من «قلائد الجمان في فرائد شعراء هذا الزمان» لابن الشعار الموصلي (ت ٦٥٤هـ)
ذكر مفاريد الأسماء في هذا الحرف (٧)
ناصح بن سعد بن ظفر، ابو الشرف الكاتب المنشئ الأديب الكاواني.
وكاوان قرية من قرى جرباذقان.
كان يكتب الإنشاء لطغرل السلجقي - صاحب عراق العجم وبلاد أذربيجان وغيرها- وكان الغاية في علم الآداب وفنونها، حائزا فضيلتي المنظوم والمنثور بالعربية والفارسية، علامة زمانه، وواحد وقته في الفضائل، بلاغة وتقدما وتبريزا وفهما، وديوان أشعاره ورسائله موجودان صارا إلي، وعلقت منهما ما هو غرض كتابي هذا من النظم والنثر.
أنشدني القاضي شمي الدين أبو حامد محمد بن احمد بن ابي بكر الفقيه الشافعي الجربذقاني بالموصل بالمدرسة البدرية المطّلة على دجلة من لفظه وحفظه، قال: انشدني أبو الشرف ناصع بن سعد بن ب/ظفر الكاتب المنشئ الأديب الكاواني لنفسه:
قل للعذيب إذا رأيت الضّالايهنز من مر النسيم شمالا
رواك من ماء الغمام سلافهوسقاك نوء المرزمين سجالا
ومنها في المديح ووصف المعسكر:
جن على جنّ إذا ارتهج الوغىنحو العدو يبارز الأبطالا
شوس إذا ركبوا ليوم كريهةتركوا ديار عدوهم اطلالا
وأنشدني أيضا، أنشدني أبو الشرف الكاواني قوله من قصيدة مبدأها:
جيوش الحب تعزوني سراباوتجعل مهجتي بعض السبايا
وغابت يوم بانوا شمس عيشيوقدما كان طلعتها منايا
رمتنا من لواحظها بسهمفصار ظهورنا مثل الحنايا
سرى بحمولها ركب هواهميمانيّ فراقهم هوايا
ألا يا حادي الأظغان مهلابهن هنيهة وقف المطايا
/ أ/ لعلي أشتفي منها بلحظيسوغ ما شرقت به شجايا
فتلك ضعائن رحلت ولكنهوى قلبي حملن على الحوايا
تفرّقنا وقلبي في انصداعلدى الجرعاء ما بين الشظايا
أشارت للوداع بكسر جفنله وقع المناصل في حشايا
وهزّت للتثني رمح قدّقلوب العاشقين له درايا
ومدّت والرقيب على تناءيدا عضّت بأطراف الثنايا
دهشت تحيرا ودعوت سرّاألا يا ربّنا احفظها الايا
وأنشدني أيضا، قال: أنشدني أبو االشرف لنفسه:
هب النسيم الصّبايفتق نور الرّبى
يا صاحبي أشرباكأسا تعيد الصّبا
بعد دواعي الهرم
غرّد فوق الأراكحمامة الأيك هاك
من يد ساق سقاكراحا تريك السماك
تحت مواكي القدم
نمنم نوء السحابفوق متون الهضاب
/ ب/ وشيا كلون الثيابوكان صحن التّراب
تذكرة من إرم
الغيم مما سرىيمنح وجه الثرى
سيلا حكى إن جرىكفّ إمام الورى
فصدر صدور العجم
مهذّب الدين منقلّد اهل الزّمن
بالجود طوق المننهنّئت يا ابن الحسن
إنّك مولى الأمم
قد شاع في العالمأن أبا القاسم
أربى على حاتمبالكرم الدّائم
لا زال طود الكرم
وقال وهو ما نقلته من ديوان شعره:
أيا فرختي عشّي ونوري كريمتيويا مقلتي عيني ويا فلذتي كبدي
لقد زدتما يوم الفراق كآبتيواجريتما دمعي على سحنتي خدّي
وأرثتما في القلب نار صبابةيضيق بها صدري ويعلوا بها وجدي
"فياليت شعري هل أبيتّن ليلة"وبينكما بيتي ومغناكما عندي
وهل ينظرّني الدّهر حتى أراكماوأصبح من بعد الدّيار على بعد
/ أ/ وقال ايضا:
يا ربّة الخدر إن تنسون صباحكمفنحن والله ر ننساكم أبدا
ولو رأيتم غداة الجزع إذا رقّلتبنا المطيّى إلى ناديكم بددا
حيث التقينا إلى بطحائكم عرضاولم نجد ثمّ من أحبابنا أحدا
فيالها عبرات أذرفت صبباويالها زفرات أرسلت صعدا
وقال أيضا:
يا جيرتي بالعذيب العذب موردهملا أوحش الله منكم آخر الأبد
إذا تنسّمت من أرواحكم أحدافقد سفكت دمي في هجركم بيدي
لا جدّد الله في الأيام يوم غدإن لم أسرّ بلقياكم غداة غد
وقوله:
أقول لورقائين في جنح ليلةتنو حان فوق البان تصطحبان
خذ بنصيب العيش ما دمتما معاولا تأمنا من أعين الحدثان
فغنّ مسرات القلوب على الفتىقواض وساعات السرور فواني
وقال أيضا:
/ ب/ نسيم الصّبا إن جئت ارض أحبتيبسقط اللّوى حشيت طرق المهالك
بحيث قلوب العاشقين تزاحمتفضاق على الغادين نهج المسالك
فقل لفتاة التّيم إنّ فتاكميقول: وحقّ الودّ يا ابنة مالك
على شاطئ الوادي بمنعرج اللّوىتركت فؤادي فاطلبيه هنالك
وقال أيضا:
من ذا الذي بك مشغوف من الناسنجا ورأسك من عينيك بالرّاس
ومن تجرع كأسا في هواك فلميغتصّ بعد التذاذ الكأس بالكاس
ومن شفته أحاديث المنى عللالم ينصرف من كلا خدّيك بالياس
جالت لحاظك يون البين في جلدييد الصّبا طال في ذكراك وسواسي
أهدي النّعامى وكان البين يوحشنيريّاك لي فأعادت بعض إيناسي
أغيض من زفرات كلما نسمتحذار أن يتأذّى حر أنفاسي
وقال أيضا:
كثرت همومي في الهوى وتمادتورضيت كفّي في الفراق وسادتي
/ أ/ واشتد بي برح السّقام فما عليه لو أتى متجشّما لعيادتي
أعطيته لين المقاد ولم أكنأعطي [له] لولاه لين مقادتي
هجروا لم اجرع كؤوس فراقهملو كان يسعف في الزمان إرادتي
يا سادتي كم تهجرون متيّماقاد الغرام بنفسه فانقادت
وقال أيضا:
إنّ أحبابي يوم افترقوابالحمى لم يعرفوا وجه الصّواب
أصبح العمر قصيرا بهمضيّعوه بين عتب وعتاب
وقال أيضا:
وبمنهجي من جاءني متعتّبايشكو النّوى مغرورق الأجفان
والدّمع في خديه ينظم عقدهكالطل فوق شقائق النعمان
وله أيضا:
إني لمهد على أيدي الصّبا سحرامن التحايا كأنفاس الرّياحين
وكامن طول ليلي في مراصدهالعلها بنسيم منك تشفيني
/ ب/ وقال في مهذب الدين أبي القاسم بن الحسن وقد ىب من غيبته
أهلا بهذا القمر القادمومرحبا بالمطر السّاجم
قرت عيون الناس من مقدم الصدر الكبير العادل العالم
مولى الموالي السيد المرتجيمهذّب الدين أبي القاسم
من يده عند احتباس الندىتختلف صوب المطر الدّائم
وبأسه عند احتدام الوغىيهشم أنف الأسد الهاشم
ووجهه عند ارتكام الدجىيكفي ارتطام الكوكب الناجم
ووجوده ظلّ بلا منّنة يسعى إلى القاعدة والقائم
وعدله بين الورى حارسوكّل باليقظان والنّائم
لو لم يلاحظني إقبالهكنت صريع الزّمن العارم
أكرم قدري حين صادفتهتكرمة المخدوم للخادم
وهزّ عطف الفضل لما رأىلفظي يجري درر الناظم
/ أ/ جرباذقان اليوم مذ حلّهاأبلج مثل الذّكر الصّارم
طار عقاب العدل في جوّهيفقأ عين الحدأ الظالم
يا سيدا في بحر إحسانهماء يروّي كبد الهائم
يقذف للوافد درا ولايخشى عليه خطر العائم
ليس اعتصامي بك إلا [لما]أعلم ما غيرك من عاصم
صاحبك الإقبال ما صيحةتسمع للصادح والباغم
وقال في غلام معذر:
كتب الجمال على صحيفة خدّهخطا فلقّبه الوشاة عذرا
خط يروق المقلتين كأنّهخطّ أبن مقلتة يونق الأبصارا
وقوله في وصف الخمر:
إذا ما مزجت بماء الغماممداما مفرّقة للهموم
/ ب/ فسقها إليّ فليست حراماعلى بن الكرام بنات الكروم
وقال أيضا:
قد طال سقمي وملّ عوّاديواكثر القول في حسّادي
فقائل قد خبت بوائرهوقائل لهف زينة النادي
وكلّهم عارف بمرتبتيبينهم في رؤوس أشهاد
لا بأس أقضي حقوقهم كملاإن كان في الأرض باقيا زادي
وقوله أيضا:
سقى أطلاا عزّة باكراتمن النواء تضحك ثم تبكي
فثمّ رواجح الأكفال رودخلعت لأجلهنّ ثياب نسكي
إذا نشرت ذوائبهن غابتإياه الشمس تحت ختام مسك
وقال وقد جاءه كتاب: [من الوافر [
نشرت كتابكم فوجدت نشرايجدد ريحه للروح نشرا
ولمّا أن فضفضت له ختاماتضوّع يملأ الآفاق عطرا
/ أ/ وحاك بنان شمس الدين فيهرياضا أطلعت زهرا وزهرا
وأدرك ضمنها لفظا ومعنىلآلئ فصلت نظما ونثرا
فأولينا بها بشرى وبشراووفّينا لها حمدا وشكرا
وقال في غلام معذر:
قالوا: بدا في خدّه خضرةقلت ضياء النجم في غاسق
الآن اختص به إذ غدايقصر عنه نظر الفاسق
وقال:
وقالوا: هجرت الشّعر قلت لأنّنيإذا قلت مدحا كنت في القول كاذبا
ويقبّح بي بعد المشيب تذكّريذوائب أسراب المها والترائبا
وليس بذي هجر ينال لسانهمن الناس أو يحصى لعرض معائبا
فأولى بحالي أن يقال: شويعرهذي ما هذي دهر فاصبح تائبا
وقال:
أأقبل ضيما بعدما طاب في الورىبزهرة آدابي رياض المشاهد
/ ب/ إذا لا رأت عيني وجوه ماربيولا سمعت أذني غناء المحامد
وقال:
لا تحسبوا هجر المساكن غربةولا محنة أن يشتكي الرجل الفقرا
فإن افتقاد المرء أقرن عصرههي الغربة العظمى هي المحنة الكبرى
وقوله يمدح:
يا حاتم العصر في سماحتهلو كنت تدري مواضع النعم
إنك فيما تنيل في نعيملأحول الجود أعور الكرم
وقال:
أحبّ الأبطحيّ وصاحبيهوحافده ويعجبني عليّ
ولكني بحب الآل مغريكما يغري بمولاه الوليّ
فإن يك ناصبيّ رافضيافإنيّ الناصبيّ الرافضيّ
وقال:
يمنني أحرمت شلّت يمينيفقد ... ترجمة اليميني
قمين أن ألام على عذاريزففت بها غير القمين
/ أ/ فوا أسفي على زهر اللآلئووا أسفي على الدرّ الثّمين
وقال:
قل للكرام وقيتم صرف دهركمفالدّهر يمثل في الدنيا بأمثلها
وكان يجعل عاليها كسافلهافصار يجعل اعلاها كأسفلها
وقال:
ربّ ورقاء على الأيك تغنّيسحرت غنّتها قلبا معنّى
طارحتني بعد هدء شجونهاكحزين وهي لا تضمر حزنا
ما بكاها كبكائي إننّيخضل الجفن ولا تخضل جفنا
كلما حنّت على أيكتهاحنّة جاوبها أورق حنّا
لا عفا الرحمان عنها ما جنتإنها هاجت فؤادا مطمئنا
إن للعاشق قلبا مستهاماكلّما أقلقه الوجد أزنّا
وقال:
استودع الله ذاك العارض الهطلاواكتفى كل مكروه به نزلا
فقد بلوت به الدنيا بأجمعهموأوفاهم ذمة ازكاهم عملا
ما زاره زائر إلاّ وأوسعهجودا ولم يبق من آماله أملا
لما نزلت ذراه الرّحب اكرمنيفزاده الله إكراما بما فعلا
وهذه نبذ من كلامه المنثور، نقلتها من ديوان رسائله، فمن ذلك ما كتبه إلى قاضي القضاة ركن الدين صاعد:
جنابك للورى أعلى جنابوبابك للمؤمل خير باب
اتيت ذراك يا مولاي عمدالأّنني ليس غيرك في حسابي
وإني وإن كبا زند الّلياليعليّ فإنّ زندك غير كابي
وإن جناب أرضي إن نبا بيفإنّ جناب عزك غير نابي
وما فعلت صروف الدهر مهماتخف إليك إخفاف الرّكاب
خادم مولانا – أدام الله ظله – بالباب متشرفا، بلثم التراب، ومقيما
مراسيم الثناء، ولوازم الدعاء، منهيا أ/ إلى الرأي العالي – أعلاه الله – أنه طالما كانت تناجيه نفسه بالاستسعاد بخدمة هذه السدّة العلية، والانحصار في خادمي هذه الحضرة الزكيّة، لكنه كلما أقامه الأمل، أقعده الكسل، وإذا حرّكته الدواعي الشّائقة، قيدته الأسباب العائقة، فحرمه عن البحر الطامي، والغيث الهامي، ما كان يعتكف عليه من ثمد ركيّ، ويمتريه من ضرع بكى، ويحترثه من زرع زكي، حتى أزعجه عند تراكم الفتن المائرة، ونغصه عليه المحن الثائرة التي صيّرت الضياع نهزّة الضّياع، والأملاك نهبة الهلاك، والأموال عرضة الزوال.
وصار الكلام في الرؤوس، ووقع الخطب في النفوس، ترك ما ملك سدّى، ونفض عما جمع يدا، ونجا بحشاشة نفسه وولده، واحتضن أفلاذ كبده، موائلا إلى الباب الرفيع، الذي هو كعبة الزوّار، ووجهة الحرار، يتبوأ ظلال نعمه، ويرتدي أذيال كرمه. قدر ب/ ما تفثأ قدور الأقدار، وريثما يؤول القول إلى الفرار، فإنّ منّ المولى – حرس الله ظله_ عليه بسؤاله، واسعفه بمأموله. كانت يداّ واقعة في نصابها، ومنه مفرغة في مصابها، مشكورة إلى آخر العمر، موفورة الحمد مدى الدهر، والرأي أعلى وأجل".
ومما كتبه إلى بعض الصدور:
"نحن – أطال الله بقاء فلان – في زمن الحرّ في أهله غريب، في قومه قريب. لاسيما غربتان هما كربتان، غربة الفضل والبعد عن الوطن والأهل، والمجلس العالي – أدام الله علاه - وإن كان من آدابه بين ندامى وجلّاس، ومن خدّامه بين مراع ومواس، ولكن إذا هدرت حمامة فضله لم يطارحها هديل، وإذا غرّدت صنّاجة طبعه لم يعاونها رسيل، فإن اراد أن يضمّ إلى خفيف أوزانه ثقيلا، وإلى علا شأنه عقيلا، أ/ لزمته مساء صباح، وخدمته كما تخدم الأجسام الأرواح، ولي في ذلك الشرف الأعلى، والسعادة العظمى، وللرأي مزيد العلو والرفعة:
لا جعل الله لي منك بديلاإنك من كل فائت بدل
ولا عراني بمهجة ظلّ بهايراعي ويجبر الخلل
لا يوحش الجوّ فقد كوكبهما دامت الشّمس فيه تشتعل
وكتب جواب رقعة وصلت إليه عند بعض الكبراء:
"وصلت اللّمعة الفلانيّة، كالروض رقّح واشية، فرقّ حواشيه، والحزن صبّ غواديه، مغترفا من اليم الخضّم نطفه، ومخترقا من سحوق الفضل لطفه، فتدرع الخادم بها حبر الفخر، وتدرّع بيمنها إلى ما يتمنّاه، على الدهر غير واقف في جوابها موقف المباراة، ولا ذاهبا ب/ بنفسه في حلبة المباهاة.
بيد انه علق تميمة على نحرها، حين ضاق ذرعه عن مهرها، وهو أبدا رهين برّها، رافل في حلل فخرها، والرأي العالي في إرخاء السّترةالسّاترة، على هذه التحفة الظاهرة، على الداعي لأيامه، المنخرط في سلك خدامه أعلى".
وقال فيه هذا الدوبيت:
قد أخصب من فضلك وادي الشّرفوازداد هواك في فؤاد الشرف
نادى بلسانه منادي الشّرفيا ربّ أطل عمر عماد الشّرف
ومما كتبه إلى مهذّب الدين أبي القاسم:
" خادم مولانا مولانا حرس الله ظلاله، وأدام إقباله – يقبّل تراب الخدمة، ويقيم صالح الدعوة، ويحمد الله – تعالى- على ما سنّي له من جميل الهمم، ووالى إليه من جزيل النعيم، ويتضرع أ/ إليه في إمهاء طول العمر، إلى أن يمنّ عليه بالمثول بين يدي الصدر، مقبّلا أنامله التي هي مفاتيح الأرزاق، ومتأمّلا شمائله التي هي مفاتيح الكرم على الإطلاق، ومطفئا بلقياه نارا تتلهب بين الضلوع، ووجدا تنسكب به سوافح الدموع، فقد طالما يقيمه الشوق ويقعده، ويزعجه الأمل ويكمده، وهو عما يريد ممنوع، وبما يتمناه مفجوع، وإنه على ما به من ارتياح باب الأمنية، في الاستسعاد بتلك الطلعة البهية. يواظب على عقد كلل الدعاء حول مخيم ناديه، ويداوم على نسج حلل الثناء مقطوعة على قدر معاليه، فاحسن الخدمة موقعا ما تشيه الأقلام، وتعيه الأيام، وتداوله الألسنة، وتتناقله الأزمنة، فيكون حياة بعد الحياة، ووقتا بحسب إنقضاء الأوقات، ويعرف إلى النّاس أنّ سوق الأدب بعد رائجة، ولجة الكرم وعلو الهمم هائجة مائجة. ما دام مولانا – أعز الله أنصاره – في مسند الإقبال، ومنصب الجلال، عامرا ربع ب/ الآداب، وآخذا بضبع الكتابة والكتّاب، يؤتى من كل صوب، ويقصد من كل أوب، لتوضع منه الممادح موضعها، وتقع عنه المحامد موقعها فيجلب إلى حضرته العلية بضاعات النظم فيغالي في استيامها، ويجعل إليه بلاغات النثر فيهزّ عطفيه لاغتنامها، ضاحكا في وجه الوافد ثناياه، ومتهللا بطلوع الزائر محياه:
كذب بن فاعلة يقول بجهلهمات الكرام وانت حي ترزق
وإلى الله تعالى الرغبة في إطالة بقاء الكرام بإطاله بقائه، وإدالة أهل الفضل بدوام دولته وعلائه، وما جاء بالماء سحاب، وعاد إلى السماء شهاب، إنه ولي الإجابة، ولما عرف الخادم أنّ الهمّة العلية ترتاح لمطالعة الآداب وتعتلق من فنون العلم بأقوى الأسباب، عض إبهامه أسفا على ما كان عنده من أعلاق الكتب. أتى الدّهر على طارفها وتليدها، وغارت الأيام على ما كان من عتيدها.
/ أ/ حتى لم يبق إلا الرتج القليل، الذي لو خدم تلك الحضرة العالية، بجميع اعدادها كان كالنملة حملت إلى سليمان رجل جرادها، لكنه رأي الضّنّة بالموجود أشدّ الضّنن، وسخاء الرجل بما ملك من أسدّ السّنن، فخدم الحضرة أعلاها الله بهذه المجلدات، وهي كذا وكذا، فالعالي العالي في إسبال ذيل العفو على ما يتجاسر به الخادم، ويرتكبه من الاسترسال إلى ما يليق بالخدم إلّا إلى ذوي الكرم، قرين العلو والرفعة".وكتب إلى بعض الأفاضل جوابا عن كتاب ورد عليه منه:
"سلام الله – تعالى – وهو خير ما يتعلق على هوادج الرياح، ويفتق بنسيمه نوافج الأرواح، ويحي به محيا الأحباب، ويضمن هداياه طي الكتاب، على فلان ولا زالت مجامر أنفاسه تفغم المنافس، وترغم المنافس. وجواهر ألفاظه ب/ تعمر المجالس، وتغمر المجالس، ورياض الأدب بأزاهير نطقه مونقة، وحياض الكرم بنمير خلقه متدفّقة، ما طرّ شارب فرع، ودرّ حالب ضرع ن ورقرق بالماء سحاب، واشرق في السماء شهاب، وفرّق بالصياح غراب، ورق للصباح جلباب بمحمد وعترته.
وبعد: فقد وصل كتابه الذي كان برجا يطلع نيّري النظم والنثر، ودرجا يجمع جوهري الخطب والشعر، كلا علّقيه ثمين، وكلتا يديه يمين، وكلاهما بالثناء قمين، إن اغترست فرند وعرار، وإن اقتبست فمرخ وعفار، سعدان كلاهما في المراعي سعدان ووردان، هما للصادي صداوان وعينان تجريان كدجلة والفرات، وقينتان يغنيانبما يحيي الأموات، ويجمع بين العظام والرفات. لم أر قطّ مثله فظّا جلّه فوائد، بل كله فرائد. حروفه ظروف الظّرف، وسطوره جلاء الطّرف وصلي العرف كالعقل كله / أ/ نور والعلم لا يحله زور فتاة لها صباحه، ومشكاة فيها نور مصباحه. يرتكض فيها بحر نشيط في بحر بسيط، ونثر يعترض منه نور عريض في روض أريض، فياله من سفر سافر، من بحر الأدب وبرّه، واسفر عن شمس الكرم وبدره، وصرصر فيها باز يبيض في العيّوقن ويفرّخ ببيض الأنوق، بل حاكه بحر من البحار، وحبر من الأحبار، وصدر من المصطفين الأخيار، يغترف من بحر أسخى من حاتم، ابائي من حنيف الحناتف، وينطق بلسان أجرى من السيل تحت الليل، وامضى من الترك فوق الخيل، وأحلى من الخمرة بزلال، وأصلى من الخمر في الاشتعال:
وحديثها كارعد يسمعهراعي سنين تتابعت جدبا
فيصيخ مستمعا لدرّتهويقول من طرب هيا ربّا
وكان موقعه مني موقع عود الولد النّدب، بعد الغيبة، والجود إلى البلد الجدب عقيب الخيبة، وحل محل النّور في الأحداق، ب/ والشهدفي الأشداق، والنوم في الآماق، والوصل إثر الفراق.
بيد أنّي لما هززت بخطابه في قرن جوابه، كدت أتخذ الليل جملا، والباطل دغلا، وأستر تحت الظلام، والوذ إلى الانهزام، وقلت: يا فلان هذا أجل من الحرش، وأين الوبل من الرّش؟ لا تتعرّض لارتجاله فلست من رجاله، تبين رويدا ما أمامه من هند هو ساط بأسوا، سابق بأشواط، وأنت عاط بغير أنواط، فالله في الاحتياط.
فأبن اللّبون إذا ما لزّفي قرنلم يستطع صولة البزل القناعيس
ثم تجلّدت بعدما تبلّدت وصرت:
أقول لها وقد طارت شعاعامن الأبطال ويحك لن تراعي
ما جمح حرونها، ولان قيادها بعد ما بان عنادها، وقالت: الآن وقد غشاني الضنّى، فقلت:
قد كنت قبل البكاء عابسة
لكن الفحل يحمي أ/ شوله معقولا، والمرء يحمل سيفه وإن لم يكن مصقولا، إذ ليس كلّ بحر مّواج، ولا كلّ غيم ثجّاج، ولا كل طرف هملاج، ولا كل خطيب سراج. إن لم تجد لي صافية ممزوجة، وإن لم تسلكي فمخلوجة، ليس عليك إلا مالك، والسخي بمالك هذا هذا.
ثم يا مولاي! كيف انت وحالك؟ وفي أي ربع مجالك. سمعت أنك تنظر في أمر القضاء، فهل بيعين الرضاء، وتزكّى فهل تجد من يزكى من غير أن تلكا، وأنت في أشغر بلد، وقوم ما زكا منهم احد.
أما انا فعندي الجلوس في بيت المجوس، بل القعود في حش اليهود، بل لبوس أثواب المحن بالجلوس على أبواب الشجن، أهون من الإغضاء على فضائح القضاء، والهجوع على الجوع، أو القناعة بالقنوع، أو الزراعة بالدموع خير من ضروب الرّشا وإن هي ثروب، وكثبا فالدّرّة في في نحر الأمة ضائعة، والحرة لا تأكل بثدييها وإن هي جائعة، لاسيما حيث درهم الوقاحة أروج من دينار الفصاحة، وهراش الوكلاء أرجح وأنجح من قماش / ب/ الفضلاء والكلاب جياع، والضّياع إلى ضياع، وسحاب الحق خلّب، وغلب الباطل غلّب، وتدمي الأنداء بأنامل الحلب، والمحب يشقى بكل حوّل قلّب، وسوق العالم إلى الكساد، وأساس الأمر على الفساد، وأملاك المسلمين على المزاد، وأموال اليتامى نهب، وحقوق الأيامى سلب، والحمير تمعر، والجحيم تستعر:
في قضاة من الصواب قضاةوعدول عن الصلاح عدول
فوقاك الله شر ذلك اليوم، وضرّ ذلك القوم، وجعل لك مخرجا من حيث لا تحتسب، وأعاذنا وإياك من القرار مع الأشرار، وضم الأزرار على الأوزار، وكشف الإزار عن العوار، وجعلنا من الأتقياء الأبرار بمحمد النبي وآله الأخيار".
ورسائله كثيرة، والذي اورنا منها كفاية وغنى.
ناهض بن إدريس الوادشّي.
ينسب إلى واداش من اعمال غرناطة.
كان شاعر قطره، أشعر من ذكر عصره، يقول في السيد أبي يحيى:
ألا حبذا القصر الذي ارتفعت بهعلى الماء من تحت الحجارة أقواس
هو المصنع الأعلى الّذي أنف الثرىورفّعه عن لثمه المجد والباس
فأركب متن النهر عزا ورفعةوفي موضع الأقدام لا يوجد الرّاس
فلا زال معمور الجناب وبابهيغضّ وحافي أفقه الدّعر أعراس
نبأ ابن أبي غانم بن حسين بن عبد السيد، أبو المعالي، المعروف بأبي الزعفراني اليهودي.
من اهل حلب، ومن اربابها المتصرّفينفي الأعمال السلطانيّة. وقد خدم متصرفا في ديوان حلب سنين متعددة. وكان أعرف أه لملته بالتصرّف وعلم القوانين الديوانية، ورسوم القواعد الحسابية، والاطلاع على غوامضها.
وكانت وفاته في يوم الإثنين خامس رجب سنة خمس وثلاثين وستمائة. وكان مولده في سنة تسع وسبعين ب/ وخمسمائة.
وكان حسن الخط، شاعر متوسط القول، ينظم أشعارا كثيرةفي فنون متعددة. وكانت به لكنة في لسانه، وإذا أراد أن يعبر عن ما في ضميره عجز ولم يستطع إداء ما فيه، وله أرجوزة طبّية سماها "تذكرة اللبيب وتبصرة الطبيب"، وعمل أرجوزة نحويّة لقبها "سنن الإعراب في سنن الأعراب". وامتدح الملك الظاهر غياث الدين غاري بن يوسف بن أيوب – رحمه الله تعالى -.
أنشدني أبو عبد الله محمد بن محمد بن محمد المولى الحلبي بها الكاتب المنشئ من لفظه، قال أنشدني أبو المعالي نبأ بن ابي غانم بن حسين بن عبد السيد بن الزعفراني لنفسه:
رق قلب العدو ممّا أقاسيورثى لي وأنت قلبك قاسي
يا بديع الصّفات غير بديعهل تجازي مودّتي أو تواسي
ما على من تملّك الناس رقّالو رعى في الهوى قلوب النّاس
رشا لو رآه يوسف أضحىلهجا بالغرام والوسواس
/ أ/ لا تقس حسنه إلى يوسف الحسن يمينا ما بينهم من قياس
حبذا حبذا زمان تقضّىفي هوى نجل قيصر البانياسي
بلحاظ كأنها أسد غابخدرت في جفون ظبي كناس
وجبين كالصّبح تحت دجى الشّعروخّد كالورد بين الآس
ورضاب كأنه نطف الرّاح وثغر حكى حباب الكاس
ناحل الخصر قد حكى بنحوليفي هواه فليت لي منه أسي
هو ناري وجنّتي ونعيميوشقائي وصحّتي وانتكاسي
لو تهيّأ بأن يبيت نديميفزت في خلوتي به واختلاسي
وقال أيضا يستدعي صديقا له:
أما ترى اليوم بادي الظل والدّمقومطرف الدّجن قد غشّى سنى الأفق
فقم بنا نجتليها في زجاجتهاصفراء كالشمس أو حمراء كالشفق
فنحن في مجلس زاره عبهرهساه وساقيه مثل الشّادن الخرق
محمر نارجه يحكي الخدود وفيتحديق نرجسه معنى من الحدق
/ ب/ وقهوة عتّقت حتى أضّر بهامر السنين فما أبقى سوى رمق
يذكي لها الماء نشرا بالمزاج كمايذكى لظى النار نشر المندل العبق
فخلت كفي خضيبا حين لامسهاوخلتها نار عيسى ليلة الصّدق
وقال في المعنى:
بعيشك قم إلى حثّ الكؤوسفإن العيش شرب الخندريس
ولا تطع اللواحي في مدامتدوم بها مسرات النفوس
وقوله في يوم ثلج يحث على الشرب:
قم واقترع بكر الطّلاواستجل كاسات العقار
فاليوم يوم أبيضيدعو إلى خلع العذار
ومباسم الإطراب فيـهـ لطشّه ذات افترار
والثّلج قد غطّى الرّوبىوالجو مبيض الأزار
وتخاله متساقطاكالنور أرسع في انتشار
فذر الوقار فتركهفي شربها عين الوقار
/ أ/ لا عيش إلا في اجتماع الشمل بالكأس المدار
وقال يستدعي صديقا في زمن الربيع إلى روضة:
يا صاح قم واستجل بكر امةنهدي إليك غرائب الأفراح
واجمع بها شمل السرور فيومنايوم به قد طاب شرب الرّاح
والروضّ قد رقّم الربيع بساطهبوشائع من سوسن وأقاح
ومديرها قمر منير قدّ زهتوجناته بالآس والتفاح
وكأنّ طيب مذاقها من ريقهوحبابها من ثغره الوضّاح
وقال في مثله:
بعيشك قم لنستجلي العقارففي ذا اليوم حق بأن تدارا
وصل عجلا فيومك يوم ثلجبه وجه البسيطة قد توارى
كأنّ سقوطه نوّار دوحتثير يد الرياح له نثارا
وقال في المعنى:
لمثل اليوم تدّخر العقارفدونك شرب كاسات تدار
//وبادر بالمسرّة غير وانفما أوقاتها إلا قصار
وقال أيضا:
أدر يا صاحبي كأس المدامفشرب الرّاح من شيم الكرام
ولا تحبس كؤوسك عن مشوقإلى لقياك صبّ مستهام
فقم واستجلها في يوم ثلجحباك بدرّه در الغمام
وقال يصف الخرف:
وزائرة لها أرج ذكيّتزورك برهة في كل عام
تبشر بالربيع وقّد تراهاتهادي عند كاسات المدام
ولها وبر على جسم ضئيلبلا لحم يحس ولا عظام
ويوق أيضا مما عمله بأسعرد:
بعيشك صف لي غير وإن فيومناكبهجته يدعو إلى اللهو والقصف
/ أ/ ومجلسنا زاه أنيق وخمرناعتيق كلون التبر في غاية اللطف
وندماننا أخوان صدق كأنهمنجوم سماء قد جبلن على الظرف
وقد حرك الشادي المثاني وقد شدافمن طرب يحيي النفوس ومن عزف
وطاف بشمس الراح ساق مترككبدر الدجى حسنا يحل عن الوصف
فإن زرتنا تم السرور وإن تغبيعد صفو هذا العيش رنقا بلا خلف
ومما عمله في صدر كتاب:
يا أبعد الله أيام البعاد لقدجرعت منها كؤوس العلقم الصبر
يحارب الشوق قلبي ثم ينجدهجيش الأسى وكمين الهم والفكر
يا شوق حسبك ما أبقيت لي جلدًاويا حنين لقد افنضيت مصطبري
وقال عتبا في صدر كتاب:
أخلاي غبنا عنكم فنسيتممودتنا ما هكذا سنة الود
وأشبهتم أهل السفينة في الوفافمنذ افترقنا ما أقمتم على عهد
وكم رمت مذق الود غيظا عليكمفلم أر عن صدق المودة من بد
/ ب/ أما وصفاء الود لا حلت عنكمولا خنتكم ما عشت في القرب والبعد
وقال أيضا يستهدي نبيذًا:
ذهب الشباب فلست أطــمع في مراجعة الشباب
والشيخ لا يلهيه عنعصر الشباب سوى الشباب
والراح أنفع للمشايخ في الشتاء من الجباب
تغنى بضوء الكأس إنمزجت بليل عن شهاب
وتريك تبرًا في لجيــن تحت در من حباب
فعسرك تحييني بهافتميت هي واكتئابي
وقال أيضًا:
ما للهموم دواءسوى كؤوس المدام
كم قد نفت من هموموكم شفت من سقام
إن حرّموها فشرب الدّماء غير حرام
وله يستهدي نبيذا:
/ أ/ خلت الدنّان من المدامفلا تسلعن حال عبدك بعد عدم الرّاح
كانت بها أفراحه موصولةواليوم موقوف على الأتراح
كانت مجالس أنسه مأهولةفاستوحشت وخلت من الأفراح
كانت تضيئ بها الكؤوس فأصبحتمثل المحابر ظلمة الأقداح
قد مسّه ظمأ فهل من نافعبالرّاح غلّة حائم ملتاح
ومما عمله في المعنى:
لو كان أصحب بعد طول شماسأملي حظيت بعشرة الأكياس
عزّ المدام أكرم صاحبيهدي السّرور إلى قلوب النّاس
يقضي بجمع الشّمل بعد شتاتهويكاد يعطف كلّ قلب قاسي
لله ما أحلى مجالس لهونافيه بحسن تآلف الجلاّس
غن الرضيع ينال عند فطامه ألماولاسيما رضيع الكاس
وله في المعنى:
/ ب/ هلا صرفت بصرف الرّاح يا صاحهموم صبّ إليها جدّ مرتاح
قد أعوزته وهل عيش لمكتئبيعتاض بالدمع عن مشمولة الراّح
دنانه خاويات كالصدّور نأتعنها القلب فما تعبأ بملتاح
لو تاب عنها دم أجريت من شغفدمي ودارت به للشرب اقداحي
ومما عمله في صدر كتاب:
تمنيت أن اجلو برؤياك ناظريوأن يشتفى قلبي من البعد بالقرب
فما بلغت نفسي المنى فتعللتشوقي بإنفاذ الرّسائل والكتب
وإني إذا حالت يد البعد بينناسأهدي تحياتي إليك مع الرّكب
تحن إلى لقياك نفسي صبابةكما حنّ ظمآن إلى البارد العذب
وقال أيضا: [من الحفيف]
ما تعشّقته لإفراط حسنلا ولا أنه أتم الملاح
إنما للقلوب في الحب أسرارخفايا خفيّة الإيضاح
كم قبيح عند المحب مليحومليح في عينيه كالقباح
/ أ/ وقال أيضا:
خليلي ما بالي أرى كل غيهبتجلّى وحظّي ما تجلت غياهبه
فلا صبغة المسود يرجى نصولهولا ليله الدّاجي تضيء كواكبه
توالت على قلب هموم كأنهافيما تنقضي أهواله وعجائبه
وقال في غلام جميل بوجهه كلف:
قالوا: كلفت بحب من في وجههكلف فقلت: كذلك البدر
لو لم يحز كل الملاحة ما بداللحسن في وجناته أثر
وعذلت قبل اليوم فيه فقد بداآس العذار أقيم لي العذر
وله معاتبة:
مالي أميل إلى حفاظ مضّيعسفها وأرغب في محبّبة قالي
صعب المراس وكلّما لاطفتهيزداد فرط تبرّم وملال
وعلا عليّ فهان عندي تركهوالتّرك يرخص كل شيء غالي
/ ب/ وقال على وزنين وقافيتين:
لم أنسه مذ زارنيمتخّلسا من غير وعد ... معجبا بدلاله
جذلان سهّله الرّضافأتى على غرضي وقصدي ... بعد طول ملاله
في ليلة نامت بها الرقباء لاستيقاظ وجدي ... خاضعا لجلاله
قبّلت منه مقّبلايفتر عن برد وشهد ... ميث في جرياله
ورتعت في وجناتهما بين ريحان وورد ... بل خلوت بخاله
وجنيت رمان النهود مهنّأ من غضّ وقدّ ... عزّ نيل مثاله
وحللت عقد نطاقهبيدي في هزل وجدّ ... مع تلطّف حاله
لله منها ليلةطلعت بها أقمار سعدي ... مذ سخا بوصاله
لو سامني في مثلهابذل الحياة لهان عندي ... في بديع جماله
او بيع منها ساعةلشريتها بالعمر وحدي ... فائزا بكماله
سمح الزمان بوصلهمن بعد إعراض وصدّ ... وامتناع خياله
وسخا بما عجزت قوىشكري له وفؤاد أحمدي ... في جميل ضلاله
/ أ/ وقال متغزلا:
يا من حياة المستهام وموتهبيديه في حالي رضاه وسخطه
ما بال قلبك لا يني متقلّلبايصبو إلى خفض المحب وحطّه
أسهرتني ثم رقدت ثم شغلتنيوخلوت من كمد الغرام وفرطه
أمن المروءة أن في لك في الهوىوتخون في عهد الوفاء وشرطه
لو فتّشوا قلبي رأوك به وقدكتب الغرام أهواك فيه بخطّه
أفديك من رشأ تعزز إذ غدايعزى إلى موسى الكليم وسبطه
ومهفهف كتب العذار بخدّهسطرا يروقك شكله مع نقطه
لا غرو إن حاز الجمال فيوسفمن قومه وأبوه والد رهطه
لم أنس إذ صلّى لدى محرابهمتطيلسا قد طاح جانب مرطه
ودعا ببسط ذراعه فكأنماقبض القلوب بأسرها في بسطه
وقال أيضا:
إذا ما كان هجرك لي جحيماوصدك جنّة فعلام تجفو
فصلني منعما ليزول هميفعيشي بعد بعدك ليس يصفو
/ ب/ وقال في المعنى:
إذا كان وصلك لي جنةفهجرك لا شك نار الجحيم
فصلني ولا تبخلن بالوصالعلى مغرم بك نضو سقيم
ودع عنك ذا السخط وأبغ الرضافإنّ الرّضا من خلال الكريم
وقوله في اللقاء:
لعيني متى فازت برؤياك قرّةوقلبي سرور مفرط وحبور
فيا حبذا ذاك اللقاء فإننيعليه لربّي حامد وشكور
وقال أيضا:
بعد الخلّ والرّقيب قريبوجفا السّقم حين صدّ الحبيب
وجفاني الكرى وواصلني الشوقفخالي بين الأنام عجيب
بأبي شادن غرير نصيرفي هواه يستعذب التّعذيب
أهيف مترف ظريف لطيفأبدا نحوه تميل القلوب
بدر تمّ ينير فوق قضيبناضر تحته يموج الكئيب
قاطن في الفؤاد لم ينأ عنهوهوفي حسنه البديع غريب
/ أ/ غاب في سفرة الصدود ولكنهو في القلب حاضر ما يغيب
أنبوني على هواه فقد لذّّلسمعي مع ذكره التّأنيب
طاب فيه عتبي وكل حديثمرّ ذكر الحبيب فيه يطيب
وقال:
بدّلت بالهجر رفعيخفضا فقد ضاق ذرعي
وصرت تعرض عنّيبعد اتحاد وجمع
قضيت بالغدر ظلمابغير عدل وشرع
صددتني عن دلالوعن ملال ومنع
وملت نحو أناسطباعهم غير طبعي
وأنت أكرم عنديمن ناظري وسمعي
إن زرتني تمّ أنسيوبان نجحي ونجعي
ففي يديك بأمر الإله له ضرّي ونفعي
وقال:
سقاني الرّاح في جنح الظلامكحيل الطرف معتدل القوام
/ ب/ وحياتي محياه بوردمن الخدّين من غير احتشام
وقبّل راحتي فلثمت فاهفراجعني بضمّ والتزام
فيالك ليلة أمسى أنيسيبها ومنادمي بدر التمام
فمن يده ومقلته وفيهمدام في مدام في مدام
وقال:
أتاني زائرا بعد ازوراررخيم الدلّ أهيف ذو احورار
وقد نامت عيون مراقبيهوجنح الليل منسدل الإزار
وأقبل ثم قابلني بوجهكسا الظّلماء أردية النهاري
يرنّح عطفه الميّاس سكر الصـبا فتخاله سكر العقار
فقمت لأجله وسجدت شكرالخالقه على قرب المزار
وبتّبه قرير العين أجلومحاسنه العذاب بلا حذار
سقاني راح ريقته وحيّابورد الخدّ مع آس العذار
فيالك ليلة في الدّهر جاءتعلى قّدر اقتراحي واختياري
/ أ/ وقال:
أخلّاي طاب العيش لما حضرتموراق فاضحي نير السّعد مبدرا
وهبّ نسيم عاطر من دياركمفجدد لي عهد التّداني وأذكر
وما طاب هذا الطّيب إلّا لّإنّهسرى نشركم في ضمنه فتعطّرا
فلله منكم ما أصحّ وفاكموأعظمكم في النّاس قدرا وأكبر
سقى الله أياما مضت باجتماعنابلا كدر صوبا من المزن ممطرا
وقال:
أرج الجو بالنسيم المهدينفحات العبير من نشر هند
مر في حيّها النسيم سحيرافحبته بنشر مسك وند
فاعترتني لطيبه هزّة السكــر على أنني نزيف الوجد
وأهاج النسيم للقلب شوقاوهياما ولوعة ذات وقد
يا خليلي عرّضا بحديثيعندها علّة يفيد ويجدي
وأذكر أني لها فإن سألت عنــي فقولا قتيل هجر وصدّ
واسعداني على هواي فإنّيفي جهاد مع الغرام وجهد
/ ب/ فقفا لي حيال جوشن ما بيــن قباب الأحباب من كلّ بدّ
وأنشدا لي قلبي الذي ضاع منّيفعساهم أن يسمحوا لي برد
وإذا عجتما على ساكن الخيــف سلاه بمن تبدّل بعدي
حبذا سفح جوشن فهو أزهىمن تلاع الحمى وأعلام نجد
وقويق فماؤه العذب من ريــق ماء العذيب اعذب ورد
يا رعى الله عصر عصر لهو تقضّىلم تروّع فيه الأماني ببعد
وقال:
لك في القلب منزل ومحلأبدا منك أهل ليس يخلو
يا منى النفس إن منيت بهجرفمناي وبغيتي منك وصل
أمن العدل أن تملّ محبالك في كل حالة لا يمل
حاش لله أن تحرّم وصلي وهو مرّ في مذهب الحبّ حلّ
أو تبيحن قتلي بتجافيك وقل البريّ في الشّرع بسل
لا تكلني إلى السلو فهذامستحيل بأنني لك اسلو
/ أ/ أنت لاه عني بغيري مشغول ومالي سواك في النّاس شغل
وقال:
يا ويل من أضحت منازلهمأجداثهم قد بادهم فقر
تركوا أحبّتهم وأهلهمقبروا وافاهم الدّهر
واستبدلوا بالترب منزلتةبعد القصور فعزز الأمر
كم حاز من ضاقّت لهمّتهسعة الفضاء بضيقه القبر
والهف نفسي بعد فقدهمعز العزاء وأعوز الصبر
وقال في ذم الزمانوأهله:
لمّا تنوّع دهري في معاندتيورام عكس الذي اختاره القدر
حجبت نفسي عن بدو وعن حضركي لا يرى نقص حالي في الورى بشر
أبدى العدا لي عيوبا لست أعرفهاوربّما عيب مع إشراقه القمر
"إذا محاسني الّاتي أدلّ بهاصارت ذنوبا فقل كيف أعتذر"
هذا البيت مضمّن.
/ ب/ وقال في مثله:
قاتل الله ذا الزّمان فما يسمح يوما بما يسّر فؤادي
كلما رمت من زماني إسعادا قضّى لي من دونه بالعناد
يا لقومي! كيف احتيالي وقد صار زماني من جملة الأضداد
ينفق الجاهلون فيه مع الجهـل ويمنى ذوو النّهى بالكساد
ليت شعري ترى أبلّغ فيهغرضي أو أنال بعض مرادي
وله في مطرب:
ومعسول الشمائل والتّثنّيرخيم الدلّ معتدل القوام
إذا غنّى ترنّح سامعوهله طربا كشراب المدام
وماجوا بالسرور فدبّ فيهمدبيب البرء في إثر السّقام
وقد سحر العقول فلست أدريبسحر اللّحظ أم سحر الكلام
وقال في الغزل:
بنفسي من بني التراك ظبييغير بحسنه بدر التمام
/ أ/ أغنّ مهفهف أحوى غديررشيق القدّ ممشوق القوام
كحيل المقلتينيكاد يفريبصارم لحظه حدّ الحسام
كأنّ جبينه قمر منيروحالك شعره جنح الظلام
إذا دبّ الحياء بوجنتيهعجبت لكون ماء في ضرام
ويبسم ثغره عن أقحوانتبدى في رضاب من مدام
ثقيل الرّدف ذو خصر نحيلكساني سقمه حلل السقام
وقال:
ولما بدا سطر العذار بخدهوحاولت أن اسلوه زدت تتيما
وكنت به صب الفؤاد فزادنيهوى لبسه ثوب الملاحة معلما
وقد رقمت أيدي النّضارة والصّبابديباجتي خدّيه وشيا منمنما
وقال في الاستعطاف:
أتحسب قلبي عن ملال تصبّراأبى الله لي في الحب أن أتغيرا
فوالله لا أسلوك عمري ولو جرىعليّ من الهجر المبرّح ما جرى
/ ب/ دع الصبّ يقضي نحبه فيك حسرةإذا كنت تبغي أن يموت محسّرا
يمينا لقد اضرمت في القلب بالجفاجحيما وقد اجريت للدمع أبحرا
ثنى ودّك الواشي فأصبحت هاجراوما كان ظني أن تصدّ وتهجرا
أيجمل بالوجه الجميل إساءةوذي الحسن أن يولي قبيحا ويغدرا
بعيششك شم رعي الوفاء فإنّنيرأيت الوفا بالحرّ أحرى وأجدرا
تجافيت حتّى صّرت اغضي على الجفاوارضى بما ترضى من الهجر مجبرا
وقال في الاستدعاء إلى مجلس الشراب:
قم للصبوح فحبل اللهو قد وصلاواليوم ظلّ بجمع الشّمل محتفلا
أما ترى الغيم قد ورات مطارفهوجه الفضاء ودمع الغيث قد هطلا
ما إن بكى الغيث إلا قهقهت طرباله الأباريق حتّى أنشأت جذلا
فبادر الرّاح لا تبغي بها بدلاولا تطع من لحا فيها ومن عذلا
فصل صبوحك عمدا بالغبوق بلامطل وصلنا سريعا واحذر الكسلا
وله في تغير الصديق:
/ أ/ وقال في نهر قويق:
ما بال نهركم قويق كأنهعبرات عين جفنها مقروح
يظما فتغشاه المدود فيرتويمنها ويبقى وحلها وتروح
وقال في لبس الفرو:
إذا ما أتى القرّ قرّت بهعيون الزجاة للبس الفرا
ومن كان فيه بلا فروةفرى جلده البرد مع من فرى
ومما [عمله] وسيره إلى من يعز عليه مكانه:
ترى مقلتي تحظى بأيسر نظرةإليك بما تجلو القذّى عن جفونها
/ ب/ وهل يشفى من لاعج الشوق والأسىفؤادي بقرب الدّار بعد شطونها
تحنّ إليك النّفس طبعا وكلماأنست التداني زاد فرط حنينها
وأصعب ما تلقى العطاش من الظمأإذا منعت والماء نصب عيونها
وقال في لقاء الأحباب:
يا حبذا يوم اللقاء فإنهيوم تكاملت المسّرة فيه
عانقت من أهواه عند لقائهفيه وفزت بقبلة في فيه
وقال في غلام مليح الصورة اسمه خليل:
ما شفرة السيف الصّقيلأمضى من الطّرف الكحيل
كلّا ولا للرمح حسن ترنّح القدّ النّبيل
ومهفهف عبل الرّوادف محقر الخصر النحيل
حلو المراشف والمعاطف والمقبّل والقبول
مستغرب من أسرة الأتراك معتز القبيل
/ أ/ هاروت في لحظاتهبالسّحر يلعب بالعقول
سفكت دمي فمسيلهفي صفحة الخدّ الأسيل
كم من أسير في هواهـ لمقلتيه وكم قتيل
حاز الجمال فليت يشفعه بإيلاء الجميل
أوليته بالوصل جادلمغرم بادي النّحول
عليّ أعل رضابهفبرشفه برء العليل
أشكوه شكوى خصره المضني من الردف الثقيل
يا عاذلي فيه أتتباسرفت في قال وقيل
كم قد أطعت الحبّ فيهـ وكم عصيت به عذولي
ما يوسف في حسنهتالله احسن من خليل
وإن كنت أسلو حبهلا نلت يوما منه سلولي
وقال في استعطاف:
يا مولعا بالصدّ عناكم ذا تجور على المعنّى
/ ب/ هلا رفقت بمستهام في الهوى حيران مضنى
حمّلته ما لا يطيق من الجفا فبكى وأنّا
ووعدته وصلا فملتإلى الملال فما تهنّنى
أمن المروءة أن يفيوتخونه من غير معنى
يسخو بمهجته ويبخل بالسّلام عليه ضنّا
وا رحمتاه لمغرمقد مات بالهجران غبنا
وله في السيب:
لهفي على زمن من ولّت نضارتهفلست أرجو له بعد الصّبا خلفا
كانت بدور سروري فيه مشرقةإذ ليل فودي داج يشبه السّدفا
ومذ تجلى نهار الشيب عوّضنيمن المسّرة همّا والمنى أسفا
وقال فيه أيضا:
راعني الشّيب حيث حلّ بفودي فلا مرحبا به حيث حلّا
ليته لم يكن وياليته استبدل عن كل شعرة منه نصلا
وله فيمن اهدى إلى محبوبه سفرجلا:
/ أ/ كيف يهدي إلى الحبيب محبّ سفرجلا
أترى مذ رأى اسمهمزعجا ما تفالا
سفر أول اسمهثم باقي اسمه جلا
وقال:
أذكر الموت حيث تمكنك الخلوة واحذر عذاب حر الجحيم
وتحامى الخطا وكل الخطاياليس تخفى على السميع العليم
ما يفي للفتى نعيم حقيربشفاء بعد الممات عظيم
إنما هذه الحياة غرورفارغب الآن في النّعيم المقيم
أي خير ولذّة تكسب الإثم وتفضي إلى العذاب الأليم
وقال في الزهد ما كتبه على مقبرة لبعض أصدقائه:
دنياك فانية فاعمل لآخرةتبقى فيومك هذا منذر بغد
فلا بقاء لما يفنى مركبهولا فناء لما يبقى على أحد
/ ب/ كم قصّر الجل المحتوم من أمليسيره لم ينل في أطول المدد
وقال في الزهد والاستغفار:
إلهي قدّ تكاثرت الذنوبوقلّ لشقوتي العمل المثيب
وقد اسرفت في خطأي وجرميوأنت عليّ مطّلع رقيب
فويلي من لقاك ومن فوقيلديك وليس غيرك لي حبيب
وواحزني الطّويل فلا مفرلنا مما قضيت ولا هروب
أذقني برد عفوك قبل أصليبحر ّ لظى ويحرقني اللهيب
إلهي نجّني وقني عذاب الجحيم وتب على عبد يتوب
إلهي قد دعوتك فاعف عنيبلطفك يا سميع ويا مجيب
إلهي فيك قد أحسنت ظنّيوحسن الظّن عندك لا يخيب
إلهي عفوك المرجو فارحممسيئا فاته الرّأي المصيب
إلهي حوض منّك مستفيضعليه كل ظمآن يلوب
إلهي إن أسأت فلي اعتصامبتوحيد إليك به أنيب
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (٢٠٠٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع