تجاوز إلى المحتوى

من «قلائد الجمان في فرائد شعراء هذا الزمان» لابن الشعار الموصلي (ت ٦٥٤هـ)

ذكر من اسمه نصر الله

نصر الله بن أسعد بن نصر الله بن عامر بن ابي البركات بن المجلِّي، أبو الفتح البلديُّ.

تفقه على مذهب الإمام الشافعي- ﵁ بالموصل، وتأدّب ثم صار إلى الصاحب كمال الدين أبي الكرم محمد بن علي بن مهاجر الموصلي يكتب له الإنشاء، وصحبه إلى أن مات.

شاهدته بحلب مرةً واحدة، وهو شاب أسمر، قد نزل بعارضيه الشيب. وسألته عن ولادته، فقال: ولدت ببلد فيسنة خمس وتسعين وخمسمائة.

وأنشدني لنفسه من قصيدة يمدح بها الملك الناصر داود بن عيسى بن أبي بكر بن أيوب:

إليك قطعنا البيد يا ابن المعظَّمعلى كلِّ حرف كالحنية مرزم
وخضنا بلاداً طال بالماء عهدهاولما تطاها غير عاد وجرهم
عليها فتيُّ كالقسيِّ من السرُّينشاوى من الإدلاج ميل المعمَّم

إلى الملك داود بن عيسى الَّذي غدت ... محبته فرضَّا على كل ِّ مسلمد/ ب/ وهي قصيدة طويلة، ولم ينشدني منها غير ما أوردته، لأنه لم يكن في الوقت سعة لأعلق عنه شيئًا سواها.

وقال يرثي المعين أبا القاسم علي بن الصاحب كمال الدين محمد بن علي بن مهاجر وقد استشهد على أيدي التتار الملاعين- خذلهم الله تعالى- بسنجار:

لعَّل عصيَّ الدَّمع يومًا يساعدليرتاح محزون ويسعد واجد
وهب أنَّ عاصيه اجاب مساعداًأما النَّوم عن أجفان عيني شارد
وهب أنَّ عيني عاود الغمض جفنهاأما الدَّمع منها في النُّحور قلائد
ترجَّ ولكنَّ الفتى ليس مدركابحكم يرجِّيه الذي هو فاقد
أبا قاسم إنِّي عليك مولَّهطوال اللَّيالي ساهر الجفن ساهد
أبيت على جِّمر تضمَّنه الحشاوليس له إلا زفيري واقد
/ أ/ ولم لا وقد كنت المعين على الرَّدىوكلُّ بهذا القول مثلي شاهد
سموت إلى العلياء حتَّى بلتهابعزمٍ له الآراء زند وساعد
ولم ترض في الدُّنيا مقامًا فحزتهاغلى جنَّة فيها مقامك خالد
ولم ترض أبناء الزَّمان خوادمًاوخدًّامك الحور الحسان النَّواهد
ويوم قتال الترك حاميت دونناوجاهدت لمَّا لم يكن من يجاهد
وذدت عن الإسلام بالبيض والظُّبافللَّه حام من ظباك وذائد
وأمسيت محمود السجايا ممدَّحًا... تشابه مولود كريم ووالد
فما أنا بالناسيك في لبقرب والنَّوىوغن كان يسلي من سواي التَّباعد
فكفَّ ملامي لائمي عن مفجَّعترقُّ له ممَّا يلاقي الحواسد
ولا تطلب السُّلوان منه وخلِّهيكابد من أشجانه ما يكابد

ومنها:

سقى جدثا أضحى بسنجار كعبةسحائب تحدوها غليه الرَّواعد
وروَّاك من كفِّ الوزير غمائمإذا ضنَّت الأنواء هن موارد

وهي أكثر من هذا.

/ ب/ نصر الله بن علي بن نصر الله بن عليِّ بن عبد القاهر بن المجلى، أبو الفتح بن أبي الحسن الموصليُّ، المعروف بابن السمين.

كان فقبهًا حنفيًا حافظًا للقرآن الكريم، درس فقه الإمام أبي حنيفه- رضي الله.

عنه- بالمدرسة البرسقية بالموصل، جوار باب المشرعة على دجلة.

سألته عن ولادته، فقال: ولدت في ثامن رمضان سنة سبع وثمانين وخمسمائة، وذكر أنه ممن يجتمع نسبه بنسب الأمير شرف الدولة أبي المكارم مسلم بن قريش العقيلي. وكان رجلا شديد صفرة اللون مائلاً إلى السمرة.

اجتمعت به غير مرّة وسألته إنشاد شيء من شعره فأنشدني كثيراً منه، إلاّ أنًّه لم يكن في ذلك الوقت فسحة مجاًل لأعلقه عنه، ثم توجهت إلى البلاد الشاميّة، وخبرت أنًّه توفي- رحمه الله تعالى-

ومما أنشدني لنفسه وظفرت به في بعض التعليقات قوله:

/ أ/ سلام وإن لم يشف حرَّ أواميتحيَّة مشتاق ورجع سلام
سلام كما مرَّ النَّسيم بنشركميضوع بوجدي ناهض وغرامي
على عيشة ولَّت بكم فكأنَّهابعيني وإن طالت حديث منام
ألا قاتل الله الفراق فكم رمىصحيح فؤاد بعدكم بسقام
وأغطش ليل الوصل بعد أبيضاضهوأيَّامنا محفوفة بظلام

نصر الله بن محمد بن عبد الوهاب بن عبد الواحد بن أبي الفرج بن الحسن بن عليِّ، أبو البركات الأنصاريُّ، المعروف بابن الحنبليِّ.

من أهل دمشق وأشهر بيت بها. الشيخ الفقيه الأديب.

فقيه محسوب مع الفقهاء، وشاعر معدود من جملة الشعراء، جيد المقاصد، حسن المصادر والموارد. سافر إلى بلاد اليمن واتصل بخدمة الملك العزيز أبي الفوارس طغتكين بن أيوب بن شاذي- سلطان اليمن- واختص به، واكتسب منه مالاً طائلاً ورزقاَ واسعًا، ثم عاد إلى دمشق، وتوفي بها قبل سنة عشر وستمائة.

ومن شعره فيه يمدحه سنة/ ب/ ثمان وثمانين وخمسمائة:

سقى بردى وواديها سحابملثُّ القطر هطَّال رباب
وروَّى النَّيربين فبيت لهيابغيثٍ لا يغبُّ له انسكاب
إلى الشَّرف المنيف فما حوتهجواسق كلُّ ما فيها عجاب
معاهد لذَّتي ومقر ومقرُّ أنسيوإخوان بهم طابت وطابوا

ومنها:

يكاد القلب من فرط اشتياقٍيطير لها كما طارت عقاب
فكم من ليلة نادمت فيهارشًا في مثله عذب العذاب
له من خصره فينا انعطافومن أردافه عنَّا انجذاب
أرى ما أعوزتنا الرَّاح يومافريقته لنا عنها مناب
خلوت به ولا أرب سوى مايطارحه من الوجد العتاب

ومنها:

وكعبة لذَّة تجلو عجوز الــكروم لنا بها خود كعاب
بليل عاد كالبازيِّ لونًابها وبراحها وهو الغراب
/ أ/ تغازلني عيون العين فيهويرفع بالحواجب لي الحجاب
قصرت على الغنا ما طال منهإلى أن شاب وانتقل الخضاب
غنينا بالغناء عن الغوانيولم نلمم بما تحوي الثِّياب
وأسفر صبحنا يحكي محيَّا الـ ــعزيز الملك أطلعه الإياب
هو الملك الجواد بما حواهإذا ما ضنَّ بالغيث السَّحاب
جميل الذِّكر ذو رأي سديديهون به إذا فعل الصَّواب
يدلُّ عليه في الجلَّى سناهوهل للبدر في الظُّلم احتجاب
واروع لا يخاف هجوم خطبٍعليه لا يعيب ولا يعاب
إذا ما عدَّدوا الأملاك طرّاًغدا ترب السُّها وهم التراب

تخرُّ الصِّيد من رهب لديه .. وتعنو حين يرتفع الحجاب

ماثر لو أردت لها حسابًاتقاصر عن إحاطتها الحساب
فداؤك كل ذي عرضٍ مهيبلراجيه وعرض لا يهاب

وهي قصيدة طويلة وهذا القدر منها كاف.

نصر الله بن محمد بن بابا، أبو الفتح بن أبي بكرٍ الأسعرديُّ من أهل ديار بكر.

كان شاعراً متسعًا في القوافي، قوي النفس، طويل الباع في نظم القريض صاحب قدرة على إنشائه، سمّى نفسه "مادح الرحمن" لأنه استفرغ جميع شعره في الله- ﷿ والثناء عليه والتوحيد له ﷾. ولم يتعرض لمدح أحد من العالم البتة، وديوان أشعاره كبير الحجم.

أقام بالبلاد الشامية زمانًا طويلاً، وكتب الناس كثيراً من شعره، ورووه عنه، وسمع الحيص بيص الشاعر، ونزل دمشق وكتب عنه من شعره العماد أبو حامد محمد بن محمد بن حامد الكاتب الأصفهاني، وأثبت ذكره في كتابه "ذيل الخريدة وسيل الجريدة" وأورد له أبياتًا في التوحيد والزهد والاعتبار، وغير ذلك.

أنشدني الشيخ الخطيب أبو الحسن محمد بن أحمد بن علي بن أبي بكر بن إسماعيل القرطبي ثم الدمشقي بها- رحمه الله تعالى- من أ/ لفظه- وذكر لي أنَّ جميع ديوان شعره، سمعته عليه، قال: أنشدني أب الفتح- مادح الرحمن- لنفسه، من قصيدة أولها في التوحيد- عّز جل-:

عُّز توحَّد قبل كلِّ موحَّدوعلا بمجدٍ بعد كلِّ ممجَّد
ودوام مولًى لا يدوم بقاؤهلمَّا يلد أحداً ولمَّا يولد
ملك محامده بعيد نيلهاوعطاؤه سهل قريب المورد
تفني الصِّفات ولا تحيط بوصفهأيحيط ما يفنى بما لم ينفد
ويكلُّ فهم العقل عن إدراكهويعود عنه بحيرة وتلدُّد
رب كريم ما يخيب سائلاً... فاضرع إليه بذلَّةٍ وتعبُّد
واطلب عظيمًا من عظيم جلالهوارغب إليه وزده حمداً تزدد
وانظر إلى أكوانه من فوقناوقيامهنَّ وما دعمن بأعمد
ونرانها بكواكب كمواكبٍيهدي بها الرَّحمان لبَّ المهتدي
إنَّ الصَّنائع بدؤها من صانعٍإذ كلُّ تشييد فعال مشيِّد
وبوسعها يومي إلى فهم الورىأنَّ التَّوسُّع من وفيِّ الموعد
/ ب/ وبقهر صانعها تذلُّ ولطفهببديع إتقانٍ بها وتأيُّد
وطلوعها ستًا مقابل ستَّة... وسعافها عن لؤلؤٍ وزبر جد
وبشمسها وهلالها في عرضهاما بين منحدرٍ بها أو مصعد
وبريِّسيها المشتري وعطاردٍوكبيرها زحلٍ عقيد الأسعد
وبحمرة المرِّيخ في أكنافها... وبياض زهرتها البهيِّ الموقد
وبشعرييها جنبتي جوزائهاوبجديها وسهيلها والفرقيد
وبما تجمع في الثُّريَّا عبرةمن شبه عنقود وحقَّه عسجد
وبأنجمٍ في فيحها كمارقٍتردي بشهب النَّار كلَّ ممرَّد
وبفجرها الموفي على أكنافهاكالوجه يطلع من بجادٍ أسود
حكم تدل على حكيمٍ قادروقنادل تطفى بيوم الموعد
تزري ببطليموس في أحكامه... ومقاله بالظَّنَّ لا عن مسند
إن قال عقل أوَّل وجدت بهنفس وأفلاك بغير تقصُّد
كلُّ بدا من غيره بضرورةٍفالعقل يدفع ذلك الظَّن الرَّدي
إذ كل عقل فاعل عن قوَّةٍ... عقلاً ونفساً بالدَّوام السَّرمد
/ أ/ لو صحَّ ذلك لم تكن أفلاكهامعلومةً كلاَّ ولم تتعدًّد
أو قال من غرب تسير نجومهافالحسن يقطع حدس ذاك الملحد
أو ما تراها طلَّعًا من شرقها... وتغيب في حمأ وثأط حرمد
أو قال مجتمع الكواكب محدثريحًا تعفِّي أثًر كلِّ موطَّد
فقد اجتمعن وما أثرن تغيُّراًكلاَّ وحرَّكن طاقة غرقد
هيهات بل بإرادة من قادرما في الوجود وفعل ملك موجد
فيما أتانا عن نبيِّ صادقًوكتاب وحيٍ بالبيان مؤيَّد

وهي قصيدة طويلة، وفيما ذكرنا منها فيه كفاية وغنى.

وقال في مناجاته ودعائه لله- ﷻ وتقدست أسماؤه:

مولاي رِّبي خالقيملكي مجيري يا معيني
يا من لطائف برِّهتشفي الفؤاد من الشُّجون
/ ب/ لولاك تعطف بي قلوب الخلق ب لم يقبلوني
فارحم وجد لي بالرِّضاوالنَّصر في دنيا ودين
فلأنت أهل للعطاءولست بالملك الضَّنين
إنِّي أرى حسناك لي... يا ربِّ في كلِّ الفنون
وأرى يقيني في علاك... جميع ما أخشى يقيني

وقال أيضًا، وقد أشار عليه إنسان بمدح بعض الملوك الوزراء، ورغبه فيما لديهم فأنشد:

يا مالكي أعجزت شكري بالَّذيأوليتني في عود أمري والبدي
وتفيدني إن شئت رزقًا واسعًاتغني يدي عن أن تمدَّ إلى يد
أنت الَّذي وفَّقتني ومنحتنيوجعلتني بثناء مجدك أرتدي
وفتحت لي من وصف عزمك مشربافي ورده فكري يروح ويغتدي
إن حار فهمي فهو معذور ومن... يحوي القديم بهالك متجدِّد
/ أ/ صمد إذا طرت الهموم بخاطريداويتها بمديحه المتمجِّد
ولعلَّ رحمته وما آيستهاتردي الرَّوائع عن فؤادي المكمد
ويصون ماء الوجه عن إهراقه... ويعيد لي فينان عيش أرغد
فيداه أوسع منحةً من غيرهاوجداه أنفع نجعةً للمجتدي
قال: امتدح غير الإله مناصحفرشدت حين عصيت قول المرشد
أأروم غيرك يا إلهي مادحًاللخلق فضَّ فمي إذاً بالجلمد
فلكم لطفت بضعف عبدك منَّةأجهدتها شكري ولمَّا تجهد
ثمَّ الصَّلاة على الرَّسول إلى الورى... طرّاً وخير العالمين محمَّد

"ﷺ".

وقال وقد خذله بعض أصدقائه، ففرَّ إلى الله تعالى:

يا إلهي عبيدك البائس الأضعــف يبغي إليك منك فرارا
غير أنِّي تخذت وجهك يا مولاي لي من حوادث الدَّهر جارا
[ومقر بذنبه ليس بالجاحد ما قدَّمت يداه اختيارا]
/ ب/ لم أجد لي من الأنام مجيراًفاستخرت المهيمن القَّهارا
فأنا اليوم جار من ليس في الأرضبجارٍ أعزَّ منه جوارا
للشاعر حماد عجرد، اقرأ القصيدة
يا إلهي وأنت أكرم من سا... قت إلينا القرائح الأشعارا
إن أكن مذنبًا هجومًا فما زلـ... ـت لمن تاب راحمًا غفَّارا
أو أكن قد ظلمت نفسي فقدمًاكنت مولاي ماحيًا ستَّارا
فاعف عنِّي فأنت أرحم لي منِّــي يا ربِّ منَّةً وانتصارا
كيف ما تصرف الحوادث عنِّيوإلهي يصرِّف الأقدارا
مالك المالكين مولًى إذا مافكَّر القلب في تعاليه حارا
وصلاة الإله تترى على أحــمد ما طارد الظَّلام النَّهارا

وقال أيضًا على وزن قصيدة عدي بن زيد التي أولها:

أيُّها الشَّامت المعيِّر بالدَّهر ..........................

فعارضها بقوله:

/ أ/ دع خداعًا يغريك فيه الغروروتفكَّر فيما إليه تصير
فمتاع الدَّنيا قليل وخير الـ... ـفوز خير هو المحلُّ النَّضير
أي عيشٍ يلذُّ للمرء والآخر قبر ومنكر ونكير
وقيام من بعده وحسابوصراط وجنَّة وسعير
إنَّ قومًا قد هدِّدوا بجحيموبيوم أهواله تستطير
لجدير أن يهجروا الغمض واللَّذَّة والأمن فالحياة غرور
أجميل لعاقل أن يلاقي اللَّــه يوم الجزاء وهو فقير
أفينسي ما قد جناه وقد أحــصي عليه النَّقير والقطمير
أفيرضى بأن يعيش بعيشٍ الأتن مغزاه منكح وشعير
أو ما شاهد الَّذي أمسك الماء وأوقاته مضت تبذير
بينما هم يقبِّلون ثغور الــبيض أفضت إلى التَّراب الثُّغور
مال عن مالك جذيمة كرهالاختيار وهو الشجير السَّمير
وكذا الفرقدان سوف يروَّعنببينٍ إذ السَّماء تمور
هكذا الدَّهر لا يديم نعيمًاإنَّما العاقل العمول الصَّبور
/ ب/ أين كسرى وتبَّع وبنو الأصفرأين النُّعمان أين السَّدير
أين عملاق والألى من بني عاد وأين الزَّبَّاء أين قصير
أين فرعون أين هامان ذو الصَّرح وأين الأنهار أين السُّتور
كم رحى للمنون دارت على داراوكم قيصر رمته القصور
ثمَّ ثنَّت بال جفنة فالجفــنة من بعدهم خلاء بور
وكذا مأرب خلاء من الأزد خراب يسفي عليه المور
ثمَّ عاد من بعدهم وثمودلا اقشعرَّت بعد الهلاك الدُّور
وملوك من بعدهم عمروا الأرضفأين العمَّار والمعمور
طحطح الموت عزَّهم فثووا فيقعر غبراء والجدود عثور
لم تدافع جنودهم نكبة الــدَّهر ولا جزؤها العشير العشير
سرح الدُّود في العرانين منهممذ حوتهم صفائح وقبور
هذه [شيمة] الزمَّان فما يبــقى عليه مؤمَّر ووزير
ليس يبقى سوى إلاه عظيمٍما تخطى إلى حماه الدُّهور
ملك ثابت الأواحي إذّا ما... زلَّ بالمالك العظيم السَّرير
/ أ/ كان قبل الأكوان مولى رحيماًوهو بعد الآباد حي قدير
لا شريك له تعالى ولا ضد... نديد ولا شبيه نظير
محسن بالمسيء إن تاب قهَّا... ر لذي الكبرياء ياء فهو الكبير
أحد يستلذ ذكراه ذو اللُّــبِّ وتبيض من ثناه السطور
ملك كلَّما تعمدت مدحيهاحتسابا يحار فيه الضَّمير
لا تداني الأوهام تكييف علياهـ فكيف التَّمثيل والتَّصوير
آخذ باليدين من عثرة الدَّهــر يداه المبسوطتان تمير
صمد أرتجيه يفرج كربيففؤادي ممَّا يلاقي كسير
ماجد تدهش الخواطر فيهوتظلُّ الأفكار حيرى تدر
يعلم الوهم إن تحرَّك في الفهــم وما تنطوي عليه الصُّدور
يتقيه الوجود جمعًا ومن فيــه ويعيى عن وصفه التَّفكير
لا كمن تسلب الحوادث علياهفيبقى وهو المهان الحقير
واحد ماجد جواد كريممحسن منعم سميع بصير
أول آخر معيد مبيدقادر قاهر مجيب مجير
/ ب/ قابض باسط رؤوف عطوف... عالم حاكم عفو غفور
يعجز العقل عن دراك تعاليــه كما ضاع في علاه الخبير
علمه مدرك لما ذرَّ في البــرِّ وما غمَّضت عليه البحور
عزَّ ذ الطَّول عن حياز مقالٍفلجول الأفكار فيه قصور
وانثنت حيرةً وتاهت فما تحــصي ثناء وبان فيها الفتور
من هو الذِّهن عند نعت عظيمخوف بأسائه الجبال تسير
فالزمن مدحه وإن مسَّك الذلُّ فما دام شدَّة وحبور
قل ولا بأس إن تأخَّر وعدفمتاع الدُّنيا حقير يسير
فله نفحة يفك لها العاني حنوّا ويطلق المأسور
فكأنِّي بجائزاتك قد جئــن من الله والسُّرور بشير
واتَّئد ويك والثم الأرض ذلاًأفتدري بمن بمدح تشير
ذلك الله ذو المعارج والطَّول الَّذي لم تضع لديه الأجور
وصلاة الإله تترى على أحــمد ما بشر الصَّباح المنير

"ﷺ".

وقال أيضًا:

/ أ/ إذا أنا لم أخلص لرِّبي قصائدي... فمن يخلص قلبي له أبداً قصدا
أرى الغيَّ تعظيمي سواه ولا أرى... لغير ثنائي فيه نجحًا ولا رشدا
فصيَّرت تعظيمي وذلِّي بوجههوحمدي ومدحي عند مولاي لي عهدا
أرجِّيه في الدُّنيا معيني وناصريوفي الحشر أرجو أن يبوِّئني الخلدا
جعلت غرامي في مديح جلالهفلم أنعت لبينى ولا سعدى
وظلَّ فمي لمَّا تلوت ثناءهيضوع ولا دانيت مسكًا ولا ندَّا
وحار به فهمي فأرعد خاطريفكلَّ ولا يحصي لأوصافه عدَّا
وأذعن عجزاً عن دراك نعوتهوليس عليه غير أن يبلغ الجهدا
وكيف يجوز الوصف مجد معظَّم... ولا حدَّ من آلاوه جازت الحَّدا
وكان ولا كون تبارك مجدهقديما كريمًا ماجداً صمداً فردا
ولمَّا انتهى من وصف مدحيه خاطريوطرَّب في أوصافه وضع الخَّدا
رأى أنَّه لمَّا ارتضاه لمدحهحوى الطَّائر الميمون والطاَّئر السَّعدا
تعفَّر شكراً إذ حماه إلههفلم يلبس المخلوق مدحًا ولا مجدا
علام أما يكفى موارد جودهلمن يبتغي الإرفاد يجعلها وردا
[بلى وصلاة الله ما ذرَّ شارقعلى أحمد المختار أتعبها وخدا

"ﷺ"].

/ ب/ نصر الله بن محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشَّيباني، أبو الفتح بن أبي الكرم الوزير الكاتب المنشئ المعروف بابن الأثير.

هو وأخواه أبو السعادات المبارك، وأبو الحسن علي أبناء محمد الأثير، كلُّ منهم كان فاضلاً إمامًا في العلم كثير الجاه والحرمة. وكان أصلهم من باعيناثا من أعمال الجزيرة العمريّة.

وأبو الفتح استظهر القرآن العزيز، وشدا طرفًا من الأدب وعلم العربية وسمع الحديث النبوي على أخيه أبي السعادات. وأخذ معرفة الحساب على الإمام أبي العباس أحمد بن عبد الرحمن بن وهبان الأنصاري الجزري، وجالس الشيخ أبا الحرم مكيّ بن ريّان النحوي المقرئ الماكسي بالموصل، وقرأ عليه شيئًا. وحفظ من أشعار الجاهلية والعربية وأشعار المحدثين والأحاديث النبوية والأمثال والِّسير صدراً وافراً. وعانى فن الترسُّل وصرف همته إليه طول عمره فبرَّز فيه تبريز المفلقين حتى أعجز المتقدمين وسلك فيه طريقة لم يسلكها أحد قبله. وكان رب البلاغة وناظم شذورها، العارف بنوعيّ منظومها ومنثورها.

قد ألقى إليه البيان فاضل زمامه، وبلغ في الكتابة أقصى مرامه، وملك أعنَّتها.

وحازها، وعرق حقيقتها ومجازها. به ختم ديوان الإنشاء وإليه انتهت صناعة الترسل، فهو شيخ الكتّاب ورئيسهم، وإمام البلغاء ونفيسهم، وبقية الزمان في وقته، ونقّاد الشعر ومعرفة جيّده من رديئه، وصحيحه من سقيمه.

اشتهرت بين الناس فضائله وسارت في الآفاق رسائله، وصنّف مصنفات جميلةَ مفيدةً جيدةً في علمي المعاني والبيان، وأنشأ رسائل أودعها أبكار معانٍ مخترعة أفرد لهن منها كتابًا، وسيأتي ذكر مصنفاته في موضعها من الكتاب- إن شاء الله تعالى-.

وفارق الجزيرة مسقط رأسه في رجب سنة تسع وسبعين وخمسمائة، وقدم/ ب/ الموصل. وأقام بها في خدمة الأمير مجاهد الدين أبي منصور قايماز بن عبد الله الزيني- ﵁ وربما كان يكتب له الإنشاء.

ثم سافر إلى الشام في ربيع الأوّل سنة سبع وثمانين وخمسمائة، فوصله القاضي الفاضل أبو علي عبد الرحيم بن علي البيساني بخدمة السلطان الملك الناصر صلاح الدين أبي المظفر يوسف بن أيوب- رحمه الله تعالى- في جمادى الآخرة سنة سبع وثمانين- وأقام عنده إلى شوال من السنة.

ثم طلبه ولده الملك الأفضل نور الدين أبو الحسن علي فخيّره الملك الناصر بين المقام في خدمته وبين المضي إلى ولده، وقال له: إذا اتصلت بولدي فالذي قررناه لك باقٍ عليك. فاتصل بالملك الأفضل في شوال من السنة المذكورة، فتولَّى وزارته وكتابته، وعلّق به جميع أموره، فلما توفي الملك الناصر استقلّ بوزارة ممالكه جميعها، فجمع بين تدبيري السيف والقلم.

وكانت إليه الوزارة وكتابة الإنشاء أ/ فلم يزل معه على تصرفات أموره، إلى أن انتزع الملك العادل سيف الدين أبو بكر بن أيوب دمشق من الأفضل، فأخرج الملك العادل أبا الفتح منهما في صندوق مقفل عليه خوفًا من العامّة لئلا يهلكوه [لما] في نفوسهم من ظلمه وحماقته وما عاملهم به من قبيح الفعال، لأنه كان- لما تولّى عليهم- غير محمود الطريقة، ولا مرضي السيرة.

وأقام بسميساط فاستأذن الملك الأفضل في الانصراف إلى وطنه فأذن له فانفصل عنه في ذي القعدة سنة سبع وستمائة.

ثم سافر إلى حلب فلم يلتفت إليه صاحبها، فامتد إلى سنجار فمكث بها مدةً، ثم جاء إلى الموصل وإلى إربل وأقام بها قليلاً، وعاد منها إلى سنجار فاستقرّ قراره بها برهةً من الزمان.

ثم استدعاه بدر الدين أبو الفضائل لؤلؤ بن عبد الله- صاحب الموصل- سنة ثماني عشرة وستمائة ليكتب له الإنشاء في ديوانه، فقدمها ونزل بالرباط المنسوب إليهم الذي أحدثه/ ب/ أخوه أبو السعادات، ورتّب له جاريًا ورزقًا. وصار رأس الكتاب ومنشئ الدولة. وأنفذه عدّة مرات رسولاً إلى الديوان العزيز، فكان يكرم ويبجّل وينظر بعين الاحترام.

وكان مدَّة مقامه بالموصل مشتغلاً بالتصنيف، وجماعة من الناس يختلفون إليه ويقتبسون من فوائده، إلاَّ أنَّه كان كثير الحماقة متناقض الأحوال، متهوراً في أموره، سفيه اللسان جبّاهًا لمن يخاطبه ولو كان ملكًا أو سلطانًا، ممقوتًا إلى الناس، شرس الأخلاق، سريع الغضب، متكبراً في نفسه، ذا عجبٍ عظيم، وصلف زائد يتجاوز فيهما الحدّ، قليل المبالاة بالخلق لا يرى في العالم إلاَّ نفسه، فيبخس الناس حقوقهم، ويحطُّهم من أقدارهم، ويرمقهم بعين الإهمال. ومما يستدلُّ على رقاعته وتهوره أن َّ القاضي الفاضل هو الذي رفعه وقدّمه في الدولة الناصرية الصلاحية.

وكان يبلغ عصره فضلاً وفهمًا وترسلاً، وأوحد زمانه جاهًا وعلمًا ودينًا، وبه يضرب المثل أ/ في الكتابة وصنعة الإنشاء، يحطُّه عن منزلته وينقصه من مرتبته فكان إذا أجرى ذكره في بعض مصنفاته، يقول: حدثني عبد الرحيم بن علي البيساني، وقال عبد الرحيم لم يزد شيئًا. فانظر إلى هذا الجهل والحمق من هذا الرجل فما كان يستحق منه أن يوفيه حقّه من العلم والحرمة أن يكنّيه فضلاً عن أن يذكره بلقبه، وأيضًا من حيث أنه كان السبب في تقديمه وإيصاله.

وكان على ما أعطي من الإقتدار في الترسل والبراعة لم يكن صاحب بديهة وارتجال في الإنشاء والكتابة. وكان بطيء القريحة، جامد الخاطر، بل إنّه كان جيد الرويّة، صحيح الفكرة.

وإذا رام إنشاء كتاب يتهيأ له، ويشرع في عمله، ثمَّ يغلق حينئذ عليه باب داره،

ولم يمكّن أحداً من الوصول إليه، ويتخلّى بنفسه، ويديم الفكر ويكتب ثم يخرق ما يكتبه ويعاود النظر فيه زمانًا طويلاً، فإذا تمَّ له الغرض من المعنى المطلوب اعتبره ب/ أيضًا، وأنفذه فيكون ارتفاع الكتاب في مدَّة يوم وليلة أو أكثر، فيأتي كأحسن شيء يوضع ويضع.

شاهدته مراراً لا أحصيها كثرةً، وحضرت مجلسه أيام كان أخوه أبو الحسن حيًا.

وكان شيخًا طويلاً، بهي المنظر، حسن الهيأة واللباس، نقي الشيبة، نظيف الثياب، عليه أبهة ذوي الرئاسة والجلالة.

وكنت أعاين من زعارة أخلاقه ونزاقته، وضيق عطنه ما يبغض به نفسه إلى كل من يسمع به، فكيف من يراه ويحادثه! وربما كنت أساله عن معنى بيت شعر أو تاريخ وفاة بعض الفضلاء فيجيبني من غير انزعاج ولا غضب بأحسن جواب. وكان في بعض الأوقات يستدعي مني الكلام، ويسألني عن الأمر الذي سمت نفسي إلى عمله وألزمتها به، فأذكر له ذلك فيستحسنه ويقول لي: ما قصرت، فأدعو له.

استجزته فأجزني جميع مصنفاته ورواياته وما يدخل تحت الإجازة، وكتب ذلك لي بخط يده في صدر أ/ إجازتي. وسألته عن ولادته، فقال: ولدت يوم الخميس العشرين من شعبان سنة ثمان وخمسين وخمسمائة بالجزيرة العمريّة وخبرت أنَّه انحدر إلى مدينة السلام في رسالة عن صاحب الموصل بدر الدين لؤلؤ بن عبد الله، فتوفي بها يوم الإثنين سلخ ربيع الآخر سنة سبع وثلاثين وستمائة. ودفن بالجانب الغربي بمشهد الإمام موسى بن جعفر- ﵇ رحمه الله تعالى.

ومن تصانيفه كتاب "الوشي المرقوم في حلّ المنظوم"، وكتاب "الرسالة المخترعة في المعاني المبتدعة" وكتاب "التوصُّل إلى علم الترسُّل" وكتاب "المثل السائر فيما يحتاج إليه الكاتب والشاعر"، وكتاب "الاستدراك" وهو مما استدركه على الشيخ أبي محمد سعيد بن المبارك بن الدهان النحوي في رسالته التي ترجمها: ب" الرسالة السعدية في المآخذ الكنديّة من المعاني الطائية"، ب/ وكتاب ديوان رسائله في نحو عشر مجلدات، وغير ذلك من المصنَّفات.

وكان قصير النفس في عمل الشعر لا طائل له في نظمه يعمل منه البيت والبيتين أو الثلاثة/ لم تكن بتلك القوة، ولا من رائق الشعر وجيّده.

ومما اشتهر من شعره، قوله وقد فارق الموصل متوجهًا إلى الشام، وانفصل عن خدمة الأمير مجاهد الدين قايماز بن عبد الله الزيني، وذلك في سنة سبع وثمانين وخمسمائة في ربيعها الأوّل عند حصار الجزيرة أتابك مسعود بن مودود بن زنكي بن آقسنقر، وأنفذها فقرئت على الأمير مجاهد الدين- رحمه الله تعالى- قالها في اقتضاء الحال:.

يا راكبًا يقطع الفلاة ولايلفته عن مراده سأم
عج بمحلِّ الندى ومن عمَّت الآفاق من جود كفِّه ديم
إن ذكرت في الدّثجى مناقبه الــغر أنارت من وصفها الظلم
مجاهد الدِّين من به أنحسرتعن البرايا الآفات والنِّقم
/ أ/ وقل له أين خدمتي لك يا مولايأين الحقوق والذِّمم
أين الَّذي شاع عنك منحفظك الودَّ [و] العهود والعصم
أين المواعيد بالعطاء وبالإحسان أين السماح والكرم
تلك أحاديث الليل ذابت مع الشَّــمس وذاك الميثاق منفصم
نسيت ما كان في الرِّباط من الأيمان أم غال عهدها القدم
شاطرتني الملك بالوعود وإذأنت ولا صاحب ولا حشم
فحيث عادت دنياك عدت عن الــوعد وما هكذا جرى القسم

ومما ضمنه كتابه الملقَّب بالمثل السائر، قوله:

ثلاثة تنفي التَّرحكأس وكوب وقدح
ما ذبح الزِّق بهاإلاَّ وللهمِّ ذبح

وهذا أنموذج من رسائله ما كتبه إلى الأصدقاء جوابًا وابتداءّ من مصر والشام ب/ وغيرهما من البلاد بعد سفره من الموصل، فمن ذلك كتاب كتبه عن بعض.

أصدقائه جوابًا عن كتابه وهو:

"وصل كتاب فلانٍ، جعل الله أقلامه للبيان طليعة، وللبنان وشيعة، وللإحسان شريعة. ولا زالت تروض نبيض حكمها صفحة القرطاس، وتدير بها على الخواطر ما تديره الحميّا في الكأس، وتخرج منها شرابًا مختلفًا ألونه فيه شفاء للناس، فتأنق لي حتى حسبته روضةً فمددت يدي لاقتطاف زهرها، وارتشاف ثمرها، وأعطيت النفس ما شاءت من حظ سمعها وبصرها. ثم إنّي عدت على نفسي منبهًا، ورجعت في التشبيه الذي كنت مشبِّهًا، وقلت: أين حوك الدِّيم من حوك القلم؟ وأين زهر الروض الذي يمضي أوانه وتحول ألوانه، من زهر اللفظ الذي تبقي أفوافه، ويترفع عن منال أ/ الأيدي قطافه:

تنسى الرِّياض وما يروِّض فكرهأبداً على مرّ اللَّيالي يذكر

ولمًّا وقفت عليه، أهدى إلي أرج طيبٍ، وجلا عليَّ وجه حبيب، وزارني على أنس مزاره في حسنٍ غريب، فقلت: أهلاً بمن عمر مجلسي من زور هنائه، وألبسني ثوبًا من سناه وسنائه. ثم حيّيته تحية التعظيم، وصافحته مصافحة التسليم، وجلست منه مجلس التعلم، وأجلسته مجلس التعليم:

لا يستقى من جفير الكتب رونقه[كلاَّ ولم تستقي من بحره الكتب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «قد نابت الجزع من أروية النوب»

ومما جدته منه أنَّه ألقى بين جوارحيّ جسداً، وخصًّ منها عينًا وقلبًا ويداً، فلليد منه على العين بفضّ ختمه، وللعين منه على القلب بنقل مسطوره إلى فهمه.

ولقد أقدم مرسله عليَّ بمقدمه، واراني وجهه الكريم في مرآة قلمه، وفي نجوى الكتب على بعد الدار، تمثيل لروية الأبصار،

فليشف بها/ ب/ غلَّتي، وليستدم بها خلَّتي، وليعلم أنَّ في انقطاعها واتصالها فراقًا من غير فراق، ولقاءّ من غير تلاق:

وكم من فراقٍ واجتماع على النَّوىيرجِّيهما هجر الكتاب ووصله

وانا أرجو دوام الاجتماع بكتابه، إلى أن يقدر الله الاجتماع بإيابه- إن شاء الله تعالى-".

ومن ذلك كتاب كتبه عن نفسه إلى بعض أصدقائه جوابًا عن كتابه/

"تألّق برق من جانب المجلس السامي/ حاطه الله بروحه وأمينه، وحباه بسعادتي دنياه ودينه، وأتاه بما يقترحه من المطلب قبل حينه، وجعل خليقة المكارم من خلقه وطينتها من طينه. فرفعت طرفي إلى لوامع أنواره، وبسطت يدي إلى مواقع أقطاره، وقلت: هذا بشير الرحمة، ورائد النعمة، وهو برق ترجى عقائقه، ولا تخشى صواعقه.

ومن صفاته انه يضيء على صفحات أ/ الأفهام، ويتوضَّح من ألسنة الأقلام، ويبشِّر بقوت الأرواح قوت الأجسام. وذلك هو الكتاب الكريم الذي يأتي بخصب الآمال كما أتى أخوه بخصب الأمحال. غير أنَّ هذا يشام بعيون القلوب، ويجود ما حلّت من عقدة مزنه يد الجنوب.

ولما تأمّلته أخذت بسنة الخبر، في الصلاة عند نزل المطر. وليست الصلاة إلاَّ الدعاء لمن أرسله، وبسط سحابه واسبه. ثم تناولته فكنت أول من حمل غمامًا بيده، وآواه إلى مورده وعلى ربّه منه، فإنّه لا يزال له شائماً، وإليه حائمًا. فلينعم المجلس بتصريف مخايله، وليسق به الخواطر فإنها من خمائله ورأيه اسمى- إن شاء الله تعالى-".

ومن كتاب كتبه عن نفسه إلى بعض أصدقائه جوابًا عن كتابه:

/ ب/ "تضوعَّعتْ نفحهٌ من تلقاء المجلس السامي؛ رعى الله عهده وسقاه, وصان ودّه ووفاه, ويسّر لي إلقاء العصا بلقاه. فعطرت الطريق التي سايرتها, والريح التي جاورتها, وأتت فأفرشتها خدّي, وضممتُ عليه ودّي, وجعلتها ردعٌا لجنبي, وَلَطْيمَة ً لدرني, وسخاًبا لعقدي.

وعملت أنها ليست بنفحة طيب, ولَكنها كتاب حبَيب, فإنَ مناشق الأرواح غير مناشق الأجسام, ولا يستوي عَرْفُ الطِّيبِ وَعَرْف الأقلام.

ثم مددت يدي إلى الكتاب, وبعد أنْ صافحت يد موصله كما صافحت عبقة مندَله, وقلتُ. أهلاَ بمن أدنى من الحبيب مزاراً, وأهدى لعيني قرّةً ولقلبي قرارا, ولو أنصفت لقلت. أهلاً بمن سرى في الأسرار, وجرى من الأبصار مجرى الأنوار, وجمع لي برويته بين الأوطان والأوطار. ومع هذا القول فإني لم اُؤد حقّ الترحيب بمن أسعف بالطِّلاب, وطلع على الآمال المًمحلة طلوع السحاب.

وإذا كان هذا الحامل الكتاب, فما ظنُّك بالكتاب؟ ! ولمَّا وقفت عليه, أحدث لي نشوة أ/ طرب, ونشوة أرب. فغنَّتني هذه بترجيع مثانيها وأعنتني هذه بمعسول أمانيها؛ وعند أخذت في خلع العذار, وسكرت من غير معاقرة. وإنَّ من البيان لخمراً يسكر من غير تحَريم, وليست بذات لغو ولا تأثيم؛ فهي من سُلاف الألباب, لا سلاف الأعناب, ومن بنات الخواطر, لا بنات الدساكر. ولا يجلبها من معدنها, ويرخصها على غلاء ثمنها إلاَّ البيان الفلاني الذي يستخرجها ويخرجًها, ويصرفها ويمزجها.

وإنّي لأجدُ لخمرة ألفاظه طعاماً زائداً على الطعم, وليس ذلك لطيب العصر ولا عتق الكرم:

شَيٌ به يَسبي العَقَولَ سوى الذييُدعى الجَمَال وَلَستُ أدري مَا هُو؟

وقد أعدت الجواب ولم أستعر له نظماً ملفَّقًا, ولا جلبت إليه حُسنًا منمقًا. بل أخرجته على رسله, وغنيت بصقال حُسنه عن صقله, فجاء كما تراه غير ممشوط ولا مخطوط؛ فهو يرفل في أثواب بذلته, وقد حوى الجمال بجملته. والحسن ما وَشَّته يدُ التصوير, ولا ما حشته يد التزوير.

وقد منح الله لساني من ذلك ما حسده عليه ب/ الروض الموشّح, والسِّمط المرصّع والقمر وهو ابن عشر وأربع. فَخُذ ما أدّته إليك حقيقة النظر, ودع ما نقلته أحاديث الخبر, ووازن بين حسن البداوة والحضر واعلم أنَّ هذا السيل من غير ذلك المطر؛ فما كُلّ من قال بماش ٍ في أثري, ولا رام عن وتري, ولا آخذ في وصدري, فإن النبوة غير الكعانة, ولا يستوي الحق والباطل في المكانة:

وَلَيْسَ كُلُّ ذَوَات المخْلَبِ السَّبُعُ

ولا أستثني من هذا القول أحداً سوى المجلس, فإنه في الفضل شقيقي, كما أنه في الودِّ صديقي؛ فنحن رضيعا بيان, وإن لم نكن رضيعي لبان, وتوأما وداد, وإم لم نكن توأمي ميلاد فكلانا يقتدح من زناد صاحبه, ويأخذ من مذاهبه وحسبي فضلاً أن أحذو على مثاله ولو وقرت قلمي وقاره, وأسلبت على كلمي أستاره, لأكبرت أن ألقاه بهذا القول, وعلمت أنه أوتي علي بسطةّ في الطول لكني أردت أن أستعير من فضله ما أتجمل به في محضري, وأموّه به يوم مفخري؛ والا ّفالسماء نائية على المتطاول, وأين الثريا من/ أ/ يد المتناول.

فلصفح عماقلتُهً, وليسمح بما ترشحت له وما نلته, ورأيه أسم إن شاء الله تعالى ".

ومن كتاب كتبه عن نفسه إلى بعض الأصدقاء ابتداءً:من الكامل
وَأقَمتَ في قَلبي وَشَخصُكَ سَاَئرلا تَبعُدَن من ظاعنٍ وَمُقٍيمِ

أصدتُ هذا الكتاب إلى مجلس فلان الدين, أعلاه الله وأسماه, وصان من عيِر الليالي والأيام حماه, وأبعد في اكتساب العلياء مرماه, ولا جعله في الَعمل لآخرته ممن يستوي يوماه؛ عن قلب مأنوس بلقائه, وطرف مستوحش لفراقه. فهذا مروّع بإظلامه, وذاك ممتّع بإشراقه غير أن لقاء القلوب لقاء غيب تمثله خواطَر الأفكار, وتتناجى به من وراء الأستار وذلك أخو الطيف الملم في المنام, والذي يموّه بلقاء الأرواح على لقاء الأجسام. وما تمثله بنقع حرّ الأشواق ب/ الظماء, ولكنَّه تعلّهَ المتيمِّم بالصعيد عن عدم الماء, ولئن أقمت بعده في دار زطن, وفي أهل وسكن؛ فليس الانس بكثرة الناس, بل ببهجة الإيناس, وإذا لم تكن سكّان القلوب سكان الديار, فلا فرق بينهما وإن كانت آهلة وبين القفار:

وما حاجِر

إلاَّ بلَيلَي وَاهلهَاإذا لَم تَكُن لَيلَى فَلاَ كَانَ حَاجِرُ

فمن جفَّت على النوى شُؤُنُهُ, والتقت على البين جفونه, فإنَّ عهده ذميم, وودّه سقسم. وأرى المنزل وهي جماد أرعى منه ذماما, وأخلق بالمحافظة ليالي وأياما. ألا ترى أنهَّا لا ترضى في غرامها إلآ سقامها ولا تقنع في وفائها إلآ بعفة ....؛ فتباً لشوقي إن رقت عنه قساوة الأحجار وزادت بإثرها على ما عنده من الآثار.

وإني لأخجل من هذا القول, وقد وجدتُ على مصطبراً, ولم يذهب إلى الفراق سمعاً ولا بصراً, ولكن يقوم عُذري في ذلك بأمل اللقاء, الذي يمدّ غرس الحياة بالأسقاء, ولا يمسك ذماء النفس كالأماني ومواهبها, والآمال ومطالبها.

وأنا أرجم أ/ أ، يتاح لأيّام الاجتماع يوم معادها, وتردّ أروحها إلى أجسادها, لأخاصم أيام الفراق إلى رّبها, وآخذ منها

بذنبها، وأجزي سيئات الأشواق، بأعمالها وأعطيها كتابها بشمالها:

وما أنا من أن يجمع الله بينناكأحسن ما كنَّا عليه بايس

وقد علم أنَّه ليس للشوق زاد في ايام البعاد، إلاّ ما تهديه إليه اليد عن الفؤاد، وذلك هو الكتب التي في نجواها لقاء لمن شطَّت محلَّته، وفي قطرات أقلامها ريُّ لمن اضطرمت غلَّته، فليجمع شملي بشملنا إلى أن يقدّر الله جمع الشمل بأهلها، وليعلم أنها هدية تحل محل مرسلها، وتطوق الأعناق بمنّة موصلها. والله لا يخلي من خبره إلاّ بنظره، ولا من كتبه إلاّ بقربه، إن شاء الله تعالى ... والسلام".

ومن ذلك كتاب كتبه إلى بعض الإخوان جوابًا:

/ ب/ "وصل كتاب حضرة سيدنا، لا زالت أقلامه متنقلة من منبت أجم، إلى منبت حكم، ومن استسقاء قطر، إلى استسقاء بحر، ومن مجاورة ليث غاب، إلى مجاورة ليث خطاب. فأطرب إذا غرّب، وأزهر إذا أسفر، فعلمت أنَّ من البلاغة ألحانًا، ومن الكلام ورداً وريحانا.

ولقد غدوت من حسنه البديع في فصل ربيع، فكلما شاقتني سطوره قلت روض سنح، وكلما غنتني الفاظه قلت حمام صدح، وكلما سقتني معانيه قلت غدير طفح. فما أدري ما أصف، ولا عندما أقف، غير أنّي وجدته قد حوى أسرار البيان جزالة ولطفًا، وعرّف منها ما لم يألف البلغاء له عرفًا وأنسى ما تقدّم من أساليبها فعصف بها عصفًا، ﴿ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا﴾.

وما أقول إلاّ أنه الآية الموسويّة التي أتت تقلب الأعيان، وتنقل العصا إلى صورة الثعبان، فلمثله تسجد سحرة الكلام، وتؤمن باية.

قلمه التي تلقفت آيات الأقلام. وها أنا قد/ أ/ سجدت له، وإن لم أكن ساحراً بقلمي، لكنّي زدت به غرامًا، فسجدت له إعظامًا، وقد يسجد لحكمة البيان كما يسجد لحكم القرآن، ومما أعتده لنفسي فخاراً، واتخذه لفضلي مناراً، أنُّي إذا فاتتني مضاهاة مكانها فلم يفتني العلم بمزيّة إحسانها، والعلم بالفضيلة فضيلة، ومن لم ينل زهر الخميلة كفاه نظر الخميلة.

وقد أصدرت كتابي هذا جوابًا عن إصدار كتابه، لا جوابًا عن فصل خطابه، فإنَّ موازنة المداد بالمداد أيسر من موازنة الفؤاد بالفؤاد. وليس من أعمل يداً كمن أعمل فكراً، ومعادن القلوب كمعادن الأرض، تخرج تبراً وصفراً. فليرض مني بما عندي، ولا يكلفني فوق وجدي، فما كلّ هاتفة ورقاء، ولا كل ناظرة زرقاء:

وإنَّما يبلغ الإنسان غايتهما كلُّ ماشية بالرَّحل شملال

ومن ألقى سلاحه فقد استسلم، ونصف العلم قول لا أعلم.

إن شاء سيدنا أن يجعل لساني خطيبًا، وخاطري قليبًا، فليتحفني ب/ بفضله كأسه، ولمّدني بشيء من أفواف قلمه وقرطاسه ..

والسم إن شاء الله تعالى".

كتاب كتبه إلى الملك المحسن يمين الدين أبي العباس أحمد بن يوسف بن أيوب يهنئه بالحج، وأرسله إليه عند عوده إلى دمشق. وهذا الكتاب جواب عن كتاب ورد منه:

"ورد الكتاب الكريم عن مجلس مولا [نا] الملك المحسن، قرنه الله بأصحاب اليمين، ورفعه إلى المقام الأمين، وجعله ممن صدق يقينه، وثقلت موازينه. وعلت يده وكلمته ودينه. ولا زال مستمسكًا في إخلاص عمله بالسبب الأقوى، آخذاً بأدب الذين آمنوا وتناجوا بالبرّ والتقوى.

فتأرَّجت أنفاس نجد من عنوانه، وجاءت بخزاماه حوذانه وحرَّكت/ أ/ إلى تلك الأرض كلَّ عزم فاتر، وأذكرت

بالأذان الذى يأتونه رجالاً وعلى كلّ ضامر، فتناوله المملوك بعد أن بدأ بالتطهير، واتخذ يوميه عيداً فأعلن فيه بالتكبير. ثم فضَه فوجد آثار مرسله؛ فهذه يستمدّ منها بركة المطاف والأركان، وهذه يستمدَ منها بركة المطاف والأركان، وهذه يستمدّ منها سجىة الفضل والإحسان. وكلاهما مأمول من مثل مولانا الذى أفاض ألطاف عباداتة كما أفاد ألطاف إفاداته.

ولقد فخر هذا العام بحجَّه على ما قبله، وازدان بفضله حتى حسدت الأعوام فضله، فلو كان ذا نطق لنشر أفواف كلمه، وخطب بالثناء على مولانا ومقدمه، وعَّرف أهل الموقف أنهَّم غفر لهم ببركات قدمه.

وما يقول المملوك أنَّه أدرك بالحج فضلة لم يدركها سوى أنَّه سلك طريقاً لم يسلكها، ولكنه أدّى فرضاً وزاد بنوافل بِّره فأوجب فرضاً فكلَّ أيامه أيام حجَّ فى طهارة يده ولسانه وقلبه، وتعظيم حرمات الله التى ب/ هى خير له عند ربّه

ومذ سار مولانا عن دمشق اضحت عاريه اللباس خالية من الناس، واجده من الوحشه بقدر ما وجده الحرم من الإيناس. واما الآن فقد راجعتها بشاشتها، وردت إليها حشاشتها. فلها الهناء بالمولى الذى تتنزل من بلدها منزلة الروح من جسدها, ويحلّ من قطافها محل الرءووس من أبدانها:

إنَّما النَّاس حيث أنت وما الَّناس بناس فى موضع منك خالى
للشاعر المتنبي، من قصيدة «صلة الهجر لي وهجر الوصال»

وأما المملوك فأنَّ المولى جمع عليه فراقين, وأثار له اشتياقين؛ فأحدهما بعده عما يتوقعه من خبره، وما جعل الله له من قلبين فيحمل من الفراق والأشواق لوعة خطبين. ولما ورد عليه الكتاب الكريم أعاد عهد أنسه، وأمسك بقية نفسه, ومحا بحسنى يومه إساءه أمسه؛ فما يدرى

أصحيفه مسطورة أم رحمة منشورة، لكنه تحقق منها معنى

النشأة وارتجاعها، بما أعادته من الحياة الذاهبة بانقطاعها.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (٢٠٠٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف الميم

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.