تجاوز إلى المحتوى

من «قلائد الجمان في فرائد شعراء هذا الزمان» لابن الشعار الموصلي (ت ٦٥٤هـ)

ذكر من اسمه محمد (١٦)

وأنشدني أيضاً لنفسه:

يا وصولي ومصرميومصحِّي ومسقمي
هل تريحنَّ من جفاك كصبٍّ متيِّم
مزج الحب في هواك بلحمي وأعظمي
لا أطيع العذول فيــك وأصغي للوَّمي
فتكت مقلتاك بالــقلب فتك ابن ملجم
لست من بعد فتكهافي الهوى بالمسلِّم

ومنها:

هل مهيني بهجرهوهو بالوصل مكرمي
بان صبري بينهوهو بالصَّبر ملزمي
/ ب/ أنت بالهجر قاتلٌلامرئٍ غير مجرم
أي قاضٍ قضى وأفــتاك في قتل مسلم
أو نبيٍّ مشرِّعٍحل في شرعه دمي
أيسر الوجد في هواك من الوجد معدمي

يا قليل البكا على كثير التبسم

وأنشدني أيضاً لنفسه:

جنى وتجنَّى في الهوى من ألفتهوأعرض عني ليته ما عرفته
جفا فجفا جفني لذيذ رقادهحبيبٌ فقدت الصبر لمَّا فقدته
وأفرد في هجرانه وملالهبلا سبب منِّي وجرم فعلته
وأسلمني للنَّائبات وللأسىوقاطعني في الحب لمَّا وصلته
فلمَّا رأى وجدي به وصبابتيوصحَّة صدق الودِّ فيما زعمته
أتى زائراً من غير سابق موعدٍفأهلاً به من زائر ل عدمته
فباعد عن قلبي الهموم بقربهوبلغني بالوصل ما كنت رمته

وأنشدني أيضاً لنفسه من أبيات:

/ أ/ هاج ما عنده من الأشواقلسنى لاح من .... العراق
مرَّ وهناً ولم يلمَّ بصبمستهام متيَّم مشتاق

مدنف فارق الأحبَّة كرهاً ... فهو من بعد بعدهم في سياق كلَّما فرَّ وجده عاودته ... برحٌ من لواعج الأشواق

قد بكاني العذول مما أقاسيورثى لي الحسود مما ألاقي
كمدي فيكم قديمٌ وودِّيلكم دائمٌ على العهد باقي

وأنشدني لنفسه، يعتذر عن الوداع:

تؤنبني لما تركت وداعهاوتنكر ما أبديته من تتجلُّدي
تقول بدمع العين توديع ذي هوىًعلى زعمه حلف الصَّبابة مكمد
فقلت لها: إني جزعت فلم أطقوداعاً له تمتدُّ عند النَّوى يدي

ولم أدر من جدٍ وفرد صبابةٍ ...أفي يومنا هذا التَّفرُّق أم غد

وأنشدني أيضاً لنفسه:

رمتني حين صدَّت بالدواهيفتاة أمرضتني والدواهي
فتاةٌ تخجل الأغصان قدّاًتقل بطلعة
لها نغمٌ ينوب عن المثانيويغني السَّمع عن صوت الملاهي
/ ب/ فلو نادت به ميتاً رميماًاجاب كما يجيب ندا الإله
تخال الشَّمس إذا سفرت لميلعلينا طالعاً في نون كاهي
تقوِّق أسهماً تصمي الحشاياًفليس لرميها أبداً تناهي
قتيلٌ لا يقاد بها قتيلٌفبالقتلى وكثرتهم تباهي
لهوت بها حياتي وهي عنِّيبفرط الهجر والإعراب لاهي
تعاهدني فلم تف لي بعدٍأنا الوافي لها بالعهد لاهي
أقابل عزَّها منِّي بذلكما ذلِّي تقابله بجاه
إذا ما استحسنت عيناي مرأىرأيت خيالها فيه تجاهي
فركن الودِّ من قلبي مشيدٌلها أبداً وركن الصبر واهي
تصد وتدَّعي السلوان منِّيفكيف ولي عن السلوان ناهي
وكم لجَّ العواذل في هواهاولاموا بالزَّواجر والنواهي
وكيف الصبر عنها والتَّسليوقد ملكت قيادي والمنى هي
ألا هي ليس لي عنها اصطبارٌإليك المشتكى منها إلهي

وأنشدني لنفسه مبدأ قصيدة:

لو أن طيفك كان من عوَّادهما كان قد أودى الهوى بفؤاده
/ أ/ أنت الطبيب فداو من أمرضتهواعطف عساه ينال بعض مراده
يا أيها الرَّشا الذي أصفيتهودِّي ولم يسمح ببعض وداده
أنت الذي شهرت لواحظ طرفهغضباً حداد البيض دون حداده
وجعلتني حلف اشتياق ينقضيعمري ولا يأتي على إنقاده
من منصفي من ظالمٍ وجوارحيأنصاره والقلب من أجناده
يذكي غراماً كل نار أججتبين الضلوع فتلك قدح زناده
طيب الحياة بقربه ووصالهوالموت من هجرانه وبعاده
غصنٌ وما للغصن مثل قوامهيزري على مياده

وأنشدني أيضاً قوله، من جملة أبيات أولها:

ته كيف شئت فما لي عنك مصطبرفصفو عيشي مذ فارقتني كدر
عنيت بالهجر عن وصلي فذبت أسىصلني فإني إلى لقياك مفتقر
أنت الذي تخجل الأغصان قامتهوإن تبدَّى لبدر التَّم يستتر
سلبتني النَّوم فاردده عليَّ عسىيسري الخيال على كسري فينجبر

محمد بن يحيىُّ بن معَّنَّصر ب/ بن أبي مضر بن يكساس بن علي بن أبي عليٍّ، أبو عبد الله المغربي القسنطينيُّ.

هو من قسنطينة الهوى، من بلاد المغرب.

شاهدته شاباً أسمر اللون، لطيف الخلقة، بمدينة إربل، في صفر سنة ثمان وعشرين وستمائة، متفقهاً وفيه ديانة وصلاح.

أنشدني لنفسه:

إن جزت بالعرصات من يبرينفاشرح غراماً كاد أن يبريني
لأهيل ذاك الحي وابثث عندهموجدي وبعض صبابتي وأنيني
وقل الميتيَّم عن هواكم ما سلادنفٌ وبالعبرات غير ضنين
يحني جوانحه على جمر الغضاويئن أنه عاشقٍ محزون
مذحل بالحدباء قد علق الضَّنىبفؤاده وأسيغ كأس منون

وأنشدني أيضاً لنفسه:

لو كنت تعلم ما يجنُّ فؤاديلأخذت في وصلي وترك عنادي
لكنَّ قلبك من ألمَّ به الهوىفجهلت ما يلقاه قلبي الصَّادي

محمد بن محمد بن يوسف أ/ بن قليج بن تكين خان بن محمود خان، أبو عبد الله الموصليُّ، المعروف بابن آيدغدي.

وقد تقدم شعر أخيه:

كانت ولادته، فيما أخبرني – من لفظه – يوم الثلاثاء سابع عشر ذي القعدة سنة تسع وخمسين وخمسمائة. وتوفي بالموصل يوم ....... سنة ثلاثين وستمائة.

وكان جندياً مدة، ثم ترك الجنديّة، ولبس الفوط، ولزم الأثر، وسلك طريق التصوف، وتنقل في الأمصار، ومال إلى مصاحبة أصحاب الأحوال والدين. وكان شيخاً، أشقر نقي الشيبة، عرضها ملء بدنه، مربوعاً.

أنشدني لنفسه:

سقى الوسميُّ إذ وكفازمان سبيبة وكفى
مضى ومضى لذيذ العمــر فيه وخلَّف الأسفا
فكم باكرت فيه الحان رقَّ سلافها وصفا
مدامٌ تستبيح حمى الــهموم وتسعد الدنفا
أطال الواصفان لهافكانت فوق ما وصفا

محمد بن يونس بن أبي البركات ب/ بن إبراهيم بن أبي القاسم، أبو عبد الله الموصلي.

عنده طرف صالح من علم العربية، ويحفظ صدراً جيداً من الشعر الحسن، ويشعر. أقام بإربل مدة، يمدح أهلها ويرتزقهم، فسئموه لكثرة إلحاحه وسؤاله إياهم.

وكان شاباً أسمر اللون، مقرون الحاجبين، رقيق الحال، مجازفاً صعلوكاً، وسخ الثياب، زري الهيأة، لا دين له، كثير الهذيان؛ وأكثر ما كان يحصل له من نفقة يخرجه على الصبيان. لقبه أهل إربل خمارويه، فبسط لسانه فيهم، وتناول بالتقطع أعراضهم؛ فبغضوه بغضاً شديداً، وكانت سيرته معهم سيرة غير جميلة.

أنشدني لنفسه، يمدح الصاحب شرف الدين أبا البركات المستوفي – أيده الله – ويذكر إنعامه عليه، بكسوة:

ألا أيهذا الصَّاحب المنعم الذيتجمَّع فيه الفضل وهو مفرَّق
لقد نلت من عزِّ المعالي مكانةًتسامت فأدنى شلوها ليس يلحق
وأحييت ميت الجود بعد مماتهوكسنه لحدٌ من الحزن ضيق
فها هو باق ما بقيت وإنهلحيٌّ على مرِّ الأهلَّة يرزق
علاًلقد غدا ... كأن لم يكن منٌّ [من] الدهر يخلق
/ أ/ وعطَّرت نشراً كل طيب يحدُّهويحصره غربٌ فسيحٌ ومشرق
فما الظن بالرَّوض الأنيق مباكراًبقطر غ مامات وبالمسك يسحق
وحل حلولاً في عروقك كلِّهادمٌ وندىً فيه الرَّجاء مصدِّق
وإجماع من ضمَّ الوجود ومن حوىبأن الندى من ذلك الدم أسبق
متى أمَّه القوم العفاة فعيشهعلى أرض آمال لهم تتدفَّق
أمولايأوليتني من مضيعة ... بأطواقها جيدي المبين مطوَّق
ومن بعضها هذا الذي أنا لابسٌأينكر ضوء الصُّ بح والصُّبح مشرق!
الا إنه ثوبٌوجوده ... عليَّ بما شرَّفتني منك ينطق
تطرِّز طرزاً من علاك جميلةًلمنظرها الأوفى بهاءٌ ورونق
ولم يرني إلاَّك مذ كنت عارياًوثوبي على مرِّ الدُّهور ممزَّق
فما وفِّقوا أن يفعلوا ما فعلتهلأنك من دون الجميع موفَّق
قدم لابساً ثوب البقاء مطرَّزاًبطرزتنا ما تعفى مطوَّق

وأنشدني لنفسه:

قسماً بصبح جبينهوبليل طرَّة شعره
وبطرفه السَّاجي الكحيــل وما حوى من سحره
/ ب/ وبخدِّه الضَّرج الأسيــل وسالفيه ونحره
وبريقه العذب الشهــيِّ وعقد لؤلؤ ثغره
وبلين غصن قوامه الــغضِّ الرَّشيق وخصره
إني قتيلٌ في هواهـ بسيف مؤلم هجره
ما ضرَّه لو رقَّ ليأو فكَّني من أسره
حاز القلوب هوىً كماحاز الجمال بأسره

وأنشدني أيضاً قوله:

مالكي يا غوث مشبههعزَّ عن كونٍ فلم يكن
غنجٌ في طيِّ ناظرهسرُّ سحر شيب بالفتن
جل عن علم يحيط بهلغبيٍّ كان أو فطن
أبداً ما زال ناظرهذاك وسناناً بلا وسن
فتنت بالحسن صورتهكل مخلوقٍ مدى الزَّمن
حسنه أعدى ولا عجبٌكل ظبيٍ غيره حسن
كل عقَّارٍ له وثنٌوهو في دين الهوى وثني

محمد بن مكيِّ بن عبد الملك أ/ بن أبي حرب بن حمدان أبو عبد الله الإربليُّ.

شاب أسمر، قصير، نزل الشيب بعارضيه.

أخبرني أنه ولد في أوائل سنة ثمان وتسعين وخمسمائة.

اعتني بسماع حديث رسول الله ﷺ، فرحل في طلبه إلى بغداد سنة ثلاث عشرة وستمائة. وسمع رجال الحديث بها، وكتب عنهم.

ولقي في رحلته أصحاب أبي الفضل محمد بن عمر بن يوسف الأرموتي، وأصحاب أبي بكر محمد بن عبيد الله بن نصر بن الزّاغوني، وأصحاب أبي بكر محمد بن عبد الباقي الأنصاري – قاضي البيمارستان – وأصحاب أبي عبد الله محمد بن محمد بن أحمد السلال الوراق، وغيرهم من هذه الطبقة بمدينة السلام.

وهو يسلك طريق التصوف، ويخالط المتصوفة والفقراء، ولم يكن أحد من أبناء جنسه يشابه حسن خطه. وله أشعار في مديح، وغزل، وهجاء، وغير ذلك.

أنشدني لنفسه في قصيدة أولها:

غير مجد إن عنَّف العذَّالأقصروا في ملامهم أو أطالوا
أنا لا أسمع الملام ولا يوجد عندي في حبِّ حبِّي ملاك
ومحالٌ أن يسمع الهجر في الهجــر محبٌّ فلا عليه الوصال
/ ب/ يا عذولي نكب هديت فعنديقد تساوى فيه الهدى والضلال
غير أني التذُّ ذكراه شوقاًفلقلبي لذكره بلبال
مذ جفاني جفا الرُّفاد جفونيفاللَّيالي القصار فيه طوال
لم تدر قط سلوةٌ في ضميريوليت ذاك ينال
وقلاني دمعي كوجنته الحمــراء قان سحابه هطال
بأبي ثم بي وأهلي وصحبيأهيفٌ لحظ طرفه بتَّال
ذو قوامٍ لدن وجفن سقيمذا اعتدال به وهذا اعتلال
مخطف الخصر أهيفٌ حصر الريــق سلال بذا وذا سلسال

ومن مديحها قوله:

فهو مالٌ لمن يروم نداهوهو للذخر والطريد مال
وهو رب العرض المصون ولكنعرض المال من يديه يذال

وأنشدني لنفسه من أخرى:

أغرى ملامك مستهاماً مغرماًلما ذكرت حديث سكَّان الحمى
وقدحت من زند الملامناراً تزيد مدى الزمان تضرُّما

ومنها قوله:

/ أ/ يا شاكي اللحظات دونك أعزلاًمن صبره لمَّا جفوت متيَّما
يجد الحياة بغير قربك مغرماًوالقتل منك لدى التوصل مغنما
قطَّعت بالهجران حبَّة قلبهفعسى يصير لي التَّداني مرهما

وأنشدني لنفسه، ما كتبه إلى النقيب محيى الدين أبي طاهر حيدر الحسيني الموصلي – أدام الله إقباله -:

مولاي محيي الدين يا ماجداًفاق جميع الخلق إحسانا
ومن إذا ما فاه من طقهيعجز بالتِّبيان سحبانا
أخلاقك الغرُّ التي قد صفتعن كدر الشُّبهة إيمانا
لم قبلت مذق كذوب سعىزوراً وتحريفاً وبهاتانا

مولاي إن الدَّهر قد حطَّ من قدري فساداً لي وعدوانا

مال لجاجاكي يذل الألى ...........................

وقال قولاً أنت من أهلهوأسأل الرَّحمن غرفانا
وهو بضدِّ العقل يغري الذييبدي إلى الحلم وقد مانا
فهذه حال أمرئ خانهزمانه سراً وإعلانا
/ ب/ أفرده بالرغم عن صحبهوعن ذويه الزُّهر طغيانا
والآن وفَّيت [إلى] صاحببصرف صرف الدَّهر إذ خانا
وقد تخيَّلت نجاحي بهإذ أنت أولى عنه من صانا
فاسلم ودم في غبطة لا تنيما غرَّد القمريُّ ألحانا

وقال أيضاً:

أرج النَّسيم سرى بعرف البانفأثار وجدي نشره وسجاني
أهدى السرور شذاه لمَّا أن سرىوانى الخطى سحراً لقلبي العاني
وروى حديث الرَّوض يسند ربَّهمتواتراً عن مرسل الهتَّان
وافى معنبره الذَّكيُّ مقدِّماًجيش الربيع مبشراً بأمان
وترنَّمت عجم الطُّيور فأفصحتبغرائب الألحان في الأغصان
والظل ينثر درَّه في دوحهافبكل فرعٍ منه عقد جمان
فحدائق الأزهار من نوَّارهاقد أحدقت بغرائب الألوان
من أخضر خضل وأصفر فاقعٍفي أبيض يقق وأحمر قاني
والنَّرجس الغضُّ المضعَّف ناظرٌنحو البنفسج لطيره الولهان
والجدول الموَّار يرعد خيفةًمذ سلَّ فيه البرق عضب يماني
/ أ/ خفَّت حواشيه بوشي جواهر الــمنثور في قطع [من] الريحان

وله:

هل للمتيَّم والمطيُّ تساقمن راحم أم للقاء وفاق؟
ظعن الفريق فما البقاء بنافعٍمن بعدهم ..... براه فراق
سفحت نجيعاً من جفوني إذ سروافي سفح رامة دمعها الآماق
لما استقل بها الحداة تنصُّهاأودى بها الوخدان والإعناق
عرض الوجيف لحومها بمدى السُّرىفدماؤها بيد الذَّميل تراق
فكأنَّما الأرسان من جذب البرىمخبوءةٌ في مثلها الأعناق
فغدت تميل من الكلال نحافةًإذ حمِّلت ما لا يكاد يطاق
وبأيمن العلم المطلِّ على الحمىرشأله حبُّ القلوب نطاق
كالبدر إلا أنه في تمِّهلا يعتريه لدى الكمال محاق
بهر الدجى فرعاً وأزرى بالضحىمن نور بهجة وجهه إشراق
حاز القلوب له الجمال فما لهامن أسره طول المدى إطلاق

وله:

أراق دمي بين الرُّبى والمعالمتذَّكر أيَّام مضت كالمواسم
/ ب/ تقضَّت حميدات بصحبة معشرشذا ذكرهم بين الورى كاللَّطائم
أسكان نجدٍ إن مضناكم غداًبكم مفرداً ما إن له من مساهم

توحَّد فيكم حبَّه عن مشارك ................. ومزاحم

إذا هبَّ من تلقائكم نشر نسمةًجرت عبراتي كالغيوث السواجم
ويخفق قلبي إن سرى البرق خافقاًوما ذاك إلا أنه كالمياسم
هبوا الصَّبَّ رشداً من صباح لقاكمفقد ظلَّ في ليل من البعد عاتم
وقد أخذت منه التَّنائف حقَّهابوخذ المهارى والمطيِّ الرَّواسم
فعهد الصِّبا ولَّى وعهد وصالكمكأنَّما كانا كأحلام نائم
وأنَّهما كانا ألذ من المنىوأحلى من التهويم في جفن نائم

وله:

عرف النَّسيم عساك تسرحخبري بلطف حين تسرح
وتبلِّغ الأشواق فيضمن السلام لهم وتنضح
فل ذاك مضناكم غدابالوجد والبرحاء مطرح
وإليكم إنسانهما زال باللَّحظات يطمح
يأبى خلائق حالهفإلى م بالهجران تسمح
/ أ/ منحته الصَّد المذيــب ومن سواه الوصل تمنح
ويجدَّ فيك غرامهوبه طوال الدَّهر تمزح
يا عاذلاً فيه قبحــت ووجه عذلك منه أقبح
اللَّوم ينجح في فتىبحر الغرام عليه يطفح
ولئن تجنَّى أو جنىفالقلب عنه ليس يبرح
ما زلت أكتم جمرة الــبرحاء في صدري وتلفح
حتى تبدى فيه العذار على صفا الخدِّ الملوَّح
فأذعت تبريحي وقدبرح الخفاء به وبرَّح
طرفي غداة ترحُّليلا زال بالعبرات يسفح

محمد بن الحسين بن أبي بكر بن الحسين بن أحمد، أبو الحسين الشروبيُّ النتاج الموصليُّ.

المعروف بشاعر الصحابة؛ لأنه استفرغ معظم أشعاره في صحابة رسول الله ﷺ وكانت ولادته في سنة تسع وسبعين وخمسمائة.

وهو شاعر أميّ لم يعرف الخط ب/ ولا القراءة، وله شعر كثير في الصحابة وأهل البيت – صلوات الله عليهم وسلامه – يقوله بصحة طبعه، وسلامة غريزته، وأنشأ مقامةً سمّاها: "روضة المناظل ورياضة الخاطر"، أودعها نكتاً لطفية، وملحاً طريقة.

أنشدني لنفسه، يمدح صحابة رسول الله ﷺ، ورضي الله عنهم أجمعين -:

يا دمنتين لرزينب وربابأسقيتما صاباً فؤادي الصَّابي
كم لي أبثُّ الوجد في ظليكمافعساكم أن تأذنا بجوابي
أنكرتما حالي وقد عاينتمامنِّي المشيب مبرقعاً بخضاب
هيهات بالتعليل تبرأ علَّتيويعود لي زمن الصِّبا بتصابي
نزلا بقلبي المفجعان كلاهمافقد الشباب وفرقة الأحباب
يا صاحبي إن لم تكن عونا علىحكم الهوى ما أنت من أصحابي
ذرني وما ضمَّت عليه جوانحيوترائبي إن كنت من أترابي
كم ذا تجرِّعني الملام أما كفىما احمرَّ من ماء الجفون شرابي
طالت ليالي الهجر بعد فراقهمفكأنَّما أضحين كالأحقاب
وترى الخيال وقال عند رحيلهمقولاً أنست به الغداة عتابي
/ أ/ أسقيك من ماء الجفون لعلَّةتبديه من فرحٍ ليوم غياب
من كل فاتنة بطرف فاترٍقتلت بسيف اللحظ في الأعراب
قطعوا القفار فأقفرت من بعدهممن الدِّيار وقطِّعت أنيابي
وتيمَّموا شيح العذيب وما درواأن العذيب موَّكلٌ بعذابي
وفلى الفلاة بكل حرف جسرةٍتطوى لها البيداء طيَّ كتاب
يبغون خير الناس بعد محمدمولى دخرت ولاءه لحسابي
مولىً إذا الجهَّال عافوا فضلةًنطقت بسؤدده ذوو الألباب
لزم النبي بكفِّه بين الملاوأقامه للناس في المحراب

سمَّاه صدِّيقاً وأعمل رأيه .. ز يوم التقى الجمعان بالأحزاب

خلقا جميعاً من ترابٍ واحدوتلحَّفا موتا بفرد تراب
هذا الفرات العذبمن الظما ... ....... لمع سراب
واخطب غداً دار النَّعيم مخلَّداًفيها بحب سلالة الخطَّاب
مولى تجلب بالتُّقى دون الورىفجعلت عقد ولائه جلبابي
وله الفضيلة بالحجاب لنسوة الــمختار حتى
إن كان دأب الملحدين هجاؤهفلقد جعلت له المدائح دابي
/ ب/ ولأصحبن الرَّكب حسن تيحَّةتنجو بها عند الصِّراط ركابي
لقباب عثمان الشهيد لأنهنورٌ تبرقع عنهم بقباب
قصدوه بالسهم المميت جهالةًوتأوَّلوا عنه بغير صواب
جادت أنامله بما ضنّوا بهحتى دعي بالماجد الوهَّاب
ولقد ذخرت مدائحاً في حيدرتنفى الظُّنون بها عن المرتاب
بابٌ لدار العلم يا طوبى لمنعلقت يداه بحبِّ ذاك الباب
أعطاه ربُّ العرض منه فضيلةًقصرت لكتبتها يد الكتَّاب
خطبٌ يخاف الموت من سطواتهفي يوم معتركٍ ويوم خطاب
وله اتصالا نسبه وولادةٍبأعزِّ منتقلٍ من الأصلاب
نسبٌ بمولده العريق وولدهنسبٌ يفوق به على الأنساب
وبحبهم يرجوا الأديب تخلصاًفي عصره من سيء كذاب
طالت به أيدي الضَّلال كما بهاقصرت يد الأزلام والأنصاب

وأنشدني لنفسه، يمدح الصاحب شرف الدين أبا البركات المستوفى – أيده الله:

ربعٌ كسته يد الغمام ربيعاودعا فلبَّاه النَّسيم مطيعا
/ أ/ وسرت إليه من الجنوب جنائبٌنشَّرن رايات الرِّياض جميعا
وتنفَّست سحراً رباه فعلَّمتنشر الربيع وغيره التَّضويعا
وهمت عليه من الجار سحائبٌمن كل جوهرة تسحُّ دموعا
ورأى البنفسج ضوء برق خالهعضباً بأذيال السَّحاب لموعا
خافبالحسام فصاع من ... قضب الزَّبرجد للقاء دروعا

ومنها في المديح:

ولقد طفقت مسائلاً من بعد ماجرِّعت سمَّ الحادثات نقيعا
عن زاخر عذب الورود وشامخٍأضحى عن اللاَّاجي إليه منيعا
أو كعبة للقاصدين فلم أجدإلا ابن موهوب لتلك جموعا
ودعاه أهل الرشد لمَّا عاينواشرفاً به .... مريعا
من يشتري طيب الثناء بمالهوسواه ظل بضدِّ ذاك مبيعا
لله كم ميتٍ ثوى من فاقةٍدهر فأحياه نداه سريعا

وكتب إليه أيضاً:

يا شرف الدين إنني رجلٌما دار في خاطري ولا حسي
أنك يا عدَّتي ويا أمليتجعلني كالمقيم في الحبس
/ ب/ أظلُّ أشكو إليك من نفركل مريدٍ في صورة الإنس
إن عيالي أتوا على أثريوأصبحوا في طريقهم عرسي
على دينٌ وليس لي ذهبٌكلاّ ولا قدرتي على فلس
فكان هذا جزاء مدحكمأصبح بالذل مثلما أمسى
أو كيففيمن فضائله ... أشرف شيء يحلُّ في طرس
حرام بختي فلو ضربت بهبحراً شكا قعره من اليبس

وكتب إليه أيضاً:

أيا شرف الدِّين المحبب عزّ النَّدىفإن النَّدى من جود كفَّيك يستجدي
وأتيتك أشكو صرف دهرٍ وعيلةًوصالهم عندي أمرُّ من الصَّدِّ
كأنَّهمفي منىً ... عراةٌ بلا إحرام فضلاً عن الوفد
وقد مسَّهم بردٌ شديدٌ وليس لييضمُّهم إلا حصيرٌ من البردي

وقال يمدح عماد الدين أبا القاسم عبد الرحمن بن محمود بن بلدجي الفقيه الحنفي المدرس أ/ الموصلي:

لو شام بارق رامةٍ حادي السرىما مال بالعيس الشام وعوَّرا
أو لو تفهَّمت السَّحاب وصوبهابندى عماد الدِّين ما مطر الثَّرى
يغني عن المزن البالد بنيلهوعن الصَّباح بوجهه أن يسفرا
وتكلَّف الشُّعراء فاضل جودهشكراً يجل عن الثنا أن يحصرا
متعوِّدُ بذل اللُّهى لعفاتهقبل السؤال معوِّدي لبس الفرا
فعليه دفع القرِّ عنِّي في الشِّتاوعليَّ بثُّ صنيعه بين الورى

وأنشدني في إنسان، يلقب غرس الدين، أصابه سهم:

لا تظنُّوابمولاي غرص الـ ... ـدِّين إذ لم يردَّ سهماً تعدَّى
إنما السهم قاصدٌ وهو قد عاهد قدماً أن لا يخيِّب قصدا

محمد بن سعيد بن هاشم بن عبد الواحد بن أحمد بن هاشمٍ؛ أبو المعالي بن أبي البركات الأسدي، المعروف بابن الخطيب.

من أبناء الخطباء، وبيت الخطابة ب/ بحلب المحروسة.

كانت ولادته فيما أخبرني من لفظه سنة سبع وتسعين وخمسمائة.

وهو شاب ذو رواء ومنظر لطيف الشكل، جميل الخلقة، يعاني الكتابة الإنشائية ويتزيّا بزيّ الجند.

رأيته متعلقاً بخدمة الأمير نصرة الدين أبي منصور مروان بن صلاح الدين يوسف بن أيوب بن شاذي بن مروان بحلب، كاتب إنشاء؛ وربما نظم شيئاً من الشعر

على سبيل الولع.

أنشدني بنفسه، وكتب لي بخط يده، في النقيب أبي الفتوح المرتضى الحسيني، حين ردّت النقابة إليه، وكان قبل ذلك معزولاً:

يا سيِّداً في المجد يقتدى بهويستفاد العلم من آدابه
ومن هو الظَّاهر في إحسانهإليَّ والطَّاهر في أحسابه
هنأك الله بها نقابةًتقضي على الحاسد با كتئابه
سيادةٌ عادت إلى معدنهاوسؤددٌ صار إلى أربابه
تبسَّم الدَّهر لها طلاقةًومال بالعجب على إعجابه
والدَّهر قد أنشد مسروراً بهاقول امرئ أحسن في خطابه:
قد رجع الحق إلى نصابهوأنت من دون الورى أولى به
للشاعر صردر، من قصيدة «قد رجع الحق إلى نصابه»

محمد بن عليِّ بن حامد بن إبراهيم بن الحسن بن عليٍّ، أبو بكرٍ المعروف بابن الماشطة الإربليُّ.

كانت ولادته بإربل، سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة، كذلك أخبرني من لفظه. له شعر صالح في الغزل، والمعاتبة، والمدح، والهجاء، ومعظمه في الألغاز والأحاجي. وكان يتولى بإربل في عهد الملك المعظم مظفر الدين كوكبوري بن علي بن بكتكين – ﵁ – أعمالاً شتى.

أنشدني لنفسه:

لحا الله حماماً أرتني صروفهابعيني فيها ضدَّ ما أتمنَّاه
أرتني من لا قدرةٌ لي بأن أرىما بين الأنام محيّاه

وأنشدني لنفسه في حكيم يلقب "الشمس ختن الرحبى" وكان طبيباً حاذقاً في صنعته. وكان قد كثر الموت بدمشق:

قيل لي زاد في فناء جلِّق الموت فعيشٌ بربعها لا يطيب
قلت هذا لغظ أيوجد ميتٌفي فناها والشمس فيها طبيب

/ ب/ وأنشدني لنفسه، يهجو طبيباً ذميّاً اسمه معافى كان بدمشق:

من شاء ينظر في الورى ضد اسمهفينظرنَّ إلى معافى يكتفي
طبٌّ إذا عاد المريض تزايدتأمراضه وإذا تجنَّبه شفي

محمد بن منير بن البطريق بن منير بن عسكر بن أحمد بن يحيى بن الحسن، أبو بكر بن أبي النجم العجليُّ.

زعم أنه من بني عجل بن لجيم، وكتب نسبه بخط يده. وجدت فيه خللاً، يجب إصلاحه، فلذلك لم أربع فيه شيئاً أكثر من ذلك من أجداده.

وكانت ولادته ومنشؤه بالجزيرة العمرية، وخرج عنها حدثاً، وهو ابن ثلاث عشرة سنة، وقدم الموصل، وجعل نفسه سائقاً لصبيان المكتب. وتولّع بالأدب، وقول الشعر، وتردد إلى الشيخ أبي الحرم؛ فقرأ عليه أدباً وشعراً.

ثم اشتغل بالتأديب، وصار معلّماً، ورزقه الله قريحة في القريض؛ فقال منه كثيراً، ثم ترك التعليم، واستأجر دكاناً في الصفارين، فبقي فيها مدة، ثم عاد وفتح حانوتاً أ/ في قيسارية البّز، وصار بزازاً، ومع ذلك لم يترك صنعة الشعر طلباً لحطام الدنيا، وشدّه حرصه عليه، والاستجداء به، والاستماحة والارتزاق؛ فحصل رزقاً صالحاً.

وكان يجمع بين التجارة والاستجداء بالشعر للملوك والأمراء والصدور والوزراء، ونفقت سوقه، ومشت أحواله.

وهو شاعر يضرب في الأرض ببنات أفكاره، ويركب آماله إلى إدراك أوطاره، أشعر من ذلك في وقته، ذو قدرة على إنشاء الكلام ونحته؛ حسن الشعر صنعة، تنقاد له القوافي الشرّد وتطيعه. وكان كثيراً ما يصف أشعاره إذا أنشدها، ويطرب لها إذا أوردها، متفنن في أنواع القريض وضروبه، لم يجر أحد معه من الشعراء في أسلوبه، يفوقهم في قوله لفظاً ومعنىً، ويبر عليهم فصاحة وحسناً.

وكان رجلاً قد طبعت طبيعته على الأخذ، وجبلت طينته على الشحذ، من أشرس الناس خلقاً، وأدناهم نفساً، سيء العشرة، ضيق العطن، كثير اللجاج، وكانت طباعه فيها جفاءٌ، وأخلاقه فيها شراسة.

ثم تاب عن قول الشعر، والاستجداء به، وحجّ إلى بيت الله الحرام، سنة ثلاثين وستمائة ب/ قصد زيارة النبي ﷺ ونظم قصيدة في النبي ﵇، وتوقف عالم عظيم لسماعها. ثم قال بعد أن فرغ من إنشادها على قبره ﷺ وذلك في أوائل المحرم من سنة إحدى وثلاثين: يا رسول الله! لكل ضيف قرى، ولكل مادح ثواب، ولكل قاصد حرمة. وقد قصدتك، ومدحتك ووصفتك؛ فأسألك أن يكون قراي شفاعتك على الله الجنة والمغفرة وبعدها لم يسترفد بالشعر.

ثم قدم الموصل فمكث بها قليلاً، وخرج منها في تجارة متوجهاً إلى بلاد الشام، فطلع عليه التتر الملاعين، فاستأصلوا ما كان يملكه، ثم رجع إلى سنجار، فأنعم عليه كمال الدين بن مهاجر بفروة، كانت على جسمه، ورحل إلى حلب، فنزل في بعض مدارسها مرتزقاً جامكية تصل إليه، وأدّب جماعة من أولاد أمرائها.

ثم عنّ له السفر إلى دمشق، فسكنها، وكتب بها الشروط، ومات بها في أواخر جمادى الآخرة سنة سبع وثلاثين وست مائة في المدرسة العادلية.

ولو حلفت بالله تعالى، إنني سمعت ديوانه من لفظه، إلاَّ القليل منه لم أكن حانثاً في يميني، لكثرة ما كان أ/ ينشدني فكان قد استعرت منه ديوان شعره، فعلقت منه ما يصلح إثباته في الكتاب من المقطعات. وأنشدته ثم طلبه بعد ذلك، فأعطيته إياه، فلما طلبته ما طلني به، وسافر إلى دمشق، ولم يعده إليّ، فبقي عندي الشيء اليسير من شعره، فأثبته ورحل إلى دمشق، فما عدت رأيته بعد ذلك. وكان إذا أنشد

شعره يتعجب، ويكثر التعجب، لكثرة ما كنت أستنشده من أشعاره ويبالغ في وصف شعره غاية المبالغة، ويمدح.

وكانت ولادته تخميناً سنة خمس أو ست وسبعين وخمسمائة، فاستوفى إحدى وستين سنة. فمن شعره:

بزاهر آس خدِّك بالشَّقيقودائر كأس ثغرك بالرَّحيق
عميد هوى قضيت عليه عمداًيهزُّ قضيب بانتك بالرَّشيق
نأيت مع الغريق فبان شوقاًيغرِّق نفسه إثر الغريق
ورجَّح بالأغاني في المغانيوبكَّى بالعقيق كالعقيق
وطاف على الرُّقاد عساه يحظىبزور زيارة الطَّيف الطَّروق
فصلت عليك بظهر سرجيولست لشرط ذلك بالمطيق
لأن جليل ما بي منك يبدوبمرأى ذلك الفرق الدقيق

/ ب/ وأنشدني لنفسه، يهجو ابن صباح الشاعر:

يا ابن صباح وتلك عنزٌتدور حول القمدِّ دورا
كان قياساً لو جئت جديّاًبل كنت بغلاً فجئت ثورا

وقال أيضاً فيه يهجوه:

قالوا: رأينا فتى صباحٍيمشي وفي رأسه قرون!
فقلت: كفُّوا، فتلك عنزٌونصلها هكذا يكون

وقال في فخر الدين عثمان – مقدم الدولة السلطانية بمصر -:

أعثمان مت قتلاً بسيف محمدٍوتحقيق هذا أنه ابن أبي بكر
مدحناك لا نرجو نداك وإنماحجىً لامرئ يرجو ندىً من صفا صخر
ولكن تصدَّقنا عليك بشكرنالأن بك الفقر المكبَّ إلى الشكر
وكنَّا سمعنا المال تعطى زكاتهبمصرٍ فأعطينا الزكاة على الشِّعر

وأنشدني لنفسه، يمدح المولى المالك الرحيم، بدر الدنيا والدين، وعضد الإسلام أ/ والمسلمين، تاج الملوك شرف السلاطين، قامع الكفرة والمتمردين، أبا الفضائل غرس أمير المؤمنين – أسعد الله جدّه، وقصم عدوه وضدّه، بمحمد وآله الطاهرين -:

قليلٌ على إثر الحبيب المودِّعإذا كان من قاني دمي سيل أدمعي
رأى جزعي يوم الفراق فلامنيخليلي ومن يعرض له البين يجزع
وليس بصبٍّ من نأى عنه حبُّهإذا فرَّ وآوى اللبيب لمضجع
وإني للمفجوع بالبين بغتةًوإن لم أزل أحيا بقلب مفجَّع
ولي في حمول الظّعن ريمٌ إذا نأىأقام هواه من فؤادي بمرتع
يذاد الكرى عن مقلتي بعد بعدهفيرجع قلبي للحنين المرجَّع
ويلويه فرط الوجد في كل ما لوىفأجرع سيل الدَّمع في كل أجرع
ولائمةٍ تلحى وتعلم أننيأمينٌ النُّهى لا يدخل العذل مسمعي
ترغِّبني في الاغتراب لعلَّهاتمتَّع من كسبي بوفر مجمَّع
فقلت لها واستعجلتها أمينةتخبِّر عن قلبٍ من الدهر موجع
/ ب/ إليك فما عقلي لمثلك لعبةٌوغير [ي] بدمع العين والشَّجو فاخدعي
أرى بائعاً من ماء وجهي وشارباًرضاك بوصف السائل المتضرِّع
قنعت فنلت العزَّ من غير مانعٍومن يطلب العزَّ الممنَّع يقنع
وإني حلبت أشطر الدهر يافعاًوأصبحت شرَّاباً عليه بأنقع
ولست بسال النَّوال سوى فتىًيفوت سؤال جوده وتضرُّعي
سأصنع خير الشِّعر في كل ساعةٍلوصف صنيف منه غير مصنَّع
لبدرٍ يرى في كل وقت مكمّلاًإذ البدر بدر بعد عشرٍ وأربع
فتى سفرت بين اسمه غرَّة العلاوأفعاله الحسنى بتاجٍ مرصَّع
طويل نجاد السيف للخطب والندىمحل قرى منه بباعٍ موسَّع
فتى شاع ذكراً في السَّماحة والوغىبجود يدٍ تهمي وقلبٍ مشيَّع
إذا أورد الأمر المهرول لم يفتبديهة عزمٍ منه لم تنبع
يقضِّي أقاضي ليلة غير هاجعٍلينظر في أحوال قاصين هجَّع
عليمٌ بخافي السِّر حتى تخالهتطلعه جهراً ولم يتطلَّع
حليمٌ إذا ما الطِّيش زعزع يذبلاًأطاف بطود منه لم يتزعزع
تقاصر أعناق الكرام إذا بدالهم عن مهيب أريحيٍّ سميدع
/ أ/ يراعون فكر في الندى ساعة الندىلندب بديهيِّ السَّماحة أروع
لقد منيت منه الخطوب بباسلٍشجاعٍ متى يبرز له الخطب يصرع
يخوض الوغى فرداً بوجه كأنهسنى قمر في رأس ليث مقنَّع
يحاذر يلقى الذَّمِّ إلا مدرَّعاًوقد يرد الهيجاء غير مدرَّع
بصير بصيد القرن غير مخادعٍخبيرٍ بوضع السَّيف في كل أخدع
مليك قلى أحوال أملاك عصرهفردَّ لنا أيام كسرى وتبَّع
ملوكٌ تفدَّى كفُّهم بأكفِّهموما هامهم منها فداءٌ لإصبع
حوى قصبات السَّبق في الفصل دونهم...... على أعقاب حسرى وظلَّع

ملوكٌ رأوا الدينار رباً فأجمعوا على سجَّد منهم لديه وركَّع

أضاعوا حدود الله فاعتصموا الورىوولُّوا عليهم كل ..... مجدَّع
حووا صدقات الناس قسراً وزاحمواعليها وصدُّوا دونها كل مدقع
وكفَّوا عن الميراث كل يتيمةوعمُّوا بظلم منهم كل مرضع
لك الله! يا معطي الرَّغائب دونهمومن دونه المظلوم غير مدفَّع
فعش أبداً واستخدم القهر مالكاًمتى تدعه يسمع مجيباً ويسرع
ولا زالت الأعياد ترهى أهلةًبنور هلال بين عينيك مطلع
/ ب/ تملَّ العلا واستجل منها غريبةًتغور بصافي الورد في كل مشرع
لها نسبٌ مني عريق نجارهإذا الشِّعر أخزى نسبةً كل مدَّعي
وإني كثير العجب من كل ناقصيزاحم أهل الفضل في كل مجمع
يرى بارزاً فيهم بشعر مبرقعٍووجه بالاستحياء غير مبرقع
يسابق حظِّي جهله فيفوتهفليس يرى بعدي بجاء ولا معي
إذا كنت في فضلي عليه مقدَّماًفما حزني إن أخَّر الحظُّ موضعي
وما كان مثلي في جنابك مائلاًبه الشعراء في المكان المرفَّع
وغير جهول منبر الحمد أننيأجلُّ خطيبٍ في معالكي مصقع
وحاشى نداك الفائض الغمر أن يرىوفي قسمه مثلي بحظٍ مضيَّع

وقال أيضاً، يمدحه – خلّد الله سلطانه -:

نفديك بالآباء يا من صفاتهتشابه معنىً لاسمه وتشاكل
وننظمها في الشعر علماً بأنَّهاعقودٌ لأعناق ........ ومراسل
إليك تشكَّى أن تصير أواخراًحساني وهنَّ السَّابقات الأوائل
فضائل يحبوها أبوها بصدِّهويصرفها عن حقِّها وهو عادل
/ أ/ وليس بعدل موحشاتٌ نوافرٌتؤخَّر عنها آنساتٌ أواهل
عواطل يكسوها حلّياً بسمعهوأثنى ومنه حالياتي عواطل
وهنَّ الجواري المنشآت وإن يكنلأعلامها بحرٌ فإنَّك ساحل

وقال أيضاً، على طرز ابن الحجاج في الخلاعة والسُّخف:

قد جاءنا رمضانوقد مضى شعبان
وقد علت نار قلبيوما ببيتي دخان
وقد مضى لمغيبيعن عيبتي إحسان
بان الكرى عن جفونيلمّا عن العين إحسان
كأنه من عياليإذ كان لي حيث كانوا
عقلي بأمِّ عياليمدلَّةُ ولهان
وهي التي قتلتنيبالشَّوق لا الولدان
أيرى طوال اللياليكناظرٍ يقظان
يراقب الشخص منهكأنَّه ديدبان
/ ب/ لا يرتضي بسواهافدهره غضبان
كأنَّما عنده منعهودها أيمان
أروى قدوداً تثَّنىكأنَّها أغصان
فتلك جنَّة عدنوهنَّ حورٌ حسان
إذا حواهنَّ يوماًلنرزهة بستان
تبسمت عن ثغوركأنَّها الأقحوان
ينفرن منِّي وعنديّمن الصِّبا عنفوان
يرين شخصي لفقريكأنه شيطان
فإن أشارت إليهــنَّ من يميني بنان
صدفن عنها كأنَّ الإعدام فيها سنان
يا ربسؤلها ... ..... الخلافة شان
مازحتها فأجابت:تنحَّ يا صفعان
مانيك مثلي إذا مامجنت بي مجَّان
فليس ينفق عنديمن رأسك الهذيان
فقلتعندي من فطنتي
/ أ/ ومن مصاغ القريض الرَّقيق لي ديوان
فقالت: أقصد بلالاًبالشِّعر يا غيلان
وأم أكرة رأسيمن رجلها الصَّولجان
فقمت أقصد ربعاًفيه المنى والأمان
فصانني من أذاهافعرض مثلي يصان

محمد بن محمود بن المبارك بن جبريل، المؤدّب الإبربليُّ.

أنشدني لنفسه، ما كتبه إلى بعض أصدقائه، يشفع له، أن يوصل قصيدةً، نظمها في الصاحب شرف الدين أبي البركات، إليه:

يا أيها السيد الكمال ومنجود أياديه يخجل المطرا
ومن يظل اليراع مفتخراًبه على غيره إذا سطرا
إني أرجيك أن توصِّل ليقصيدةً قد نظمتها دررا
في شرف الدَّين والعلاء ومننواله للعفاة قد غمرا
واسلم ودم لا برحت في نعمٍما جنَّ جنح الظَّلام واعتكرا

محمَّد بن عمر بن محمَّد بن عليِّ / ب/ بن موهوب بن إسماعيل، المعروف بابن زبيدة أبو بكرٍ الجزريُّ القيسي الواعظ الفقيه الشافعيُّ المدرّس.

عالم فاضل، متفنن مناظر أصولي.

أخبرني؛ أنه ولد في ربيع الأوّل سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة، بالجزيرة العمرية، وانتقل إلى الموصل، وهو بها مقيم.

أنشدني لنفسه:

يحسدني كلُّ من رآنياركب في موكب الأمير
وليس يدري بأنَّ بغلييبيت شهرًا بلا شعير

محمَّد بن أحمد بن عبد الصّمد بن بدران بن حامد بن حمدان بن عليٍّ الغيداويُّ السّلميُّ البوازيجيُّ، أبو أحمد.

شيخ أسمر اللون، ربعة من الرجال، من أهل البوازيج.

لقيته بمدينة إربل، يوم الاثنين العشرين من شعبان من سنة ثلاث وثلاثين وستمائة، بدار حديثها المظفرية؛ ذكر أنه حفظ كتاب الله تعالى وأقام بنظامية بغداد اثني عشر عامًا، يتفقه على مذهب الإمام الشافعي – ﵁ = أ/ ويقول أشعارًا سخيفة، وربّما وقع له فيها أبيات لا بأس بها.

وأخبرني، أنه ولد بالبوازيج ثالث عشر رجب سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة.

أنشدني لنفسه:

وزهَّدني في صحبة النَّاس خائنقليل الحياجم الخنا والمعائب
يعرِّض عرضي للِّئام سفاهًةويوقعني من جهله في المعاطب
ويؤيسني من كلِّ حرٍّ طلبتهويطمعني في نيل أحمق كاذب
دعوني أروض النفَّس في ذمِّ معشرهم اللُّؤم محض مذ غدو بالمثالب
فما علقت كفِّي بخلٍّ يسرُّنيمباديه إلاَّ ساءني في العواقب

وأنشدني أيضًا قوله:

مولاي لا تتعبن قلبي بهجرك ليفالهجر يظهر ما يخفى على النَّاس
والصدُّ مرُّ وشكواى أمرُّ إلىمن لا يرقُّ لذلٍّ قلبه القاسي

وأنشدني لنفسه، صدر كتاب:

وافى كتابك فابتهجت لهوشكرت ما أوليت من نعم
وطفقت الثم عند رؤيتهشوقًا إليك مواقع القلم

وأنشدني لنفسه، يهجو جماعة ب/ ببغداد، إذ شرعوا في أذاه، وذكر أنَّهم كانوا يتعاشرون، وصدر منهم أشياء لا تليق في حقّه، منهم: ابن الأبله الشاعر، وابن ورد كاتب السلّة، وابن البيّع، والزهري المحدّث:

قل لفتى البيّع ما هكذاأوصاك لمَّا درج الوالد
أن تعشق المرد ولا ينتهيعن الخنا شيطانك المارد
إن دمت يا ثكل أبيه كذاسيذهب الطَّارف والتَّالد
ولابن ورد خبر مطرفيعلمه الغائب والشَّارد
فيه من الوصلة ما إنَّهيطيعه الشَّارد والوارد
ونحوه كيف تأمَّلتهونجوه بين الورى واحد
والحجَّة المغرور كنز البغافقد دهانا شعره البارد
ثلاثة رابعهم كلبهمقد لعن السَّائق والقائد

محمَّد بن الحسن بن جامع بن عليِّ بن أبي كامل أ/ بن أبي طالبٍ، أبو عبد الله الإربلي.

وقد سبق شعر عمّه أبي الفضل الياس بن جامع – في الجزء الأول من الكتاب -.

وأبو عبد الله رجل حافظ للقرآن العزيز، ضعيف العينين، نزل في عارضيه البياض.

رأيته بمدينة إربل سنة ثلاث وثلاثين وستمائة، وسألته عن ولادته، فلم يتحققها، غير أنه قال: لي الآن خمسون سنة. وكان سؤالي له في التاريخ الذي مرِّ ذكره.

أنشدني لنفسه، ما كتبه إلى الصاحب شرف الدين أبي البركات المستوفي – رحمه الله تعالى-:

شكوت الَّذي لاقيت من نوب الدَّهروما نالني بعد الثَّراء من الفقر
إلى بعض إخواني الَّذين أودُّهمكشفت له حالي وأظهرته سرِّي
فجاوبني جذلان من غير غمَّةلك الخير بارد .... الصَّدر
إلى شرف الدِّين الوزير فإنَّهقدير على إصراف عسرك باليسر
أبي البركات الأريحي الَّذي سمابمعروفه قدرًا على الأنجم الزُّهر
هو الصَّاحب المغرى بتفريق مالهعلى الطَّارق الملهوف في السر والجهر
جواد إذا ضنَّ الغمام بقطرهفجود ندى كفَّيه يغني عن القطر
وزير فريد بالعفاف وبالتقىوبالحلم والعلم الغزير وبالبر
/ ب/ له همَّة فوق الثُّريَّا يحلُّهاوآراؤه أمضى من البيض والسُّمر

محمَّد بن بدر بن الحسين بن مقبل بن السمين، أبو الفرج بن أبي النجم الليليُّ البصريُّ.

من أبناء المتصرّفين، ومن بيت رئاسة.

ذكر لي، أنه ولد سنة أربع وثمانين وخمسمائة، بقرية تدعى قرية فاطمة، وهي في مستغرق أجم ومياه، فوق قرية تسمى الشُّرطة من أعمال واسط. ونشأ بالعقر، قرية بنواحي البصرة.

شاهدته بإربل رجلاً قد وخطه الشيب، طويلاً، أزرق العينين، عبل البدن، في رمضان سنة ثلاث وثلاثين وستمائة، يتولى التصرف في نواحي الخاص. وسألته على من اشتغل؟ زعم أنه لم يشتغل بشيء من العلوم، وإذا أنشد قلَّ أن يلحن في إنشاده؛ ومما أنشدني لنفسه ما كتبه إلى مخدومه وهو إذ ذاك زعيم البصرة:

لم يبق شأنك في عيني لذي خطرشأنًا ولا رفعًة تسمو لمرتفع
من أين للنَّجم نور البدر حين بدًاوللوحوش جميعًا هيبة السَّبع
/ أ/ فكلُّ من يدَّعي العلياء غيرك فيلبس ومن يتبنَّى المجد فهو دعي
فاسلم على رغم من يشناك في دعةمن الحوادث يا ذا الحلم والورع

وأنشدني لنفسه، ما كتبه إلى بعض الصدور، وقد انقطع عنه، فبلغه عنه عتب:

إن غبت عنك فإنِّي بالدُّعا لهجوبالثناء على علياك معكوف
وإن حضرت فما أزداد تبصرًةلأنَّ قلبي إلى تلقاك مصروف
ألفت حبَّك إذ أوليتني نعمًاكثرًا ومن ولي الإحسان مألوف

وأنشدني لنفسه إلى بعض أصدقائه:

لئن كفرت أياديك الجسام وماأوليتنيه من الإحسان والنِّعم
فلا جرى لي في طرس العلا قلمولا سعت لي إلى كسب الثَّنا قدمي

وأنشدني أيضًا لنفسه:

يا مليح الصُّدود يا حسن الإعــراض والهجر يا جميل التَّثنِّي
كم أعاني الغرام فيك وكم أحــمل عبء الهوى بضعف ووهن
أترى السُّقم ما اشتفى من نحو ليوالجفاء الممض ما نال منِّي

وأنشدني له، وكتب بها إلى بعض الأمراء جوابًا:

/ ب/ ومن أين لي عمر يقوم بمدح ماتعهَّدتني فيه من الطَّول والبرِّ
ولو كان عمري عمر نوحٍ لضاق بيوقصَّر عن شكري صنائعك الغرِّ
فحسبي من نعماك ما قد منحتنيوحسبك منِّي ما يضوع وما يسري

وأنشدني لنفسه، ما كتبه إلى بعض أقاربه جوابًا عن شيء كاتبه به، وعاتبه عليه:

شرخ الشَّباب مضى وريعان الصِّباولَّى وما ظفرت يداي بطائل
والغانيات صددن حيث رأيننيغرض الحوادث والزَّمان المائل
والأقربون تفرَّقت آراؤهمعنِّي وصدَّ معاشري ومواصلي
فعلام أجزع للخطوب وصرفهاولأيِّما حالٍ تهيج بلابلي

وأنشدني أيضًا لنفسه، ما كتبه إلى بعض أودائه، وقد سأله أمرًا في ضمن توليةٍ تقدّمت له في حقّه إلى بعض الصدور:

صرفت هواي عنك حيث قذفتنيإلى لجَّة التَّيار والأسد الورد
وقابلت مدحي والثناء بضدِّهوجازيت ودِّي بالجفاء وبالصَّدِّ
وألفيت عنِّي غير ما أنا فاعلولم ترع لي حقَّ الولاء ولا الودِّ
/ أ/ وما كنت لولا فرط حبِّيك عاجزًاعن القول والعذر المبيِّن والرَّدِّ

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (٢٠٠٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف الميم

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.