تجاوز إلى المحتوى

من «قلائد الجمان في فرائد شعراء هذا الزمان» لابن الشعار الموصلي (ت ٦٥٤هـ)

ذكر من اسمه يحيى (٢)

وأنشدني لنفسه، وكان الملك العزيز قد توجّه إلى قنسرين، فخرج أبو جعفر بعده قاصداً خدمته، وأمسي عليه المساء فبات بقريةٍ للصاحب كمال الدين/ أ/ أبي القاسم عمر بن احمد بن هبة الله بن أبي جرادة الفقيه الحنفي، وتسعى القرية قذار، فكتب إليه منها:

كمال الدِّين يا من طال فرعاًوطاب أرومةً وزكا نجارا
ويا بحرً خضّماً لا يفيد الــعفاة بدرِّه إلاِّ كباراً
ويا مولى أرى إنفاق عمريإذا فارقت خدمته خسارا
مسيري عن جنابك عاض أنسي الــذي أدناه قربك لي نفاراً
وغادر لي فؤاداً مستهاماًوقلباً من فراقك مستطاراً
واحشاءً مقلقلة وعيناًمؤرَّقة وأنفاساً حراراً
ولمَّا لم أطق للبين حملاًوأضرم في حشاي الشوق ناراً
أتيت (قذار) استشفي ثراهاواستجدي سكوناً واصطبارا
وآخذ عنكم أثراً فيهديإلي قلبي هدوّاً أو قرارا
فزادتني بذكراكم غراماًوظلت بها مساءً وابتكارا
أمرُّ علي الديار ديار ليليأقبِّل ذا الجدار وذا الجدارا
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أمر على الديار ديار ليلى»
/ ب/ وأذري أدمعاً لو انبتتهاجنيت من القلوب بها ثمارا
ورحت أرى بنفسي من تنائيمزاركم فتوراً وانكسارا
أسير هواكم وأودُّ أن لايفك الدَّهر لي منه إسارا
فلا أخلت معالمك اللَّياليولا أقصت لك الأيَّان دارا
ولا زالت عراصك آهلاتتفيض ندًي وتزداد اخضرارا

وأنشدني لنفسه فيما يكتب على حلقة باب دار:

علوت على باب علا الباس رُّبهنوالاً وإحساناً فحسبي بذا فخرا
أنا العروة الوثقًى من الفقر للورىفمن صافحتني كفُّه أمن الفقرا

وأنشدني لنفسه ما يكتب على مفتاح:

إذا عدَّ أهل الفخر غرَّ مناقبسما كل ذي طول بها من يطاوله
فخرت بأن صافحت راحة مالكًمفاتيح أرزاق العباد أنامله

وأنشدني أيضاً: أ/ لنفسه حين فتح الملك العزيز محمد بن غازي بن يوسف – رحمه الله تعالى – شيزر، وكان صاحبها يومئذ شهاب الدين أبو المحاسن يوسف بن مسعود، عاصياً عليه فلما ومل إليها لم يمكنه العصيان بها، ونزل وسلَّمها طائعاً. وصارت مضافة إلي مملكة الملك العزيز غياث الدين:

يا مالكاً خافت الأملاك سطوتهوعمَّ إحسانه الدَّاني مع القاصي
لمَّا رأت شيزر رايات نصرك فيأرجائها ألقت العاصي إلي العاصي

والعاصي هذا المشار إليه اسم نهر يمرّ تحت قلعة شيزر.

وأنشدني، قال: كتب إليّ ب/ من ينتمي إلى قول الشعر بهذه الأبيات:

ما كلُّ من قال مدحاً فيك يكتسبوان أقلَّ فمود بعض ما يجب
ما فوق مديح المادحين لهإن لم أقل فيك قال الجود والحسب
مولاي ما البدر محتاج إلى مدحكماله في المعالي شاهد عجب
فقت الكرام فأنت الغيث إذ بخلواًواللَّيث إن جبنوا والسَّهل إذ صعبوا
لقُّبوك شهاب الدِّين فاختصروالو انصفوك لقالوا السبعة الشُّهب
سمعت عنك حديث الجود يسندهذوو الرَّجاء ولا مين ولا كذب
وعاقتي عنك غيث لم يزل كندىيديك يهمي على الدُّنيا وينسكب
لولاه ما فاتني حجٌّ إليك ولا الــتزام ذيلك إن نابتني النُّوب
وقد بعثت أخي عمداً لتكرمهفكن به محسناً دامت بك الرُّتب

قال: فكتبت إليه الجواب عنها بهذه الأبيات على الوزن والقافية:

/ أ/ يا فاضلاً قد سقانا من بلاغتهمدامةً فبنها من شربها طرب
ويا أخاً سمح الدَّهر البخيل بهوالفضل مذ كان في أبنائه نسب
قد هاج نظمك لي شوقاً إليك غدتبحر أنفاسه الأحشاء تلتهب
وشب فيَّ غراماً زاد ني كلفاًوددت منه بأنِّي جارك الجنب
فلو عرفنا مكاناً أنت فيه لزرناه ولو سحبت أذيالها السُّحب
بل لو منحناك دنيانا وما ملكتأيماننا لفعلنا بعض ما يجب
فقد بلغت من الإحسان منزلةًنصيب من رام فيها شأوك النَّصب

وأملى علي من إنشائه هذه الرسالة، ثم وصلها شيء من شعره؛ وهي جواب أبيات كتبها إليه الصاحب الإمام كمال الدين أبو القاسم عمر بن أحمد بن هبة الله الخفي العقيلي - أدام الله أيامه -:

"يقبل اليد الشريفة المولوية القاضوية الإمامية العالمية المالكية الكمالية أعلاها الله ورفعها / ب/ وأولاها بطسةً وأوسعها، ونظم فيها أشتات المكارم وجمعها ... وينهي أولاً أشواقه التي هي في كل الأوقات متزيدة، وغرامه الذي قلبه منه في نار موصدة، ووحشته لذلك المحيَّا الذي محاسنه للقلوب مستبعدة، ورغبته إلي الله تعالي في أن يجعل أيام الاستسعاد بلقائه غير مستبعدة.

وثانياً ورود الكتاب الكريم علي يدي مملوك المولى عّز الدين، فأقبل المملوك عليه، وتناوله من يديه، ووضعه علي عينيه، وهزَّ طرباً عطفيه، ووقف من فحواه علي بديع المقال، ورأي السحر الحلال،

وعرف كيف تتفاوت قيم الرجال، واجتلى تلك العقيلة التي فتنت العقول، وفعلت بالألباب ما لا تفعله الشَّمول، وحكمت لقائلها بالبلاغة على كل من يقول شعراً، وبالتفصيل على كل من ينظم درّاً.

وجرأه الحسد علي التعرض للجواب، ولو ساعده التوفيق لكان إقراره بالعجز عن مجاراتها هو أ/ عين الصواب، ثم أطمعه في التصيُّد من بحرها علمه بأن المولى غريم كريم لا يناقش في الحساب. ويتقن أنَّ الله - سبحانه - يؤتي الحكمة من يشاء من عباده، وأنَّة قد أجزل مها إرفاد المولى فلا عار على أوليائه في استرفاده:

ويعجبني فقري إليك ولم يكنليعجبني لولا محبتُّك الفقر
للشاعر البحتري، من قصيدة «متى لاح برق أو بدا طلل قفر»

فظل المملوك منكراً، وقال مقصراً معتذراً - ثم اتّبع ذلك بهذه الأبيات -:

يا نسيم الصَّبا أثرت غراماًفي فؤادي فزدتني أسقاماً
يا نسيم الصَّبا لقد شفَّ قلبيمنك وجد عصيت فيه الملاما
فتعمد مسرَّتي واعدليذكر مولًى أهدى إلى السَّلاما
خصَّني منه منعماً بكتابحين وافي قبَّلته إعظاما
ففضضت الختام عنه كأنِّيعن رحيق إذا فضضت الختاما
ولثمت النِّقس الذي ضمَّخت بالــمسك منه الأنامل الأقلاما
وترشفته فدار على الافــهام منه ما أطرب الأفهاما
/ ب/ قساًما خميلة جادها الطَّــلُّ فشقَّت ازهارها الأكماما
لا ولا روضة بحزن بكي المزن عليها فاتبعته ابتساما
لا ولا الدُّر نظَّمته عقوداًفي نحور ايد تجيد النظاما
عند ذي اللُّب منه أحسن مرأىحين يبدو له وأسنى مراما
رقمته كفُّ الكمال فحاز الــحسن في طِّيه كمالاً تماما
تلك كفٌّ ما جارت الغيث في حلــبة جود إلاَّ وجاءت أماما
يا كمال الدِّين الذي عصم اللّــه به المسلمين والإسلاما
يا أبا القاسم الِّذي قسم الإنعام فينا وأجزل الأقساما
يا سليل العديم كم لك عنديمن يدٍ آمنتني الإعداما
انا والله في ودادك مغرًىمغرم ما أفيق منه غراما
لو تطلعت في ضميري وجدت الــحبَّ قد مازج الحشا والعظاما
غمرتني نعماك حتَّى لقدغادرتني استكفف الانعاما
وصفت لي أخلاقك الغر حتَّىملت سكرا وعفت [حتى] المداما
وحلت لي منك الشَّمائل حترحت منها متيَّماُ مستهاما
/ أ/ إن تصف لي من التألمَّ والوحشةوالشوق ما حماك المناما
فلقد هاج لي اشتياقك نيران اشتياق اورت بقلبي ضراما
وعزيز علي أني في غيــر تدانيك أنفق الأيَّاما
ولو استطعت جئتكم ات علي الأنعامركضا بل فوق ظهر النعامي
فأبق ما شئت في اعتلاء مداهلا يسامي وقدره لن يساما
تسترق الأحرار جوداً وتحتــلُّ من المجد غارباً وسناماً
وتمتلَّي مسرَّةً بسليليــك ونجمي افقيك دمت وداما
لترى المجد ماجدا وأخاه الــنجم بدراً ينوِّر الإظلاما
فالإمارات منهما شاهداتلهما ان سيعلوان الأناما
وهما الأزكيان أصلاً وفرعاًوهما الأعدمان لؤما وذاما
وهما سرُّ أسرةٍ يصلون اللَّــيل بالصُّبح سجَّداً وقياما
بوجوه مثل المصابيح نوراًوأكفٍّ بها نباري الغماما
وغنوا دهرهم شعارهم التَّقــوي وماتوا ما استحقبوا آثانا
فتذَّكر فراستي وارع لي حــيّاً وميتاً بالصِّدق فيهال ذماما
/ ب/ اغتفر لي إطالة عذرها أنَّــي بكراك ما أملُّ الكلاما
وإذا أبت فالقني لترى منِّــي حساما قد قلدوه حساما

وأنشدني لنفسه، وكان قد عزم على الخروج إلى قريته المعروفة بالتيارة:

عرجِّ بنا نحو التّيارهنقضي بها حقَّ الزِّياره
ونهزُّ أغصان السُّروربها ونستجلي ثماره
ونشنُّ فيها للخلاعه غارةً في إثر غاره
فقلوبنا شوقاً إليتلك المعالم مستطاره
قد حلَّ فيها الحسن فهــي لسيل واديه قراره
ومتي حللت بدارهاحللت إذن بداره
تلهيك أقمار تريلوجهها فيها استناره
ويشوق طرفك منظرفاقت محاسنه العباره
وتسوف ما ينسيك طيــب شميم نجد والعراره
/ أ/ وهناك ورد العيش عذب لا تلم به مراره
والجوُّ اركن والغمام علي الرُّبي مرخ إزاره
والرَّوض أوحي والزمان علي معاطفه نضاره
والطير في أشجارهايبدي لمسمعك اشتجاره
فاعنم بها طب الحياة فإنما هي مستعارة
وادر بها راحا تريــح من الهموم المستثاره
صفراء تحسبها عليكفَّ المدير لها شراره
واجسر علي اللَّذات فالــفطن اللَّبيب أخو الجساره
فالدَّهر يعدل تارةفي أهله ويجور تاره

وأنشدني لنفسه يستدعي صديقاً له ينعت بالعفيف أبي طالب بن صفر:

قل للعفيف أخي النَّديربِّ القوافي والمدائح
يا ماجداً قد أفحمتأوصافه منا القرائح
/ ب/ يا من لسان الحمد فيتيِّار بحر نداه سابخ
يا من يخفُّ لنقصهعن نظمه الحلِّيُّ راجح
يا ذا الَّذي مازال طرفي بالوداد إليه طامح
وعناق قلبي نحوهأبداً علي الأيَّام جامح
مولاي لقَّيت الأيامن من زمانك والسوانح
وحماك سعدك أن يلــمَّ بك الأشائم والبوارح
عندي وحقِّك صحن ششــبرك بصافي الدُّهن طافح
وعليه من سنبوشجتاج تكلِّله الشرائح
حسب أقتراحك طعمهومشمُّه كالمسك فائح
قد احكم الطاهي صناعنه فأفحم كل مادح
وعصابة نبل إذاعاينتهم غر جحاجح
تري منهم عيناك فرسان الصحائف والصفائح
يترقبون إذا عزمــت طلوع بدرٍ منك لائح
فهلمَّ تدل لهم من الأنس المعجَّل كلَّ نازح
/ أ/ وأعلم بأنَّ لهم إذالم تأت السنة قوادح

وأنشدني لنفسه ما كتبه إلي العفيف أيضاً:

قل للعفيف أبي طالب حليف العلاء
يا سيَّد الأدباءوواحد الفضلاء
يا ذا المحلَّ الَّذي جاز قنَّة الجوزاء
غمرتني بأيادجلَّت عن الإحصاء
لولاكم لم أر خــلاًّ صحيح عقد الإخاء
ملكت طرفي وسمعيسلبت لبَّي ورائي
بكاعب عذارءكالكواعب العذراء
جاءت إلي تهاديكالغادة الحسناء
لها سنيً يخجل البدر في دجي الظَّلماء
تصبي السَّميع وتلهمي الرَّأي لها والرَّائي
حلَّت بقلبي محل الشَّـفا علي الإشقاء
/ ب/ وأشبهت بين جفنــيَّ لذَّة الإعفاء
وأرشفتني بروداًعذباً علي الإطماء
فرحت أسحب منهاملابس السَّراء
قرير عين وقلبفسيح خطو الرَّجاء
بقيت لي يا أباطاًلب سعيد البقاء
فصرت منك واديعلي كريم الوفاء
حلو الشَّمائل عذب الأخلاق مرَّ الإباء
فأنت كهف اعتماديوأنت كنز اقتنانئي
وأنت سيفي اسطوبه علي أعدائي
ومن يجازيك نظماًمن سائر الشُّعراء
كمن يروم بجهلمنه منال السماء
ورمت نظم جوابفلم أطق من عبائي
وقد بعثت عزاناًتمشي علي اسحياء
في خفية واستتارمن أعين الرُّقباء
/ أ/ تكلَّلف الخطو من خوفهاك علي إعياء
خرقاء كفٍّ ولين الصَّــناع من خرقاء
فأولها منك صفحاًيا سيِّد الكرماء
ولا تقل لي قدك أتــئب من الغلواء

وأنشدني لنفسه ما كتبه إليه أيضاً جواب شعر ورد عليه منه:

عشت من طارق الَّردي في أمانونبت عنك أسهم الحدثان
ووقانا إلاه فيك فأنت الرُّوح الرُّوح والمني والأماني
وتولاَّك بالسَّلامة والصَّحَّــة حتَّي تطول عمر الزَّمان
ساحباً فضل بردة العيش تستنــفد عمر القران والأقران
رافلاً في ملابس الفخر عالي الذَّكر والقذر أهل الأوطان
آمن الظَّهر والمفاصل والرِّجــليس والرُّكبتين من ضربان
تصرع الأسد قوةًّ وتفوت الــضُّمير السَّابحات في الأرسان
/ ب/ يا عفيف الدَّين الَّذي حلَّ بالودمن القلب في أعز مكان
وأديبا أطاعه الشَّعر حتَّىزاد فيه حسنا على حسان
وحوى العلم والفصاحة حتَّىسحبا ذيله على سحبان
علم الله أنَّ شوقي إلى وجــهك من دونه لظى النَّيران
وتمادى أيَّام بعدك في قربك شيء ما كان في حسباني
واصطباري يشح عنك به قلــبي وعيني تجود بالهملان
وسروري بذي اليتيمة قد أعــجر وصفي فكلَّ عنه لساني
أسفرت حين أقبلت فاجتلى طرفي وسمعي منها عروس البيان
وترشفتها فبتُّ كأنَّيرحت منها معاقراً للدَّنان
وتصفَّحتها فخيِّل لي أنِّــي منها نزيل روض الجنان
ثم كرَّرتها ورددَّتها حتَّــي اشتفى خاطري وقرَّ جناني
قسما ما سوالف الغيد زانتـها عقود الجمان والعقيان
وثغور الرِّياض ضاحكةً غــبَّ بكاء السماء في نيسان
زارها وافد الصَّبا فتبارتفيه فرسان ضمَّر الضَّيمران
/ أ/ عند أهل التَّمييز في الحسن إلاَّدون ألفاظها الحسان المعاني
لا تسمني الجواب عنها فإقراري بعجزي إليك مدُّ بناني
يا أخي يا عفيف إنَّ اعترافيلك في الشَّعر ظاهر البرهان
لا تقس خاطري بخاطرك الخطَّـار أين الثماد والرَّافدان
أنت روح الأخوان في خفَّة الرُّوح فرفَّه خواطر الإخوان
واعفني من جواب شعرك إنَّ الشَّــعر آباه مثل ما ياباني
وابق فينة ودون قدرك أهل الشَّــعر حتَّي حبيب وابناهاني

وكتب إليه أيضاً عن شعر له إليه وأنشدنيه:

يا عفيف الدَّين الَّذي جلَّ في نظـم المعاني ونثرها عن مثال
يا صديقاً ما حاد مذ كان عن حســن فعال أو عن صواب مقال
قد لعمري أصفيتني الودَّ وأستنـشطت بالنُّصح خاطري من عقال
وتماَّكت رقَّ حمدي ومن شأن المعالى أقتناء حمد الموالي
بسلاف أدار فكرك في سمــعي منها ما دبَّ في أوصالي
/ ب/ فعلت بي وأنة أدرى بما تفــعله بالعقول بنت الدَّوالي
وتوهَّمتها أتتني من الجــنَّة لمَّا طافت بسكر حلال
وتلقيت كلَّ ما أعربت عنـه بحسن القبول والإقبال
وتخلَّصت حين واجهني رأيك بالنُّصح من خبيث السَّعالي
وتعوَّضت عنه عوَّضك اللَّــه بخير الأعواض والأبدال
لا سقى الله صوبه لا ولاجاد ثري ضمَّ شبهه ببلال
ثمَّ من بعد ذاك أطرقتني باب الأماني بزخرف الأقوال
يا عفيف الدَّين أعفني من أمورأنا من همَّها خليُّ البال
إنَّ حظَّي لم احظ منه بإسعاًدوفألي بوعده ما وفى لي
لي دين على الزَّمان وقدانًسني منه بالمطال المطال
وبقلبي منه وما بحت بالشكــوي جراح بطيئة الإندمال
لا اروم القصاص منه ومن يبــغي قصاصاً من جائرٍ مغتال
ورجائي في السِّلم منه فإن سالمني فهو منتهى أمالي
يا أخي يا عفيف حسبي بذكر أســمك راحا وراحة من لاكلال
/ أ/ عدَّ عن هذه المني إنَّما العيــش منام ونحن طيف خيال
لآ عدمنا منك أهتماماً به جئــت المعالي من الطَّريق العالي

وكتب إليه أيضاً جواب أبيات:

مالدُّرُّ زانته يدا ناظموالرَّوض غبَّ العارض السَّاكب
[والوشي من كفَّ صناع ولا الــمك علي سالفتي كاعب]
أبهي لعين اليوم من روضةزخرفها فكر ابي طالب
الألمعى الأريحي الَّذيسدَّت سجاياه فم العائب
متى تعرَّفنا بمعروفهوفضلة الرَّاهن والرَّاتب
أودعها من درَّ ألفاظهلألئاً لم تدن من ثاقب
يضيء فيها للمعاني سنيًيعشي ضياء الكوكب الثاقب
ووصف أشواق غدا قلبهمن برحها فى نصب ناصب
فاعتلقت طرفي بما أبدعتفيها بنان النَّاظم الكاتب
ورحت مسروراً بها باسطاًإلى مجانيها يد الراغب
إيه عفيف الدَّين يا من بهعزّ جنابى وا حتمى جانبى
/ ب/ يا ذا النُّهى والفضل والمنطق الــفصل الَّذي أعيا علي الخاطب
كم لك عندي من يد شكرهايعجز حصر الحافظ الحاسب
أقسم بالله يمينً امرئلا أفك الفول ولا كاذب
وأنَّك من قلبي في منزلٍناءٍ على المصحوب والصَّاحب
وأنَّك اليوم لأشهى إلىنفسي من عود الصَّبا الذَّاهب
وأنَّ مراك له في الحشالذَّة برد الماء للشارب
ولو اطعت الشوق ما كنت عنجنابك الممرع بالغائب
بقيت ما شئت البقا آمناًفى الدَّهر من حادثة اللاَّزب
تهدى لى الشِّعر الَّذى نظمهيرخص سعر الذَّهب الذَّائب
وتجتني شكري الَّذي نثرهعلى معاليك من الواجب

وكتب إليه أيضاً جواب أبيات:

قل لعفيف الدَّين ذى المجدملكت رقَّ الشُّكر والحمد
ببنت فكر لك أرسلتهاسافرة في طالع السَّعد
/ أ/ ألفاظهاً احلي من الشَّهدونشرها اذكي من الندِّ
جلوتها منك بخطٍّ غدافيه شفاء الأعين الرمد
فقمت لمَّا أقبلت قائلاًلا عدم المهديُّ والمهدي
أمهرتها ودِّي وافرشتهاصدري بل أوطأتها خدَّي
أعدت علي الهم ويا طالماقد كنت استعدي ولا معدي
وسَّرت القلب وقد كان منقبل نجيَّ الهمِّ والوجد
تفديك نفسي يا أبا طالبمن أوحد من عصره فرد
أخلاقك السَّهلة معسولةًفي هزلكً المهلي وفي الجدَّ
وذكرك الموصول بالحمدفي حالتي قربك والبعد
دان لك الشَّعر فأزريت بالــنظم علي الحلَّي والكندي
لا غرو أن أفحمتني مثل ماأفحمت من قبلي ومن بعدي
كيف أجاريك إلي غايةٍفضلت لا يحصر بالعدَّ
وذلك الشَّخص الثَّقيل الَّذييصحَّف اللَّفظ علي عمد
لم يكن التَّصحيف من شأنهوإنَّما الفخر له معدي
/ ب/ حرَّره بالهجر فقد صار منتصحيفه في غاية البرد
وأبق علي الدَّهر تنال المنيفي عيشك المقتبل الرَّغد

وله أيضاً:

يا عقيق الدَّين الَّذي نلت بالودَّله في الزمان جاهاً ورفعه
يا صديقاً له الوفاء إذا ماخاننا الأصدقاء دين وشرعه
حبَّذا أنت من فتي سهَّل الدَّهــر لنا خلقه وكرم طبعه
وحبانا منه بذي أدب زان به أصله الكريم وفرعه
وأمتنان في كلِّ حالاته يوسع في بذله ويبذل وسعه
قد علًمنا حقيقةً أنَّ مطلوبك تقليدنا أياديك خدعه
وأمرنا مسكا تجيد لنا طبــخ الَّذي اخترته وتحكم صنعه
وتهيَّأ فأنقل خطاك إلي عبــدك إذ تنقضي الصَّلاة بسرعة
لأحيَّي منك المحيَّا الَّذي أجــلو علي العين منه أيمن طلعه
يا أبا طالبٍ بقيت علي الأيَّــام في عزَّةٍ عليها ومنعه
كيف لي أقطع الزمان وأيَّامي بمرآك كلها يوم جمعه

/ أ/ والعفيف هذا؛ هو أبو طالب عقيل بن الحسن بن عقيل بن صقر من أهل حلب، ومن بيت مشهور بها. شيخ حسن طويل أسمر اللون، ممتع الحديث، فكه المجلس جيد ني نفسه؛ عده مروءة وفية تودد وحسن عشرة لمعارفه وأصدقائه.

وكان يخدم متصرفاً للأمراء، ثم لزم بيته وواظب على الصلوات الخمس ويترامى إلى نظم القريض، ويتعاطي فيه. يفعل ذلك مزاحاً وانبساطاً، وله ذوق قريب ني قوله وتركيب أوزانه، ويقول شعراً ملحوناً، نازل الطبقة، وكانت بيه وبين أبي جعفر بن القيسراني الكاتب المنشئ صحبة قديمة، وصداقة وكيدة.

وكان أبو طالب يحبّ أن يكاتب أبا جعفر بالأشعار ويجاوبه عنها ويداعبه ويماجنه بالأبيات النادرة؛ ولولا سقوط شعر أبي طالب واللحن الذي يقع ني أثنائه، لأوردت منه شيئاً في كتابي هذا. وكنت أفردت له ترجمةً بذاتها لما كان بيني وبيه من أكيد الصحبة والاجتماع؛ لكنَّه من الهذيان / ب/ الذي لا يعتدُّ به. ومن أصلح ماله من النظم توله من أبيات كثيرة، كتبها إلى بعض أصدقائه:

نقذ الورق والورق والورقففؤادي قد احترق
لا تدعني أصيح مثــل السمامين طق طلق

وكانت وفاة العفيف أبي طالب ليلة الجمعة خامس عشر ذي القعدة سنة خمسين وستمائة، ودفن بمقبرة الجبيل شمالي القلعة بكرة يوم الجمعة بتربة مخصومة بهم - رحمة الله تعالي - وسألته عن ولادته، فقال: ولدت في سنة خمس وسبعين وخمسمائة بحلب.

ثم نرجع إلى ذكر أبي جعفر بن القيسراني. كتب المخلص عبد الله بن محمد بن عبد الرحيم التميمي إلى أبي جعفر عند عوده من دمشق، واتفق وصوله إلى حلب قبل عيد الأضحى بيومين وذلك سنة تسع وأربعين وستمائة.

/ أ/ دم يا أبا جعفر مالاً لذي أمليرجو نداك وعش للفضل والجود
ما عدَّ غيرك إلا واغتدت غرراًأفعالك البيض في أفعاله السود
اناي ارتحالك عنَّا كلَّ صالحهنادى إليها وأقصى كلَّ مقصود
لا ردَّ دونك باب الخير فاتحهفباب فضلك عنَّا غير مردود

فأجابه أبو جعفر بهذه الأبيات وأنشدنيها:

أمخلص الدَّين قد أوليتني منناما شكر أيسرها عندي بمحمود
وقف منك على نظمٍ أدار علىسمعي وفهمى ولبَّي بنت عنقود
لقد ملكت به ودِّي الصَّريح كماأوردتني منه بحراً غير مورود
منحتني منه جوداً ما برحت إلىنفائس من حلاه ثانياً جيدي
والله يعلم أشواقي إليك وماجنت يد البعد من همِّى وتسهيدي
وما نثرت بذاك القطر من دررٍعليك في كلَّ نادٍ منه مشهود
ويوم القي محيَّاك الجميل فذاك اليوم عيدي من حسن به عيدي
بقيت للفضل تبديه فأنت لهكالماء للعود بل كالنَّار للعود

/ ب/ ومن نثره ما كتبة إلى الصاحب الإمام كمال الدين أبي القاسم عمر بن أحمد بن هبة الله بن أبي جرادة الفقيه الحنفي المدَّرس العقيلي - أسعده الله تعالى - من حمص عند توجهه إلى خدمة السلطان الملك الناصر صلاح الدين أبي المظفر يوسف بن محمد بن غازى - خلَّد الله ملكه – بدمشق، يعرّفه بوصوله:

"أدام الله نعمة المجلس السامي كمال الدين؛ ولا زالت محامده مفروضة، ومننه على الأعناق مفضوضة، والمسار على سمعة وقلبه الشريف معروضة، ولا برحت يده بالإحسان مبسوطة، وأيدي الحوادث عنه مقبوضة.

الخادم ينهي أنَّه سطر خدمته هذه من حمص وقد هبَّ عليه من أ/ حمص، وقدم عليه من نسيم الاقتراب من الخدمة الشريفة السلطانية ما أحيا روحه، وبعث إليه مسيحة، وهاج أشواقه وتباريحه، واستشعرت نفسه سعادة المثول بأبوابها، واستنار جبينه لما سيباشره من ترابها، وتيقن أعتاب دهره عند تقبيله عتباتها، ونجاح سعيه بوقوفه في مواقف عبيدها وأهل موالاتها، والله تعالى يقرب له ميقات الاستسعاد بمرأى عظمتها التي تخشع لها البصار، وتخضع لها

الأقدار، ويستسرّ لأنوارها الأقمار، وتتوجه الوجوه والنيات إلى كعبة كرمها، ويحلّ الرجاء بأرجاء حرمها، وتترفع الأقدار باستنزال ديم فضلها ونعمها ليسترجع الخادم بصره وبصيرته منها بنطره، ويشم لما حلَّ حالة من سماء إحسانها ديمة ثَّرة، ويرد بحر كرمها الذي يقذف بدر الأنعام من معدنها، وتأخذها بقوة، ويأمر قومة أن يأخذوا بأحسنها، ويشافه ب/ بالدعاء والإخماد والإبتهال إلى الله تعالى، في أن يمدّ ظلّ سلطانها على العباد والبلاد، وأن يمتع الخليقة منه بتلك الخليقة، التي هي ألذّ في الأجفان وأندى على الأكباد، ويفوز بخدمة المجلس التي هي مادة أنسه، وراحة نفسه، ومشاهدة محيّاه الذي له فيه مغًنى عن قمره وشمسة، فإنَّ مسألة الشوق إليه قد أخذت بحقّها، ومسافة الصبر قد الجأته إلى أضيق طرقها. وكيف به لو أعارته الريح إليه جناحاً؟ أو لو زويت له الأرض فغدا على خدمته غدّواً ورواحاً؟ وسطرها ونفسه تعد، ويده من حجلة التأخر ترتعد. وما يدري بماذا يعتذر؟ ولا ماذا ينظر وينتظر؟ غير أنَّ نفسه واثقة بأنَّ سلطاننا - خلّد الله ملكه - شريف الطبع، كريم الصنع. لا يناقش في هذا الحساب، ولا ينافس إلاَّ في الثواب، وأنَّة إلى عادته في الأحسان أجنح، وأنَّ سجاياه الشريفة أندى وأسجح، ملكَّه الله الليالي خولاً، والأيام أ/ عبيداً، وجدّد له في كل يوم جديد ملكًا جديداً، وأغنى الدنيا به عمَّن سواه كما أغنى جار البحر عن [أن] يتيمم صعيداً، وحرس نعمة المولى وأبقاها، وضاعف له أسباب السعادة وأولاها، وعطف على مكارم أخلاقه أعنَّة الثناء وثناها - إن شاء الله تعالى –".

ومما كتبة إلى السلطان الملك الناصر صلاح الدين عزَّ نصره - بعد عوده من مصر، وقد بلغة عتب منه بانقطاع كتبة عنه:

"أعز الله سلطان المقرّ الأشاف الأعظم السلطاني، وزاده اقتداراً وأعقبه ظفراً وانتصاراً، وأوسع الدنيا بملكه افتخاراً، وحاطه بمعقباته

الحافظات ليلاً ونهاراً، وجعل ملائكة نصره أعواناً وأنصاراً؛ ولا زالت الأقدار لأوامره معليةً، ولبعيد آماله مدنية، ولعقائل الممالك إليه مهدية ب/ والى طاعته في كل مراد ومرام متهديّةً.

يقبل الأرض خدمةً يعتقدها فرضاً، ويلثم العتبات الشريفة التي لا يرضى لها السماء أرضاَ، وينهي مواصلته أيام مولانا بأدعيته التي يرضى وظائفها، وينشر صحفائها. واستفتاحه أبواب القبول بدوامه على ذلك واستمراره، ومحافظته عليه في أناء ليلة وأوقت نهاره. والله تعالى يسمع ويجيب إنَّه سميع مجيب، ويقسم بالله العظيم، وبحق نعمة مولانا وحقوقها عظيمة، وكفارتها معلومة أنَّ المملوك لم يؤخر مطالعاته عن الأبواب العالية إلاَّ استصغاراً لنفسه عن هذا المقام، وإجلالاً لعظمة مولانا التي تتضاءل عندها همم الملوك العظام، وتهيبا أن يخاطب مقرّ الشرف والعظمة بما يستمدُّه من خاطر بهمّ بعده عن الخدمة الشريفة مكدود، وقلب مُحلأ عن موارد السعاداتً مطرود، وجنان تبهره أنوار تلك العظمة أ/ التي إذا حاول من قلمه سجوداً، بآيات حمدها قال جبينه أنا أحقّ منه بالسجود.

وعنده والله من الأسف لبعده عن الخدمة الشريفة ما لا تتخيلله الأوهام، ومن الأشواق إلى تعفير وجهة في مواطئ أقدام مولانا ما لا يطيق حصره (ولو أنما في الأرض من شجرةٍ أقلام)

ولئن أخَّره سوء حظّه، فإنه يتذمَّم إلى حلم مولاناً وعفوه بأنَّ له في ولاء الدولة القاهرة القدم المتقدمة، وعقيدة الإخلاص المستحكمة، وأنَّه مملوكها الذي ما نشأ إلاَّ في خدمة أبوابها، ولا شام غيث إحسان إلاَّ من سحابها، ولا فغر إلاَّ بالدُّعاء لأيامها فمًا، ولا أجرى في غير طاعتها قلماً ولا قدماً، ولا عرف غير سلطان الله تعالى وسلطانها

منعماً. وآماله فيها تتأكد على الدوام، وتزداد اشتداداً على تراخي الأيام، والله سبحانه يبلغه من خدمة مولانا ما يبلغه رضاه، ويفوز منه بسعادتي دنياه وأخراه. ويخلد ملك مولانا، ويضر الإسلام ب/ بنصره، ويجعل أمره ني عباده وبلاده من أمره، ويسعد ممالك الآفاق بما يطلعه عليها من أنوار بدره وأضواء فجره، يغني آمال الأولياء بما يفذفه لقريبها من درّ بحره، ويبعه إلى بعيدها من متراكم قطره، والأمر أعلى - إن شاء الله تعالى –".

ومما كتبه إلى السطان الملك الأشرف شاه أرمن مظفَّر الدين أبي الفتح موسى بن أبي بكر بن أيوب - رحمة الله تعالى - وكان قد أبلَّ من مرض ناله - على لسان السطان الملك العزيز غياث الدين أبي المظفر غازي بن يوسف بن أيوب - رحمة انه تعالى:

"يقبل الأرض بالمقَّر الأشرف العالي المولويّ السُّطاني الملكي الأشرفي الشاهي - أعز الله سلطانه - ولا زالت أ/ الأيام مستبشرةً بعافيته، والآمال صحيحةً بصحته، الإسلام مستعلياً بسلامته، والأقدار متقاصرةً عن نيل قدرته، والدنيا مقبلة أبداً بإقبال دولته، والتوفيق موافقاً لمماليك وأهل مودَّته، والحياة معرضةً، عن أعدائه وأضداده وحسدته. خدمةً يجدّدها علي اختلاف أحواله وطاعةً يتسربل منها ملابس إقباله، وينهي مواصلته أيام مولانا بالدعاء واختياله ني حلل السَّراء، واختصاصه بعظم الهناء، لما منَّ الله تعالى علي الإعلام والمسلمين والدنيا والدين من عافية مولانا التي أشرقت الآفاق بأنوارها، وسلامته التي عمَّت القلوب بمسارها، وصخته التي صحت بها زواجر الإقبال، واعتدال مزاجه الشرف الذي قضي للزمان وأهله بالاعتدال. ووقاية الله - تعالي - ذلك الجسم الذي هو من لطفه مجسم وإشراق شمس تلك العزَّة أضاء بها شقَّ الأمل الذي ب/ كان أظلم فالحمد لله على هذه النعمة التي لا يدانيها الشكر، ولا يقوم بحقّها الوصف والنشر، وهو المحمود على لطفه

بالمملوك حيث لم يبلغه خبر التياث مزاج مولانا إلا مقترنا بخبر عافيته، وكمال سلامته؟ ولولا ذلك لتفرقت أفلاذ كبده، وبرز قلبه إشفاقًا من جلده وجلده.

وهو من كل الكرم أكرم، والله تعالى يصرف عن مولانا كل مكروه، وينّور بعافيته القلوب والوجوه، ويضفي على جسمه شعار الصحة، ويخصه بالعمر الجديد المديد الفسحة، ويهدي إلى خاطره الشريف ما يهديه إلى خواطر أوليائه وممالكيه من الفرحة، ويبلغ المملوك عنه أطيب الأنباء، ويجعل الناس كلهم فداءً له من الأولياء والأعداء. والمملوك يسأل تشريفه بأوامر مولانا ونواهيه، والله تعالى يوزعه شكر أياديه، ويوفقه لحيازة مراضيه - إن شاء الله تعالى –".

يحيي بن سعيد بم المبارك بن عليّ بن عبد الله بن سعيد بن محمد بن نصر بن عاصم بن عباّد بن عصام بن الفضل بن ظفر بن غلاَّب بن حمد بن شاكر بن عياض بن حصن بن رجاء بن أبي بن شبل بن أبي اليسر كعب الأنصاري – صاحب رسول الله صلي الله عليه وسلن – بن عمرو بن المنهال بن عديِّ بن طريف بن عبيد بن شرَّاد بن زيد بن حامد بن لبيد بن الأشجع بن الحارث بن ربيعة بن ضبَّة بن جندب بن مرثد بن جشم بن ثعلبه بن عمرو بن عامر بن حارثة بن ثعلبة بن امرئ القيس بن مازن بن الأزد بن الغوث بن مالك بن زبد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان الأزدي.

نقل هذا السب من خط تلميذ أبية، أبي الدُّر ياقوت بن عبد الله الكاتب الموصليّ - رحمة الله تعالى -

أبو زكريا بن أبي محمد النحويُّ، المعروف والده بابن الدَّهَّان.

كانت ولادة يحيى قبل موت أبية بثمانية أيام. وكان موت أبية ب/ يوم الأحد غرَّة شوال من سنة تسع وستين وخمسمائة بالموصل.

وكانت وفاة يحيى هذا - بها أيضاً – في سنة ست عشرة وستمائة، ودفن على أبيه بمقبرة المعافى بن عمران الزاهد – ﵁ – ونشأ وأحبَّ الاشتغال بالعلم والأدب، ولم يزل راغباَ في تحصيله، مائلاً إليه بكلَّيته

وصحب الشيخ أبا المحرم مكيّ بن رياّن الماكسي النحوي تلميذ والده، ولازمة إلى أن توفي ودرس عليه أدباً كثيراً، واستفاد منه علماً وافراً؛ نحواً وعربية وعروضاً ولغةً وأشعاراً قديمة حتى تميَّز وبرع في ذلك على أقرانه. وكان يرجع إلى جودة فهم وذكاء وفطنة، ونسخ بحطّه كتباً كثيرة أدبية.

وكان فقيراً مملقاً متعذراً عليه القوت، واتصل بالأتابك عزّ الدين أبي الفتح مسعود بن أرسلان شاه بن سعود بن مودود - رحمة الله تعالي - صاحب الموصل، وولاّء التقدمّ في الرباط، وصار شيخ الشيوخ به، وحظي لديه، واكتسب منه رزقاً صالحاً، وولاّه بدر الدير أبو الفضائل لؤلؤ بن عبد الله خازناً أ/ لخزانة كتب المدرسة التي أنشأها على دجلة، وألَّف عدة مجاميع باسم الملك القاهر عز الدين مسعود بن أرسلان شاء تحتوي على أشعار رقيقة غزليّة. وكان الناس يتجنبونه لما يرون في من المتكُّبر والتيه وشراسة الخلق والفظاظة. وكان مع ذلًك شاعراً سهل الشعر، صاحب قصائد ومقطعات.

أنشدني الصاحب الوزير أبو البركات المستوفي الإربليَّ بها ﵁ قال: أنشدني أبو زكريا يحيى بن سعيد بن المبارك النحوي ابن الدّهان لنفسه:

وقائلة أصبحت في النَّاس شاعراًوقد كان يخلو من أماثلك العصر
فقلت لها: يا ويب غيرك قرَّضيملامك عنَّي واهدي أنَّى لك العذر
فإنَّي وان الفيت حني هابطالذو همَّة من دون قمتها النسر
وما جلُّ فخري بالقريض ونظمهولست أمراً أسرى فضائله الشَّعر
ولكنَّني شرفت نثري بمدحهفأحببت أن يسمو به النَّظم والنَّثر
ومن كان بكرا للفضائل واجداًلها فخليق أن تزف له البكر

/ ب/ وأنشدني أبو محمد عبد الله بن عمر بن سعدي البوازيجي الأنصاري بحلب - رحمة الله تعالى - قال: أنشدني أبو زكريا يحيى بن معيد بن الدهَّان النحوي بالموصل لنفسه ما كتبة إلى الأمير بدر الدين أبي الفضائل لؤلؤ بن عبد الله - صاحب الموصل - على ظهر كتاب أهداه له يتقاضى رسماً كان له عليه في النيروز:

مولاي يا سيَّد الملوك وياأعظم من يلتجيه ملهوف
قد حان رسمي فانعم عليَّ بهفأنت بين الأنام موصوف

ونقلت من خطه شعره من صدر كتاب ألغه وسمّاه "نتائج القرائح" خدم به الملك القاهر عّز الدين أبا الفتح أ/ مسعود بن أرسلان شاه بن مسعود صاحب الموصل - رحمة الله تعالى -:

هل لغرامي فيك من آخرأم هل على صدَّك من ناصر
يا رَّبة الخدر الَّتي أصبحتفاتكة بالأسد الخادر
رقَّي لمن أصبح في وجدهبحبكّم كالمثل السَّائر
ولا تظُّني بي سلواً فمايخطر غيرك في خاطر
واهاً لقلبي كيف ملَّكتهغزيرةً ساحرة النَّاظر
خلية عن فرط وجدي بهاراقدةً عن جفني السَّاهر
تبدي إذا ما طلعت طلعهًغراء مثل القمر الباهر
فإن تثنت فلها قامةتقد قدَّ الغصن الناضر
وافرة الحسن فواحسرتاواحربا من حسنها الوافر
قاسيةً لم ترث لي من جوىقلبي ولا من دمعي الهامر
كأنمَّا ما علمت أننَّيعبد الجواد الملك القاهر
القيل عزِّ الدِّين ربِّ العلامعطي اللُّهي حلف النَّدى الغامر
/ ب/ نجل الملوك الصِّيد خير الورىالزَّاري على الأوَّل والآخر
مولاي يا ابن الأكرمين استمعمديح نحويكّم الشاعر
فإن يكن قصَّر فيه فماله سوى عفوك من غافر
لا زلت في عزٍّ منيع الذُّرىتكفُّ كفَّ الزَّمن الجائر
ليس لما تجبر من كاسرٍولا لما تكسر من جابر

وقال أيضاً:

قالوا: إلى م تعاني الحبَّ قلت لهمما دمت حيّاً ودام الحسن في النَّاس
كم تبت يوماً فيثني همتَّي رشاله عذار على الخدَّين كالآس
إذا كلفت بمن تهوى وكان لهوجه مليح فما بالحب من باس

وقال أيضاً:

مازلت أطلب من دهري لقاءكمحتَّى إذا ما تدانى الشَّمل واجتمعا
مدَّت إلينا صروف المحادثات يداًأوهت قوى الوصل حتى صار منقطعا
فما أكتسبت سوى حزن أكابدهعمري فليت التَّداني لم يكن وقعا

وقوله يتذكر أ/ الصَّبا ويتأسَّف عليه:

وعهدي بالصِّبا زمناً وقدِّيحكى ألف ابن مقلة في الكتاب
فصرت الآن منحنيا كأنَّيأفتِّش في التُّراب على شبابي

يحيي بن سعيد بن محمد بن سعيد بن أحمد بن إبراهيم بن الحارث بن سليم بن أبي تمامٍ القاضي، أبو المجد بن أبي الوفاء التكريتيُّ.

من ربيعة، قاضي ماردين.

حدثني الصاحب الإمام أبو القاسم عمر بن أحمد بن هبة الله بن أبي جرادة الفقيه الحنفي، وقال: قاضي ماردين؛ هو يحيي بن سعيد، قدم حلب رسولاً في سنة ثلاث عشرة وستمائة، ونزل بخانكاه الملك الصالح نور الدين إسماعيل بن محمود بن زنكي بن آقسنقر ﵁ واجتمعت به وسمعت عليه شيئاً من الحديث، وأملى عليّ من شعره.

وهو شيخ حسن مفت فقيه من بيت الحديث والفقه، سمع ببغداد شهدة بنت الأبري، والرضي أبا الخير أحمد بن إسماعيل ب/ بن يوسف بن محمد بن العباس القزويني، وبالموصل خطيبها أبا الفضل عبد الله بن أحمد بن محمد عبد القاهر بن الطوسي، وصدر الدين شيخ الشيوخ أبا القاسم عبد الرحيم بن إسماعيل بن أحمد بن محمد النيسابوري. وكان مدرساً بمدرسة أبي الكرم محمد بن علي بن مهاجر الموصلي.

سألته عن ولادته، فقال: في ثاني عشر جمادى الآخرة سنة ست وخمسين وخمسمائة بتكريت، وبلغتنا وفاته ونحن بحلب في ذي الحجة من سنة عشرين وستمائة، وتوفي بماردين؛ وقيل توفي ليلة الاثنين تاسع ذي القعدة.

وقد ذكره الإمام أبو المجد إسماعيل بن هبة الله بن باطيش الفقيه الشافعي الموصلي في كتاب "طبقات الفقهاء الشافعية". وقال: ولد القاضي أبو المجلد بتكريت، وتفقه بها مدَّة وتوجه إلى الموصل وتفقه بها مدَّة على الشيخ أبي المظفر محمد بن علوان بن مهاجر الفقيه المدّرس بها يومئذ. وأعاد له الدرس بالمدرسة الفخرية على دجلة مدَّة طويلة.

ثم توجَّه إلى ماردين وأقام بها وولي التدريس أ/ والقضاء بها زماناً طويلاً، وتعين فيها للتدريس والفتوى والقضاء. وكانت له المناظرة بجامعها. وكان حسن السيرة، جميل الطريقة، عفيفاً في ولايته.

ثم قال: وذكر لي من أثق به؛ أنه لما عزم على الحج صعد المنبر يوم الجمعة، وقال: يا أهل ماردين قد ولية عليكم القضاء مدَّة طويلة، فأسألكم بالله: إنَّ من كانت له علي مظلمة أن يقوم يطالبني بها فإن كانت من مال قضيتها، وإن كانت بسبب السلطان

تداركتها منه، وإن عجزت عن ذلك تضرعت عليه في عفوها عنّي. فضجَّ الناس بالبكاء وارتفعت أصواتهم بالأيمان المؤكدة أنَّه ليس فينة من له منك شكوى ولا يتخلفك مكروه؛ فنبلغ ذلك صاحب ماردين فعظمت مكانته عنده؛ وحجَّ في تلك السنة. وكان هو الرسول إلى ديوان الخلافة وغيره من الملوك عن صاحب ماردين، هل اآخر كلامه.

أنشدني الصاحب الإمام أبو القاسم بن أبي جرادة بحلب - أيده الله تعالى - قال: أنشدنا / ب/ القاضي يحيى بن سعيد بن أبي تمام التكريتي لنفسه هذه الأبيات يرثي بها أخاه فخر الدين أبا الفخر وقد توفي بتكريت في سنة أربع وثمانين وخمسمائة:

أيا نازلي أرض العراق لقيتمارشاداً ولا لاقاكما الدَّهر ذاعر
ولا زلتما في غبطة وسلامةتجيء بكم في القادمين بشائر
إذا جئتما تكريت في اللَّيل اهدياًسلامي إلى قبر سقته بواكر
ثواه فتًى لا يخلف الدَّهر مثلهإلى أن ينادي في البرية حاشر
أبى الدَّهر أن يحيا أبو الفخر بعدماتولَّت من الدَّهر الخؤون مفاخر
بجانبها الغربي غيَّب بدرهولا غزو أن الغرب [للبدر] ساتر
سقى الله قبراً ضمَّ عقلاً وعفَّةغماماً ملثّاً قطره متواتر
ولا زال مخضر الجوانب مونقاًتمدُّ إليه من بعيد نواظر
وقولاً له إنَّي فقيد لفقدهكأن فؤادي عند ذكراه طائر
وانك إن غيبِّت عن عين ناظريفلست بعيدا أن تراك البصائر
كفى بي حزناً أنَّ فقدك سالبيرقادي وأنَّ الجفن مني لماطر
/ أ/ إذا مات أهل الفضل واندرس العلاوضمَّ سراة العالمين مقابر
وصار أخو الآداب والعقل والحجىوراجي حياة عمره متقاصر
فلا حبِّرت للكاتبين محابرولا نصبت للخاطبين منابر
ولو أنَّ بالمقدار حولاً وقوةلما حكمت في العالمين مقادر
ولكَّنه الكأس المدار على الورىليشربه بالموت باد وحاضر

وأنشدني أيضاً قال: أنشدني القاضي أبو المجد قوله:

إذا كان عودي ناظراً وشبيبتيلها رونق في نفسها وبهاء
وما نلت ما أمَّلته من وصالكمفمن لي إذا أستولى علىَّ فناء

وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه وكتبها إلى صديق له:

وإنَّي لمشتاق إليك وأنَّنيلأعلم أنَّ الشوق لي منك أكثر
لأنَّ الَّذي اشتاقه منك حاضربقلبي ومن تشتاقه ليس يحضر

وأنشدني، قال: أنشدني قوله:

/ ب/ لو أنَّ كتبى إليك واصلةبقدر شوقي ما أحصي عددا
لأنَّ ظنَّي أنَّى متى ولعتبى كفُّ دهري كون لي عددا

وأنشدني، قال: أنشدني له:

ألا يا كعبة الإحسان طرّأومن هو في معانيه جماعة
لئن قصَّرت في قصدي وحجيإليك فشرط حجِّي الإستطاعة

وأنشدني، قال: أنشدني أبو المجد بن أبي الوفاء لنفسه:

دكرتك والحجيج له ضجيجعلي عرفات في يوم الوقوف
وأرسلت الدُّعاء وظلت أرجوإجابته من البرِّ العطوف
ومازالت ضلوعي في أجيجٍوما برحت دموعي في وكوف
إلي أن قيل لي فينلت المنى وأمنت من أمر مخوف

وأنشدني قال: أنشدني القاضي يحيي بن سعيد من شعره:

/ أ/ ضحك الرَّبيع وغنَّت الأطياروتمايلت بيد الصَّبا الأشجار
وجرت علي زهر الرَّياض نسائمنسجت رقيق ثنائها الأسحار

وأنشدني/ وقال: أنشدني لنفسه:

سقتك دار السَّلام غاديةصوب نداها تجود مزنته
فيك إمام الهدي ومن خجلتشمس الضُّحي مذ بدت أسرَّته
من طبَّق الأرض بالسَّماح ومنعلت علي النَّيِّرين همَّته
هو الإمام الَّذي به انتصر الدِّين وقامت للدين حجَّته
أحمد من أحمد عواقبهوسرَّت العالمين سيرته
لازال في نعمة مؤَّبدةمحروسة بالدَّوام دولتة
ما فارق العبد تربها مللاًلكن لتهدي الدُّعاء بلدته

يحيي بن سليمان بن شاؤول، أبو زكريا الحريزيُّ اليهوديُّ.

من أهل طليطلة.

كان شاعراً قوي القريحةـ غزير المادة؛ له شعر كثير في المدح والهجاء. وكان رديء اللسان، خبيث الطوية؛ ما مدح أحداً إلاَّ وعاد ب/ وهجاه.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (٢٠٠٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف الياء

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.