تجاوز إلى المحتوى

من «قلائد الجمان في فرائد شعراء هذا الزمان» لابن الشعار الموصلي (ت ٦٥٤هـ)

ذكر من اسمه محمد (٨)

محمَّد بن عليِّ بن عليٍّ القامغار، أبو طالبٍ اللغويُّ العراقيُّ، المعروف بابن الخيميِّ.

/ أ/ قيل إنَّ اسمه عقيل، وقيل عبد الله، وقيل محمد.

كان مولده بالعراق في آخر شوال سنة تسع وأربعين وخسمائة، بالقرية بدار

الخلافة؛ هكذا قرأت نسبه ومولده بخطّ يده.

نزل الديار المصرية وسكنها، وهو إمام في علم اللغة والعربية، ومعرفة القرآن والحديث؛ رواية شاعر، مصنِّف، له رسائل وأشعار ومصنَّفات، ومن تصنيفه: كتاب ((الأمثال في علم القرآن)) وكتاب ((حرف في علم القرآن)) وكتاب ((قد في علم النحو)) وكتاب ((نزهة الملك في اللغة والصيد)) وكتاب ((الملخص الديواني في علم الديوان)) وكتاب ((لزوم الخمس)) استغفرك وكتاب ((المطاول على ديوان أبي العلاء المعريّ)) وكتاب ((إسطرلاب الشعر)) وكتاب ((شرح التحيات في اللغة)) و ((رسالة أهل الإخلاص والمودة إلى الناكثين من أهل الغدر والرّدة)) وكتاب ((شجرة الإيمان في علم القرآن)) وهو من أغرب ما صنف، وكتاب ((الأربعين الأحاديث الأساميات)) وكتاب/ ب/ ((مجموع ترجمة جهينة الأخبار وجنينة الأزهار)) وكتاب ((مقصورة الوزير)) وإلى غير ذلك من التواليف، أجازني سائر مصنفاته، وجميع أشعاره ورواياته، وما يندرج تحت ذلك.

ومن شعره، يقول:

أقمت بمصر جلَّ عمري فلم أجدبها أحدًا يجدي ولا عالمًا يهدي
أزاحم منهم ألف ألفٍ بمنكبيوأمسي كأنِّي بتُّ في فقرةٍ وحدي

وقال أيضًا:

يا جاعلًا سلع القريض بضائعًاصفها وفي خسرانها لا تمتري
فالشِّعر بائعة بحيث رأيتنيوالمشتري أبدًا مكان المشتري
فارفضه إنَّك لا تجيء بجيِّد الــطَّائيِّ منه ولا رديء البحتري

وأخبرني الشيخ صدر الدين أبو علي الحسن بن محمد البكري بدمشق المحروسة، بمنزله في ذي الحجة سنة تسع وثلاثين وستمائة؛ قال: قال أبو طالب محمد بن علي بن الخيمي: رأيت في المنام، وكأن شخصًا ينشدني، وق منعني شخص من الصلاة على ميت مات، ومنع من الصلاة عليه:

/ أ/ صلِّ على المسلمين جميعًاواغتنم الأجر قبل فوته
من ذا الذي ليس فيهشيءٌ يقوله الناس عند موته!

وقال أيضًا:

وقالوا: التحى من كنت تهوى فخلَّهفقلت لهم والنَّار حشو حشائي
وقد كان رأيي أن أكون وراءهفعدت ورائي أن يعود ورائي
للشاعر السلطان الخطاب بن ابي الحفاظ، اقرأ القصيدة

وأنشدني أبو عبد الله محمد بن عبد القاهر بن هبة النصيبي بحلب، قال: أنشدني أبو طالب محمد بن علي لنفسه:

أأصنام هذا الجيل طرّاً أكلُّكميعوق أما فيكم يغوث ولا ودُّ
لقد طال تردادي إليكم فلم أجدسوى رَّ شان في الغنى شأنه الرَّدُّ
ودعوى كرامٍ يستحيل قبولهاوتقبل إذ حدُّ الحسام لها حدُّ

وأنشدني أيضًا، قال: أنشدني أبو طالب، قال: لمّا دخلت دمشق كان من جملة من صحبه ابن ..... الوزير، فسألني عمّا وصلت إليه من البلاد، ومن خالطت من الناس، ومن وجدته/ ب/ من أهل الكرم، فسهرت ليلتي، وكتبت إليه بكرة تلك الليلة بهذه الأبيات:

كم أطلت الإتهام والإنجاداوطلبت الإسعاف والإسعادا
وتقلَّبت فيَّ البلاد فما أحــمدت ناسمًا ولا شكرت بلادا
وبلغت المراد من رحلٍ قــضَّين عمري وما بلغت مرادا
وإذا لم يساعف المرء جدٌّفمن الجهل عدُّ الأجدادا
مشعرٌ يفترون فرية عادٍوثمود وهم يسبُّون عادا
ما أعدُّوا للبعث زادًا فإن فهــ بذكر المعاد عدت معادا
إن أقلَّ الفتى جفوه وإن أكــثر أمسوا طرًا له حسَّادا
كلَّما زدت فضل علمٍ لأحظىبنفاقٍ في النَّاس زدت كسادا
فكأنَّي إذا دعوت رئيسًالوذعيًا منهم دعوت جمادا
كم رأى ناظري محرَّم مالردَّه برد عذره لي جمادى
نعتوا لي الزُّهاد خبًا فلمَّاجدت بالفلس لم أجد زهَّادا
وادَّعوا أنَّ معشرًا من ذوي الصَّوف مشوا فوق دجلة عبَّادا

وإذا ذلك الطّفو من الخفَّة لا من إخلاصهم اخنفادا

/ أ/ ولعمري ما زيَّف الدِّرهم الجائز إلَّا تجويدك الإنتقادا
كم تبينَّت من صديق عدوّاًكاشحًا مضمرًا لي الأحقادا
وأرتني الأيَّام من كلِّ من كان عتادًا للحادثات عنادا
وسعت بي جماعةٌ طمعت منحلو فضلي ما فتَّت الأكبادا
كم رأى ناظري لئيمًا ولكنما رأى في سوى كتابٍ جوادا

محمَّد بن الحسن بن عليٍّ، أبو عبد الله الكوفيُّ المصريُّ، المعروف بأعجوبة الفلك.

كان شاعرًا خبيث اللسان، كثير الهجاء، مسترفدًا بأشعاره.

ومن شعره ما أنشدني القاضي الإمام أبو القاسم بن أبي الحسن العقيليّ- أدام الله أيامه- قال: أنشدني أعجوبة الفلك لنفسه، يهجو راجح بن إسماعيل الحلي الشاعر:

يا بعيد الصَّواب فيما يعانيهسخيفًا مبخَّرًا وهو يفسو
هبَّ أنت النَّؤوم يا بادي الرَّأي رويدًا فأين منك الحسُّ؟

خاب ظنِّي ولا عجبت وقد قلَّ قديمًا لديك عقل وحسُّ

/ ب/ ولقد سمتك الخسيس فلمَّاتسخ لؤمًا فأنت منه الأخسُّ
كيف تقني شكر الرَّجال وقد ضاع الرَّئيسان منك قلبٌ ونفس

ونقلت من خطه، قوله يمدح القاضي الأجل الفاضل العالم بهاء الدين أبا محمد الحسن بن إبراهيم بن سعيد بن الخشاب بحلب:

ألا يا بهاء الدَّين حزت نباهةًفليس لمثلي عن جنابك معدل
تفضَّلت حتَّى لم تذر متفضِّلًايطول فطل يا خير من يتطوَّل
فأوليتني منك الجميل تفضُّلًاحنانيك يا من دأبه يتفضَّل
وسدت بني الدُّنيا فخارًا وسؤددًانبيلًا فهل إلَّا عليك المعوَّل!
فأنت امرؤٌ لولاك ما خلق النَّدىوأنت لهذا الملك تاجٌ ومنصل
ولي منك رسمٌ قد تضاعف شكرهعليك وبرٌّ من صلاتك مقبل
فإن تولني منك الجميل فأهلهلعمري وأوفى من يقول ويفعل
وفي حلب لي منذ عامين مفلسًامقلًا وحسي ما أجنُّ وأحمل
على أنَّني في الصَّبر أيُّوب دائمًاوبفضله والصَّبر بالحرِّ أجمل
/ أ/ فدم سالمًا يا با محمَّد راقيًابنصرٍ تعمُّ المجتدين وتشمل

وقرأت أيضًا من خط يده، قوله يمدح:

يا أيُّها المولى الزَّكيُّ ومن غدا للخلق عمده

أنت امرؤ أوصافهشادت غداة الفخر جدَّه
يا سيِّدًا عوَّدت نطــقي بين أهل الأرض حمده
وأريد من شكري لهبين الورى وأشيد مجده
فأقول أين حللت قولًا لا أخاف الدَّهر ردَّه
هذا الزَّكي محمَّدٌهو لي من الَّلأواء عدَّه
أعددته سيفًا لصرفالدَّهر أرهف منه حدَّه
سيفًا إذا صقل الزَّمان متونه أبدا فرنده
يا سيِّدًا إن كنت لاأثني عليه منعت رفده
وأذاقني الرَّحمن منجدواه بعد القرب بعده
عجِّل وسمِّ سيِّديفوصوله ثمر المودَّه
وتهنَّ بالعيد السَّعيــد بنعمةٍ تترى مجدَّه

/ ب/ وأنشدني القاضي الإمام بهاء الدين أبو محمد الحسن بن إبراهيم بن

سعيد بن الخشاب- أدام الله أيامه- قال: أنشدني أبو عبد الله محمد بن الحسن بن علي المضري لنفسه، من قصية يمدح الملك الظاهر غياث الدين- ﵀:

يا للحميَّة خدَّني الخدُّأشقائقٌ يعلوه أم رد
وبنفسجٌ بالسَّالف المصقول أمتفويف رقم لاح أن ندُّ
صدُّوا غرير صريم وجرتكمعن صدِّه أفما اشتفى الصَّدُّ
وسلوه هل لعسٌ بفيه بداأم سلسبيل الرَّاح أم شهد
رشا طمعت بقرب زورتهوأرى المسافة منه تمتدُّ
طبعت لواحظه ظبى حدقٍسودٍ فلا يمنٌ ولا هند
وغدا الرُّقاد محجَّبًابالحاجب المقرون عمَّن قدَّه القدُّ
يا سعد إسعادًا ومنكلفٍ وكآبة ناديت يا سعد
بأبيك إن وافيت رامة أولاحت لك العلمان والزَّند
/ أ/ ورأيت محمرَّ الرَّمال فقففهناك تقنص بالظبا الأسد
وسل المويلك بهجتي كمديأنَّى ألمَّ عساه يرتدُّ
قل عن لسان جو أقلَّ جوًىبيسيره ثهلان ينهدُّ
حتَّى م تعرض عن أخي ولهأودى به الهيمان والوجد
ما قبله قبلٌ بحبِّك لًاكلِّا ولا من بعده بعد
أضحت ضلالته بكم رشدًايا حبَّذا ذيالك الرشُّد
مولاي يا من ليس لي بدلٌعنه ولا عوضُّ ولا بدُّ
كن كيف شئت عليَّ محتكمًايا ذا الملاحة إنَّني عبد
ملَّكت رقِّي مثل ما ملك الــملك المليك الظَّاهر الجعد

محمَّد بن فضائل بن عبد السَّاتر، أبو عبد الله، المقدسيُّ الأصل، المعروف بابن المعيد:

كان جدُّه من أهل بيت المقدس.

ولد أبو عبد الله بمنية ابن الخصيب، من صعيد مصر. وكان حيًا في نيف وستمائة، ومات بعد ذلك بقليل ولم يبلغ الأربعين. وكان أديبًا فاضلًا له نظم ونثر.

/ ب/ مدح الملك الظاهر غياث الدين صاحب حلب بقصائد عدّة.

أخبرني أبو الربيع سليمان بن عبد الله بن الحسن بن الريحان المكي، كتابة فيما أذن لي الرواية عنه، قال: أنشدني محمد بن فضائل لنفسه، وذكر أنه ضمنه ورقة إلى الملك الظاهر بحلب:

فما تعرَّض بي يأسٌ أساء بهإلَّا وعجَّل ما يأسو به أملي
ولا توغَّلت في شكري فضائلهإلَّا أقرَّ بعجزي عنه لي أجلي

وقال: وأنشدنا أيضًا لنفسه، ما كتبه أيضًا إليه:

يا من به يأمن كلُّ الورىإن عنَّ خطبٌ أو عنى حادث
ما بال حظِّي منكم قد غداحظَّ وفيٍّ حبُّه ناكث

محمَّد بن أحمد بن محمَّد بن خميس، المغربيُّ الأصل، الموصليُّ المولد، أبو عبد الله الوكيل.

حدثني القاضي أبو القاسم- أدام الله عزّه- قال: كان أبو عبد الله هذا؛ شيخًا حسنًا ظريفًا، مطبوع النظم.

قرأ/ أ/ الفقه على مذهب الإمام أبي حنيفة- ﵁ على علاء الدين الكاساني، وسمع منه شيئًا من إملائه بحلب. وسمع بالموصل الخطيب أبا الفضل عبد الله بن أحمد بن الطوسي، وأبا الهنا سعيد بن عبد الله بن الشهرزوري، وحدث بحلب وسمعنا منه بها.

وسألته عن مولده، فقال: ليلة الأحد تاسع المحرم من سنة اثنتين وأربعين

وخمسمائة. وتوفي يوم الجمعة السابع من جمادى الأولى من سنة اثنتين وعشرين وستمائة بحلب، ودفن بقابر باب الجنان.

قال: وسمعت الصاحب قاضي القضاة أبا المحاسن يوسف بن رافع بن تميم الأسدي الموصلي يثني عليه كثيرًا، ويقول: كان عين المجلس ووجهه، وله في صحبتنا هذه المدَّة، لم نطَّلع منه إلّا على الصحة والخير.

وأنشدني القاضي أبو القاسم- أيده الله تعالى- قال: أنشدني أبو عبد الله الوكيل من شعره، وذكر أنَّه كان له محبوبة تدعى عائشة، وبلغه أنها تعرضت لأسود:

عشت زمانًا عيشتي عيشتيما طرق البين لنا بينا
قالت: تسلايت احتقارًا بناقلت تسلَّيت تسلَّينا
/ ب/ لا تنكري سلوتنا هذهرمت تلافًا فتلافينا
ألجأك الدَّهر إلى أسودٍيصرف عن عشاقك العينا

وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه، وذكر أنَّه أنشدها قاضي القضاة أبا المحاسن يوسف بن رافع بن تميم، عند فراغ قراءة الملك الناصر صلاح الدين- ﵁ عليه جميعه:

يا سيَّد الحكّام سيرة يوسفنظَّمتها كالعقد زين بدرِّه
وجمعت يا قاضي الممالك فضل منأرضى الإله بسرَّه وبجهره
ملكٌ قضى الله العزيز له بأنخضع الملوك لنهيه ولأمره
فسما بني سام وحام على بنيحامٍ عقاب عقابه في نصره
قهر الألى قهر الألى وأعادهمحيَّ المعاد بأسرهم في أسره
أفديه لا نظمٌ يقوم بمدحهأبدًا ولا نثر يقوم بشكره
لو حاز في الشَّرع السُّجود لملحدسجد الملوك من البلاد لقبره
نشر الثُّغور فطيب نشر حديثهيبقى إلى يوم الحساب ونشره
/ أ/ فتهنَّ يا قاضي الممالك أجر ماأوتيت من عمل تفوز بأجره
إن أصبح العلماء شهر صيامناشرفًا فقد أصبحت ليلة قدره

محمَّد بن يوسف بن الخضر بن عبد الله بن أبي محمَّد عبد الرحيم بن القاسم بن عبد الله، المعروف بابن الأبيض، الفقيه الحنفيُّ الحلبيُّ.

هكذا أملى علي نسبه ولده شرف الدين، بمدينة حلب المحروسة، وكان يكنى أبا القاسم أيضًا.

تفقه على والده، ثم على علاء الدين الكاساني، وبرهان الدين مسعود الحنفي؛ وقرأ علم الحساب والفرائض على الشيخ أبي محمد طاهر بن جعل، وسمع بحلب أبا علي بن إبراهيم بن إسماعيل الغزنوي الحنفي، ووالده المذكور، وأبا الفرج يحيى بن محمود الثقفي وغيرهم.

وأخبرني القاضي أبو القاسم- أيده الله تعالى- قال: كان أبو عبد الله- ﵀ دمث الأخلاق، حسن المعاشرة، كريم الطباع، غزير العلم، كثير الورع، مليح النظم والنثر.

ولد بحلب في رابع صفر من سنة ستين وخمسمائة، ونشأ بها، حتى انتقل أبوه إلى دمشق، وولي القضاء بها، / ب/ فسار إلى والده، إلى دمشق.

وقدّمه القاضي محيي الدين أبو المعالي محمد بن علي بن محمد بن يحيى الفرسي، ومال إليه حتى نفق على السلطان الملك العادل سيف الدين أبي بكر محمد بن أيوب بن شاذي- ﵀ فقلده قضاء العسكر، وسيّره إلى الملوك والرسائل. وقلّده عدّة مدارس بدمشق، منها مسجد خاتون- ظاهر مدينة دمشق- ومدرسة باب البريد، ومدرسة خاتون أيضًا.

ولم يزل كذلك إلى أن حدثت بينه وبين وزيره الصفي محمد بن عبد بن علي بن

شكر وحشة، خاف منها على نفسه. وكان الملك العادل قد سيّره رسولًا إلى حلب المحروسة وإلى الديار الشرقية؛ وكان قد اتصل إلى والدي- ﵀ فلما ورد حلب، عرض عليه السلطان الملك الظاهر المقام بحلب، وضمن له أشياء، فأجابه إلى ذلك. وسار إلى الديار الشرقية لأداء الرسالة، وعاد إلى حلب، فأقام بها، وسير جواب الرسالة إلى الملك العادل. وولّاه الملك الظاهر مدرسة شاذبخت- ﵀.

وحكى لي أنه؛ لما سيّره الملك العادل في هذه الرسالة، تلطف في طلب ...، بألطف حيلة، وذلك أنه؛ قال: قد علم مولانا أنَّني قد تأهلت بحلب/ أ/ وأنا أستخدم الإذن الكريم عند أهلي، عند قضاء شغل السلطان، فأذن له في ذلك، ظنًا منه أنه يقيم مدة ثم يعود.

ولم يزل بعد ذلك مقيمًا بحلب، إلى أن ولّى الملك الظاهر؛ افتخار الدين أبا هاشم عبد المطلب بن الفضل العباسي الهاشمي- ﵀ رئاسة أصحاب أبي حنيفة، فاستوحش لذلك، وترك منصبه، وسار إلى حماة. فأنزله الملك المنصور أبو المعالي محمد بن عمر بن شاهنشاه بن أيوب بها، وأكرمه وولاه المدرسة النورية بها.

ثم إنَّ الملك الظاهر- ﵀ طلب عوده من والدي- ﵀ فسار- وكنت صحبته إلى حماة- وأعاده إلى حلب المحروسة، إلى منصبه.

قرأت عليه الفقه على مذهب الإمام أبي حنيفة- ﵁ وشيئًا من الحديث. وسمعت منه أشياء من المذاكرة، وأجاز لي رواية مسموعاته ومروياته.

وكانت وفاته- ﵀ ليلة سبع وعشرين من شهر رمضان، من سنة أربع عشرة وستمائة فجأة. كان قد استدعى فقهاء المدرسة، في تلك الليلة على عادته في شهر رمضان للإفطار على مائدته، وأكلوا وخرجوا عنه. ثم صلّى العشاء الآخرة والتراويح، وسجد وحضرته الوفاة/ ب/ فلم يتكلم بشيء؛ إلى أن مات، واستدعيت إليه، وهو في الحياة، فلم يزل إلَّا يسيرًا حتى مات، ودفن صبيحة تلك الليلة، بتربتنا بمقام إبراهيم- ﵇ إلى جانب والديَّ- رحمهما الله-.

قال القاضي- أيده الله تعالى- ومما أنشدني القاضي أبو عب الله لنفسه:

أشدُّ المحبِّين اشتياقًا ووحشةًلمحببوه صبٌّ يبيت على وعد
يخاف اجتنابًا واضعًا عن تعمُّدوأصعب ما كان التَّجنُّب عن عمد
وقد كان يرجو قبل ذلك وصلةويحب أنَّ الهجر ما كان عن قصد
فإن صدَّ بعد الوعد ظنَّ بأنَّهجفاه على علمٍ فمات من الوجد

وأنشدني؛ قال: أنشدني محمد بن يوسف لنفسه:

لا تهجعن تحظ بالأمانيهجر الكرى حلية الجدود
واسع إلى الفضل غير وانٍتقطع إذًا دابر الحسود

وأنشدني، قال: أنشدني محمد بن أبي محمد، قوله أبياتًا كتبها إلى الوزير صفي الدين عبد الله بن شكر معتذرًا ومتنصلًا:

لعبدك من ضعف لمنقبع متىدعا أجبت وكان العفو عنه جوابا
/ أ/ ويؤمنني حلمٌ وجود وقدرةٌلمالك رقِّي إن خشيت عقابا
ولست وإن أذنبت أوَّل من جنىعلى نفسه ثمَّ استقال ونابا

وأنشدني، قال: أنشدني المذكور لنفسه، ما كتبه إلى الصفي محمد بن إسماعيل الكاتب المصري، سأله حسن المناب عنه، عند ابن شكر الوزير:

كن شفيعي عند الوزير فإنِّيواثقٌ إن شفعت لي بالقبول
أنت أهلٌ لكلِّ قولٍ جميلٍوهو أهلٌ بكلِّ فعلٍ جميل

وأنشدني، قال: أنشدني أبو عبد الله لنفسه، ما كتبه إلى المبارز يوسف بن خطلخ- ﵀ وكان قد تكلم في حقّه عند الملك الظاهر بكلام حسن من غير أن يطلب منه ذلك:

أهنا العوارف ما أتىعفوًا بلا طلبٍ مهنَّا
والوجه موفور الحياء وقد تعجَّل ما تمنَّى
ما غاض منه ماؤهبل زاد إشراقًا وحسنا

لم يبغ فيه ولا تقلِّد للشفيع يدًا ومنَّا

/ ب/ كيد المبارز أخجلتبسماحها بحرًا ومزنا
مطرت ولم يفتح لهاللوعد بالإيماض جفنا
بل سحَّ وابلها ولمنستقها سحّا وهتنا

محمَّد بن محمود بن الحسن بن هبة الله بن محاسن بن هبة الله، أبو عبد الله بن أبي الفضل البغداديُّ المعروف بابن النجار.

وكان النجار والده.

كانت ولادة أبي عبد الله في ليلة الأحد الثالث والعشرين من ذي القعدة، من سنة ثماني وسبعين وخمسمائة ببغداد.

أخذ شيئًا من علم العربية، عن جماعةٍ من النحاة البغداديين؛ كأبي بكر المبارك بن المبارك الواسطي النحوي، وأبي الحسن علي بن المبارك بن بابويه النحوي، وأبي البقاء عبد الله بن الحسين النحوي العكبري، وأبي الخير مصدّق بن شبيب بن الحسين الواسطي.

ثم اشتغل بالحديث وكتابته، وسمع ببغداد في سنة ثماني وثمانين وخمسمائة، وهو أول سماعه، ثم طلبه بنفسه في سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة، فقرأه على أبي الفرج عبد المنعم ب/ أ/ عبد الوهاب بن صدقة بن كليب الحرّاني، وأبي الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي، وأبي أحمد عبد الوهاب بن علي بن علي بن سكينة البغدادي، وأبي طاهر المبارك بن المبارك بن هبة الله بن المعطوش العطار، وأبي القاسم ذاكر بن كمل بن غرائب الخفاف، وعلى جماعة سواهم.

رحل إلى الحجاز، وأقام بمكّة سنة سبع وستمائة، وسمع بها وبالمدينة على جماعة، ثم دخل الشام من مكة في سنة ثماني وستمائة، فقرأ بدمشق على أبي اليمن زيد بن الحسن الكندي، وأبي القاسم الحرستاني وجماعة غيرهم. وقدم حلب فسمع بها أبا هاشم عبد المطلب بن الفضل الهاشمي، وأبا محمد عبد الرحمن بن عبد الله بن علوان الأسدي وغيرهما.

ثم سمع في طريقه بحران وبلاد الجزيرة والموصل وتكريت، ودخل بغداد، وخرج منها إلى بلاد الجبل، فسمع بهمذان من أصحاب أبي المحاسن نصر بن المظفر البرمكي، ودخل أصفهان، فسمع من أصحاب أبي بكر محمد بن علي بن أبي ذر الصالحاني، وإسماعيل بن الفضل بن أحمد بن الأخشيد السراج، وغانم بن خالد التاجر، وزاهر بن طاهر الشحامي.

ثم رحل على خراسان، فسمع بنيسابور المؤيد/ ب/ ب محمد بن علي الطوسي، وأبا بكر القاسم بن عبد الله بن عمر بن أحمد الصفار، وزينب بنت عبد الرحمن بن أحمد الشعري وغيرهم، وبهراة: أبا روح عبد المعمر بن محمد بن أبي الفضل البزاز الصوفي، وبمرو: أبا المظفر عبد الرحيم بن عبد الكريم السمعاني وغيرهم؛ ثم عاد راجعًا إلى بغداد، فسمع ببسطام ودامغان والريّ وساوة وهمذان وأسد

آباذ، وغير ذلك من البلاد.

ثم أقام ببغداد سنة، ثم عاد ودخل أصفهان، فسمع في طريقه بنهاوند والكرج، وأقام بأصبهان إلى استولى الكفار على البلاد، وهو بها يكتب ويسمع إلى أن يسر الله الخروج سالمًا منها، مع كتبه وما جمعه وألفه إلى بغداد، فدخلها في سنة عشرين وستمائة، وأقام بها ثلاثة أشهر. ثم رحل عنها إلى البلاد الشامية، فحدّث بها.

ثم توجه نحو الديار المصرية، فكتب بها عن الشيوخ، وعلق الفوائد، وأكرمه سلطانها الملك الكامل، وأطلق له شيئًا، وسأله المقام، فلم يجب إلى ذلك.

ثم عاد من الديار المصرية، قاصدًا مدينة السلام، فدخلها وهو مقيم بها، يسمع الحديث، ويفيد الناس وألّف على ((تاريخ الخطيب)) مذيّلًا في عدَّة/ أ/ مجلدات، ولي منه إجازة بجميع مؤلفاته ومسموعاته ومروياته.

[من مصنفاته: كتاب ((التاريخ المجدد لمدينة السلام، وأخبار علمائها الأعلام، ومن وردها من فضلاء الأنام))؛ وهو ذيل على تاريخ أبي بكر الخطيب في مائتين واثنين وثلاثين جزءاً، وكتاب ((التاريخ الكبير)) في ذكر الأعلام من سائر البلاد، المذيل على تاريخ أبي عبد الله محمد بن إسحق بن مندة الأصفهاني، الذي به على تاريخ أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري الإمام- رضوان الله عنهما-. وكتاب ((المحكم في ترتيب المفحم))، يشتمل على مشايخه الذين كتب عنهم الحديث، وعلى من كتب من رفقائه الفضلاء ومن الشعراء والأدباء، يدخل في عشرة أجلاد، ولم يبيض. وكتاب ((الكمال في تكملة الإكمال، في معرفة المؤتلف والمختلف من الأسماء والكنى والألقاب والأنساب في أسماء النساء والرجال))؛ ذيل به على كتاب الأمير أبي نصر بن ماكولا، يشتمل على خمسة أجلاد، وكتاب ((الرائق في معرفة السابق واللاحق))؛ ذيله على كتاب أبي بكر الخطيب، وكتاب ((كشف النقاب عن المنمق في الأنساب)) - خطًا ولفظًا- في معرفة الصحابة، وكتاب ((المنمق والمغترب))؛ ذيل به على كتاب أبي موسى محمد بن عمران بن أبي عيسى الأصفهاني، وكتاب ((المنتخب في معرفة النسب))، وكتاب ((مناقب الإمام الشافعي)) ﵁ وكتاب ((الألقاب))، وكتاب ((الذيل على خريدة القصر وجريدة العصر)) لأبي عبد الله محمد بن

محمد بن حامد الأصبهاني الكاتب، وكتاب ((التاريخ على السنين)) في أخبار الملوك والحوادث والوفيات، ابتدأ فيه من سنة ثمان وثمانين وخمسمائة، وهو أول تأريخ ...].

أنشدني الإمام الحافظ أبو عبد الله محمد بن محمود بن الحسن بن النجار لنفسه؛ وذكر لي أنَّ بعض الأصدقاء رآه بأصبهان مكتئبًا، يوم عيد، وسأله عن السبب الموجب لذلك، فقال ارتجالًا:

وقائلٍ قال يوم العيد لي ورأىتململي ودموع العين تنهمر:
مالي أراك كئيبًا باكيًا قلقًاكأنَّ قلبك فيه النَّار تستعر
فقلت: إني بعيد الدَّار عن وطنيومملق الكفَّ والأحباب قد هجروا

وأخبرني الحافظ أبو عبد الله بن النجار، بمدينة السلام، يوم السبت العشرين من ربيع الأول سنة تسع وثلاثين وستمائة، قال: اجتزت بدورق مدينة من نواحي خوزستان، فحضر عندنا غلام تركي، مليح الصورة، فسألناه عن واقعة وقعت له، وأطال الكلام. ثم ذهب فرمدت في الحال، ومرضت عيني، ب/ وكان معنا فقيه كرماني، فقال: هذا خلاف القياس وكان ينبغي بنظرك إليه، أن لو كانت عينك رمدةً، أن تبرأ، فأنشدته مرتجلًا:

وقائلٍ قال: قد نظرت إلىوجه مليح فاعتادك الرَّمد
فقلت: إنَّ الشَّمس المنيرة قديعشو لها النَّاظر الَّذي يقد

وقال الشيخ الحافظ أبو عبد الله محمد بن محمود البغدادي، في غلام اسمه أوحد، وهي أوائل الأبيات:

إن الغزال الَّذي يتيَّمنيمنه بقدٍّ كالغصن معتدل
ووجنةٍ وردها الجنيُّ جنىقتلي لمَّا أومأت للقبل
حشاي مجروحةٌ بأسهم عيــنيه وما فيهما من الكحل
دواء دائي ريقٌ يجود بهمن فيه أحلى ذوقًا من العسل
إنَّ اسمه ملغزًا أوائل أبياتي بلا خفيةٍ ولا خلل

محمَّد بن مسعود بن محمَّد المالينيُّ الهرويُّ.

ومالين من رستاق هرات، أبو يعلى.

كان أديبًا/ أ/ فاضلًا عارفًا بالنحو واللغة، ويقول شعرًا جيدًا بالفارسية والعربية، ويذهب إلى مذهب الكرَّاميَّة.

أخبرني أبو عبد الله الدبيثي، إجازة منه إلي إن لم يكن سماعًا، قال: قدم أبو يعلى بغداد حاجًا، في سنة ثمان وستمائة، وكتب عنه بها من شعره، فحجّ وعاد إلى بلده، وسألت عنه، فقيل: لم يكن محمود الطريقة، وأنَّه كان متسامحًا في الأمور الدينية.

ومن شعره العربي قوله ما أنشدني الشيخ الحافظ أبو عبد الله محمد بن محمود البغدادي، قال: أنشدني أبو يعلى محمد بن مسعود لنفسه بمنزلة في سنة إحدى عشرة وستمائة:

أصون المحيَّا لا أرقرق ماءهإذا ابتذلت عند الطَّماعة أوجه
أأنزل بالأدنى ومن تحت أخمصيمن الفلك الأعلى تطامن أوجه

محمَّد بن الفضل بن بختيار بن أبي نصرٍ الواعظ، أبو عبد الله بن أبي المكارم.

من أهل باعقوبا.

سكن دقوقا؛ وعقد مجلس الوعظ، وصار له قبول عند أهلها.

/ ب/ روى بها عن أبي الوقت، وذكر أنه سمع منه ببغداد، ومن جماعة مجاهيل، روى عنهم.

وكانت ولادته في سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة في ربيع الأول، وتوفي بدقوقا، ثاني عشر جمادى الأولى سنة سبع عشرة وستمائة، ودفن بها.

وكان يتولّى الخطابة ببعقوبا في الجمع، ويعظ. أخبرني أبو عبد الله الدبيثي في تاريخه، قال: قدم أبو عبد الله بغداد، وأقام بها مدّة، وسمع بها، فيما يقول من أبي الوقت وعب القادر الجيلي وغيرهما، وببعقوبا من أبي إسحاق إبراهيم بن بدر بن أبي طالب النباري- ونبارى المنسوب إليها من قرى إبراز الروز- ومن أبي طاهر المؤمل بن نصر بن المؤمل وغيرهم.

وسكن بأخرةٍ دقوقًا، ولقيته بها، وكتبت عنه شيئًا يسيرًا، وكان قد حدث بأحاديث من سنن أبي عبد الرحمن النسائي؛ ذكر أنها ثلاثيات للنسائي، وكانت وهما وقع في نسخه له، ذكر أنَّه سمعها من إبراهيم بن بدر المذكور، فعرف الخطأ في ذلك، فترك روايتها.

سألته عن مولده، فقال: في شهر ربيع الأول، سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة، وكتب لي بخطه، وأنشدني لنفسه من كتاب، كتبه إلى صديق له:

/ أ/ وأخلصه قلبي الولاء حقيقةًكإخلاصه في الحبِّ سفن النَّجا حقَّا
موالٍ مواليهم ينال المنى بهمفلا زال طول الدَّهر في حبِّهم يرقى

محمَّد بن حازمٍ السَّمَّان، أبو عبد الله الحلبيُّ.

من أهل حلب.

وكان قد ولاّه بعض أمراء حلب، كتابة شيخلية الحاضر السُّليماني، لكونه مدحه أولًا بقصيدة.

وكانت وفاته في سنة سبع عشرة وستمائة. كان شاعرًا يمدح الأكابر والرؤساء، وله يد في حلِّ الألغاز، وعنده فضل وتميز.

ومن شعره يقول:

أعاذل مهلًا إنَّ سلوانهم عارومن لي بأن أسلو وقد شطَّت الدَّار
أعد ذكر نعمان الأراك فإنَّهليعتادني منه على البعد تذكار
وقصَّ أحاديث العذيب فإنَّنيرحلت ولي فيهم حديثٌ وأسمار
سلا بانة الوادي متى خطرت بهففي إثرها للمندل الرَّطب آثار
تأرَّج ريَّاها بذي البان والنَّقاففي كلِّ ميَّالٍ هنالك عطَّار

وأنشدني أبو محمد القاسم بن محمد بن سراج/ ب/ الحلبي، قال: أنشدني محمد بن حازم لنفسه:

أما آن أن تتلافى تلافيوأن تتجافى سبيل التَّجافي
وأن تتجنَّب ذا الاجتنابوتعرف عهد المحبِّ الموافي
ألا يا غزالًا غزا مهجتيوأضعفني بالجفون الضِّعاف
عيونٌ تفيض عيونًا عليكفطر في لجَّة الدِّمع طافي

وشاهد شاهد سقمي فعاد .. صفا قلبه يشبه الماء صافي

وقد زار تحت إزار الدُّجىوخالف عذَّاله في خلافي
فقبَّلت قبلة ورد الخدودوصيَّرت شافي لماه ارتشافي
وما عاقني من لذيذ الوصالسوى الخوف من هول يوم المخاف
فنفس النَّفيس تعاف الفسادورسم الخنا قد عفا في عفافي

محمَّد بن أبي الخير بن أبي الفضل بن الفضل بن أبي الفضل بن سطيحٍ، أبو عبد الله الحموي الحكيم الطائفيُّ.

من خواص أصحاب الملك المنصور أبي المعالي محمد بن/ أ/ عمر بن شهنشاه- صاحب حماة-؛ ولديه فضل، وعلم، وأدب، ودراية، ومعرفة، وفصاحة، وله شعر جيد مستحسن.

لقيت ولده أبا الفضل أحمد الحكيم الفاضل بحلب المحروسة، وذكر لي أنَّ والده توفي في ربيع الأوّل سنة سبع وثلاثين وستمائة.

ومن شعره يمدح الملك المنصور- صاحب حماة-:

أما والهوى يوم استقلَّت حمولهاوأضحت خلاءً من حبيبٍ طلولها
لقد غادرت بين الضُّلوع صبابةًولوعة حزن ليس يشفى عليلها
وسارت فقلب المستهام محرَّقٌبنار الأسى والعين تجري سيولها
لعمري لقد جدَّ البلاء وأعلن الــمشوق بشجوٍ يوم جدَّ رحيلها
وضنَّت بتقبيل البنان وإننيلينفعني ممَّا تنيل قليلها
سقى دار ليلى حيث حلَّت وخيَّمتمن المزن منهلُّ الرَّباب هطولها
لك الله هل بعد الصُّدود تعطُّفٌوهل بعد هذا النَّأي يقضي وصولها
هي القمر الوضَّاح والشِّمس للضحىتنير ولكن لا يخاف أفولها
لها مقلتا ريمٍ وخدٌّ مورّدٌأسيلٌ ألا خير الخدود أسيلها
وخصرٌ دقيقٌ عاد يشكو نحولهوأحسن ممشوق الحصور نحولها
/ ب/ تمايل من سكر الصِّبا فكأنَّماتدار علينا بالكؤوس شمولها

ومنها في المديح:

نشير إلى ملكٍ رفيع عمادهوحيث يرى جمُّ العطايا جزيلها
له حملاتٌ في الوغى مستبينةٌوصولات طعنٍ لا تزال نصولها
تقصِّر عن إدراك شأو علائهملوك زماني شيبها وكهولها
هو الملك المنصور والماجد الَّذيله كلَّ يومٍ عارفاتٌ ينيلها
علا بك شاذي وابنه وقبيلهذرى شرفٍ ما كان قدمًا يطولها
ما برسول الله حقًا تشرَّفتقريشٌ ولولاه لطال خمولها

محمَّد بن بدران بن مليل، أبو البدر الكرمونيُّ.

من قرية شرقي تكريت، من أعمالها تدعى كرمي.

[كان] رجلًا ذا عقل ودين، وأمانة ومعرفة، يفوق بصفاته على أضرابه وأشكاله، ويتميّز بها من أصحابه وأمثاله؛ ولذلك كثر خلاّنه وأصدقاؤه، وركن إلى صدقه وحذقه ولاته وأمراؤه، ينزل نفسه في نصرة/ أ/ صحابه، ويكرم قاصده، ويقوم بواجبه، وعنده من الشجاعة والنجابة والأخلاق العذبة المستطابة، ما يرغِّب اللبيب في معاشرته، ويحبِّب البعيد والقريب في مصاحبته وأخوته.

ما زال الأمراء بقلعة تكريت، يأتمنونه في أشغالهم، ويطلعونه على ما يحتاجون إليه فيه من بواطن أحوالهم.

وكان معين الدين ارنقش الخاص؛ حين تولى إمارة تكريت من جانب الديوان العزيز- مجّده الله تعالى- لما صار أمرها إليه، اعتمد عليه في بعض مهام الدين العزيز، وأنقذه إلى بلد ماردين، وكذلك من بعده من الأمراء بتكريت. وكانت له عناية تامة، ولجماعة أخوته من الأمير فلك الدين آقسنقر الناصري، حين ولي تكريت، ودقوقًا،

وبين النهرين.

وهو مع اشتغاله بخدمة السلطان، محافظ على أداء الصلوات، متجنّب للحرام والشبهات، خدم متجنِّدًا بقلعة تكريت من زمن معين الدين ارنقش لحاجته إلى طلب الرزق.

وحضر عند القاضي تاج الدين ابن زكريا، بتكريت كثيرًا، وسمع ما يذكره، وما يقرأ عليه من العلوم، وقرأ عليه جميع كتاب ((العقود اللمع)) لابن جني.

/ ب/ وكان له ميل إلى فن الأدب والنظم، وعنده معرفة حسنة في منازل الشمس والقمر ومسيرهما، ومعرفة الأنواء، وقد صحبته عدّة مرار في تردداته إلى مدينة السلام. وسألته حين كثرت معه صحبته، وصحت له إرادته، أن يلبسه خرقة التصوف، ليتسم بسمة التلاميذ والأصحاب، ويتمسك منه بأجمل الوسائل، وأحسن الأسباب، فالبسه الخرقة.

وكان ينتمي في لباس الفتوة إلى الشيخ شهاب الدين يوسف القصاب، وهو من جملة رفقائه وأصحابه، وله معرفة بجماعة من صدور مدينة السلام، حسن التوصل إليهم، فيما يحتاج إليهم فيه من أشغالي وأشغال رفقائه وجماعته.

ولما أقام القاضي تاج الدين أبو زكريا بالمدرسة النظامية، مدرسًا لها، كتب إليه الرئيس أبو البدر، كتاب استيحاش، وضمنه أبياتًا من نظمه وهي:

يا سادتي من ذا الَّذي قد رمىبالعين أصمانا بسهم لخطوب
كنتم مصابيحًا بها نهتديفي الدِّين والدُّنيا ونور القلوب
واليوم مذ فارقتمونا نرىقد بان في تلك القلوب الغيوب
/ أ/ أنتم رضيتم غيرنا خبرةًنحن لمن يرضى بكم في الشُّعوب
شوقي إلى الزَّوراء ما ينحصيولو تعاناه حساب الضُّروب
إذا تذَّكرت زمانًا مضىقلت لعلَّ الدَّهر يومًا يؤوب
وحقَّكم ما مرَّ بي طيفكمفي اللَّيل أو هبَّت رياح الجنوب
إلَّا وفاضت مقلتي أدمعًاشوقًا إليكم وفؤادي يذوب
يا سادتي بالله لا تقطعواأخباركم عنِّي فعندي كروب

محمَّد بن موسى المتانيُّ.

ينسب إلى متانة قرية من أعمال حوران.

رجل شديد سمرة اللون، قيل إنَّ أصله من بلاد المغرب، من أنزق خلق الله، وأشرسهم أخلاقًا، يلزم نفسه العزلة عن الناس والرياضة والمجاهدة على ما كان عليه. ويدّعي علومًا كثيرة، ويحضر مجلس الفقهاء، ويبحث معهم، ويسفه عليهم في فلك المناظرة والجدل؛ ولم يخرج عن الأخلاق الغريبة، لضيق عطنه، وكثرة شرّه. وكان يغضب على من يخاطبه ويسمعه كلامًا غليظًا لرداءة طباعه وقحته.

/ ب/ واجتمعت به كثيرًا بالمدرسة المنسوبة إلى بني عصرون بحلب، وكان نازلًا بها.

أنشدني القاضي عماد الدين أبو العباس أحمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عصرون التميمي؛ قال: أنشدني محمد بن موسى المتاني لنفسه:

تلفت مهجتي فوامهجتاهمن غزالٍ سبى الفؤاد هواه
رشأ أهيفٌ أغنُّ كحيلٌتحتوي سحر بابلٍ مقلتاه
فاق بالحسن حسن كلِّ مليحٍفشهدنا أن لا مليح سواه
هل تراه يجود لي بوصالبعد طول الصُّدود فيه تراه
أيها القاتلي بطول الأمانيوعدك الصَّبَّ بالوصال شي هو
اتَّق الله كم تعذِّب قلبييا هواه وسؤله ومناه
أحيي بالوصل مستهامًا كئيبًامغرمًا منك داؤه ودواه
أيها النَّاس من معينٌ لصبٍّطال بالنَّجم وجده وعناه

وأنشدني أيضًا، قال: أنشدني محمد المتاني لنفسه

أهل الصَّبابة هل صبٌّ من البشرلاقى من الوجد ما لاقيت من عمر
/ أ/ يرنو فينضو لنا من لحظه صقلماض مضاربه أمضى من القدر

محمَّد بن الحسين بن أسعد بن عبد الرحمن بن الحسن بن طاهر بن محمَّد بن محمَّد بن الحسن بن عليِّ بن يزيد الكرابيسيُّ النيسابوريُّ، أبو المعالي بن أبي عبد الله بن العجميِّ.

من أهل حلب، ومن أكبر بيت بها، وأقدمه في الحشمة الظاهرة، والثروة الوافرة.

كانت ولادته في شهر ذي القعدة سنة أربع وستين وخمسمائة، وتوفي بدمشق عائدًا من الحجّ، وكان موته يوم الإثنين في فندق ابن المقدم على باب الفراديس، وكان ذلك اليوم الحادي والعشرين من صفر سنة خمس وعشرين وستمائة، وحمل تابوته إلى محروسة حلب، فدفن بها، وكان وصوله يوم الأربعاء مستهل ربيع الأول، ودفن بالجبل صبيحة ذلك اليوم.

وكان فقيهًا شافعي المذهب، له معرفة بالخلاف والأصولين، مدرسًا درس بالمدرسة السلطانية الظاهرية، خارج مدينة حلب قبليها. وكان قد سافر إلى البلاد الخراسانية، وتجّول فيها، واشتغل هنالك مدّة، ثم عاد إلى مدينة حلب، درس الفقه على أبي الحسين عبد الملك/ ب/ بن نصر الله بن جهبل الحلبي، وقرأ بالموصل على أبي حامد محمد بن يونس بن محمد بن منعة ابن مالك الموصلي الفقيه الشافعي المدرس.

أنشدني أبو عبد الله الحسين، قال: أنشدني والدي لنفسه؛ وأنشدنيها أيضًا الشيخ الأجل الأمين محيي الدين أبو صالح عبد الكريم بن عثمان بن عبد الرحيم بن العجمي- أيده الله تعالى- قال: أنشدني أبو المعالي محمد بن الحسين بن العجمي

لنفسه:

ألا هل بنعمان الأراك مقيللذي لوعةٍ منه ويسمع قيل؟
وهل لليالينا برامة عودةٌوطرف الأعادي والوشاة كليل؟
وهل يرد الصَّادي رضاب رضاكمفشفى عليلٌ أو يبلَّ غليل؟
أحبَّه قلبي قد ضنيت من الظَّمافهل لي إلى ماء العذيب سبيل؟
أرى منهلًا عذبًا غزيرًا وورودهألا عنه لي حتى الممات سبيل
أيحسن في شرع الهوى أنَّ ظلَّكمظليلٌ وأنِّي مدنفٌ وقتيل
ولا عجبٌ أنِّي أموت صبابةًوقد مات قلبي عروةٌ وجميل

وله:

تغيَّرت الأيَّام واسودَّ بيضهاوساد سواد النَّاس فيها قرودها
/ أ/ وفي الموت فوزٌ للكريم وراحةٌإذا ملكت أحرار قومٍ عبيدها

ومما ينسب إليه أيضًا، وأنشدنيه عنه أبو البركات محمد بن عثمان بن المنبجي:

لئن قرَّب الله التداني وقوِّضتخيام النَّوى واعتضت عن بعدكم قربا
غفرت لصرف الدَّهر كلَّ جريمةٍوإن كنت ممَّن لا أبيح له سبَّا

وأنشدني ولده أبو عبد الله الحسين، قال: أنشدني والدي لنفسه

يا نازلي البلد الأقصى ومنزلهموسط الضَّمير وهم في القلب سكَّان
أفنيت صبري وأبقيت الغرام فلاصبرٌ ولا عنك لي يا عين سلوان
نفيت عزمي عن أهلي وعن وطنييا من إذا ماس فيه يخجل البان
هل تذكرون محيّا قد فنى أسفًاأفناه في حبِّكم همٌّ وأشجان

لا يطعم الغمض مذ شطَّت دياركم .. وليس يؤنسه أهلٌ وخلَّان

أشكو إلى الله عمرًا قد مضى عبثًالا الدَّار دارٌ ولا الجيران جيران
ضدّان قد لازماني في محبَّتكمفي العين ماءٌ وفي الأحشاء نيران
/ ب/ من لي بكتمان ما الأحشاء تضمرهوفيض دمعي على الخدِّين عنوان
قد كان دمعي لآلي قبل بينكموالآن مذ غبتم فالدَّمع مرجان
قد كنت ذا طربٍ في قربكم فغدالبعدكم [في الحشا] همٌّ وأحزان

ونقلت من خطه شعره:

وإن كنت لا أطمع في وصلكمولا أنال الفوز في الآخره
وقد مضى عمري ضياعًا بكمفيا لها من ضفقةٍ خاسره

محمَّد بن إبراهيم بن خشنام بن أحمد، أبو حامدٍ الحلبيُّ.

كان له عناية بالحديث وسماعه، ورحلة في طلبه، وسمع الكثير منه، وله مع ذلك يد في معرفة الطبّ، وعلم الأدب، وكان فاضلًا.

صار إلى من تأليفه، مجموع حسن في معناه، صنعه باسم بعض الكبراء في ذلك الوقت، محتوٍ على فنون من محاسن الأشعار، ولطائفها، وقد رتَّبه أبوابًا وفصولًا، وأورد فيه نبذًا من شعره.

وحدثني أخوه نجم الدين أبو الحسن بن إبراهيم بن خشنام الفقيه الحلبي، بحلب المحروسة، قال: توفي أخي أبو حامد/ أ/ بعد الستمائة؛ لأنه كان الأكبر، وكنت صغير السن يومئذ.

ومن شعره يقول في كتاب ورد عليه من بعض أصدقائه:

ورد الكتاب فمرحبًا بورودهمن عند خير مكاتبٍ ومراسل
فلثمته من بعد قولي ناشطًايا مرحبًا بقدومه من واصل
وخضعت للرحمن ﷻأن يجمعن ما بيننا بالعاجل

وقال في مثله:

أتاني الكتاب وفصل الخطابلبرد الشَّباب وعهد الصَّبا
من البحر فصلًا من القطرانتراه إلى نشر علمٍ صبا
فبرَّد عنِّي غليل البعادكما الصَّبُّ هبَّت عليه الصَّبا
وقبَّلته العشر من بعد أنتأمَّلته قائلًا مرحبا

وقوله يمدح:

صدرٌ يداه مقبل الإقبالوعلى نداه معوَّل الآمال
إن كان لا يأتي السَّحاب بنقلهفبكفِّه يأتي سحاب المال

وقوله:

إذا نشر الصُّبح أعلامه...... يد البين أكمامه
/ ب/ فقم يا غلام وهات المداموناد الصِّبوح ومن رامه
ولا تهملن زقَّ بنت الكرومإلى ابن الكرام وإكرامه
فما عاقلٌ من يعقُّ العقارومن يصغ سمعًا لمن لامه

وقال أيضًا:

سلامٌ كأنفاس الشَّمال تبسَّمتعلى نفس مهموم يودُّ نسيمها
نسيمٌ ينسِّي طيب ريَّاه ربربًاترَّبى بجنَّات النَّعيم نعيمها

محمَّد بن أحمد بن رافعٍ، أبو المحامد الهلاليُّ.

ينسب إلى جبل بني هلال من أعمال صرخد، من الشعراء الدمشقيين.

أخبرني القاضي السيد بهاء الدين أبو محمد الحسن بن إبراهيم بن سعيد بن الخشاب- أيده الله تعالى- بحلب، قال: كان أبو المحامد رجلًا أسمر، وافي اللحية، عبل الجسم، وأوّل ما وخطه الشيب يسلك سلوك الأعراب في إنشاده الشعر، جهوري الصوت. يفد إلى حلب، ويمدح سلطانها الملك الظاهر غياث الدين غازي بن يوسف- ﵀ فيجيزه على شعره، ويكرمه، وينصرف عنه شاكرًا لأياديه، وسمعنا منه كثيرًا من شعره.

ذكره أبو الحسن بن محمد بن أحمد بن عمر القطيعي/ أ/ في تاريخه المذيل على تاريخ السمعاني أبي سعيد، وقال: قدم أبو المحامد هذا بغداد، أيام قاضي القضاة ابن الشهرزوري، ثم قدمها سنة إحدى وستمائة.

وأنشدني لنفسه:

عفا الربع من سلمى فأقوت منازلهوعيفت لبعد الحيِّ عنه مناهله
وناحت به ورق الحمام كأنَّهاتحاول من سكَّانه ما تحاوله
خليلي إنَّ الحبَّ داءٌ دواؤهفراق حبيب أو حبيبٌ تواصله
إذ الوجد لا ينفكُّ في مذهب الهوىكسبًا إذا لم يخرج الحقَّ باطله
وليل بثٍّ بتُّ فيها كأنَّمابجفني من شوك القتاد عوامله
أراصد منها كلَّ نجمٍ كأنَّماحرامٌ عليه أن يرى الغرب مائله
وكم رمت إسعاف الرُّقاد وقد دنتأواخر ليلي أرَّقني أوائله
لعلَّ خيال العامريَّة موهنًايغازلني في جنحه وأغازله
وهيهات أن يحنو على ذي صبابةًحليف هوًى قد ملَّ منه عواذله
له أنَّه الشَّاكي إذا ما ترنَّمتعلى الدَّوح من وادي الأراك بلابله

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (٢٠٠٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف الميم

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.