل والرق
ولكن ذلًا عند بابك عزةوشبهة ذاك الرق خيرٌ من العتق
حرارة حب خالطت حبة الحشاأبى الحب فيه أن يلين لمسترقي
وقال أيضًا:
حكم جرى قبل خلق الخلق في الأزلفليس ينقض بالتدبير والحيل
وإنما هي أرزاق مقدرةتدنو وتبعد لا بالجد والكسل
وله يذكر ما كان في خلقه من الشراسة والحدة:
أشكو إلى الله من خلق يعنينيويمحق النور من عقلي ومن ديني
حرارة في مزاج الروح محكمةتبدو فتنمو فتغويني وترديني
وقال أيضًا:
أرى معالم هذا العالم الفانيممزوجة بمخافاتٍ وأحزان
أحواله مثل أحوالٍ مفرغةٍوشره في البرايا دائم داني
وقوله أيضًا:
أيا صفيًا حبه واجبعلى ذوي الفضل وأصحابه
وعلمه قد بان برهانهفي مجلس الخامل والنابه
قد جاءك المذنب مستغفرًاعن سيء القول وأسبابه
فارجع إلى لطفك فيما مضىحتى يتم اللطف في بابه
وله أيضًا:
إليك إله الحق وجهي ووجهتيوأنت الذي أدعوك في السر والجهر
وأنت غياثي عند كل ملمةٍوأنت معاذي في حياتي وفي قبري
محمد بن إبراهيم بن أحمد بن طاهر بن محمد بن طاهر بن أحمد بن أبي الفوارس، أبو عبد الله الخبري الفارسي.
ولد بخبر- وهي مدينة بفارس- ونشأ بها؛ ثم شخص إلى الديار المصرية، ولم يزل ساكنًا لها إلى أن مات يوم الخميس آخر النهار السابع عشر من ذي القعدة سنة اثنتين وعشرين وستمائة، ودفن بزاويته المبنية بمعبد ذي النون المصري الزاهد- ﵁ وكان عمره مائة وأربع عشرة سنة.
وكان من علماء زمانه، وأبرعهم في علم الحقيقة، والطريقة، والتوحيد، والشريعة، أوحد وقته في التصوف، والزهادة، والاجتهاد؛ علمًا وحالًا وطريقةً بحيث لم ير مثله في علو حاله، وصحة الحكم بالفراسة، وقوة الهيبة وشدتها، وصنف
تصانيف كثيرةً في معاني الصوفية، وأحوالهم السنية.
وكان فقيهًا شافعي المذهب؛ أصوليًا متكلمًا، عالمًا بأخبار القوم، من أولياء الله الصالحين، وعباده العارفين، صاحب فضائل مسطورة، ومناقب مشهورة، وكرامات ظاهرة، وأحوال باهرة، أسند الحديث وراءه عن أبي طاهر احمد بن محمد بن أحمد السلفي، وأبي القاسم علي بن الحسن بن عساكر الدمشقي وغيرهما.
من تصانيفه: كتاب: نسك الأبرار وسر الإسكار"، جمع فيه بين علمي الحقيقة والطريقة وعلم الشريعة في الرقائق. وكتاب "دلالة المستبهج إلى معالم المعارف"، ورسالة المستبهج إلى عوالم العوارف- تتضمن أحوال الصوفية- وكتاب "مطية النقل وعطية العقل" في علم الأصول. وكتاب "الإعانة على دفع الإغانة" في الفرق من الفقراء والصوفية والمتصوفة. وكتاب "جمحة المنها من لمحة المها"- يذكر فيه كيفية العباد من أحاديث رسول الله- ﷺ وإلى غير ذلك من المصنفات.
أنشدني أبو الثناء محمود بن علي بن إبراهيم الخوارزمي؛ قال: أنشدني أبو عبد الله محمد بن إبراهيم الفارسي لنفسه:
إذا القمري فوق الأيك غنىأعان على الهوى صبًا معنى
يذكره زمانًا بالتصابيإذا ما لحن الحان حنا
ألا من ذا يعلل قلب صبيجن جوى إذا ما الليل جنا
وإن أبصرت مغنى الحي قف بيعلى مغنى لقلبي فيه مغنى
لئن أسقى الهوى العشاق كأسًافإني قد سقاني منه دنا
ومن سكري نسيت اسمي ونعتيولكن بالهوى أسمى وأكنى
قبح باسم الحبيب ونح بشجوعلى صب بوصلٍ ما تهنا
وقل لي هل يعود زمان وصلٍبتلك الدار إذ كانوا وكنا
وأنشدني؛ قال: أنشدني أيضًا لنفسه:
سقني طاب الصبوحما ترى النجم يلوح
سقني كاسات راحٍهي للأرواح روح
عن لي باسم حبيبيفلعلي أستريح
نحن قوم في سبيل الــحب نغدو ونروح
نحن قوم نكتم الأســرار والدمع يبوح
محمد بن إبراهيم بن محمد بن عبد العزيز بن إبراهيم، أبو جعفر الرازي الفقيه الحنفي المدرس إمام أصحاب أبي حنيفة في وقته.
نزل الموصل وتولى بها التدريس، ولم يزل بها مقيمًا، إلى أن توفي في شهر رجب سنة خمس عشرة وستمائة، ودفن ظاهر البلد بمقبرة المعافى بن عمران- ﵄.
وكان أوحد عصره في العلوم، حسن القيام بها، والافتتان فيها، وكان في الفقه والخلاف والأصول والكلام ذا تقدم، وله حظ في الترسل والكتابة، وقرض الشعر- عربيه وفارسيه- والنحو واللغة وغير ذلك في علومٍ أخر؛ كالطب والمنطق والفلسفة، والموسيقى، والهيأة، والهندسة، والنجوم، ثم ينضاف إلى ذلك علم الفرائض والحساب والتفسير والقراءات.
له من التصانيف؛ كتاب في الفرائض حسن، وكتاب في مذهب الإمام أبي حنيفة- ﵁ وكتاب "النوري في تهذيب مختصر القدر"- عمله لأتابك نور الدين أرسلان شاه بن مسعود بن مودود- ﵁ وكتاب على نحو التذكرة لابن حمدون.
أنشدني أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الكريم الحنفي- رحمه الله تعالى- قال: أنشدنا شيخنا الإمام أبو جعفر محمد بن إبراهيم الحنفي لنفسي، من قصيدة مدح به أتابك نور الدين أرسلان شاه بن مسعود:
عز اصطباري وضاقت الحيلأني يداوى الملال والملل
لا جفون سيوفها المقلوراشق باللحاط ينتضل
ما أسهرت مقلتي على ظمأبها إلى الغمض أعين نجل
كلا ولا شفني المخلخل والــمعصم فعمًا والفاحم الرجل
لكن دهرًا معاندًا حنقًالوى حقوقي لأمه الهبل
ألزم حظي حطيطة وسمتبعزي الشامخات والقلل
أدى معان الآلاء محتفلًالا ناقةٌ فيه لي ولا جمل
لي همةٌ دونها مدى زحلٌففيم هزلًا يسف بي الأمل
ومنها في المدح:
يا دهر قسرًا فناصري الملك الــشهم الغيور الحلاحل البطل
وأنشدني الإمام الفاضل قوام الدين أبو القاسم عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم الحنفي؛ قال: أنشدني والدي الإمام أبو جعفر لنفسه، ووصى أن تكتب على قره:
عجب لمن قد جاء يحدى بمالهولم يدخر ذخرًا جميلًا لهالها
جزعت لمن واريت عنك ولو بدالعينك ما واريت عنها لهالها
محمد بن أحمد بن جبير بن محمد بن جبيرٍ، أبو الحسين الكناني البلنسي الوزير الكاتب.
وزر لصاحب الأندلس الأمير أبي سعيد عثمان بن عبد المؤمن.
وكان شاعرًا مجيدًا، عالمًا بليغًا، ذا أدبٍ كثير، وفضلٍ شهير، له قصائد مسمطة، ورسائل مدونة، وشعر فصيح، وترسل مليح، وموشحات بارعة، وكتابة رائعة.
رحل إلى الإسكندرية وسكنها، إلى أن توفي بها يوم الخميس سلخ شعبان سنة خمس عشرة وستمائة.
وأنشدني الفقيه أبو موسى عيسى بن سلامة الإسكندري المقري باربل سنة خمس وعشرين وستمائة؛ قال: أنشدني الوزير أبو الحسين محمد بن أحمد بن جبير لنفسه في الحجاج:
يا وفود الله فزتم بالمنىفهنيئًا لكم أهل منى
قد عرفنا عرفات معكمفلهذا برح الشوق بنا
نحن بالمغرب نجري ذكركمفغروب الدمع تجري هينًا
أنتم الأحباب نشكو بعدكمهل شكوتم بعدنا من بعدنا
علنا نلقى خيالًا منكمبلذيذ الشوق وهنا علنا
لاح برق موهنًا من أرضكمفلعمري ما هنا العيش هنا
صدع الليل وميضًا وهنافأبينا أن نذوق الوسنا
كم جنى الشوق علينا من أسىعاد في مرضاتكم حلو الجنى
ولكم بالخيف من قلب شجلم يزل خوف النوى يسلو الضنى
ما ارتضى صالحه الصدر لهسكنًا منذ به قد سكنا
فنناديه على شخط النوىمن لنا يومًا بقلبٍ ملنا
سر بنا يا حادي العيس عسىأن تلاقي بوم جمع سربنا
ما عنى داعي النوى لما دعاغير صب شفه برح العنا
شم لنا البرق إذا هب وقلجمع الله بجمع شملنا
وأنشدني الشيخ الإمام الفاضل أبو الحسن محمد بن أحمد بن علي الدمشقي القرطبي بدمشق؛ أنشدني الوزير الأجل أبو الحسين بن جبير لنفسه:
أراك من الحياة على اغترارومالك بالإنابة من بدار
وتطمع في البقاء وكيف تبقى؟وما الدنيا لساكنها بدار
وأنشدني؛ قال: أنشدني لنفسه:
ينيل المرء تبصرة وذكرىإذا ما ابيض فواده وشابا
وما يرجى لتوبته قبولإذا مزج الرياء بها وشابا
وأنشدني أبو الوليد إسماعيل بن عبد الله بن إسماعيل البياسي، بمحروسة حلب في سنة أربع وثلاثين وستمائة؛ قال: أنشدني أبو الحسين محمد بن أحمد بن جبير بالإسكندرية، بمسجده بحارة رزبة لنفسه:
يا زائرًا لم يقض أن ألقاهدهر يعوق عن الذي أهواه
ضن الزمان وقد سمحت فلم يكنمن زرته للحين في مغناه
يا ويحه لعظيم أنس وفاتهإن لم يذب كمدًا فما أقساه
لما وجدءت فناء داري عاطرًاأيقنت انك قد وطئت ثراه
وطلبت للتقبيل فيه موضعًافإذا الحيا المنهل قد عفاه
لم يبق من أثرٍ لوطئك في الثرىفجعلت ألثم حيث تم شذاه
حتى الغمام يعوق عما أبتغيياما أكابده وما ألقاه
وأنشدني الشيخ تاج الدين أبو الحسن محمد بن علي بن أبي بكر القرطبي
الدمشقي، بها سنة أربعين وستمائة، قال: أنشدني الوزير الأجل العالم أبو الحسن محمد بن أحمد بن جبير لنفسه بدمشق سنة خمس وثمانين وخمسمائة:
صحبت الزمان وقابلتهبصبرٍ جميلٍ إذا الخطب نابا
وأنشدني؛ قال: أنشدني لنفسه:
أقصر عن الغي كم ذاتدعى لرشدٍ وتابى
لا يسلم العبد إلاإن استقام وتابا
وأنشدني؛ قال: أنشدني لنفسه:
قل إذا جئت مجلسًاوسمعت المزاح مه؟
واجتنب كل موردٍفيه تلقى المزاحمة
وأنشدني؛ قال أنشدني له:
خلعت العذار بشيب العذارفما يقبل اليوم منك اعتذار
وقالوا المشيب وقار الفتىوهذا المشيب فأين الوقار؟
جلا صحبه عنك ليل الشبابفشمسك مؤذنة باصفرار
أراك صحبت حياة الغروروتسحب جهلًا ذيول اغترار
ألست ترى كدرًا صفوهاونجمك قد مال يبتغي انكدار
وكيف تنام على غرةوسيف المنية ماضي الغرار
فلو كنت تحذر صرف الردىإذًا لنفى النوم عنك الحذار
عبرت مراحل عمر الأشدولست أرى لك فيها اعتبار
وجرت بها عن طريق الهدىضلالًا وتغدو غدًا أن تجار
أتاك الرحيل فشمر لهفإما إلى جنةٍ أو لنار!
وكيف تقر بدنياك عينًاولم تدر أين يكون القرار؟
وأنشدني؛ قال: أنشدني أيضًا من شعره:
بني الإسلام جدوا في الجهادبسمر الخط والبيض الحداد
وبيعوها فربكم اشتراهانفوسًا تربحوها في المعاد
عدوكم بعقركم مقيمليستولي على تلك البلاد
وبيت القدس يفرق كل يومحذارًا أن يعود إلى الأعادي
ودين الله يلحظه اعتناءٌبجفن قد تكحل بالسهاد
فسلوا المشرفية واستقلوابها فوق المسومة الجياد
فليس يفوز بالحسنى سوى منتدرع بالجلادة للجلاد
ومن نثره ما كتبه إلى الشام متشوقًا شيخ الشيوخ بن حمويه جواب كتاب صدر منه إليه:
"صدرت المخاطبة العزيزة الفلانية، حرس الله سناءه وسناه، ويسر له كل أملٍ وسناه، وعرفه بعد طول العمر حسن خواتم منساه، بما يصدر عن مثله، ويصيق بفضله، والفضل لا ينكر على أهله، وعلم الله أني إليه .... بالأشواق، وكيف لا ومن اق طيب شيمة الكريمة بم يشبع من ذواق، وحصل من محبته ويبقيه، ومن كل مكروهٍ يقيه، وإلى كل معلوة يرقيه.
وكتب إليه أيضًا شافعًا في رجلٍ من فقراء أهل بلده، أن ينزل في موضع يرتزق منه، وقد كان يكرر القول فيه، كان ق تقدم وعده الكريم:
"لشيخ الصالح فلان أن ينزل مع الصوفية- نفع الله ببركتهم- أو يرتب له إمامة مسجد في هذا الشهر الشريف، فإذا كان قد تيسر ذلك فهو يسأل إنجازه، وإن تعسر ذلك لسوء حظه، فليس له سوى بابه المقصود، ولا يرد عند ظمئه سوى بحر كرمه المورود، فقد أسمع لسان الحال عنه- أدام الله سؤدده-
إلينا اقصدوا يا معشر الركب إننانرى العار أن نمنى بغير وفود
فإن كان قد تيسر ذلك فهو يسأل إنجازه، وهذه ليال عظم الله بركاتها عليه، وساق أجر الداعين فيها إليه، لا يحتمل الصبر على إفراط الضرورة البشرية، واللوازم الجثمانية سيما مع العيال، وفرط الإقلال، وما كتبها إلا وقد تحققت أنه انتهى إلى حالة لا يستطيع معها صبرًا، وتمسك بذيل المراحم الشيخية، وقد طفق لسانه /ب /
يقرأ: ﴿إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرًا﴾ ".
قال الشيخ: وكتب إليه أيضًا من الإسكندرية متشوقًا، أو شافعًا، ومقصودي ذكر فضله، ونشر ذكره، لا وصف ما وصفني، ثناء على حسن ظنه، لا على حقيقة الحال؛ صدرها بهذه الأبيات وهي له:
سلام كأزهار الربيع نضارةوحسنا على شيخ الشيوخ الذي صفا
ولو لم يعقني العذر عن قصد ربعهسعيد كما يسعى الملبي إلى الصفا
ولكن عداني عنه دهر مكدرومن ذا الذي واتاه في دهره الصفا
أصدرت هذه اللمعة والشوق إلى خدمته مستعر اللهب، وأدعيتي في ضمن ذلك متتابعة الأوراد والنوب، ولست أرى الإغراق، في إيضاح ولائي الذي راق، لتحققي إحاطة المعرفة الكريمة بعقائد أولى الوفاق، والله سبحانه، يوفقني لشكر ما منحته من جميل ولائه ووداده الذي خلصا لي بغير استحقاق.
وهذه التحية تصل على يد فلان، وهو أعز أهلي وأخلائي، ولاؤه للشيخ السيد فلان كولائي، وما فتئ منذ حظي باجتلاء محاسنه الباهرة، واختبار أخلاقه الطاهرة، من قلادة صحف الثناء المحبر، والإطناب فيما برز فيه على مادح كتب وعبر. وقد قصد الخدمة، ويا ليتني كنت معه!، وأحفظني الأيام بما أخطت مرآه ومسمعه؛ على أني وإن كنت ....، فلست من درك الأمل قانطًا:
فقد يجمع الله الشتيتين بعد مايظنان كل الظن ألا تلاقيا
وقد قصد ذلك الربع المعمور، والرباط الذي هو قبلة لمجد المشهور، وكفلت له عني السيادة بأن يتلقى بالترحيب والتأهيل، ويمد بالمساعدة المفضية به إلى درك التأميل".
محمد بن أحمد بن سليمان، أبو عبد الله الزهري الأندلسي، من أهل إشبيلية.
قال أبو عبد الله الدبيثي في مذيله: "قدم الزهري صادرًا عن مكة في سنة تسعين وخمسمائة، وأقام بها مدة وسمع من شيوخ ذلك الوقت؛ كأبي القاسم ذاكر بن كامل الخفاف، وأبي محمد عبد الخالق بن عبد الوهاب ابن الصابوني، وأبي الرضا أحمد بن طاهر، وأبي الفرج عبد المنعم بن عبد الوهاب بن كليب، وجماعة من أصحاب أي علي ابن المهدي، وأبي الغنائم ابن المهتدي، وأبي طالب بن يوسف، وأبي القاسم بن الحصين ومن بعدهم، وسمع معنا.
وكان فيه فضل، وله معرفة بالأدب، ويقول الشعر.
وسافر عن بغداد، وأقام بأصبهان مدة، وسمع من أصحاب أبي علي الحسن بن أحمد الحداد، ومن بعده.
ثم انتقل إلى الكرج واستوطنها، فهي اليوم قبر له؛ وقد حدث عنه، وسمع منه أهل البلد، ومن ورد إليه".
وكان رجلًا فاضلًا، وسمع وكتب بخطه الكثير، وحصل في بلاد الجبل، واستوطن بروجرد، وتأهل بها، وصنف تصانيف في الأدب منها: كتاب "شرح الإيضاح لأبي علي الفارسي"، وكتاب "شرح اليميني لأبي النصر العتبي"، وكتاب
في البلاغة، وغير ذلك.
وأقام هناك إلى أن دخل التتر- لعنهم الله تعالى- البلاد، فقتلوه في جملة من قتلوا وذلك في شهر رجب سنة سبع عشرة وستمائة.
أنشدني أبو عبد الله محمد بن سعيد الواسطي قال: كتبت إلى أبي عبد الله الزهري، حين قدم بغداد بهذه الأبيات:
إذا عد أهل الفضل والعلم والخبرفحي هلا بالحافظ العالم الزهري
فتى جمع الآداب والنسك والتقىوفاق بني الأيام في النظم والنثر
وأتقن علم النقل عنء كل حافظوأسن ما يرويه عن ثقة حبر
لقد شرفت بغداد إذ حل أرضهاوتاهت به فخرًا على الأنجم الزهر
وزاد به فخرًا فتل ظل خدنهولاذ به يومًا وإن قل في الدهر
قال: فكتب إلي عن هذه الأبيات جوابًا على وزنها وقافيتها:
أيا فاضلاً فوق السماكين قدرهإذا عد أهل الفضل والعلم والخبر
أتتني من أبكار فكرك خردمتى ضل سار في الدجى فبها يسري
نظمت بها الدر النيثر فأصبحتلها قيمة أعلى وأغلى من الدر
فأنت إمامٌ للجميع مبرزتفوق جميع الناس في النظم والنثر
تقدس إذ شرفته عبد نعمةبحي هلا بالحافظ العالم الزهري
لأنك ميمون الطليعة ماجدٌوحبرٌ نبيلٌ عالمٌ أيما حبر
لقد شرفت كل البقاع بقربكموسدتم بني الأيام في البدو والحضر
محمد بن بختيار بن عبد الله البغدادي، أبو عبد الله.
نزل البصرة، فتولى بها سنة خمس وستمائة، وكان يصنع الشعر المقارب على البديهة، إلا أنه لم يشهر به.
أنشدني أبو القاسم أحمد بن علي بن بختيار البغدادي من لفظه؛ قال: أنشدت عمي أبا عبد الله محمد بن بختيار، من نظمي وهو:
قسمًا بمن سكن الفؤاد وإنهقسمٌ له لو تعلمون عظيم
فأجازه ارتجالًا وأنشدنيه:
إني به صبٌ كثيبٌ مدنفٌقلق الفؤاد مولهٌ مهموم
لا أستطيع مع التنائي سلوةحتى الممات وإنني لسليم
فتعطفوا بالوصل بعد تهاجرٍفالصبر ينفذ والرجاء مقيم
ولقد سلبت صبابتي وتتيميحتى تجود به وأنت رحيم
يا مالكين بحبهم أرواحناظامٍ على تياركن يحوم
أنشدنيها أبو القاسم أحمد:
يا مالكين بحبهم زمر الحشا ... .............................................
وليس لما أنشدني معنى؛ ثم قال: هكذا أرويه.
محمد بن أحمد بن الحسن بن غنيمة، الواعظ الواسطي
وهو ابن أخت الشريف العالم أبي طالبٍ عبد الرحمن بن محمد بن عبد السميع الهاشمي العباسي.
سمع الحديث بواسط وبغداد والموصل وحران ورأس عين وحلب ودمشق وبيت المقدس.
روى عن أبي الفرج بن الجوزي.
وله رسائل معجبة، وخطب منتخبة، وأشعار جيدة، وهو واعظ فقيه شافعي المذهب، محدث له معرفة بأصول الفقه والوعظ، وعلم التفسير، على قدم الصلاح والانقطاع والزهد في المناصب الدنياوية.
وندب إلى قضاء واسط في أيام الإمام الناصر لدين الله مرارًا، فما أجاب إلى ذلك؛ وكانت وفاته سنة سبع وثلاثين وستمائة.
أنشدني جعفر بن محمد بن أحمد الخسرسابوري؛ قال: أنشدني أبو عبد الله محمد بن أحمد بن الحسن لنفسه، في صدر كتاب كتبه إلى الرشيد أبي حفص عمر بن محمد الفرغاني:
حرف النداء وبعدهلفظًا يدل على التمني
أتلو إذا ما عن ليذكراك يا من غاب عني
وحدثني أيضًا؛ قال: كتب إلينا الرشيد الفرغاني كتابًا من بغداد بعد مدة طويلة، وكان قد حج وأقام بالشام سنتين، ويذكر فيه أهلي وأقاربي، ويعتذر فيه عن طول غيبته عنهم؛ فرأى أبو عبد الله الكتاب قبل وصوله إلينا، ففضه ووقف عليه، وكان قد رأى في
المنام بشرى تدل على مقدمه، فقدم كتابه من الغد؛ فقال في ذلك:
لما نظرت كتابه متلألئًانورًا يضيء له الظلام ويسفر
أقبلت نحو الأرض أسجد شاكرًالله ﷻ وأعفر
وغفرت للأيام كل جريمةٍوبمثل ذا الوصل الجرائم تغفر
حاشا رشيد الدين مما ظنه الــجهال حين مضى، ومما قدروا
ظنوا به ألا يعود وظنهمإثمٌ عليهم في الصحائف يسطر
يا ليتهم إذ قصرت عن فعلهأفهامهم تركوا الملام وأعذروا
فاشكر أبا الفرج الإله على الذيأوتيته فبمثله لا يظفر
سعدي فتاتك حين أمسى بعلهاعمر وأدرك ما يؤمل جعفر
يا رب حقق ما أريت محمدًافبمقدم ابن محمد يستبشر
حقق بنا ما قدرت أوقاتهمن وصله فالموت أمر يحذر
واسلم رشيد الدين واعذر من غداشعفًا بمقدمك المبارك يشعر
وكتب أبو عبد الله محمد بن أحمد بن الحسين الواسطي لنفسي إلى الرشيد عمر بن محمد الفرغاني:
هذا كتابي ولو أني استطعت إذنكنت الكتاب لما ألقاه من قلقي
لا تحسبوني على ما تعهدون فماأبقى فراقكم مني سوى رمقي
ولو مضى الكل مني لم يكن عجبًاوإنما عجبي في البعض كيف بقي
ووجدت له فضلًا، كتبه إلى بعض الفضلاء الكبراء لا تخلو كلمة منه من سين:
سامق وسس واسم وسر سالمًاواستأسر الأسد وسد واسعد
واستفرس من الفرسان مستظهرًابالسمهري الأسمر المسعد
وساجل السحب وتسكابهافسيبك السحاح بالعسجد
وسام واستعل سنام السطىمستخدمًا للسعد والسؤدد
محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن عبد الجبار، أبو الغنائم الخسرسابوري الواسطي.
وخسرسابور من عمل واسط.
كان ذا ميز وأدب، حافظًا جملةً من أشعار العرب، مغتنيًا بالكتابة والشعر. كان مولده بخسرسابور سنة سبع وثلاثين وخمسمائة، وتوفي بها في ذي القعدة سنة اثنتين وعشرين وستمائة.
أنشدني ابن أخيه جعفر بن محمد بن أحمد الخسرسابوري قال: أنشدني عمي أبو الغنائم لنفسه:
إرحل عن اللهو والأوطان والطربواحلل بربع العلا لا مربع اللعب
واشرب كؤوس المعالي واصطبح ثملًابالبيض والسمر لا من قهوة العنب
واجعل ملاقيك صوت الصافنات إذاما الشمس غابت وشمس الحرب لم تغب
وأنشدني؛ قال: أنشدني عمي لنفسه، وهو مما قاله في صباه ببغداد يتشوق أهبه من جملة أبيات:
أيا شجراتٌ بالمصلى قديمةسلام عليكن الغداة سلام
ويابان كثبان الحنينة هل لنابظبك من بعد البعاد مقام
خليلي عوجا بالجزيرة ساعةفلي بثنيات الشطيب غرام
محمد بن إسماعيل بن حمدان، الشيخ الأديب، أبو بكرٍ الحيزاني مولدًا.
أقام بالجزيرة العمرية، واستوطنها، وكان جمهوريًا من أهل السنة، حافظًا للقرآن الكريم، فقيهًا شافعيًا، يعرف الأدب جيدًا.
امتدح الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب على الموصل، وكانت جائزته ثلاثمائة دينار، وتشريفًا وفرسًا، وولاه حسبة بيت المقدس، ثم تقلد القضاء بنابلس، وعاد إلى الجزيرة، وصار محتسبًا، وبقي إلى بعيد الستمائة.
أنشدني أبو الحسن علي بن عثمان بن دينة الواعظ الجزري، قال: أنشدني أبو بكر محمد بن حمدان لنفسه، يمدح الملك الناصر صلاح الدين- ﵁:
لما رأتني مجدًا أزمع السفراوأنها بعد عينٍ لا ترى أثرا
قامت تودعني في الليل سافرةفقد السفر أن الصبح قد سفرا
ثنيت أثناء كمي دون صفحتهاوقلت ناموا فبرق في الظلام سرى
سأبتغي الغاية القصوى فإن سلمتروحي رجعت وإلا فسمعي خبرا
بيني وبين الغنى ما بين راحلتي .. وأرض مصر ولكن ربما قصرا
لبيس الغنى لي في أرضٍ ولا بلدلكنه في يدي ملك إذا ذكرا
خرت ملوك بلاد الله ساجدةاثني عشر كوكبًا والشمس والقمر
كان أبو بكر بن إسماعيل بن احمد بن حمدان الجزري، له محبوب فجرى بينه وبينه كلام فتغاضبا، فبقي مدة سبع سنين هاجرًا له، لم يكلمه، فرآه ذات يومٍ راكبًا فلم يحس به أبو بكر إلا وقد نزل يقبل يديه ورأسه، وقال: إلى كم هذا الجفاء
والهجران؟ أما آن لك أن تغفر هذه الزلة والخطيئة؟
وأخذ في الاعتذار والتنصل من ذنوبه، فصالحه أبو بكر، وأقبل عليه، وتعاتبا ساعة؛ والغلام قد صار شابًا ذا لحية، فحين انفصل وذهب أبو بكر إلى منزله، عمل فيه هذه الأبيات.
على أن فيه أبياتًا كثيرة مختارة، يستحسنها أهل الفضل، ويستجيدها أولو الأدب؛ وديوان شعره يحتوي على أربع مجلدات؛ منها مجلد استفرغه في مدح أهل البيت- صلوات الله عليهم- ومجلد أفرده في صاحب الجزيرة معز الدين سنجرشاه بن غازي بن مودود بن زنكي بن آنقنسر، ومجلدان في ضروبٍ من الشعر مختلفة الأوصاف؛ وهذه الأبيات:
تمرد لما كان في الحسن أمردًافلما تبدى الشعر في وجهه هدا
[أتاني بوجه الإعتذار من الجفاوقد خشن الخد العذار وكدرا]
وأظهر وصلًا بعد ما كان جافيًاولان وأرضى بعد ما جار واعتدى
وسود منه الشعر ما كان أبيضًاوبيض مني الدهر ما كان أسودا
وقال: سلام، قلت: لا مرحبًا بمنأتاني لما قلت: روحي لك الفدا
ولم يرض بي عبدًا وأصبح يرتضيعلى الرغم منه عبد عبدي سيدًا
وأبعدته لما دنا في الهوى كماتدانيت منه قبل ذاك فأبعدا
وأشفيت منه الحاسدين كما جفاوأشمت بي الواشين في الحب والعدا
وقلت له: تالله إنك ميتوإن اللحى للمرد رائدة الردى
فصبح الجبين الصلت قد ضل مظلمًاوسيف سنى جفنيك قد عاد مغمدًا
وهذا شقيق الخد قد حال لونهوعاد يبيسًا بعد ما طله الندى
وريقك أضحى آسن الطعم مالحًاوقد كان قبل اليوم عذبًا مبردًا
ونكهتك المسكينة النشر أذفرتوأنتن رياها الذكي وأفسدا
وساقاك لا تبقى من الشعر آنفًاولو خضت مع بلقيس صرحًا ممردًا
فقطب من قولي وأطرق مفكرًاوصعد أنفاس الأسى وتنهدا
وأقبل من بعد انكسارٍ وذلةٍيريني منه شدةً وتجلدًا
وقال: لقد بالغت في وصف خلقتيوحسني كما [قد] كنت كالبدر إذ بدا
وشبهتني بالريم والظبي والرشاوسميتني أحوى غريرًا وأغيدا
أنا البدر لكن المحاق أضلنيفصرت هلالًا والأهلة تفتدى
أتذكر إذ عانقتني ولثمتنيوقبلت صحن الخد حتى توردا
وأرشفتك الريق المعسل واللمىوألثمتك الثغر النقي المنضدا
فأوف بعهدي وارع لي حق ما مضىفمثلك من يرعى لمثلي التوددا
فهذا أخي إن مت فهو خليفتييقوم مقامي ثم ولى وأنشدا:
إذا سيدٌ منا مضى لسبيلهأقمنا بأطرف الآسنة سيدًا
فلا يحسن الله العزاء لثاكلبكى أسفًا حزنًا عليك وعددا
لأنك ميت لا يعزى فقيدهولا يرحم الله العظيم له صدى
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (٢٠٠٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع