من «قلائد الجمان في فرائد شعراء هذا الزمان» لابن الشعار الموصلي (ت ٦٥٤هـ)
ذكر من اسمه محمد (١٧)
وأنشدني لنفسه ما كتبه إلى بعض أصدقائه:
يا جلاء العين إن مرهتودواء القلب إن مرضا
ما الِّذي أثنى هواك ومنلو كيد العهد قد نقضا
أدلال منك يا سكنيأم جفاء فيك قد عرضا
أم صدود قد ثناك وماخلت حبل الودِّ منقرضا
لم ألم دهري على مضضكلَّه ما زال لي مضضا
كم سقاني من حوادثهغصصًا مأهولًة جرضا
فابق في شهر الصِّيام ودمواقضه .... ومفترضا
بسعود دائم وعلاءومجد بالمنى نهضا
ثمَّ عش لي ما بدا فلقبحواشي الجوِّ معترضا
محمَّد بن عبد الله بن عمر بن سعد بن العجليِّ الموصليّ.
سألته عن ولادته، فقال: ولدت سنة ثماني وستمائة في ذي القعدة بالموصل.
أنشدنا ب/ لنفسه:
وافى يهزّ قوامه سكر الصِّباكالغصن إذ مرَّت به سحرًا الصِّبا
فالنَّمل عارض لقلبي فاطروالنور مبسمه وحاجبه سبا
وأنشدنا أيضًا لنفسه:
أفديه من قمر فتنت بحسنهولقد أبى أن يعرف الإحسانا
فجننت حتَّى صادني في حبِّهممَّا لقيت من الهوى سرطانا
وأنشدنا أيضًا له:
أمير حسن رمحه قوامهوطرفه يغني عن البواتر
وخدُّه وصدغه وطرفهعن عاملٍ ومشرفٍ وناظر
محمَّد بن هاشم بن أحمد بن عبد الواحد بن هاشمٍ، أبو عبد الرحمن بن أبي طاهر الأسديُّ الحلبيُّ الخطيب.
من بيت خطابة وعلم. وكان والده [انتهت] إليه خطابة المسجد الجامع بحلب.
وتولّى أبو عبد الرحمن مكانه في الخطابة، والصلوات الخمس. شاهدت الخطيب هذا بمدينة حلب، بمسجدها الجامع ثامن جمادى الآخرة سنة أربع وثلاثين وستمائة.
وسألته عن مولده، فقال: ولدت في رجب سنة ستين وخمسمائة.
وتوفي بحلب عصر يوم الاثنين السادس من ربيع الأول ب/ [ودفن] في يوم الثلاثاء بمقبرة الجبيل، شمال البلد – رحمه الله تعالى، وتغمده برحمته ورضوانه – في سنة إحدى وأربعين وستمائة.
وهو من عدولها المتميزين؛ شيخ حسن فاضل، دمث الأخلاق، حافظ للقرآن الكريم. ذكر لي أنه سمع جملة من الحديث النبوي. روى عن والده وغيره، واستجزته فأجازني جميع مروياته، وله أشعار، أنشدني منها من الملك الظاهر غياث الدين
غازي بن يوسف، صاحب حلب – رحمه الله تعالى-:
حيَّت سليمى فاحيت مغرمًا دنفاثمَّ استقلَّت فأفنت قلبه أسفا
وغادرته غريمًا للغرام بهاوعوَّصته صدودًا زائدًا وجفا
ها قد وهى صبره يا ظاعنين وقدأمسى لنا بكم بالسُّقم ملتحفا
وانهلَّ من وابل الأجفان زاخرهشوقًا إليكم خبايا دمعه نزفا
أحبابنا بان صبري يوم بينكملهفًا على طيب عيش لي بكم سلفا
لله أيَّامنا والشَّمل مشتملوحادث الدَّهر عنَّا صرفه صرفا
يا آمري الصَّبر إنِّي بعد بعدهموالله استعذب التعذيب والتَّلفا
ويا مكلِّفي السُّلوان حسبك بييكفيك ما حلَّ بي من فقدهم وكفى
/ أ/ وحقِّ سالف عيش مرَّ لي بهمما لذَّ عيش ولا ورد الحياة صفا
يا قاتل الله يوم البين كم كبدذابت وكم مدمع فيه دمًا ذرفا
دعني بوجدي على فقد الفريق وإنأعيى وبرَّح بي التبريح واعتسفا
يا صاح يا صاح من وجدي ومن حرقيوكنه حال على التحقيق ما عرفا
هذي منازل من أهوى فدع عذليلا عذر إن لم أمت في رسمها شعفا
داء لقلب المعنَّى الصَّبِّ ليس لهسوى مديح غياث الدِّين قطُّ
يعطي رغائب آمال إليه سرتغرائب الجود حتَّى يوهم السرفا
وأنشدني أيضًا لنفسه:
بنفسي معرض عنَّاوكم من عاشق غنَّى
ولم يعطف على صبٍّصبا شوقًا ولا عنَّا
أأحبابي لئن غبتمفقلببي لكم مغنى
فلا أبصرت أحلى منــكم لفظًا ولا معنى
فكم يبكي معنَّا كمإذا ما ليله جنَّا
ويبدي فرط وجد منرآه قال: قد جنَّا
يناديكم بناديكموإن واش وشى كنَّى
/ ب/ ترى يجتمع الشَّملبمن يهوى كما كنَّا
وأنشدني أيضَا لنفسه في غلام اسمه لؤلؤ:
يا لقومي من غريرٍجعل الإعراض ثغره
بدر تمٍّ فوق غصنٍإسمه يشبه ثغره
محمَّد بن محمَّد بن عبد الله بن علوان بن أبي بكرٍ، المعروف والده بالأستاذ، أبو المكارم الأسديُّ الحلبيُّ.
هو ابن عم القاضي زين الدين أبي محمد عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الله بن علوان الأسدي، قاضي حلب.
أبو المكارم فقيه شافعي المذهب، مترسل مدرس، يدرس الفقه بالمدرسة الأسدية، ثم أضيف إليه النظر في التركات الحشرية. وهو رجل فاضل عالم بالعربية والأدب، شاعر مجيد، حسن الشعر، مليح الكلام في نظمه ونثره، جليل القدر.
لقيته بحلب يوم السبت خامس رجب سنة أربع وثلاثين وستمائة، وأخبرني أنَّه ولد يوم السبت خامس عشر من ذي القعدة سنة ثمان وثمانين وخمسمائة.
وأنشدني لنفسه يمدح القاضي أبا محمد عبد الله بن عبد الرحمن الحلبي، أ/ ويهنِّيه بولاية القضاء مدينة حلب. وكتب بالولاية منشور، ولاّه ذلك الملك ... غياث الدين محمد بن غازي – رحمه الله تعالى – واتفق يوم ذلك .... ثلج كثير، وأعقبه غيث متدفق، فقال:
يا حاكم الدّنيا وواحد عصرهدم للزمان فأنت مالك أمره
أيَّام مجدك كلُّها أعيادهوكذا لياليه ليالي قدره
لحظات عدلك لا يقوم بشكرهانظم الشَّكور ونظمه في عمره
ألبست أكرم ملبسٍ لكنَّهبك عاد يرفل في ملابس فخره
ثوب حكى الفلك المسخَّر لونهوحكت ضياءك فيه طلعة بدره
وأتاك تقليد القضاءبعقود .... لا هيًا عن درِّه
وركبت مركوبًا تودُّ الرِّيح لوكانت تنوب بمرِّها عن مرِّه
وطلبت للتدريس في مغنًى شكاظلمًا عرته فكنت غرَّة فجره
اليوم عاد أبو المحاسن حاكم الــحكام غير مروَّع في قبره
وغدت عيون الحكم وهي قريرةوالدَّست وهو مسلَّم من ذعره
أكرم يذا اليوم الَّذي قد عمَّنابرًّا فحقَّ لنا القيام بشكره
/ ب/ كنَّا نذرنا صومه لكنَّهعيد فليس يصام فيه بنذره
زين البريَّه يا أجلَّ محكَّمأضحى العلاء بأسره في يسره
يا من إذا ما المشكلات استكلفتأبدت كواكبها دياجي حبره
طلت البريَّة بالنساء والسَّنىفلك الفخار بحدِّه وبقصره
يا ثالث العمرين والقمرين فيإنصافه بين الأنام وقدره
موافق ومخالفوموحِّد ومبالغ في كفره
وأفادك الإجماع ما قلِّدتهيا معلمًا بالسِّرِّ .... جهره
وسخا الغياث على الورى بك حاكمًافسخا الغمام على الأنام بقطره
وكسا النِّثار الجوَّ عريان الثَّرىحلل البياض وكان فاقد طمره
فتساوق الغيثان في شأويهماوأطاب بشرى الخافقين بنشره
وأجاد ذكر مناقب القاضي الَّذيقد صغِّر الخبر العظيم بخبره
أبقى الإله لنا العزيز محمَّدًاملك الزَّمان ونور ناظر دهره
فلقد كسا الإنصاف ثوبًا معلمًايبقى على حدث الزَّمان بذكره
/ أ/ وسعى لنظم الملك سعي جدودهوأبيه والملك العزيز بمصره
ورعى رعيَّته ولم ينزلهمهملاً بما بذل أمرؤ من تبره
أرضى الخلائق والإله بحكم منيرضي الإله بنهيه وبأمره
وحبا القضاء بمن غدا أولى بهفحباه رب العالمين بنصره
وأعاد ملك الأرض طوع يمينهوالحادثات قصيرًة عن قصره
وجزاه خير جزائه فلقد سمتنعماه عن نظم الثَّناء ونثره
//ب.
/ أ/.
محمَّد بن إياس بن عبد الله، أبو عبد الله الحرَّانيُّ.
كان والده مولى هبة الله بن .....
كان شابًا كيسًا، دمثًا حسن المعاشرة، يميل إلى الفضل والأدب، ويعاني حفظ الأشعار الرائقة، ورّبما نظم منه شيئًا. وكان حافظًا للقرآن العزيز، كثير التلاوة له، خير الطباع، ذا تودد إلى الناس، وله ثروة من الدنيا.
كان سافر البلاد تاجرًا، سافر قطعة من بلاد العجم. إلى بلاد العراق إلى الديار المصرية؛ فهجم الخوارزمية على حرّان، فأخذوا الموجود من ماله، فقلّ ما بيده، ونزل حلب فصار يضارب للناس، وساءت حاله؛ ثم مرض في أثناء ذلك ونقل إلى البيمارستان، فأقام به مدّيدة. وتوفي به في يوم الجمعة رابع عشر صفر، ودفن ظاهر المدينة، بتربة بني العجمي شمالي البلد في سنة اثنتين وأربعين وستمائة.
أنشدني لنفسه:
يا ساكني مصر في قلبي لبعدكمنار اشتياق بفيض الدَّمع تتَّقد
ما إن ذكرت ليالينا الَّتي سلفتإلاَّ تبادر دمع العين يطرد
ولست أشكو فقد السَّقام بكملأنَّه كان لمَّا كان لي جسد
/ أ/ أخذه من قول أبي الطيب المتنبي:
وشكيَّتي فقد السَّقام لأنَّهقد كان لمَّا كان لي أعضاء
محمَّد بن عبد الله بن عبد الله بن مالكٍ، أبو عبد الله الطائيُّ.
من أهل جيّان، مدينة من مدن المغرب.
استوطن محروسة حلب؛ شاب فاضل، حافظ للقرآن الكريم، يشدو طرفًا من علم العربية.
أنشدني لنفسه ملغزًا باسم وهو سلمان:
بغير ذكر اسم من أهوى بلفظ سلفيطمع الضَّبُّ في المأمول مرتقبا
ويعقب اليأس باقي اللَّفظ منه كمايقول .... حدثت النفس أي كذبا
وأنشدني لنفسه ملغزًا في الشكر:
ما اسم بإجماع البريَّة واجبوإذا يخف مصحَّفا فحرام
وإذا تثقِّله لدى تصحيفهفهو الحلال الحلو كيف يرام
وأنشدني أيضًا له يلغز بالمال:
إسم هذا الَّذي ألفت هواهفعل قلبي يسمى إذا هو فعل
/ ب/ كلُّه في آخر أحرفه بادوإذا ما عكسته حين تتلو
وإذا صار أوَّلاً منه ثانفهو معنى ما آمل عنه يسلو
وإذا أوال تأخَّر منهفهو وصف لكلِّ من عنه ضلُّوا
وأنشدني أيضًا لنفسه في امرأة اسمها عين، يلغز بها:
عجبت للفظ في اكتمال حروفهيبين معنًى ثلثه عنه يعرب
وفي الثُّلث الثَّاني دلالات أربعوفي الثُّلث الباقي دليلان فاعجبوا
وأنشدني لنفسه، ما كتبه إلى نجم الدين أبي الفضل الياس بن الياس الإربلي، الفقيه الشافعي:
وفتية صدقت فيــهم الأماني ظنونا
وناولتهم يداهامن الأيادي فنونا
وحاولوا أن ينالواوجه التَّهاني المصونا
لكن لإدراك هذابالنَّجم هم يهتدونا
ففض ختم رضاهملكي يقرُّوا عيونا
محمَّد بن عليِّ بن محمَّد بن عليِّ بن يحيى أ/ بن طاهر بن محمَّد بن عبد الرحيم بن محمَّد بن إسماعيل بن نباتة، أبو الفتح بن أبي الحسن القرشيُّ العبسي.
وجدّه الخطيب عبد الرحيم بن محمد، هو المشهور بالخطابة، وبيت العلم والفضل بميافارقين.
وأبو الفضل رجل نبيه القدر من ذوي الهيات الكبراء الأماثل، حفظ القرآن الكريم، ونظر في شيء من الأدب، وله نظم ونثر، لم يقصر في إنشائهما.
تقدّم في دولة الملك الأشرف شاه أرمن أبي الفتح موسى بن أبي بكر بن أيوب بخلاط، سنة تسع وستمائة، وميّزه على نظرائه حتى كاد يجري مجرى الوزراء عنده، وسار معه إلى حرّان، ومنها إلى دمشق، وبقي في خدمته إلى أن مات الملك الأشرف.
نزل مدينة حلب في سنة خمس وثلاثين وستمائة قاصدًا ديار بكر، فلقيته بها في شهر صفر سنة ستٍّ وثلاثين، فألفيته شيخًا حسنًا كيسًا، نقي الشيبة. وذكر لي أنَّه ولد في ربيع الأول بماردين سنة إحدى وسبعين وخمسمائة.
أنشدني لنفسه، ما كتبه في ضمن شكايته إلى ولده أبي عبد الله معاذ:
وما روضة فاحت مجامر نورهاسحيرًا وقد بات السَّحاب يجوده
// تبسَّم في أقطارها الزَّهر بعد أنبكتها بروق ساعدتها رعودها
بأحسن عندي من كتاب سطورهيضاهي عقود الغانيات نضيدها
إذا ما قرأناه يود جليسنالما قد حوت ألفاظه لو نعيدها
معاذ لقد أقررت عيني بشمه.... السَّبق طرًّا حميدها
وصدقت لي فيك المخيلة فاغتدتوقد سال واديها وأورق عودها
وأنشدني لنفسه إليه أيضًا:
أتاني كتاب منك لمَّا فضضتهتضوَّعت الآفاق من نشره عرفا
وأقرأني عنك السَّلام كأنَّماحباني به نعمى وخوَّلني عرفا
كأنَّ به قسًا يقصُّ بلاغًةغدت لبديع القول بين الورى صحفا
فما الأمن بعد الخوف أعقبه الغنىلذي فاقة مذ كان كان لها حلفا
وإطلاق مأسور وأوبة غائبويرشفا الموصوب من بعد ما أشفى
واسعاف دهر بالسعادة لامرئبلاه بصرفٍ لا يطيق له صرفا
بأحسن عنديمن وقوعه ...
فأنهلني من درِّ معناه قرقفًاوشنَّفني من درِّ ألفاظه سنفا
فألصقته بالقلب أنعى سقاهوأرشف بالتَّقبيل أسطره رشفا
/ أ/ فأطفأ نارًا كنت أحسب أنَّهابغير التَّلاقي ليس تخبو ولا تطفا
وأنشدني أيضًا لنفسه، في الملك الأشرف:
موسى الكريم حكى الكليم بخلَّةهي للمحامد والـ .... يؤلّف
فعصا الكليم غدت تلقَّف سحرهموندى الكريم لفقرنا يتلقف
وأنشدني أيضًا لنفسه:
الملك الأشرف الَّذي بهرتصفاته النَّيِّرين إشراقا
سما سماء العلا لمحتدهوراق خلقًا وراق أخلاقا
أخطأ من قاس جوده بحيًاهيهات قد بذَّه وقد فاقا
ذاك تسحُّ المياه مزنتهوكتب هذا تسحُّ أرزاقا
وأنشدني ما كتبه إلى ولده المذكور:
كتابك وافاني ودمعي مطلقوقلبي أسير في يدي البين موثق
ولي زفرات ما تني في أتقادهاتكاد لنيران البسيطة تحرق
فأطلق من أسري وأخمد لوعتيوعاد به صفوًا شرابي المرنَّق
فأفديه من طرسٍ كأنَّ سطورهجمان ومعناه سلاف معتَّق
/ ب/ سما فوق ألفاظ البريَّة لفظهفمن أفقه شمس البلاغة تشرق
كتاب به رعت الكتابة واغتدىبه فرقي من فرقة الحب يفرق
فأقسم بالقوم الألى بولائهمغدًا لذوي السَّبق المخفِّين أسبق
لذكرك أحلى من جنى النَّحل في فميونشرك من عرف اللَّطيمة أعبق
محمَّد بن عيِّاش بن صباوة بن أبي بكر بن عبد العزيز بن رضوان بن عياش بن رضوان بن منصور بن دويد بن صالح بن زيد بن عمرو بن الزبّار بن جابر بن كعب بن عليم بن جناب، أبو الفضل بن أبي البقاء النحوي الأديب العرَّمانيُّ.
وعرَّمان قرية كبيرة من أشهر قرى صرخد من عمل حوران من نواحي دمشق.
كان والده يتولّى قضاء الثغور الشامية؛ وولده هذا درس علم النحو والعربية على الشيخ أبي البقاء يعيش بن علي بن يعيش النحوي، وأتقن معرفة هذا الشأن، وتمهَّر فيه على أبناء زمانه، وتفقه على مذهب الإمام الشافعي – ﵁. وأخذ منه جملة وافرة، إلاَّ أنَّه غلب عليه علم الأدب والإعتناء به.
لقيته بحلب المحروسة، وهو ساكن أ/ بالمدرسة النوريّة المنسوبة إلى بني عصرون. وتأكدت بيننا صحبة؛ وهو شاب فاضل كيّس، بارع في فنّه، حسن الذكاء، جميل المناظرة، واسع الحفظ لأشعار المحدثين، وغيرها من أشعار العرب، كثير الدعابة والهزل، مائل إلى المزاح بكليته، فيه سماحة، وله نفس؛ وهو مع ذلك يجيد قول الشعر، ويحكم معانيه.
وأنشدني منه كثيرًا له، ومما أنشدني لنفسه، يمدح موسى بن محمد بن موسى القمراوي:
أصبحت علاَّمة الدُّنيا بأجمعهاتشدُّ نحوك من أقطارها النُّجب
بان على كبد الجوزاء منزلًةتحفُّها من خلال حولها الشُّهب
ما نال ما نلت من فضل ومن شرفسراة قوم وإن جدٌّوا وإن طلبوا
وأنشدني لنفسه:
ولما اكتسى بالشَّعر توريد خدِّهوما خاله ألاَّ يزول إلى حال
وقفت عليه ثمَّ قلت مسلِّمًا:ألا أنعم صباحًا أيُّها الطلل البالي
وأنشدني لنفسه:
وجه صفا ماء الجمال به وشبَّت فيه ناره
/ ب/ وكأنَّ خطَّ أبن العديــم على حواشيه عذاره
وأنشدني لنفسه أيضًا:
قد زخرفت في وجههللنَّاس جنَّات النَّعيم
وكأنَّ خطَّ عذاره الــمنسوب خطُّ ابن العديم
وأنشدني أيضًا من قوله [أتمَّ به] البيت الأول:
وسمراء رود حجَّبوها بأسمريماثلها في اللَّون واللِّين والقدٍّ
جفت فجفا جفني الكرى بجفائهاكأنَّهما كانا لهجري على وعد
وأنشدني أيضًا له:
خميس كمثل البحر عبَّ عبابهأوائله ليست لهنَّ أواخر
له تحت أطباق الأراضي زلازلومن فوق أفلاك النُّجوم زماجر
وأنشدني أيضًا له:
يا مالكي أمسيت منوجدي به متيَّما
سقام جفنيك الَّذيأغرى بجسمي السَّقما
ونار حدَّيك بهاوقعت في جهنَّما
من منصفي من شادنمهفهف عذب اللَّما
[حكَّمته في مهجتيفجار لما حكِّما
كأنَّ عقد لؤلؤفي ثغره قد نظما
قد رقم الحسن لهفي عارضيه أرقما
نمَّ بسرِّ حسنهحين بدا منمنما
وسلَّ من جفونهمن اللِّحاظ مخذما
وفوق الهدب بقوسي حاجبيه أسهما
وهزَّ لدنًا ذابلاًمن قدَّه مقوَّما
فاعترضت من دونهيمنعه أن يلثما
تحميه ممَّن رامهوحقَّ للثغر الحمى]
/ أ/ وأنشدني لنفسه يصف الشمس:
والشَّمس مصفرَّة في الغرب قد نشرتشعاعها في تفاريق من السُّحب
كأنَّما السُّحب أعلام مورَّدةوالشَّمس من تحتها ترس من الذَّهب
وأنشدني لنفسه:
وشادن شاد هو الشَّــمس ضحًى بل أحسن
قد جمعت في خلقهلناظريه الفتن
يودُّ جسمي أنَّهحين يغنِّي أذن
في مجلس فيه لناأحسن ما يستحسن
ما تشتهيه الأنفسوما تلذُّ الأعين
وقال أيضًا:
يا صاحٍ دع عذل العواذل في معتَّقة الرَّحيق
صرفًا تلهّب في الكؤوس كأنَّها لهب الحريق
ممَّا تخيَّرها المسيــح ذخيرًة للجاثليق
وكأنَّها ذوب من الــياقوت لا ذوب العقيق
يسعى عليك بها غزال كالغزالة في الشروق
/ ب/ رشا رشيق قوامهأحلى من الغصن الرَّشيق
جلَّت بدائع حسنهعن وصف ذي الذِّهن الدَّقيق
لك كلَّما نادمتهسكران من خمر وريق
أو ما ترى وشي الرُّبىأربى على الوشي الأنيق
كم فيه من زهر يروق الطَّرف في غصن وريق
لما تخلَّله النسيــم ومسَّه مسَّ الشَّفيق
لثمت ثغور للأقاح به خدودًا للشقيق
وكأنَّ نرجسه مداهن من لجين للخلوق
وكأنَّ زهر بهاره الـتعقيان أو خدُّ المشوق
والجوُّ في سلك مطــرَّزة بمذهبة البروق
فاشرب وصل منها صبوحك وكلَّ يوم بالغبوق
وتسلَّ عن كلِّ الأنام فليس فيهم من صديق
وله أيضًا:
إدَّعى مفتي الأنام رئيس الــشَّام زين الإسلام قاضي القضاة
أنَّ ذا الصاحب الوزير ابن حربذا المعالي والأنعم السَّابقات
/ أ/ ناشر العدل في الرَّعية طاوي الــظُّلم عنها موفَّق العزمات
ثابت القلب واثب في لظى الحرب مخوف الثَّبات والوثبات
خاضب الأبيض المهنَّد والأســمر في الرَّوع من نجيع الكماة
والشُّهود العدول عدل وفضلونوال كالأبحر الزَّاخرات
وعجيب أن أدَّعي ما أرى النَّاس أقرُّوا به وبالبيٍّنات
وقال أيضًا:
أنشد عزُّ الدِّين أشعارهفما شككنا أنَّها درُّ
وما عجبنا أنَّها مخرجللدِّر منه وهو البحر
وأنَّ أوصاف الوزير الَّذييفرق من صولته الدَّهر
قد أكسبت أشعارّه بهجًةيخجل منها الشمس والبدر
وقال أيضًا:
وما لي لا أحيِّي دار ليلىوأحبس في معالمها ركابي
واعتنق التراب لعلَّ قلبييسكِّن حرَّه برد التراب
وقد سلفت لنا فيها بليلىليال مثل ريعان الشَّباب
محمَّد بن عليِّ بن محمَّد بن أحمد ب/ العربيُّ، أبو عبد الله، الشيخ العارف الحاتمي الطائيُّ من ذرية عبد الله بن حاتم الطائيِّ.
كانت ولادته بمدينة مرسية، في أيام الأمير أبي عبد الله محمد بن سعد بن مردنيس، سنة ستين وخمسمائة. وكانت وفاته يوم الثاني والعشرين من ربيع الآخر
بدمشق، ودفن بجبل قاسيون بتربة القاضي ركن الدين، وذلك في سنة ثمان وثلاثين وستمائة.
سمع الحديث على أبي عبد الله محمد بن عبيد الله الحجري، وأبي عبد الله محمد بن سعيد بن زرقون، وأبي الحسين يحيي بن الضائع السَّبتي، ومحمد بن قاسم بن عبد الكريم ...، وجماعة سواهم. وكان أهله أجنادًا في خدمة المستولين على البلاد، وبقي مدّة جنديًا، ثم رجع عن الجندّية في سنة ثمانين وخمسمائة.
وحدثني من لفظه، قال: كان سبب انتقالي عن الجندية، وبنذي لها وسلوكي هذه الطريقة، وميلي إليها، أنني خرجت صحبة مخدومي الأمير أبي بكر يوسف بن عبد المؤمن بن عليّ بقرطبة، قاصدين المسجد الجامع، فنظرته في ركوع وسجود وخشوع، كثير الابتهال إلى الله – ﷿ – فخطر لي خاطر، أن قلت في نفسي: إذا كان هذا ملك البلاد خاضعًا أ/ متذللاً، يضع هذا بين يدي الله تعالى – ﷿ – فما الدنيا بشيء، ففارقته من ذلك اليوم، وما عدت رأيته أبدًا؛ ثم لزمت هذه الطريقة.
وهو رجل له قدم في الرياضة والمجاهدة، وكلام على لسان أهل التصُّوف، موصوف بالتقدّم والمكانة عند جماعة من أهل هذا الشأن، وله أصحاب مريدون وتلامذة، وصنّف تصانيف كثرة، وتواليف جمًّة، سكن بلاد الروم؛ ملطية، وقونية، وطاف البلاد، ودخل بغداد، ثم سكن بأخرةٍ دمشق. وله كلام حسن في الحقيقة يأتيه من غير اشتغال بالعلم.
وقد رزقه الله تعالى خاطرًا متوقدًا، فانثال عليه هذا الكلام إنثيالاً، ووفق في إستنباطه توفيقًا عجيبًا، ما حير العقول عند سماعه، وسلب القلوب في إيراده.
شاهدته بمحروسة حلب، في يوم الأربعاء سادس ربيع الأول سنة خمس وثلاثين وستمائة؛ شيخًا يخضّب، وقرأت عليه جميع ما تضمنته هذه الأوراق وأنشدنيها؛ فمن شعره على طريق العارفين:
ألا يا حمامات الأراكة والبانترفّقن لا تندبن بالنَّوح أشجاني
/ ب/ ترفَّقن لا تندبن بالنَّوح والبكاخفيَّ صباباتي ومؤلم أحزاني
ومن عجب الأشياء ظبي مبرقعيشير بعنُّاب ويومي بأجفان
ومرعاه ما بين الترائب وفي الحشافيا عجبًا من روضة وسط نيران
لقد صار قلبي قابلاً كلَّ صورةفمرعى لغزلان ودير لرهبان
وبيتًا لأصنام وكعبة طائفوألواح توراة ومصحف قرآن
أدين بدين الحبِّ أنَّى توجَّهتركائبه فالحب ديني وإيماني
وأنشدني لنفسه:
قالت: عجبت لصبٍّ من محاسنهيختال ما بين أزهار ببستان
فقلت: لا تعجبي ممَّا ترين فقدأبصرت نفسك في مرآة إنسان
ومن نظمه في المقامات من الفتوحات المكية في التوبة، وأنشدنيه:
الإعتراف متاب كلِّ محقِّقوبه إله الحقِّ يشرح صدره
رضي الإله عن المخالف مثلمًارضي الإله عن الموافق أمره
ماذاينال مناله ... لاسيَّما إن كنت تعرف سره
من عين منتبه ينال مخالفما ناله من كنت تجهل قدره
/ أ/ وقال أيضًا، وأنشدنيه:
هبوط مكان لا هبوط مكانةلتلقى به حورًا وملكًا مخلَّدا
كما قال من أغواه صدقًا لكونهرآه كلامًا من إله مسدَّدا
وقال في الخلوة، فأنشدنيه:
خلوت بمن أهوى فلم يك غيرناولو كان غيري لم يصحَّ وجودها
إذا أحكمت نفس شرط انفرادهافإن نفوس الخلق طرًّا عبيدها
ولو لم تكن في نفسها غير نفسهالجادت بها جودًا على من يجيدها
وأخبرنا أبو عبد الله محمد بن علي بن محمد بن العربي، قال: كنت أطوف بالبيت، فطار قلبي، وهزَّني حال أعرفه، فخرجت من البلاط من أجل الناس، وطفت على الرمل، وذلك بالليل، فحضرتني أبيات، فأنشدتها، أسمع بها نفسي ومن يليني، ولو كان هناك أحد، وهي:
ليت شعري هل درواأيَّ قلب ملكوا؟
/ ب/ وفؤادي لو درىأيَّ شعب سلكوا
أتراهم سلمواأم تراهم هلكوا؟
حار أرباب الهوىفي الهوى وارتبكوا!
فلم أشعر إلاّ بضربة بين كتفيّ بكفٍّ ألين من الخز، فالتفت فإذا بجارية من بنات الروم، لم أر أحسن وجهًا، ولا أعذب منطقًا، ولا أرق حاشية، ولا ألطف معنًى، ولا أدق إشارة، ولا أظرف محاورة منها، قد فاقت زمانها ظرفًا وأدبًا، وجمالاً ومعرفة، فقالت: يا سيدي! كيف قلت؟ فقلت:
ليت شعري هل درواأيّ قلبٍ ملكوا؟
فقالت: عجبًا منك، وأنت عارف زمانك، تقول مثل هذا!. ليس كل مملوك معروف، وهل يصح الملك إلاّ بعد المعرفة، وتمنّي الشعور يؤذن بعدمها، والطريق لسان صدق، فكيف يتجوز مثلك؟ قل يا سيدي، فماذا قلت بعده؟ فقلت:
وفؤادي لو درىأيّ شعبٍ سلكوا
فقالت: يا سيّدي! الشعب الذي بين الشعاب والفؤاد، وهو المانع / أ/ له من المعرفة به، فكيف يتمنّى مثلك ما لا يمكن الوصول إليه؟ والطريق لسان صدق،
فكيف يتجوز مثلك يا سيدي؟ فماذا قلت بعده؟ فقلت:
أتراهم سلمواأم تراهم هلكوا؟
قالت: أما هم فسلموا، ولكن عنك يبقى أن تسأل نفسك، هل سلمت أم هلكت يا سيدي؟ فما قلت بعده؟ فقلت:
حار أرباب الهوىفي الهوى وارتبكوا
فصاحب، وقالت: واعجبًا كيف تبقى للمشغوف فضلة، يحار بها والهوى شأنه التعميم، يحذر الحواس، ويذهب العقول، ويدهش الخواطر، ويذهب بصاحبه في الذاهبين، فأين الحيرة هنا، أو من هنا باق فيجاور الطريق لسان صدق، والتجوز من مثلك غير لائق، قلت: يا ابنة الخالة ما اسمك؟ قالت: قرّة العين، فقلت: لي، ثم سلّمت وانصرفت؛ ثم إنّي عرفتها بعد ذلك، وعاشرتها، فرأيت لها من لطائف المعارف، ما لا يصفه واصف.
وحدثني بمدينة حلب في يوم الأربعاء سادس ربيع الأول سنة خمس وثلاثين ب/ قال: كنت مجاورًا بمكّة سنة تسع وتسعين وخمسمائة، فرأيت في منامي رسول الله ﷺ قاعدًا على الدكمة التي تلي باب أجياد الأقرب إلى باب الحزورة، ووجهه مستقبل الركن اليماني، ورجل يقرأ عليه كتاب البخاري، وهو محمد بن خالد الصدفي التلمساني، وأنا قاعد بين يديه ﷺ قد ضربت بذقني على ركبته ﷺ أتطلع في وجهه، فقلت له: يا رسول الله! المطلقة ثلاثًا في مجلس واحد، هل يرجع طلاقها إلى واحدة، أو هي ثلاث كما قال؟ فقال لي رسول الله ﷺ: هي ثلاث كما قال، لا تحلّ حتى تنكح زوجًا غيره، فقلت له: يا رسول الله إنَّ بعض العلماء يردّها إلى واحدة، فقال لي ﷺ: هؤلئك حكموا بما وصل إليهم، وأصابوا. قلت له: يا رسول الله: ما أريد في هذه المسألة إلا ما تدين الله تعالى أنت به، ما لو وقع منك، فعلت به. فقال لي: هي ثلاث كما قال لا تحلّ له، حتى تنكح زوجًا غيره، يرددها ثلاثًا، ثم بسط يديه، ودعا بهذه الكلمات: اللهم أسمعنا خيرًا، وأطلعنا خيرًا أ/ ورزقنا الله العافية، وأدامها لنا، وجمع الله قلوبنا على التقوى، ووفّقنا لما يحبّه ويرضاه، ....، واستيقظت.
وحدثني أيضًا أبو عبد الله بن العربي، قال: رأيته ﷺ في هذا التاريخ، فقلت له:
يا رسول الله، الله تعالى يقول: ﴾ والمطلقات يتربَّصبن بأنفسهنَّ ثلاثة قروء ﴿والقرء عند العرب من الأضداد، يطلقونه على الحيض وعلى الطهر، وأنت أعرف بما أنزل عليك، فما أراد الله بالقرء هنا؟ فقال لي ﷺ: إذا فرغ قرؤها فأفرغوا عليها الماء وكلوا مما رزقكم الله قلت: يا رسول الله، فإذًا هو الحيض، فتبسم وقال لي: إذا فرغ قرؤها فأفرغوا عليها الماء، وكلوا مما رزقكم الله فعاودت عليه، فإذًا هو الحيض يا رسول الله؟ فأعاد علي وهو يبتسم: إذا فرغ قرؤها فأفرغوا عليها وكلوا مما رزقكم الله، واستيقظت.
أنشدني أبو عبد الله محمد بن العربي لنفسه:
خليليَّ عوجا بالكثيب وعرِّجاعلى لعلع واطلب مياه يلملم
/ ب/ فإنَّ بها من قد علمت ومن لهمصيامي وحجِّي واعتماري وموسمي
محصَّبهم قلبي لرمي جمارهمومنحرهم نفسي ومشربهم دمي
فيا حادي الأجمال إن جئت حاجرًافقف بالمطايا ساعًة ثمَّ سلِّم
وناد القباب الحمر من جانب الحمىتحيَّة مشتاق إليكم متيَّم
فإن سلَّموا فاهد السَّلام مع الصَّباوإن سكتوا فارحل بها وتقدّم
إلى نهر عيسى حيث حلّت ركابهموحيث الخيام البيض من جانب الفم
وكاد بدعد والرَّباب [وزينب]وهند وسلمى ثمَّ لبنى وزمزم
وسلهنَّ هل بالحلبة الغادة الَّتيتريك سنى البيضاء عند التَّبسُّم
وأنشدني أبو عبد الله لنفسه:
سلام على سلمى ومن حلَّ بالحمىوحقَّ لمثلي رقَّة أن يسلِّما
وماذا عليها أن تردَّ تحيَّةعلينا ولكن لا احتكام على الدّمى
سروا وظلام اللَّيل أرخى سدولهفقلت لها صبًا غريبًا متيَّيما
أحاطب به الأشواق شوقًا وأرصدتله راشقات النَّبل أيًّان يمَّما
فأبدت ثناياها وأومض بارقولم أدر من شقَّ الحنادس منهما
وقالت أما يكفيه أنِّي بقلبهيشاهدني في كلِّ وقتٍ أما أما
/ أ/ وأنشدني أيضًا لنفسه:
وزاحمني عند استلامي أوانسأتين إلى التطواف معتجرات
حسرن عني أنوار الشُّموس وقلن لي:تورَّع فموت النَّفس في اللَّحظات
فكم قد قتلنا بالمحصب من منىنفوسًا أبيّات لدى الجمرات
وفي سرحة الوادي وأعلام رامةوجمع وعند النفر من عرفات
ألم تر أن الحسن يسلب من لهعفاف فيدعى سالب الحسنات
فموعدنا بعد الطواف بزمزملدى القبة الوسطى لدى الصَّخرات
هنالك من قد شفَّه الوجد يشتفيبما شاءه من نسوة عطرات
إذا خفن أسدلن الشُّعور فهنَّ منغدائرها في ألحف الظُّلمات
وأخبرني إبن العربي، قال: أنشدني بعض الفقراء، بيتًا مفردًا، لا يعرف أخًا، وهو:
كلُّ الَّذي يرجو نوالك أمطرواما كان برقك خلَّبًا إلاَّ معي
فأعجبني مغزاه، وقفوت معناه، فعملت أبياتًا، جعلته واحدًا منها:
قف بالطُّلول الدَّارسات بلعلعواندب أحبَّتنا بذاك البلقع
/ ب/ قف بالدِّيار ونادها متعجبًامنها بحسن تلطّف بتفجُّع
عهدي بمثلي عند بانك قاطفًاثمر القدود وود روض أينع
كلُّ الَّذي يرجو نوالك أمطرواما كان برقك خلَّبًا إلاَّ معي
قالت: نعم! قد كان ذاك المتلقىفي ظلِّ أفناني بأخصب موضع
إذ كان برقي من بروق مباسمواليوم برقي لمع هذا اليرمع
فاعتب زمانًا مالنا من حيلًةفي دفعه ما ذنب منزل لعلع
فعذرتها لمَّا سمعت جوابهاتشكو كما أشكو بقلب موجع
وسألتها لمَّا رأيت ربوعهامسرى الرِّياح الذَّاريات الأربعاء
هل أخبرتك رياحهم بمقيلهم؟قالت: نعم، قالوا: بذات الأجرع
حيث الخيام البيض تشرق للَّذيتحويه من تلك الشُّموس الطُّلَّع
وأنشدني لنفسه أيضًا:
بين النَّقا ولعلعظباء ذات الأجرع
ترعى بها في خمرخمائلاً وترتعي
ما طلعت أهلَّةًبأفق ذاك المطلع
إلاَّ وددت أنَّهامن حذر لم تطلع
/ أ/ ولا بدت لامعًةمن برق ذاك اليرمع
إلاَّ اشتهيت أنَّهالما بنا لم تلمع
يا دمعتي وانسكبييا مقلتي لا تقلعي
وأنت يا حادي أتَّئدفالنَّار بين أضلعي
قد فنيت ممَّا جرىخوف الفراق أدمعي
فارحل إلى وادي اللِّوىمربعهم ومصرعي
إنَّ به أحبَّتيعند مياه الأجرع
ونادهم: من لفتًىذي لوعة مودِّع
رمت به أشجانهبهماء رسم بلقع
يا قمرًا تحت دجىخذ منه شيئًا ودع
وزوِّديه نظرًةمن خلف ذاك البرقع
أو علِّليه بالمنىعساه يحيى ويعي
ما هو إلاَّ ميِّتبين النَّقا ولعلع
فمت يأسًا وأسىكما أنا في موضعي
ما صدقت ريح الصَّباحين أتت بالخدع
/ ب/ قد تكذب الرِّيح إذا تسمع ما لم تسمع
وأنشدني أيضًا:
أطارح كلَّ هاتفة بأيكعلى فنن بأفنان الشُّجون
فتبكي إلفها من غير دمعودمع الحزن يهمل من جفوني
أقول لها وقد سمحت جفونيبأدمعها تخبِّر عن شؤوني:
أعيذك بالَّذي أهواه علموهل قالوا: بأفياء الغصون
وقال، وأنشدنيه:
عند الكثيب من جبال زرودصيد وأسد من لحاظ الغيد
صرعى وهم أبناء ملحمة الوغىأين الأسود من العيون السُّود
قتلت بهم لحظاتهنَّ وحبَّذاتلك الملاحظ من بنات الصِّيد
وقال وأنشدنيه:
ثلاث بدور لم يزنَّ بريبةخرجن إلى التَّنعيم معتجرات
حسرن عن أمثال الشُّموس إضاءًةوليس بالإهلال معتمرات
وأقبلن يمشين الرُّويدا كمثل ماتمشي القطا في الحف الحبرات
وقال، وأنشدنيه:
/ أ/ نفسي الفداء لبيض خرَّد عربلعبن بي عند لثم الرُّكن والحجر
ما تستدُّل إذا ما تهت خلفهمإلاَّ بريحهم من طيِّب الأثر
ولا دجى بي ليل ما به قمرإلاَّ ذكرتهم فصرت في القمر
وإنَّما حين أمشي في ركابهمفاللَّيل عندي مثل الشَّمس في البكر
غالزت من غزلي منهنَّ واحدًةحسناء ليس لها أخت من البشر
إن أسفرت عن محيَّاها أرتك سنًىمثل الغزالة إشراقًا بلا غر
الشَّمس غرَّتها واللَّيل طرَّتهاشمس وليل معًا من أعجب الصُّور
فنحن في اللَّيل في ضوء النَّهار بهونحن في الظُّهر في ليل من الشَّعر
وقال وأنشدنيه:
بين الحشا والعيون النُّجل حرب هوىوالقلب من أجل ذاك الحرب في حرب
لمياء لعساء معسول مقبَّلهاشهادة النَّحل ما تلقي من الضَّرب
ريَّا المخلخل ديجور على قمرفي خدِّها شفق غصن على كثب
حسناء حالية ليست بغانيةتفترُّ عن برد ظلم وعن شنب
تصدُّ جدًّا وتلهو بالهوى لعبًاوالموت ما بين ذاك الجدِّ واللَّعب
ما عسعس اللَّيل إلاَّ جاء يعقبهتنفُّس الصُّبح معلومٌ من الحقب
/ ب/ ولا تمرُّ على روض رياح صبًايحوي على كاعبات خرَّد كعب
إلاَّ أمالت ونمَّت في تنسمهابما حملن من الأزهار والقضب
سألت ريح الصَّبا عنهم لتخبرنيقالت: وما لك في الأخبار من أرب
في الأبرقين وفي برك الغماد وفيبرك الغميم نزلت الحيَّ عن كثب
لا تستقلُّ بهم أرض فقلت لهاأين المفر وخيل الشَّوق في الطَّلب
هيهات ليس لهم معنًى سوى خلديفحيث كنت يكون البدر فارتقب
أليس مطلعها وهمي ومغربهاقلبي فقد زال شؤم البان والغرب
ما للغراب نعيق في منازلناوما له في نظام الشَّمل من ندب
وقال، وأنشدنيه:
حمامة البان بذات الغضاضاق لما حمَّلتنيه الفضا
من ذا الذي يحمل شجو الهوىمن ذا الَّذي يجرع مرَّ القضا
أقول من وجد ومن لوعة:يا ليت من أمرضني مرَّضا
مرَّ بباب الدَّار مستهزئًامستخفيًا معتجزًا معرضا
ما ضرني تعجيره إنَّماأضرّ بي من كونه أعرضا
وقال وأنشدنيه:
/ أ/ يا حادي العيس بسلع عرِّجوقف على البانة بالمدرَّج
ونادهم مستعطفًا مستلطفايا سادتي هل عندكم من فرج
برامة بين النَّقار وحاجرجارية مقصورة في هودج
يا حسنها من طفلة غرَّتهاتضيء للطارق مثل السرج
لؤلؤة مكنونة في صدفمن شعر مثل سواد السَّبج
كأنَّها شمس ضحًى في محملقاطعة أقصى معالي الدَّرج
إن حسرت برقعها أو سفرتأزرت بأنوار الصَّباح الأبلج
ناديتها بين الحمى ورامةمن لفتى حلًّ بسلع يرتجي
من لفتًى متيَّه في مهمهمولًّه مدلَّه العقل شجي
من لفتى دمعته مغرقةأسكره خمر بذاك الفلج
من لفتًى زفرته محرقةتيَّمه جمال ذاك البلج
قد لعبت أيدي الهوى بقلبهفما عليه في الَّذي من حرج
وقال وأنشدنيه:
ألا يا نسيم الرِّيح بلِّغ مها نجدبأنِّي على ما يعلمون من العهد
/ ب/ وقل لفتاة الحيِّ موعدنا الحمىغديَّة يوم السَّبت عند ربي نجد
على الرَّبوة الحمراء من جانب الضُّوىوعن أيمن الأفلاج والعلم الفرد
فإن كان حقًّا ما تقول وعندهاإلىَّ من الشَّوق المبرِّح ما عندي
إليها ففي حرِّ الظهَّيرة نلتقيبخيمتها سرًّا على أصدق الوعد
فتلقي ونلقي ما نلاقي من الهوىومن شدَّة البلوى ومن ألم الوجد
أأضغاث أحلام أبشرى منامةأنطق زمان كان في نطقه سعدي
لعلَّ الَّذي ساق الأماني يسوقهاعيانًا فيهدى روضها لي جنى الورد
وقال وأنشدنيه:
ألا هل إلى الزُّهر الحسان سبيلوهل لي على آثارهنَّ دليل
وهل لي بخيمات اللِّوى من معرَّسوهل لي إلى ظلِّ الأثيل مقيل
فقال لسان الحال يخبر أنّهاتقول تمنَّ ما إليه سبيل
ودادي صحيح فيك يا غاية المنىوقلبي من ذاك الصَّحيح عليل
تعاليت من بدر على القلب طالعوليس له بعد الطُّلوع أفول
فديتك يا من عزَّ حسنًا ونخوًةفليس له بين الحسان عديل
فروضك مطلول ووردك يانعوحسنك معشوق عليه قبول
/ أ/ وزهرك بسَّام وغصنك ناعمتميل له الأرواح حيث يميل
وظرفك فتَّان وطرفك صارمبه فارس البلوى عليَّ يصول
وقال وأنشدنيه:
لظبية ظبى صارمتجرِّد من طرفها السَّاحر
وفي عرفات عرفت الَّذيتريد فكم أك بالصَّابر
وليلة جمع جمعنا بهاكما جاء في المثل السَّائر
يمين الفتاة يمين فلاتكن تطمئنُّ إلى غادر
منى بمنى نلتها ليتهاتدوم إلى الزَّمن الآخر
تولَّعت في لعلعٍ بالَّتيتريك سنى القمر الزَّاهر
رمت رامًة وصبت بالصَّباوحجَّرت الحجر بالحاجر
وشامت بريقًا على بارقٍبأسرع من خطرة الخاطر
وغاضت مياه الغضا من غضىبأضلعه من هوى ساحر
وبانت ببان النَّقا فانتقتلآلي مكنونه الفاخر
وآضت بذات الأضا القهقريحذارًا من الأسد الخادر
بذي سلم أسلمت مهجتيإلى لحظها الفاتك الفاتر
/ ب/ حمت بالحمى ولوت باللِّوىكعطفة جارحها الكاسر
وفي عالج عالجت أمرهالتفلت من مخلب الطَّائر
خورنقها خارق للسَّمافيسمو اعتلاًء على النَّاظر
محمَّد بن عليِّ بن [محمد بن] يوسف بن قليج بن تكين خان بن محمود خان بن إيل خان، أبو عبد الله بن أبي الحسن الموصليُّ.
من مولّدي الترك، وقد قدّمت شعر والده وعمّه في مكانهما، كان في زمن أبيه ذا نعمة وافرة، وجاه بسيط، متعلقًا بخدمة الملك العادل نور الدين أبي الحارث أرسلان شاه بن مسعود بن مودود بن زنكي، المستولي على الموصل.
وكان أميرًا جليلاً، مذكورًا في زمانه، يخالط أهل الأدب والحديث، ويغشاه جماعة من الفضلاء.
أخبرني، أنه ولد بالموصل، يوم الخميس سادس عشر رجب سنة خمس وسبعين وخمسمائة، فلما توفي والده؛ تناقصت أحواله، وضعف أمره، وترك ما كان عليه،
وصار فقيرًا، يلبس الصوف، وينتقل في البلاد ويخترقها.
شاهدته أ/ بمدينة حلب؛ وهو شيخ، والفقر مؤثّر عليه، والحاجة قد مسَّته، والدَّهر قد أناخ عليه بكلكله، وله عيال، وهو على أشدّ ما يكون من الفقر والفاقة؛ وربما استجدى بأشعاره، وارتزق بها كبراء حلب، ويقنع منهم بالنزر الطفيف.
ورأيته من المدعين في معرفة الحديث وسماعه، ويقول المقطعات من الشعر، تلجئه إلى ذلك الحاجة والضرورة.
أنشدني لنفسه، وقد عمل أربعين حديثًا، وأهداها إلى بعض الملوك من بني أيوب:
وإنِّي في حملي كتابًا وضعتهوأودعته النَّثر المفصَّل والشِّعرا
إلى ملك في العلم واحد عصرهكمهد إلى شمس النَّهار سنى الشِّعرى
وأنشدني لنفسه، وقد اقترح عليه في هذا الرويّ والقافية، فعمل ذلك ارتجالاً:
أفديهم من نازحين وحبُّهمدان على مرِّ الزَّمان مخيِّم
إن لاح برق هاج لي تذكارهمفكأن نارًا في فؤادي أضرموا
أو هبَّت النسمات من واديهموجَّهت وجهي نحوهم فأسلِّم
/ ب/ يا مرسلين على البعاد تحيَّةًأحيوا بها ميت الجوى حييتم
من لي بليلات قصار باللِّوىولَّت وسماري الأعزَّة أنتم
قسمًا بعقد عهودكم وودادكمولقد محضت الصِّدق فيما أقسم
ما راق طرفي غيركم ومسامعيإلاَّ حديثكم إذا ما قلتم
ومن العجائب أنَّني أشتاقكمومن العيان إلى الضَّمير نقلتم
وعلى دياركم تحيَّة ذاكرعصر الصِّبا الماضي بها وعليكم
وأنشدني لنفسه يمدح:
ولمَّا أتى من نحو أرضكم الرَّكبولم يأتني منكم سلام ولا كتب
ولا مبلغ في الوفد عنكم رسالًةيداوي بذكراها تباريحه الصَّبُّ
بكيت وما يجدي البكاء مع النَّوىإلى أن جرى في الشَّرق من عبرتي غرب
وأنشدني لنفسه يمدح:
ملك يجلُّ عن المديح كما علاقدماه نسرًا في الفخار وفرقدا
عمَّ البسيطة خيره ونوالهللمعتفين وبأسه قهر العدا
لم يبق في الدُّنيا نداه معدمًايبغي النَّوال ولا سطاه ملحدا
والله ثمَّ إليه اشهد صادقًاوكفى على قول امرئ أن يشهدا
/ أ/ ما أبصرت في الحرب عين مثلهبل لا ولا رتب الممالك سيِّدا
تفديه أرواح الملوك وحسبهاشرفًا بذلك أن تكون له فدا
هذا الَّذي بالزُّهر من أيَّامهأضحى الزَّمان متوَّجًا ومقلّدًا
إنزل بناديه وناد فلم يخبوالله من نادى المليك محمَّدا
أنا ضامن إن زرته لك منحًةترضي الوليَّ بها وتردي الحسَّدا
وأنشدني أيضًا من شعره:
بكيت كما يبكي الغريب صبابًةعلى وطن أقوى وغابت شموسه
وناجيت نفسي بالعتاب فلم تصخوقد سئمت ربعًا تولَّى أنيسه
وأنشدني لنفسه:
وفي مصر للآداب سوق تجارةلدى أهلها الغرِّ الكرام كرام
إذا استعرضوا نظم الكلام ونثرهيهون عليهم للعقود نظام
وأنشدني لنفسه، يمدح شرف الدين أبا البركات المستوفي – ﵁ – بإربل:
قال لي قائل وقد رمت أهجوإربلاً لازلت هجَّاًء سخيفا
كيف تهجو مصرًا حوى شرف الديــ ـن الوزير البرَّ التَّقيَّ العفيفا
/ ب/ قلت أهجو غير الصَّديق عنادًاقال: ما أرتضيك تهجو الكنيفا
وأنشدني أيضًا لنفسه في غلام أعمى:
يقول عواذلي أعشقت أعمى؟وأغريت اللَّوائم والعواذل
فقلت: عشقت منه كل معنًىيخبِّر إذ وعاه كلُّ عاقل
رأى جفنيه قد فتن البرايابسحرهما وأعيت سحر بابل
فأرسل مرسل الصُّدغين منهفأبطل سحرها والسِّحر باطل
وأنشدني لنفسه، وكان محبوسًا بقلعة إربل:
كأنِّي في سجني وضيق فنائهوقد تركوني فيه مرتهنًا وحدي
دفين جفاه أهله وحميمهوغادره الحفَّار في ظلمة اللَّحد
وأنشدني لنفسه في حمام:
ضدَّان في حمَّامكم هذهسكَّانها بينهما قد شقوا
كأنَها قلبي في حرِّهوماءها قلب الَّذي أعشق
وأنشدني أيضًا لنفسه في أوائل شهر ربيع الأوّل، بمحروسة حلب سنة خمس وثلاثين وستمائة:
/ أ/ عد عن ملام المستهام وزجرهفمتى يفيق من الغرام وسكره
أو ما ترى الحدق المراض وسحرهاجاءت تقيم لديك واضح عذره
إن شئت لم أولاً ...... بقلبهأودى الفريق مع الفراق وصبره
وإذا بدا برق فليس وميضهإلاَّ زناد قادح في صدره
أو هبَّ من نجد نسيم باردأذكى بذاك البرد خامد جمره
صاح يميل من الدَّلال كأنَّهثمل برقَّة ريقه وبخمره
وعلى العقيق ممنَّع يوم النَّوىفضحت مدامعه قلائد نحره
لو لم يكن من ريقه ثملاً لمابالصَّدِّ عربد ظالمًا وبهجره
كم أطلق الدَّمع المصون وقد غداقلب المحبِّ مقيَّدًا في أسره
أفديك من مذك سعيرًا بالحشاعند الوداع ببارد من ثغره
آهًا لساعات التواصل بالنَّقاولطيب أيام الشَّباب وعصره
أيَّام أسحب في مراتع رامةذلَّ المذلِّ بنهيه وبأمره
كم متُّ من شوقي على روض الحمىفيعود ينشرني النسيم بنشره
يا سعد حدِّث عن منى أو ركبهفالنَّوم نفرَّه بصارخ نفره
وإذا وصلت الشِّعب ناد بأهله..... راسخ صخره
من ذا يحرِّم وصل مضطرِّ الهوى..... محرم هجره
/ ب/ الذي يجازي كل حافظ عهدهأم شيمة الحبِّ الجزاء لعذره
يا صاح قبل الحبِّ حلوًا كنت لمأحفل بمن غمرته لجَّة بحره
ما زلت أولع بالهوى متعرِّضًاحتَّى بليت بحلوه وبمرِّه
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (٢٠٠٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع