من «قلائد الجمان في فرائد شعراء هذا الزمان» لابن الشعار الموصلي (ت ٦٥٤هـ)
ذكر من اسمه يحيى (٥)
يحيى بن محمَّد بن مختار، أبو الحسين المصريُّ
هو أخو جعفر الذي سبق ذكره، ويعرف بابن شمس الخلافة.
كان شاعرًا متأدبًا له عدة قصائد مدح بها الملك العادل سيف الدين أبا بكر محمد بن أيوب بن شاذي- رحمه الله تعالى.
ومن شعره يقول:
تقول وقد ودَّعتها ودموعهاتسحُّ ونيران الحشا تتضرَّم
خليلي إذا شطَّت بك الدَّار لا تدعتحيَّتنا إنَّا لها نتنسَّم
فقلت إذا سلَّمت والبعد بينناعلى غير ميقات لكم كيف نعلم
فقالت إذا الشَّمس المنيرة أشرقتفسلِّم فإنَّا حين تبدو نسلِّم
وقال يمدح:
/ أ/ يا ليلة ظلَّ فيها النَّجم منتصبًاوسط السَّماء وضلَّ النَّوم في بصري
نام الخليُّون والخلاَّن ليلهموبثُّ مغرى برعي الأنجم الزُّهر
كأنَّ لي موعدَا في الصُّبح أرقبهبالوصل فالعين من نومي على حذر
ما أطول الليل في عين مسهَّدةوأبعد الصُّبح من إنسان منتظر
أخاف إن سمته وصلًا معاجلةًتصدُّ عنِّي وتقصيني عن النَّظر
فأمسك النَّفس صبرًا كي تلين عليالتَّدريج والصَّبر مشتق من الصَّبر
قل للنوائب إنِّي قد رميت لهعنان رقِّي فلا تبقي ولا تذري
وحلِّقي وأسفِّي واهجري وصليأو خالفي أو أطيعي واعدلي وجري
ومنها في المديح:
يا من نداه حياة العالمين كماندى السَّحاب حياة الرُّوض والزَّهر
أسلم لنا وابق عمر الدَّهر في رغدفأنت منه مكان السَّمع والبصر
يحيى بن محمَّد بن عمر بن محمَّد بن عليَّ، أبو الفخر بن أبي الفضل الكاتب، الجزريُّ المولد الموصليُّ المنشأ والدار.
ذكر لي أنَّه ولد بالجزيرة العمريَّة سنة إحدى وخمسين/ ب/ وخمسمائة. وانتقل إلى الموصل- وهو صغير السنّ- واتخذها دار إقامة. وكان يتولّى بقلعتها كتابة الرقاع والروزات إلى القرى والنواحي، وذلك في أيام نور الدين أتابك رسلان شاه بن مسعود بن مودود صاحبها.
شاهدته بالموصل شيخًا كبيرًا في جمادي الآخرة سنة اثنتين وثلاثين وستمائة، شيعي المذهب، له ديوان شعر استفرغ أكثره في مديح أهل البيت- صلوات الله عليهم وسلامه، لقَّبه بـ "الكواكب المنيرة في المناقب الخطيرة"، وأنشأ تسعًا وعشرين خطبةً على توالي حروف المعجم.
ومما أنشدي لنفسه وأملاه على يمدح الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب- صلوات الله عليه وسلامه: -
قل للرقيب وفي الحبيب بوعدهحتَّى يموت بدائه وبوجده
ملَّ الملال ولمَّ شمل محبِّهونفي الجفا ورفا ممزَّق ودِّه
لولا بنفسج عارضيه ونرجسفي مقلتيه ووردة في خدِّه
وعذوبة في خندريس رضابهالمروي لراشفه ولذَّة شهده
ولباقة في مشيه ولطافةفي نطقه وتعدل في قدِّه
/ أ/ ما كنت محسودًا عليه فليمتكمدا حسودي قد حظيت برفده
ومنها قوله:
فاصبر على مضض الحسود وكيدهفبصبرك المنجي يموت بجهده
وإذا ابتليت بجار سوء فارتجلعنه وشيكًا وانتقل من عنده
وإذا نطقت زن الكلام محاذرًامر الجواب وخائفًا من ردِّه
واحذر مصاحبة السًّفيه فإنًّهلا خير في هزل السَّفيه وجدِّه
وارحم لترحم واعف وأحسن واقتنعفالله يا هذا مجازي عبده
والسِّر صنع فكاتم الأسرار لايخشى عتاب صديقه أو ضدِّه
واصنع جميلًا ما استطعت فصانع المعروفيبقى ذكره من بعده
وإذا نزلت بدار أحمق دارهفلربما رقص اللَّبيب لفرده
واعرض عن الجهَّال واهرب منهمإنَّ الجهول يهرب خطاه كعمده
واصف الوداد ووال آل محمَّدفوليُّهم يجد النجاة برشده
قوم محبَّتهم وصدق ولائهمينجيك من حرِّ الجحيم ووقده
وتقيك شرَّ الزَّمهرير إذا ثوىفيه العصاة غدَا وشدَّة برده
/ ب/ قوم إذا ذكروا يبين بذكرهممبيضُّ وجه المرء من مسودِّه
أو ما ترى الدِّينار يظهر صرفهوعياره في حكِّمه أو نقده
هم أرغموا الشِّيطان لمَّا كسَّرواالأوثان في قرب المكان وبعده
هم أوضحوا سبل الهدى لمن اتَّقىورجا النَّجا في سعيه أو قصده
يا لائمي في حبِّ حيدر جاهدًابجلاله وبفضله وبمجده
أو ما علمت بأنَّ صنو المصطفىخير الورى وأجلُّهم من بعده
حسبي ولاء المرتضى فولاءهفخر الوليِّ وأنسه في لحده
أألام في حبِّي إمامًا لم يزلجبريل خادمه وخادم ولده
[آخاه أحمد وارتضاه لفاطمدون الورى من أهله أو جنده]
مولى فدى روح النبيِّ بنفسهوحمى حماه وغيره لم يفده
مولًى رقى كتف الرَّسول فنكَّس الأصنامإرغامًا لهم ولندًّه
مولًى أباد المشركين ولم يزلفي طاعة الرَّحمان بازل جهده
مولًى له الآيات في عزماتهما تختفي في حلِّه أو عقده
مولًى يبين ببغضه وولائهللمؤمنين شقا امرئ من سعده
فوليُّ حيدر قد هداه إلههوعدوُّه ربُّ العلا لم يهده
/ أ/ من ذا يضاهيه وليس كمثلهفي علمه أو حكمه أو زهده
من طلَّق الدُّنيا ثلاثًا غيرهحتَّى غدت مرفوضةً من عنده
صام الهجير ولم يزل بصلاتهيفني لياليه الطِّوال وورده
عبد الإله موافقًا لمحمَّدٍوالغير في العمياء ساحب برده
لم يتَّخذ صنمًا إلهًا دهرهحاشاه ليس الشِّرك عقدة شدِّه
صه أيُّها الشَّاني وسل عن حيدرٍوفعاله في بدره أو أحدخ
كم بحر حرب خاض فيه ولم يخفمن جزر بحر الحرب أو من مدِّه
ولكم أراق دمًا وفرَّق جحفلًاوأذاق صنديدًا مرارة فقده
آيأته مشهورةٌ كالسَّيف لايخفى إذا جرَّدته من غمده
أو ما سمعت بقلع باب خيابرٍإذ هزَّه هزًّا وسرعة هدِّه
كم للوليِّ المرتضى من معجزٍضربت به الأمثال عنه بجدِّه
يحيى النظام عبيده ما يأتليرطب اللِّسان بمدحه وبحمده
يرجو بذاك شفاعةً منه غدًاتنجيه من برق العذاب ورعده
وأنشدني لنفسه:
/ ب/ وما كلُّ ما تبغيه نفس مؤمَّلٍينال ولا ما تكره النَّفس يدفع
ليعلم أنَّ الأمر لله وحدهوليس سواه من يضرُّ وينفع
وأنشدني لنفسه:
إكتساب الثَّناء خيرٌ من المال فحصِّل شكر الورى واكتسبه
وأمر النَّاس بالتُّقى واتَّبعهوانه عن منكر الهوى واجتنبه
وأنشدني لنفسه يمدح القاضي الإمام العالم الفاضل محيي الدين أبا حامد محمد بن محمد بن عبد الله بن الشهرزوري- رحمه الله تعالى- بالموصل:
مولاي محيي الدِّين يا ذا الَّذيعمَّ الورى إفضاله الشَّامل
وعدت نفسي منك آمالهاوعرفك المعروف لي كافل
فخذ ثنائي واغتنم دعوتيواسمح بتعجيل الَّذي آمل
فخير برِّ المرء تعجيلهوعنك يروى الكرم الكامل
يحيى بن محمَّد بن عبد الله بن محمَّدٍ، أبو زكريا الكنَّري وقيل الكنَّاري.
- وكنَّر بكسر الكاف وتشديد النون آخرها راءٌ مهملة- قرية كبيرةٌ من قرى دجيل من أعمال بغداد.
أخبرني أنَّه ولد بها في ذي القعدة سنة اثنتين وستين وخمسمائة. وتوفي بنصيبين في شوال سنة إحدى وثلاثين وستمائة.
كان شاعرًا ضريرًا لسنًا، غزير الشعر متصرفًا فيه، ذا نفس قوي في نظمه، واقتدارٍ شديدٍ في إنشائه، وخاطر سريع في البيدهة والإرتجال، يحفظ جلَّ أشعاره، ويوردها عن قلبه، ولم يتوقف في إيرادها.
وكان رديء اللسان قبيحه، مشوَّه المنظر، أفطس الأنف، هجاءً كثير الوقيعة في أعراض الناس، يتعاطى الكفريات في شعره. وشهر بقلَّة الدين، وفساد الإعتقاد- سامحه الله تعالى-.
رحل إلى الملوك واسترفدهم بشعره ولم يزل يضرب في البلاد ويتجولها ويرتزق من أكابرها وصدورها. وكان أكثر مقامه بالموصل، يصنع الحصر ب/ بيده، وكتبت عنه من شعره بالموصل وإربل جملةً.
ومما أنشدني لنفسه من قصيدة أوّلها:
حسب المحبِّ غرامه وسهادهتبكي عليه لما به حسَّاده
يمسب ويصبح بالخيال معلَّلًافكأنَّ آفات الهوى أضداده
يخفي الهوى فإذا رأى أحبابهفقد التَّجلُّد واستطار فؤاده
كيف اصطبار فتًى له في خدِّهطرسٌ ومن دمع الجفون مداده
يبكي فيكتب دمعه ما قولكمفيمن يموت وما دناه مراده
يشجو الحمام إذا بكى حتَّى إذاأفنى الدُّموع بكت له عوَّاده
كلف الفؤاد بحبِّ من هجرانهأحزانه وأمانه أعياده
وفساده في الحبِّ عين صلاحهوصلاحه إن حاد عنه فساده
يا من رمى سهمًا فما أخطا الحمىلجَّ الظما قصد اللمى ورَّاده
صبي أبى سيفي نبا مهي كباجسمي هبا يا من سبا ترداده
وأنشدني أيضًا لنفسه ممّا أملاه عليَّ من لفظه وحفظه:
/ أ/ سمحنا بالقريض ولم نصافحبكفِّ قريضنا كفِّ انتصاف
ولكن حبُّنا للفضل يحدوخواطرنا على جمع القوافي
فلو علم القريض لمن يلاقيبحكمته لآذن بانصراف
ولو عرف النَّدى للشِّعر حقًّاعليه جاءه عريان حافي
ولو رمنا صفاء الشِّعر منَّابقدر الجود لم نظفر بصافي
وأنشدني أيضًا قوله:
ليس على الشَّاعر البليغ سوىجهاده في صواب ما نظما
وما عليه بأن يحدَّ لهأهلًا وهذا لا يلزم الحكما
قد يقطف الينع غير غارسهوقد يظلُّ الغراس محترما
ويضرب الدُّرُّ بالكساد وقدينفق بعر الجمال مغتنما
والجود خبر الممدوح لا خبر الــمادح والنَّاس فطنةٌ وعمى
هذا له درهمٌ وذاك لهألفٌ وهذا لا يعرف النِّعما
والأمر لله لا لنا وله الــحكم علينا يجري بما حكما
وأنشدني لنفسه:
/ ب/ أطلقت بابًا لقصَّاد النَّدى فأتوايبغونه فلقوا في الباب حجابا
فكابدوا فاصرف الحجَّاب وادع بهمليعذب الجود أو لا فامنع البابا
وأنشدني له أيضًا:
كفى الرَّجل المخدوم خيفة شرِّهبأنَّ له شرًّا يخاف ويجزع
فإن عاش قال النَّاس سهمٌ مفوَّقٌوإن مات قال النَّاس شرٌّ مدفَّع
وإن زال عنه عزُّه في حياتهسيعلم ما يجري له وسيسمع
وأنشدني لنفسه:
ما لي إذا قلت ألف خيرٍللنَّاس في النَّاس أهملوه
وإن أتت غلطةٌ بشرًمنِّي لهم قيل حاربوه
فليحذر المرء كلَّ خلٍّله ولو أنَّه أبوه
وأنشدني في قوله:
تجنَّب بسرِّك أهل الصَّفاعلى كلُّ حالٍ وأهل الكدر
فإن أنت أخبرت بالسِّرِّ عنكأضعت الصَّواب وشاع الخبر
وأنشدني لنفسه في المعنى:
/ أ/ على السِّرِّ منك رقيبٌ عتيدٌفباشر بسرِّك غير البشر
فما السِّرُّ إلَّا كنفع اللَّبيبفمن فارق النَّفع لاقى الضَّرر
وأنشدني لنفسه:
كتبت إليكم بالحنين كتاباوعتابتكم فيما وجدت عتابا
جوابي لكم شوقي إليكم ولا أرىسوى الشَّوق والوجد القديم جوابا
أتوب إليكم من سلوِّي لحبكمومن كظَّه الشَّوق المبرِّح تابا
ومن خاب من عند الأحبة حظُّهبكى حظَّه إذ زلَّ عنه وخابا
وحقِّ الهوى لا غاب عن خاطري لكمخيالٌ فهل منكم خيالي غابا
وهل قد غضبتم قاطعين رسولكمعن المرتجى منكم رسول غضابا
أجبنا رضاكم واستمعنا نداكمفكيف نسيتم من دعي فأجابا
وكيف رضيتم في الهوى بعقابهولم يرج في حفظ العهود عقابا
وأنشدني وقد سمع قول بعض الشعراء:
نذر النَّاس يوم برئك صومًاغير أنِّي وحدي نذرت الفط
/ ب/ عالمًا أنَّ ذلك اليوم عيديلا أرى صومه وإن كان نذرا
فأخذ المعنى وقال أنشدنيه:
على الخلق نذرٌ صوم يومٍ مبشِّرٍببرئك لكن ما عليه صيام
لأنَّ بذاك اليوم عيدًا متابعًالعيدٍ وصوم العيد قيل حرام
وأنشدني لنفسه من قصيدة مطوَّلة الموقظة، أنشأها تنبيهًا فيمن يدّعي الفضائل والآداب ويتعاطى العلوم وهو صفرٌ منها وهي تزيد على مائتي بيت تتضمَّن آدابًا وفضلًا ومقاصد حسنةً:
يا معشر الحكَّام بالعدل احكمواولا تميلوا مع من يميِّلوا
كم بين من يعمل شعرًا خالصًامن تهمة وبين من لا يعمل
وأين من حرمة حبرٍ فاضلٍفي درجات الفضل لا يفضَّل
/ أ/ مالي أرى الشَّعر الجميل والَّذيينشؤه في المدَّعين يجمل
لم أر إلَّا قائلًا مدَّعيًاما ليس فيه قوله تقوُّل
ولم أجد إلَّا هذا منتحلٍوهو يظنُّ غيره ينتحل
وربما قال: اسألوا وامتحنواوهو بعيد الرُّشد عمَّا يسئل
لكنَّه يشغل من يجهلهوعنده من كلِّ فضل شغل
يغمز أو يهمز أو يلمز أويضحك في جلَّاسه أو يهزل
يعني بأن عنده فضائلًاوالكلب منه في المعاني أفضل
كم مدَّع ما ليس فيه ولهمعنِّف في قوله معطِّل
ووجهه لا يلتوي وميله لا يستوي وطرفه لا يخجل
وهذه قبائحٌ لو أنَّها في أمَّةٍضاقت عليها السُّبل
وكتب إلى بعض الرؤساء يستنجز منه وعدًا وقد عزم على السفر:
إعلم وأنت لعمري خير من علمايا ابن الأكارم أنَّ البرد قد هجما
وأنَّ يوم الخميس المستحبُّ بهعزم المسافر والمملوك قد عزما
/ ب/ وقال في أهل حلب:
بنو حلبٍ ظنُّوا اللِّباس رياسةًوليسوا وإن عدُّوا من الرُّؤساء
بغالٌ وغلمانٌ وكبر عمائمٍوتوسيع أردان بغير سخاء
وقوله يمدح الملك الظاهر غياث الدين غازي بن يوسف بن أيوب بن شاذي، سلطان حلب- رحمه الله تعالى-:
بشِّر جليس المكانعنَّا بنيل الأماني
وقل له قد تقضَّىما كان من رمضان
فما قعود الفتى عنمسرَّة الإخوان
فادنوا الدِّنان لنحظىبالفوز عند الدِّنان
وخلِّ عذل فلانٍفيها ولوم فلان
واملأ كؤوس مدامٍتتلو الكؤوس قناتي
واجعل أوان التَّسلِّيلك انتصاب الأواني
/ أ/ فما أمرتك حتَّىسبقت أمر لساني
يا ناهيًا لو تناهىمعقوله ما نهاني
إشرب ولو فرد كأسٍعلى الوجوه الحسان
حتَّى ترى العذل فيهاضربًا من الهذيان
من كان أزهد منِّيأو شانه مثل شان
كان الجنيد وكان الــحلَّاج من غلماني
حتَّى تناولت رطلًاعلى اتِّفاق المثاني
فما برحت إلى أنتركت زهدي مكاني
وصار سعيي إليهامستأنفا للأذان
دعني فطول اشتياقيإلى المدام دعاني
لو أن ماء قويقمن قهوة ما كفاني
إيه ولا سيِّما من بنان رخص البنان
مقرطقٌ معنويُّ الــصِّفات حلو المعاني
مهفهفٌ بابليُّاللِّحاظ والأجفان
/ ب/ يزهو بأبيض عاجيتيهًا وأحمر قاني
وناظرٍ نرجسيٍّومبسمٍ أقحواني
رأيته واسطيًافصرتٌ من حرَّان
سقاني الرَّاح حتَّىلم أعترف من سقاني
سكرًا به لا بخمرٍلحانةٍ ولحاني
وكيف يسكر مثليمن سبعةٍ أو ثمان
ولجَّة البحر عنديومثلها قد حان
يا ضامنًا لارتياحيفي الرَّاح ضماني
فلو حلفت عليهاكفَّرت عن أيماني
فما غواني إلَّاتهتُّكي في الغواني
ونصُّ علمي بين الــعيدين بالعيدان
لا في الوجيز ولا في الــبسيط ضاع زماني
سكَّن بكأس مدامٍقلبي من الخفقان
ولا تهب طيلسانًاما لي وللطيلسان
/ أ/ فلا مهابة إلَّاللظَّاهر السُّلطان
اللَّوذعيِّ الغياث الــمستنقذ المستعان
المنعم البرِّ أهل الإنعام والإمعان
مطابقًا في ضرابٍملاصقًا في طعان
محقِّقًا لشجاعٍمخفِّفًا عن جبان
هو أبن يوسف غازي الــغياث صدر جهان
ملكٌ دنا فتنائىمن رعبه كلُّ داني
وخصَّنا بنوالوعمَّنا بامتنان
له أوائل في الخلــق ما لهنَّ ثواني
كفٌّ كفيلٌ غوادي الأحياء والأحيان
حيًا يحيِّي ويحييغيري كما أحياني
عن أبن يوسف ترويفرائس الفرسان
وفي عواقب شانيــه مرتع العقبان
وفي لبان مناويــه منه رحب لبان
[مقرُّه اليمن قاضٍضربًا بكلِّ يماني]
يحيى بن محمَّد بن الفضل بن يحيى بن عبد الله بن جعفر بن زيدبن جعفر بن محمد بن أحمد بن محمد بن الحسين بن إسحاق بن جعفر بن محمَّد بن عليِّ بن الحسين بن عليِّ بن أبي طالب، الشريف، أبو جعفر بن أبي الفضل العلويُّ الحسينيُّ.
من أهل بغداد.
وهو ابن أخي الشريف أبي عليٍّ المظفر بن الفضل الذي مرَّ شعره متقدمًا.
وأبو جعفر هذا شاب أشقر؛ رأيته بكرخ بغداد، وله في قرض الشعر ذوق حسن، وطبع سهل.
أنشدني لنفسه بالكرخ في سنة اثنتين وعشرين وستمائة، وقد اقترح عليه أن يوازن قول القائل:
يا ليل طل أو لا تطللا بدَّ لي أن أسهرك
لو بات عندي قمريما بتُّ أرعى قمرك
فصنع أبو جعفر أبياتًا من جملتها قوله:
يا مهجتي من غيَّركومن بقتلي أمرك
ومن على سفك دمييوم الفراق أمَّرك
/ أ/ يا ناصبًا بلحظهللهائم الصَّبِّ شرك
أبصر بدرًا طالعًافي تمِّه من أبصرك
فمن رآك عاذريوعاذلي من لم يرك
يحيى بن محمَّد بن عليِّ بن محمَّد بن يحيى بن عليِّ بن عبد العزيز بن الحسين بن محمَّد بن عبد الرحمن بن الوليد بن القاسم بن الوليد بن عبد الرحمن بن أبان بن عثمان بن عفان، القاضي أبو المفضّل بن القاضي، أبي المعالي الأمويُّ العثمانيُّ.
من أهل دمشق وأبناء قضاتها ومن بيتٍ كبيرٍ في القضاء على قديم الزمان وحديثه؛ لأنه يعدُّ ستَّةً من القضاة على نسقٍ واحدٍ.
شاهدت القاضي أبا المفضَّل بدمشق، وأخبرني أنَّه ولد بها ليلة الجمعة الخامس والعشرين من سنة ستٍّ وتسعين وخمسمائة، وذكر أنَّه سمع الحديث النبوي من أبي اليمن زيد بن الحسن بن زيد الكندي، والقاضي أبي القاسم عبد الصمد بن محمد بن أبي الفضل بن الحرستاني الأنصاري وغيرهما.
وقرأ الفقه ب/ على مذهب الإمام الشافعي- ﵁ على أخيه أبي العباس طاهر بن محمد بن علي القرشي الأموي، وفخر الدين عبد الرحمن بن محمد بن الحسن بن عساكر الدمشقي.
واشتغل بالأدب على أبي الحسين يحيى بن معطي بن عبد النور الزواوي النحوي. وتولّى قضاء دمشق وله يد بيضاء في نوعي المنظوم والمنثور.
ومما أنشدني لنفسه وكتبه لي بخط يده بدمشق في سنة أربعين وستمائة في محرّمها، قوله:
حيِّ أيَّامي بذي سلمٍواسأل اللَّذَّات عن خبره
أصلٌ مرَّت مفوَّفةًمثل برد العصب أو حبره
ونديم بتُّ أكرعهقهوةً توهي قوى مرره
فرجت داجي الظَّلام لنافأضاء الليل من ستره
وتقضَّى مثل ما طرفتشفر موحي الغمز عن شفره
غير مذمومٍ ولا نكدوهو من ليلي ومن سمره
نتعاطاها مشعشعةًقد سمت في الدَّنِّ عن كدره
/ أ/ حسب كفِّي أن تخبَّ بهالاقتراب الورد من صدره
ومغنٍّ غير مكترثٍبمكان الحبسَّ من وتره
بات يلهينا وينشدناأيُّها المنتاب عن غفره
وسط روضٍ في ذرى خمرٍصدح القمريُّ في شجره
ثمَّ ولَّى ذاك أجمعهوكذاك الدَّهر في غيره
وقصارانا إلى حفروهو شاو المرء من عمره
وأنشدني أيضًا لنفسه:
إنَّ جوادًا وإن سيفًاوإنَّ مهضومةً رداحا
حصنٌ ولهوٌ لذي مصاعٍنال به الجدَّ والمزاحا
وكلُّ عيشٍ وإن تراخىوقال أهلوه لا براحا
يبيده الدَّهر بارتجاعٍجرَّ على إثره الرِّياحا
فغاية اللَّهو أن تعاطىخلع عذاريك والمراحا
وغاية الجود بذل نفسٍوفضل موجودك ارتياحًا
وغاية الرُّشد في اتِّقاءيشعرك الخير والصَّلاحا
/ ب/ واللُّؤم أن يقدح المرجِّىمنك زنادًا يري شحاحا
وأنشدني لنفسه:
أشدُّ البلاء بهذي البلادغلاء الحمير لرخص الجياد
فكيف المقام بأرضٍ بهاتقاد الأسود بأيدي النِّقاد
وأنشدني له أيضًا:
ومخلَّل طابت مجاني غرسهتلقاك لذَّته بطعم حرام
بتنا على رغم الرَّقيب ونقلناقبل الخدود على كؤوس مدام
وأنشدني قوله:
ما الأمر إلَّا نسقٌ واحدٌما تمَّ من حمدٍ ولا ذمِّ
وإنَّما العادة قد ميَّزتوالطَّبع والشَّارع في الحكم
يحيى بن المظفر بن الحسن بن بركة بن محرزٍ، أبو زكريّا البغداديُّ، الفقيه الحنفيُّ.
كان أحد شيوخ أصحاب أبي حنيفة- ﵁ درس بالمدرسة المعروفة بالتتشيَّة بدرب دينار مدَّةً؛ ثم أ/ بالمدرسة المعروفة بالموفَّقيَّة على دجلة وبغيرها.
وكان عنده فضل وله معرفة جيدة بمذهبه وبالخلاف والمناظرة، وقد سمع الحديث النبوي من أبي المعالي محمد بن اللجاس، وأبي الفضل أحمد بن شافع الجيلي، وابن التريكي وغيرهم.
وكان فصيحًا مفوَّهًا مقتدرًا على القول في المحافل ذا نظم ونثرٍ.
وكانت ولادته سنة ستٍّ وثلاثين وخمسمائة. وتوفي يوم الإثنين ثالث عشر ذي الحجَّة سنة خمسٍ وعشرين وستمائة، وصلّي عليه بجامع القصر. ودفن في داره بالمقتديَّة.
شاهدته غير مرَّة وجالسته واقتضيته شيئًا من شعره لأثبته عنه فلم يقدر لي ذلك.
أخبرني أبو طالب علي بن أنجب بن عبيد الله البغدادي فيما أجازه لي أن أرويه عنه، قال: أنشدني أبو زكريا يحيى بن المظفر بن محرز الفقيه الحنفيُّ لنفسه في داره بالمقتدية يمدح الناصر لدين [الله]- أحمد رضوان الله عليه-:
/ ب/ يا عالمًا بمواجب الإيمانومكلَّفًا شكرًا لدى الإحسان
ومطالبًا بجزاء أفعال العلاوعوائد الأحرار والفتيان
أدِّ الفيضة معلنًا بوجوبهاوابسط لسان الحمد للسلطان
النَّاصر المنصور جلَّ مكانةًوركانةً كتبتهما الملكان
المالك الوهَّاب أحمد الَّذيأعطى السحاب سواكب التَّهتان
وممدِّ تيار الخضارم واهبًالزلال ما يسري إلى الخلجان
ويفضُّ فائض عذبه وزلالهكرمًا لوارد شربه الملآن
ويدير قهوة كأسها وعقارهابحياة عالمها مدى الأحيان
قربٌ يكون جزاؤها وثوابهاأضعاف ما يأتيه من جيران
فلنا الهناء بعدله وببذلهوبفصله الوافي على ثهلان
ولنا الهناء بوجده ووجودهبمبرَّةٍ ومسرَّة وتهاني
وقيامه باللَّيل في ديجورهبدموع طرفٍ سحَّ بالهملان
يملي ويستملي خواطر رأيهببلاغة تربي على لقمان
وإذا بدا قلم الفصاحة جاريًاببديع لفظٍ رائقٍ ومعاني
/ أ/ كفَّت أكفُّ كفاة أكفاء الورىبشهادة علميَّة وبيأن
وقضى قضاة العلم في تفضيلهابفخارها حتَّى على سحبان
يخشى ولا يخشى بسالة باسلٍحطم الحماة بمأقط الفرسان
لله درُّ كفاحه برماحهوصفاحه بمحاذف المرَّان
وقراعه بالمشرفيَّة واغلًاوالحرب بالأهوال في الميدان
لم ينهدم ركنٌ لدين محمَّدأبدًا ومولانا الوزير الباني
فله الهناء بكلِّ عامٍ مقبلٍوبه انصراف الجور والطغيان
وهذا شعر من حقِّه أن يطرح ولا يسطر؛ لكن من عادة الذي يعاني التاريخ وجمع الأشعار أن يكتب الغثَّ والسمين منها.
يحيى بن المظفر بن شهاب بن موسى بن طلحة، أبو زكريا إبن الصابونيِّ.
من أهل واسط.
كان واعظًا متفقهًا، وسمع الحديث ولقي رجاله واشتغل ب/ بالعلم، ودخل العراق وسافر إلى الحجاز والشام وديار مصر. ثم عاد إلى واسط فمات بها اثنتين وثلاثين وستمائة وله نظم قريب.
أنشدني لنفسه بإربل في شهر رمضان سنة سبع وعشرين وستمائة:
يا من على ضعفي يجور تعمُّداويرى الضَّلال بقتلتي محض الهدى
ومن الملاحة كلُّها في أسرهقد حازها دون الورى متفرِّدا
بجمال وجهك إنَّه لو يهتدىبضيائه في التَّيه موسى لاهتدى
وبطرفك الغنج الَّذي لولاه ماأمسيت مسلوب الرُّقاد مسهَّدا
لا تصغينَّ إلى الوشاة فما لهمشغلٌ سوى تفريقنا وهم العدا
يحيى بن المبارك بن محمَّد بن يحيى بن عليِّ بن مسلَّم بن موسى بن عمران بن الزبيديِّ، أبو زكريا بن أبي بكرٍ البغداديُّ.
كان من بيت الحديث والفضل.
وكان أبو زكريا هذا فاضلًا يقول شعرًا مطبوعًا حسن الألفاظ.
أنشدني الشيخ الحافظ أبو عبد الله محمد بن محمود بن الحسن بن النجار أ/ البغدادي بها- رحمه الله تعالى- في جمادى الآخرة سنة تسع وثلاثين وستمائة، قال: أنشدني يحيى بن المبارك بن الزبيدي لنفسه:
قايست لؤلؤ ثغره بمدامعيفتشاكلا فأغرته من منعم
فعرفت ذاك فكدت أمنع عبرتيفأبت فعدت صبغتها من عندم
وطلبت برد لماه استشفي بهفإذاقني من صدِّه كالعلقم
وقال أيضًا:
وعاتبت دهري مستكينًا جنابهعسى أن يعود العود بالوصل أنضرا
فعاصى عليَّ الدَّهر حتَّى كأنَّهعليَّ بأوتا العداوة أصدرا
وربَّ كريمٍ ناله الدَّهر بالأذىوربُّ لئيم حظُّه قد توفَّرا
فعدِّ على العتبى وغضَّ على القذىفما زال هذا الدَّهر بالحرِّ أغدرا
يحيى بن معطي بن عبد النور بن عليِّ بن نصر بن يلول بن تاشفين بن عليِّ بن بزيع بن حنيفة، أبو الحسين النحويُّ، الأديب الشاعر الزواويُّ.
وزواوة قبيلٌ ب/ وكان من أهل بجاية.
وكانت ولادته في جبل يعرف بجرجرا. قرأ علم النحو والعربية بالمغرب على جماعةٍ منهم ابن الحداد وغيره.
ثم رحل إلى الديار المصرية، واشتغل على أبي محمد عبد الله بن بري، وسمع الحديث على عبد الحق صاحب كتاب "الأحكام".
ثم عاد إلى المغرب وجدّ في طلب العلم بعد أن حفظ القرآن الكريم، وله نحو ثلاث عشرة سنة على الشيخ أبي موسى بن عيسى بن عبد العزيز بن يللبخت الجزولي النحوي بالجزائر.
ثم رجع ودخل ديار مصر في سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة قصدًا للقاء أبي محمد بن بري فوجده لا ينتفع به لأنَّه عجز عن الإقراء، وأقام بالإسكندرية يشتغل بالفقه مدَّة عامين.
ثم رحل إلى الشام فكان اشتغاله على أبي اليمن زيد بن الحسن بن زيد الكندي، يسمع عليه كتب الأدب والقراءات.
ثم إنَّه آثر العزلة عن الناس والإنفراد بنفسه فوضع كتبًا منها "شرح الجمل" على سبيل الإملاء.
/ أ/ وكان من أقدر الناس على المنظوم وصنعة الرجز؛ فإنَّه نظم قصيدةً في القراءات السبع، وكتابًا مضمونه "المثلث" نظمًا وهو على صورة الرجز مزدوج. وأخذ نفسه بنظم كتاب "الصحاح" لأبي نصر إسماعيل بن حماد الجوهي، فنظم أكثره،
ونظم الفاظ "الجمهرة" من جنس خطبة كتاب "الفصيح" لأبي العلاء المعري؛ وله مقدمة تعرف بـ "الفصول" منثورة، ومقدمة تعرف بـ "الدُّرَّة الألفية" منظومة كملحة أبي محمد الحريري؛ وله مقدمة تعرف بـ "القبس في علم العروض" منظومة. وبدأ في منظومة جامعة سمّاها "الغاية في النحو"؛ وله كتاب في جمع أبيات سيبويه باختصارٍ منظوم، يجعل بإزاء كل بيت له يضمنه ما استشهد به فيه؛ وله في العروض نحو ذلك، وله قصائد مطولات وغير ذلك.
ثم فارق دمشق وسافر إلى الديار المصريَّة، واتصل بالسلطان الملك الكامل ناصر الدين أبي المعالي محمد بن أبي بكر ب/ بن أيوب، فأقبل عليه وقرَّبه وحظي عنده؛ ثم لم تطل به الأيام حتى عاجلته منيته وذلك في سنة تسع وعشرين وستمائة.
وحدثني الإمام أبو القاسم عمر بن أحمد بن أبي جرادة الفقيه الحنفي، قال: اجتمعت بأبي الحسين يحيى بن معطي بن عبد النور النحوي، فأنشدني من شعره وشعر غيره. وكان شيخًا حسنًا عدلًا من عدول دمشق يرجع إلى دين وورع، وأنشدني، قال: أنشدني أبو الحسين لنفسه:
ولمَّا رأيت القلب منك مقسَّمًاتخيَّرت لي قلبًا يطيق جفاكا
أيحسن بي أن أمنح الودَّ من لههنا شبحٌ والقلب منه هناكا
مراعاتك الخلَّ القديم مروءةٌفدعني لخلٍ اصطفيه سواكا
ومن وجد الدُّرَّ النَّفيس فباعهببخسٍ فلا يربح لصفقة ذاكا
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه لغزًا في الكعبة- حمى الله تعالى حوزتها وحرسها-:
/ أ/ ولمَّا تبدَّى لي من السِّجف حاجبٌومقلة ليلى من وراء نقابها
بعثت رسول الدَّمع بيني وبينهالتأذن في قربي وتقبيل بابها
فما أذنت إلَّا بإيماض طرفهاولا سمحت إلَّا بلثم ترابها
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه وقد أشرف على مدينة الرسول ﷺ:
نزلنا عن الأكوار نمشي مهابةًولو كان إنصافًا فرشنا خدودنا
وماذا عليكم أن نريق دموعناونجري في تلك العيون عيوننا
وأنشدني أبو سعد قيس بن عمر بن عمرو العربيلي الدمشقي، قال: أنشدني أبو الحسين يحيى بن معطي بن عبد النور النحويُّ الزواوي لنفسه:
رأى القوم بي فضلًا يعاديه نقصهمفمالوا إلى ذي الجهل والشَّكل أقرب
/ ب/ بهائم لا تصغي إلى شدو معبدٍوتصغي إلى جافي الحداةفتطرب
وأنشدني أبو السعادات أحمد بن محمد بن يوسف الهمامي الواسطيُّ النحوي الفقيه الشافعي بإربل، قال: قرأت على الشيخ أبي الحسين يحيى بن معطي الزواوي النحوي بدمشق لنفسه كتاب "الدرة الألفيَّة" من تصنيفه، ورأيت خطَّه بالقراءة عليه في ظهر الكتاب:
يقول راجي رِّبه الغفوريحيى بن معط بن عبد النُّور
الحمد لله الَّذي هدانابأحمد دينًا له أرتضانا
فلم يزل ينمي به الإسلامحتَّى استبانت للهدى أعلام
مؤيَّدًا منه بخير الكتبوحيًا إليه بلسانٍ عربي
/ أ/ لكونه أشرف مابه نطقكما الرَّسول خير مخلوق خلق
صلَّى عليه الله ثمَّ سلَّماوآله وصحبه وكرًّما
وبعد فالعلم جليل القدروفي قليله نفاد العمر
فابدأ بما هو الأهمُّ فالأهمَّفالحازم البادئ فيما يستتم
فإنَّ من يتقن بعض الفنَّيضطر للباقي ولا يستغني
وذا حدا إخوان صدقٍ لي علىأن اقتضوا منِّي لهم أن أجعلا
أرجوزةً وجيزةً في النَّحوعدَّتها ألفٌ خلت من حشو
لعلمهم بأنَّ حفظ النَّظموفق الذَّكيِّ والبعيد الفهم
لا سيَّما مشطور بحر الرَّجزإذا بني على ازدواجٍ موجز
أو ما يضاهيه من السَّريعمزدوج الشُّطور كالتَّصريع
فقلت غير آمنٍ من حاسدأو جاهلٍ أو عالمٍ معاندٍ
بالله رِّبي في الأمور اعتصمالقول في حد الكلام والكلم
وهذا القدر فيه كفاية ومقنع منها.
/ ب/ وأنشدني أبو إسحاق إبراهيم بن أبي عبد الله بن إبراهيم الإسكندريُّ بالموصل، قال: أنشدني أبو الحسين بن معطي بن عبد النور النحويُّ لنفسه من قصيدة بمدح بها الملك الأمجد مجد الدين أبا المظفر بهرام شاه بن فرخ شاه بن شهنشاه بن أيوب بن شاذي- صاحب بعلبك-:
ذهب الشَّباب وريِّق العمر الشَّهيفأتى المشيب ورونق النُّور البهي
وجلا به ليل الذَّوائب فجرهوأتى بناءه من نهاه مموَّه
وأطار نسر الشَّيب غربان الصِّبا فنعين في أثر الشَّباب المنتهي
ووهت قوى الآمال منه وما وهتهممٌ أبين على الحوادث أن تهي
قالت أمامة والعمار يروقهابئس الثَّغام تحيَّة للمزدهي
ما تنكرين من الصَّباح جلا الدُّجىوخضاب أسحم بالملاب الأمقه
/ أ/ سود العيون بمدمعٍ بيَّضن ليسود الذَّوائب والسُّرى في المهمه
ونعيب أغربة الحداة ببينهافإذا زجرت الوصل قالت: مه مه
وبوارح البرح استطار لها الحجىفرقًا فنادته السَّوانح: صه صه
فسخا له دمع الغمام بوابلٍمن غير مضحاك البروق مقهقه
فتفاوحت أزهاره وتناوحتأطياره بمولولٍ وموهوه
وافترَّ ثغر الأقحوان بدرِّهلعقيق مطلول الشَّقيق مطلِّه
ومنها في المديح:
ملكٌ تظلُّ الشَّمس ترصد وجههنظر المحبِّ إلى الحبيب الملتهي
إن كان في أفق السَّماء قد انجلتشمس المعالي في سناها فهو هي
وفي آخرها قوله:
زادت على مائة ونيفٍ خمسها ... .........................
لمَّا تكافا في السِّلاح عنت لهجبهات صيدٍ قبله لم تعقبه
ودعاك مجد الدِّين دين محمَّدٍللنصر علمًا بالشجاع الأمره
/ ب/ يحيى بن المقدام بن أبي الفضل بن زيادٍ، أبو الفضل البطائحيُّ.
من قرية يقال لها "حمادوية" من قرى البطائح.
ولمَّا توجهت إلى البلاد الواسطية صحبة الأمير ركن الدين أبي شجاع أحمد بن قرطايا بن عبد الله الإربلي- أدام الله سعادته- رأيت ولد يحيى فاقتضيته شيئًا من شعر أبيه، فقال: هو شيخ كبير قد ناهز التسعين، ولم يقدر على المجيء فبعد أيام سيَّر لي كرَّاسين من نظمه. وذكر لي ولده أنَّه ما قرأ شيئًا من العربية البتة.
وشعره موزونٌ يصدر عن خاطرٍ صحيح وطبع حسن؛ وهو القائل ابتداء مقطوعةٍ:
عدِّ عن ذكر دارسات الربوعيا نديمي يا إبن عبد السَّميع
واسقنيها بين الأزاهير مع ضرب المزامير بين نور الرَّبيع
قهوةً تذكر الهرقل وقد كان يباهي بجمعه المجموع
أرجوانَّيةً إذا مزجت في الــكأس لاحت كالعندم المنقوع
/ أ/ بنت كرمٍ نشا على جبل السُّــماقِّ يسقى بالغيث والينبوع
في أوان الشِّتاء حيث تكون الــشَّمس بين التَّغييم والتَّقشيع
وليكن بكرة الثُّلاثا فقد قيــل الثَّلاثا جمانة الأسبوع
تحت ظلِّ الأغصان في زورة البســتان عند الرَّيحان وسط الزُّروع
فاسقنيها حتَّى أتيه فلا أفــرق بين المخفوض والمرفوع
ثمَّ أملي واتبع الكأس بالطَّاس إلى أن أطيح كالمصروع
وإذا ما وقعت سكران لا أعــقل خذني باللُّطف يا بامنيع
مع غزالٍ حلو المعأني غضيض الــطَّرف ريَّان طيِّب المسموع
حبَّذا لحنه إذا عرك العود وغنِّي بصوته المرفوع
وقال أيضًا:
من لصبٍّ متيَّم مستهامولقلب بادي الكآبة دامي
خالسته لواحظ الخرَّد العينعلى الجسر [عند] باب السَّلام
من ظباء الأنيس كلُّ رداحٍزانها الله باعتدال القوام
غادةٌ تخجل الغزالة بالحسنوتزري بالبدر بدر التَّمام
/ ب/ قد براها الباري بأحسن تقويــمٍ فدقَّت معنًى عن الأفهام
فسقامي من سقم ألحاظها المرضى وكلمي من طيب ذاك الكلام
ودوائي من رشف ريقتها العذب ودائي من هجرها وهيامي
لا رعى الله غير أيَّامنا اللَّاتي تقضَّت مع زينبٍ وقطام
وليالٍ أسهرن عينيَّ باللَّهــو وحسو الطَّلا وشرب المدام
حيث رأسي مثل الغراب وقلبيآمن من حوادث الأيَّام
والصِّبا قائدي إلى نغم العيــدان واللَّهو آخذٌ بزمامي
يحيى بن منصور بن الجرّاح بن الحسين بن محمَّد بن داود بن الجراح القاضي، أبو الحسين بن أبي عليٍّ، الكاتب الخطَّاط المصريُّ.
كان مليح الخطّ جدًّا أعلى طبقة من الجويني وأقوى. وكان له من الأدب وقول الشعر حظّ وافر، وعناية بتحصيل الكتب ومعرفتها، وسمع الحديث على الإمام الحافظ أبي طاهر السلفي.
وكانت ولادته في يوم الحادي عشر من شعبان سنة إحدى وأربعين وخمسمائة بالقاهرة، وتوفي أ/ بدمياط وهي محاضرة بالفرنج قبل أن يملكوها بعشرين يومًا. وكان تملكهم لها يوم الثلاثاء الخامس والعشرين من شعبان سنة ست عشرة وستمائة. وكانت ولادة جِّده بدمشق.
أنشدني القاضي شهاب الدين أبو المحامد إسماعيل بن حامد القوصي الفقيه الشافعي بدمشق بمنزله في سنة أربعين وستمائة في محرَّمها، قال: أنشدني القاضي أبو الحسين يحيى بن منصور بن الجرّاح الكاتب المصري لنفسه يمدح القاضي الفاضل أبا عليّ عبد الرحيم بن علي بن الحسن البيساني- رحمه الله تعالى-:
إنَّ الوزراة آثرتك ولم تزلسكنًا لها تصبو إلى إيثاره
ألقى إليك الملك فضل عنانهاوزوى إليك الأمر من أقطاره
ولقد حميت حماه بابن هزاهزٍهو سهم غايته وقطب مداره
طفلُ عذارى الفضل من داياتهومحجَّبات الغيب من أظاره
بتحرُّك فيه سكون خطوبهوتصوَّب فيه علوُّ مناره
/ ب/ ومنمنمٍ يصف الرَّبيع تعانقتأغصانه وافترَّ عن أزهاره
وأنشدني أيضًا لنفسه فيه يمدحه ويصف القلم:
لك القلم الَّذي نجواه سحرٌومزج لعابه صابٌ وشهد
إذا ارهفت سنِّيه لأمرٍفأنياب النَّوائب عنه درد
حسامٌ بالَّذي يمضى ولكنحسام كلُّ صفحٍ منه حدُّ
وإن راشت بنانك جانبيهفسهمٌ من قضاء لا يردُّ
إذا نطق الَّذي توحي إليهتقاصر يعربٌ وجثًا معدُّ
تسابق جريه فقرٌ المعانيفما يعفيه كيما يستمدُّ
سطورٌ في سويدا كلِّ قلبٍكأنَّ مدارها شغفٌ ووجد
منمنمةٌ تخال بها عذارًابديع الحسن والقرطاس خدُّ
ومنها قوله:
بلوت الدَّهر حتَّى قال: حسبيولم تحكم تجاربي الأشدُّ
ومارست الخطوب مراس فانومن نسج الشباب عليَّ برد
/ أ/ وليس العيش إلا في كفافوعافية تروح بها وتغدو
وأعلم ذاك ثم يصد علميهوى يغري بأنَّ الغيَّ رشد
وقال أيضًا:
عدوِّي منك مختقر هباءوقولي فيك مطرح هراء
وليس شئت اصطلمتك من لسانيبقاصمة ولكن لا أشاء
فمت كمدًا بغيظك لست أهجوأخا نقصٍ فيرفعه الهجاء
وقوله في الغزل:
ومخطف جنده محاسنهمن فات عينيه لم يفت ثغره
ما جئته بالتُّقى أحاربهإلا وكانت لحسنه الكرَّه
ظبي سويدا القلوب مرتعهلا جاسمًا يبتغي ولا وجره
في خدِّه روضة لأعينناتسقى ففي كلِّ نظرة نضره
يحيى بن وثّاب بن عبد الأعلى بن الحسن بن أحمد بن إبراهيم الكاتب المصري، أبو زكريا بن أبي العزائم، العامري الليثي الكناني.
سمع يحيى ب/ ابن المظفَّر بن الفاس المصري ووالده أبا العزائم. وكان عالمًا فاضلًا كاتبًا فصيحًا شاعرًا نبيهًا محسنًا ذا نظمٍ ونثرٍ. وتوفي سنة ثلاثين وستمائة.
أنشدني أبو الفتح نصر الله بن أبي العز بن أبي طالب الصفَّار الدمشقي بها في المحرّم سنة أربعين وستمائة، قال: أنشدني أبو زكريا يحيى بن وثَّاب لنفسه من قصيدة أوّلها:
يا صائدًا أسد القلوببلواحظ الرَّشأ الرَّبيْب
وقضيب بانٍ مقلتاهإذا رنا جفنا قضيب
ومصيب سهم الطَّرفما اللَّحي عليه بالمصيب
ومعلَّلي ومعلَّنيمن رائق الثغر الشَّنيب
برد ولكن لا يذوب ولم يزل لي بالمذيب
هو في فمي العذاب الزُّلالوفي الحشا يذكي لهيبي
فمتى أفيق من الغرام ومسقمي فيه طبيبي
الأسمر المهدي الذبولَ لجسم عاشقة الكئيب
/ أ/ أوفى على شمس النَّهاروناب عمَّا في المغيب
وافى نصيب الحسن قدأضحى من الدُّنيا نصيبي
أفهل غريب أن أهيمبمبدع الحسن الغريب
فلقد حباه مهندسالإبداع بالشَّكل العجيب
أنشا الدُّجى فوق الضحىفوق القضيب على الكثيب
وغدا يحفُّ الورد فيخدَّيْه بالاس الرَّطيب
لعب الهوى بمحبِّهمن ذلك الصُّدغ اللَّعوب
وصوالج الأصداغ ليسكراتهنَّ سوى قلوب
تلك العقارب كم لهافي قلب صبٍّ من دبيب
أنا والعواذل في هواهكلَّ يوم في حروب
ما ضرَّني سخط الأنام إذا رضى الله عنه عنِّي حبيبي
ما الحسن للألباب إلَّابالخلوب بل الغلوب
كم جامح صعب القياد ثناه طوع من جنيب
ومملَّك أضحى كممــلوك لأجل هوى حبيب
/ ب/ هو فتنة الصَّابي الغويِّ ومحنة الفطن اللَّبيب
فلقد غدا فيه النَّسيــب لكلِّ قلبٍ بالنسيب
ومن شعره المختار من قصيدة يمدحُ بها الملك المنصور ناصر الدين أبا المعالي محمد بن عمر بن شهنشاه –صاحب حماة-:
نيل العلا والمنى بالبيض والأسلمن استطال بغير السَّيف لم يطل
والمجد في الفتكة البكر التي اشتهرتفي الناس لا البكر ذات الحلي والحلل
يعني بذلك الغارة على حصن الأكراد، وكسره للاسبتار ومن انضمَّ إليهم وانهزامهم من بين يديه واعتصامهم بالجدار ورجوعه بالغنائم الجمّة. وذلك في شهر رمضان من سنة تسع وتسعين وخمسمائة.
/ أ/ والعزُّ قد كفلته الأعوجيَّة فيأكفالها لا ذوات الخصر والكفل
والعزم في كل سيف جفنه عنقلا كلِّ سيف له جفن من المقل
وكلِّ رمح أصم الكعب معتدللا كلِّ ظبي رشيق القدِّ معتدل
وكل درع على العطفين منسدللا كلِّ صدغ على الخدَّين منسدل
وكل عسَّالة في الحرب إن خطرتجنيت من سنِّها أحلى من العسل
وفي الثغور إذا أقبلت فاتحهالا في الثُّغور التي للرشف والقبل
والحزم في الغارة الشَّعواء يبعثهاذو الحزم يختال بين الخيل والخول
وفي تساقي نداماها مثمِّلةًمن سمِّها لا تساقي الشارب الثمل
وصوت ماض على هام يجدُّلهافي الرَّمل لا صوت مزموم ولا رمل
وإنما شرف الإنسان في هممتسمو لضرِّ عدوٍّ أو لنفع ولي
وفخره في عذارى المكرمات إذايلهو بها لا عذارى اللَّهو والغزل
مثل الفتى المالك المنصور من عدمتأمثاله وعلا في المجد عن مثل
النَّاصر الفاتح الميمون طائرهمحمَّد ذو الأيادي والندى الخضل
أبو المعالي الَّذي لولاه ما شرفتفي النَّاس دولة أيوب على الدُّوَل
/ ب/ وأصبحت وهي في الأيام مشبهةًبفضلها ملَّة الإسلام في الملل
فريدة الدُّول اللَّاتي بها حليتمنه الدهور وكانت قبل في عطل
بدرٌ يحفُّ به من جيشه شهبأضحت تنوب على الأعداء عن زحل
ملك إذا سار في الدُّنيا أقام لهبين الخلائق مجدًا غير مرتحل
أو إن يقم فسطاه أو فهيبتهتسير من بأسه في السَّهل والجبل
وإن يسافر له عزمٌ فعن ظفربفتح قفل يجلي مسفر القفل
أو يعضل الدَّاء في أرض ففي يدهشفاؤها بحسامٍ حاسم العلل
وإن غدا راكبًا نحو العدا عجلًاترجَّلت منهم الهامات عن عجل
ففي النِّزال له أعداؤه نزلوفي النُّزول الندى المشفوع بالنُّزل
أو أخلف الجود إنَّ الجود من يدهفينا ينوب عنالوكَّافة الهطل
وكلُّ أرض بها قد حلَّ حلَّ بهاعزالي الوبل غيثٌ غير منتقل
ودهره فربيعٌ من مكارمهوعدله فكأنَّ الشَّمس في الحمل
يا مالكًا [عمَّت] الدُّنيا نوافلهحتى غدا شكره فرضًا من العمل
فرَّغت كلَّ الرَّعايا من همومهملمَّا غدوت لهم بالعدل في شغل
// جمعت في عصرنا ما بين مفترقيفضل فقد سدت أهل الأعصر الأول
فريضة الصَّوم فيه والجهاد معًاحتى لقد حُزْتَ فضل النَّفل والنَّفل
تركت فينا تلاوات القران بهمتلوَّة من بني الكفَّار بالعول
أريتهم حملات لم يكن لهمفي الضِّيق إذ بصروها وسع محتمل
ذكَّرتهم يوم حطين وشلَّهمففلَّ أيديهم ضرب من الشَّلل
أقبلتهم أوجهًا في الحرب ليس لهمبها وقد عرفوها قطُّ من قبل
يا واحدًا في العلا فردًا فقد عجزتعن وصفه غاية التفصيل والجمل
وقال وقد سأله جماعة من غلمان الملك المنصور ممن يقول الشعر، أن يقول في النرد شيئًا وهي بين أيديهم يلعبون بها، فقال ارتجالًا:
كأنَّما النَّرد وقد صفِّفتجيشان من زنجٍ ومن ترك
/ ب/ وقعاتها ما بينها أشبهتوقائع المنصور في الشِّرك
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (٢٠٠٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع