من «قلائد الجمان في فرائد شعراء هذا الزمان» لابن الشعار الموصلي (ت ٦٥٤هـ)
ذكر من اسمه يوسف (٤)
وقال يقتضي الملك العزيز عماد الدين أبا الفتح عثمان بن يوسف بن أيوب – صاحب الديار المصرية – وكان يطاول به حتى يتسخدمه: [من الكامل [
ماذا أقول إذا سئلت عن الَّذيأغنى بنائله العفاة وأرغبا
وسقت مكارمه العطاش فأصحبتروضًا وقد كانت محيلاً مجدبا
/ ب/ وكسا بأنعمه الحدائق سندسًاتفترُّ عن يقق ونور أشهبا
وسئلت ما بذل العزيز لمدحةسجد الزَّمان لحسنها وتعجَّبا
وأتيت من بلدي ببلقيس الَّتيجليت وجئت بعرشها لا من سبا
أنكحتها ملكًا أغرَّ مهذَّباًضخم الدَّسيعة عالمًا متأدبا
إن قلت: لم يجد الجواد يقال ليمثل العزيز يردُّ بكرك ثيِّبا
حاشا ابن يوسف ان يخيب شاعرًايثني عليه مشرِّقًا ومغرِّبا
ملكًا أجلّ من الملوك بأسرهمأمًا وأكرم من جميعهم أبا
وقال فيه أيضًا:
ولو كنت قبل الرَّمل أيقن بالَّذيلقيت وكيسي بالإياس يؤوب
لكنت من البيت المقدَّس آئبًاإلى بلد فيه الغريب نسيب
تؤخرني والسَّبق لي بعد غايةوأين من البحر الخضمِّ قليب
إذ أنتسبت غرُّ القوافي فإنَّنيلغرِّ القوافي والعلو منقيب
فلا تخب الأيَّام ظنِّي وإنَّماطنون القوافي في سواك تخيب
وقال بمصر:
/ أ/ يجتني الجهل من غصون الأمانيثتمراً ما تنالها الألباب
وتموت الرُّؤوس في زمن الإيـسار جوعًا وتشبع الأذناب
وقال بالموصل وقد بات في الحمام:
رقدنا في الجحيم على أناةلييلتنا ولم نخف التهابا
فلمَّا أن تراءى الصُّبح نزَّتأفاعيها فألقين الثِّيابا
وحرَّقت الإهاب فمذ نزعنارأيت الطَّل قد غمر الإهابا
وقال بالموصل أيضًا وقد هلّ الهلال وفي جنبه نجم يحفهما سحاب:
أدر الكؤوس وغنِّنيطربًا فقد رقص الحباب
وأشرب فقد هلَّ الهلال وآفة الهمِّ الشَّراب
أو ما تراه وجنبهنجم يحفهما سحاب
فكأنَّه فخٌّ يهـمُّ للفظ حبَّته شهاب
/ ب/ وقال بامد يقتضي الوزير ضياء الدين أبا العباس أحمد بن القاسم بن شيخ السلامية ِّ وهو يومئذ وزير ملك ديار وقد هجم الشتاء – حطبًا:
يا سيدِّاً عالي الرُّتبوعالمًا جمَّ الأدب
ويا وزيراً إن يشأيمحو إن شاء كتب
وأمره أنفذ منوقع السِّهام في اليلب
وصاحبًا عوَّدونيمن كفِّه لفظ الذَّهب
ومن إذا ناديتهفي مثل ذا اليوم وثب
قد هجم الثَّلج عسىتميرنا من الحطب
وقال أيضًا:
تغيَّر الخمر للعقول كماتغيِّر الحلم سورة الغضب
فافصح ولا تعتب الزَّمان علىمن يلبت لبَّه أبنة العنب
وقال في قصيدة أ/ يمدح بها شمس الدين قاضي دارا: [من الطويل
أعاذ ما لي ف السُّلوٍّ نصيبوهل بعد شيبني في هواه أتوب
إذا عذل المشتاق خال من الهوىأميل إلى تعذاله وأطيب
يرنِّحني ما فاه بالحبِّ مثل ماترنَّح في وادي الأراك قضيب
ويطربني نوح المام وإنَّنيعلى الدَّوح ما ناح الحمام طروب
أكتِّم حبًّا قد براني صدودهويعرض عجبًا إنَّ ذا لعجيب
يحمٍّلني شوقًا ويقتلني قلىويبعد عن عينيَّ وهو قريب
وليس لراء قد أضرَّ بمهجتيسواه رب العالمين طبيب
إذا مرَّ بي طيف من الحبِّ زائراًأقول وفوقي شاهد ورقيب
بحقِّ ليالي الوصل يا طيف هل بداإليك من العاني المشوق ذنوب
إذا قلت أهلاً صدَّعنِّي بوجههدلالاً ويدعوني رضًا فأجيب
وما ذاك إلاَّ فرط حبَّ تواترتعليه من البيت المشتِّ خطوب
يميس على دعص من الرَّمل ناعمكما ماس خوط البان وهو رطيب
ويبسم عن ثغر كانَّ رضابهإذا مزجت منه المدامة طيب
/ ب/ من التُّرك أمَّا خصره فمزنرنحيل وأمَّا حسنه فغريب
تملَّك رقًا لا يباع فرقَّ ليوزير بحلِّ المشكلارت لبيب
فتى أينع الأيَّام والعام ماحلوأضحك سنَّ الدَّهر وهو قطوب
فما منصب إلاَّ وللشمس ذي النُّهىأبي الفتح فيه حصَّة ونصيب
تفلُّ رماح الخطِّ أقلام خطِّهويرسلها دون السِّهام تصيب
يموِّل حتَّى لا ترى الدَّهر معسراًويخصب حتَّى لا يقال جديب
له من عباد الدَّين بين عمادهرفيع وصدر للوفود رحيب
وقال أيضًا جواب كتاب ورد عليه من بغداد من المقرب يونس بن أحمد القرقوبي:
وافي كتابك يا مقرَّبفبدا يذكَّرني وأعرب
عن طيب ريعان الشَّباب ونحن بالزَّوراء نلعب
فلثمت أسطره وكدت أطير من فرحي وأطرب
لله أيَّام مضتوأنا وأنت بكلِّ مكتب
/ ا، نلهو بأخلاق ألذَّ من الطِّلا طعمًا وأطيب
والعيش مخضر ُّ الوراقمطرَّز الكمَّين مذهب
مع جيرة ما زال نأكل في مجالسهم ونشرب
جار القضاء فشَّرق الـبين المشتُّ بنا وغرَّب
ما زالت الدُّنيا تجيء بأهلها أبداً وتذهب
وقال أيضًا صدر كتاب كتبه إلى الشهاب يوسف العقاب:
شوقي إلى يوسف العقابالعالم الماجد الشِّهاب
شوق كئيب إلى حبيبوشوق ظام إلى الشَّراب
شوقًا إذا ما أقتصرت فيهأطلت في بعضه خطابي
ولو كتبت الَّذي بقلبيإليه لم يحوه كتابي
وقال في هيثم المعلم:
قل لفرخ العقاب يا أوَّل الأولاد من بيضة علاها عقاب
/ ب/ لست تدري ما قلته فيك حتَّىتتعاوى على أخيك الكلاب
وقوله بالموصل في غرض له:
كنت بجوب الجبال مغرىوكان لي سابح مجيب
أرسله في الظَّلام يهويهويَّ دلو لها وجيب
فحين زار المشيب رأسيأثَّر في جسمه المشي
وقال يصف ساقيًا: [من الطويلي
أقول وساقينا يطوف بقهوةٍلها حبب يرفضُّ مثل الكواكب
بدت في سماء الكأس شمسًا ومن رأىسنى الشَّمس ما بين النُّجوم الثَّواقب
وقوله وقد نفذ إلى شمس الدولة المبارك بن النفيس بن مخطر يستهديه شرابًا:
كان رسمي على المبارك شمس الدَّولة الماجد الكريم المهاب
/ أ/ أنَّني لا عدمت جود أياديـهـ إذا ما خلوت مع أحبابي
أقتضي طوله الكريم وإن عـمَّ بنقل وجرَّة من شراب
وقيان وشيشك حدثث السِّنِّلطيف يأتي برسم الكباب
وقد أحتجت والرَّئيس إذا أضطـرَّ يؤم السِّباع دون الكلاب
لا برحت الزَّمان في نعم تتـرى وفي دولة بغير أنقلاب
وقال فيه أيضًا وقد نفذ إليه رقعة فأبي غلاه أن يحملها إليه:
كتبت إليه شمس الملك خطاوحقَّ لقدر مثلك أن يهابا
وقلت لبعض من يغشاك هلاًحملت لصاحبي هذا الكتابا
فأطرق من رقاعته قليلاًوقال أخاف شمس الملك يابى
فقلت وهل يردُّ الشَّمس خطًاتضمَّن في كتابته شرابا
وقال صدر كتاب إلى شهاب الدين العقاب:
/ ب/ أقري السَّلام وقَّبليبالله ياريح الجنوب
بغداد والتَّاج الَّذيمحصت محبَّته ذنوبي
قولي لمولانا الشِّهاب العالم الفطن اللَّبيب
إن كان غبت عن العيون فما برحت عن القلوب
حاشا خيالك أن يغيـب وأن يميل إلى الغروب
أنت الَّذي أبتهج الصَّديـق به وصال على الخطوب
واصل بكتبك إنَّهاأشهي من العيش الرَّطيب
هي رقية الملدوغ إنغزَّ الدَّواء على الطَّبيب
وقال يتقاضى سيف الدين غازي بن مودود بن زنكي بن أقسنقر – صاحب الموصل – بفروة لما كان نصيبين:
مولاي سيف الدِّين قد هجم الشِّتاومتى تعاود فروتي وإلى متى
/ أ/ ولقد ضمنت عليك دام لك العلاأن ليس يخلفها سواك إذا فتى
فانعم بحقِّك يا أبن مودود الَّذيهزم الجموع وجمَّع المتشتِّتا
تالله أقسم حلفة لابدًّ أنتمحو بأمرك ما تشاء وتثبتا
يا أيُّها الملك الَّي عوَّذته الـعوذ الثَّلاث وبالإله وهل أتى
لازلت تكبت ليث كلِّ كتيبةأبداً وأنت مظفَّر ألن تكبتا
وقال يهني نور الدين محمد بن داوود بعيد الفطر في الحصن:
تهنَّ بالعيد يا منله الزَّمان مواتي
وأشرب هنيئًا مريئًابخذ وهاك وهات
خمراً يشبُّ سناهاكالنَّار في الكاسات
أخاف أن تتلظَّىمنها أكفُّ السُّقاة
يحبُّ أن يشهدوهاالشُّهود في الحانات
على سماع فتاةتزري بكلِّ فتاة
/ ب/ دقيقة الخصر خودجميلة الوجنات
تشدو فيغني غناهاعن أنَّة النَّايات
كأنَّ داود يتلو الزَّبور في الخلوات
أو شكر مولاي يجريعقيب كلِّ صلاة
وقال أيضًا يمدح عماد الدين أبا بكر بن داود ويهنئه بعيد الفطر:
باكر الراَّح قبل وقت الصَّلاةوأغتنم عقلة الزَّمان المواتي
في أنبلاج الصَّباح تنتهز الأقداح لا في غياهب الحاكات
وأجتليها بكراً فأحسن ما تجـلى علينا مستحسنات البنات
فهي أحلى من الحلال وأقسىمن قلوب الخرائد الخفرات
قد أتى الفطر في عساكره تزحف بين الطُّبول والبوقات
وأنين النَّايات والصَّوم مازال هزيمًا من أنَّه النَّايات
كلَّما ضجَّت الجنود عليهجاوبتها طقاطق الشِّيزات
/ أ/ هاربًا من كتائب الفطر لا يـعرف من خوفه طريق النَّجاة
وأفترعنا عرائس الدَّنٍّ والرَّاووق يبكي عليه بالعبرات
وأباريقنا تقهقه والكاسات قد حمِّلت عيون البزاة
فهي شمس والكأس شرق ولكنفلك الرَّاح في أكفِّ السُّقاة
جاءك العيد يا عماد يهنِّيـك بملك يبقى مع السَّاعات
وبظلٍّ لو سرت في ألف ألفحجب الشَّمس من عيون الكماة
وقال يمدح الملك المسعود سكماان بن محمد في معنى طلبه منه:
رشا من حسن صورتهبتُّ مسروراً برؤيته
زارني وهنًا فبتُّ وقدزارني أهلاً بطللعته
عبثت كأس المدام بهفتثنى عند مشيته
كأن يخفي شربها فبدتقبسًا في ماء وجنته
ماس من لين خفت علىخصره الواهي ودقًّته
/ ب/ أبدع الرَّحمان صورتهوتناهى في ملاحته
صنم كالغصن رنَّحهنفس الدًّاني لغرتَّه
تهت حبًا في هواه وقدوضلَّ قوم في عبادته
بتُّ مشعوفًا به كلفًامستهامًا من محبَّته
اجتلى من وجهه قمراًفي دجى من ليل طرَّته
آم من آس العذار وقدخطَّ مسكًا في صحيفته
ولما يفترُّ عن بردرقَّ عذاَّلي لرقَّته
لو رآه السَّامريُّ لماظلَّ مفتونًا بايته
قائمًا يسعى على قدمفي قلاليه وبيعته
وإذا راح الكؤوس رمتًلهبًا من فوق راحته
راق رواووق المدام لنامن ثناياه وريقته
حاز من حسن البلاغة ماحار فكري في بلاغته
مثل ما حاز العلا ملكدانت الدُّنيا لدولته
وقال أيضًا أ/ مبدأ قصيدة يمدح الملك الصالح ناصر الدين محمود بن محمد بن دداود بالحصن:
إشراب على نفحات الرَّند من هيتاحمراء تحسبها في الكأس ياقوتا
سلافة كدموع المزن صافيةًتهوى الدِّنان وتجتاز الحوانيتا
عذراء لم يفترعها في الورى أحدسوى المزاج فزوجها بمن شيتا
تزداد همَّاً إذا ما غبت قاتلهاحينًا وتفرح أحيانا إذا جيتا
كانت لآدم شربًا في شبيبتهوعندما هرموا أولاده قوتا
من كفِّ أهيف واهي الخصر تحسبهبدراً على غصن في الدِّعص منبوتا
كأن فوق عذاريه وقد نفضتأصداغه ورقًا بالمسك ملتوتا
وقينة كمهاة الرمَّل ما تركتلعود معبد لا صوتًا ولا صيتا
جيداء ناعمة الأطراف ناهدةقد جرَّدت لدم العشَّاق إصليتا
تكاد تخرس جالوتًا إذا هزجتصوتًا وتنطق بعد الموت جالوتا
يا ضرَّة الشًّمس أين الشَّمس منك إذاما قلت قولا وسلَّيت المقاليتا
/ ب/ نفثت في علق العشَّاق سحر هوىبه تعبَّدت هاروتًا وماروتا
ترنَّمي بمديحي وأسمعي غزليلناصر الديَّن مضبوطًا ومبثوتا
وقال أيضًا يمدح بدر الدين كنان ويهنئه بعيد الفطر بمصر:
قل لبدر الديَّن يا بدرأتى العيد وفاجا
يا كمَّيا علَّم إلاساد في الحرب الهياجا
وجواداً غسلت أيَّامهالملك الأجاجا
إكس وجه الجوَّ من نسـج أياديك عجاجا
قد مضى الصَّوم هزيمًامن يد الفطر وضاحا
يرهب النَّاي وقد جاوبه الجنك وناجى
فاصرف الهمَّ بصرفإن تعافيت المزاجا
فاصرف الهمَّ بصرفٍإن تعافيت المزاجا
واجل بنت الكرم بكراًفهي تختار الزُّجاجا
يا أجلَّ النَّاس يامنزاد حسنًا وأبتهاجا
/ أ/ قد ملأت البرُّ براًسدَّ عن عيني الفجاجا
منزلي قفر يبابما رأى ليلاً سراجا
وقدوري فارغاتما حوت قطُّ دجاجا
وزبادي البيت لم تعـرف يومًا زير باجا
أنجز الوعد ولا تحـبس بذا العيد الخراجا
فخيار البرِّ ما عجِّليا بدر وراجا
وقال أيضًا يمدح سيف الدين أتابك غازي بن مودود بن زنكي:
شرب الغبوق وظلَّ مصطبحًافسكرت من لحظاته وصحا
فكأنَّه والكأس في يدهبدر الدُّجى تسقيه شمس صحى
تنقضُّ في جنباتها شهبحتَّى ظننت سماءنا القدحا
ويديرها فلك ترنِّحهنفحاتها فيهينها فرحا
ويكاد يرقص كلَّما رقصتفي خدِّه لهباتها مرحا
/ ب/ حتَّى إذا بلغت إلى ملكما زال يكتب ما الزَّمان محا
غربت فلا والله ما طلعتإلاَّ وقد خسر الَّذي ربحا
ملك له حدَّان إن نوبحدثت وصفح رضًا إذا صفحا
يغنيك من يده ومن فمهفلسانه وبيانه أصطلحا
وإذا تبَّسم في مفاكهةليلاً إليه سبيلنا أتَّضحا
وإذا نوى لعداه غائلةًسبق القضاء وفات ما ذبحا
فصفات سيف الدِّين يطربناإيرادها فنصوغها مدحا
من كلِّ قافية مهذبةتعيي الُّرواة وتخرس الفصحا
عاينتها فوجدتها حماًوصنعتها فتمثلت ملحا
تجلو على الأسماع إن سمعتصممًا وعن مهجاتنا ترحا
تبقى مؤبدة يقبِّلهافم كلِّ من بنظامها صدحا
غازي بن مودود محبتكمفرض ومن بسط الثَّرى ودحا
لا زلت بالإقبال مشتملاًوبأيمن التَّأييد متَّشحا
وقال أيضًا أ/ مبدأ قصيدة يمدح بها الملك الصالح ناصر الدين محمود بن محمد بن داود:
بتُّ أراعي النَّجم حتَّى الصَّباحفي حبِّ من كان هواها مزاح
فصار جداً والهوى لم يزليدبُّ في القلب دبيب الرِّياح
لمَّا تعلَّقت بها قال ليقلبي فقد تهت بها لا جناح
وجه كبدر التًّم يحوي لمىكأنَّه المسك إذا المسك فاح
وثغرها المنظوم من لؤلؤمنضَّد مثل بياض الأقاح
تريش بالهدب سهام الهوىوتثخن العاشق منها جراح
كأنَّما ريقتها قرقفترشف من تلك الثَّنايا الملاح
يقلُّ خوط البان منها نقًايموج من تحت مشد الوشاح
فلو رأتها الشَّمس قالت إذاما غبت كوني عوضي في الصَّباح
فعدَّ عن ذكر سناها ولذبناصر الِّدين الكثير السَّماح
وقال فيه أيضًا يمدحه من قصيدة:
/ ب/ فاض دمعي ليتهم نزحواما جرى منه وما أنتزحوا
جيرة صدُّوا بلا سببخسروا مثلي وما ربحوا
ومن الابراح أنَّهمأفسدوا مني وما أصطلحوا
لو أرادوا وصل مكتئبما نأوا عنه ولا برحوا
رحلوا والرُّوح موثقةًمعهم والجسم مطَّرح
لم يبن لولا الكلام ضنىفهو من فرط الأسى شبح
أقصروا فالعشق أطيب مايبتلى فيه ويفتضح
لا تلوموني فلي ملكبثياب العزِّ متَّشخ
ملك بالفضل مغتبقوببذل المال مصطبح
ناصر الدِّين الَّذين انتصرتبعلاه في الورى المدح
وقال يقتضي الملك العزيز عماد الدين عثمان بن يوسف بن أيوب بمصر:
يا عماد الدَّين يا منطاب تغزيلاً ومدحا
/ أ/ والَّذي ما زال يهميفي الورى طشًا وسحاً
والَّذي يحتقر الموت إذا ما جرَّ رمحا
أأترى أبصر من خطِّك في كفِّي صحَّا
لا إذا جئت إلى النُّوَّاب قالوا لي تنحَّى
وقال وقد أتعبه الديوان في إيصال الجامكيَّة بمصر:
أيا من يشتري الحمدومن يكتسب المدحا
ومن يحتقر الغيثإذا ما كفُّه سحَّا
لقد وقَّعت لي صحَّولكن صحَّ ما صحَّا
وقال يمدح العضد أبا الفوارس مرهف بن أسامة بن منقذ بمصر: [من مالنسرح]
أما وثغر أنقى من البردوعارض في تضاعف الزَّرد
/ ب/ وأسهم المقلتين ترشق اللـعشَّاق بين الفؤاد والكبد
وورد خدٍّ بالاس يحجبهأو حد لا يرعوي إلى أحد
فمن رأى في زمانه رشًايطول من حسنه على أسد
أحسد كأس الطِّلا إذا أرتشف الـكأس بظلم عذب الِّثات ندي
تسلَّط النَّار والعقار علىوجنته وأستجنَّ بالعدد
قلت وقد ماس كالأراكة ياظبي الفيافي وبيضة البلد
ما النَّور والأقحوان أحسن منثغرك يا سيدي ويا سندي
فقال: عنِّي إليك، قلت: عسىتريحني منط راحة العضد
فخر بني منقذ وبالجدِّ في الـعالم تنبي طهارة الولد
ساد بني الدَّهر من سيادتهفمثله في الوجود لم يجد
حوى من الفضل كلَّ مكرمةبديعة من نفائس الزُّبد
له يراع وصارم طبعًاكلاهما من رضًا ومن حرد
وقال وقد أعطاه الملك المؤيد نظام الدين ضيعة وكبتها / أ/ له ملكًا. وكانت كثيرة الأشجار، لذيذة الثما، غزيرة الأنهار؛ وهي على شاطيء الفرات فحسده جماعة عليها وحملوه على أخذها منه. وكان قد كتب خطه معه على توقيعه بها بخط كفّه: "ملعون من يغيرها ما عاش عليه أو يستعيدها أبداً".
جعلت بنعماك يا ابن الملوكأعادي لي من طريق الحسد
وكيف ولا يحسدوني وقدمننت عليَّ بنامِّ البلد
أرى كلَّما زدتني رفعةًيموتون في كلَّ يوم كمد
إذا لم أخف بعلاك السِّباعأخاف ومثلك لي من نقد
فعمَّرك الله عمر الزَّمانولا عمَّر الله منهم أحد
وقال يمدح الوزير ضياء الدين أبا العباس أحمد بن القاسم/ ب/ ابن شيخ السلاَّميَّة – وهو يومئذ وزير الملك الصالح محمود بن محمد بامد:
يا قمراً في جماله أوحدمثلك في العالمين لا يجود
سلَّطت نار الأسى على كبديفكلُّ نار من مهجتي توقد
صن عقربيك اللَّتين قد لسباحبَّة قلبي بصدغك الأسود
سبحان رب براك من حمأبدراً وخداك من دمي ورَّد
بدَّد شملي ببينه وأبىيجمع شملي من بعد ما بدَّد
وهدَّد اللَّيث بالُّصدود ومايهمُّ ميت إن صدًّ أو هدد
لولا ثناياه ما أهتديت وقدضيَّق طرفي وسبلها سدَّد
إلى قوام كأنَّه غصنمزنَّر الخصر ناعم أملد
اخاف من ضعفه وقد نظرتإليه عيني ينقدُّ او ينفد
يكاد من لينه ودقَّتهيحلٌّ عند القيام أو يعقد
له رضاب إذا مزجت بهالكأس سحيراً والطَّير قد غرَّد
أبرد من دمعة السُّرور ومنماء بكانون في الشِّتا أجلد
/ أ/ يصوغ مسكاً وعنبرًا عطرًاوإن بدا شاديًا فمن معبد
إذا تحسَّيت من سلافتهرطلين بالظَّاهريِّ أو أزيد
ظننت أنِّي بدسته ملكتجبى إلَّى البلاد أو تحشد
أفدي عذارا ما خطَّه قلمكأنَّ داوود نبته زرَّد
أبدع في خلقه الإله فماأحسن ما صاغه وما جوَّد
لو شرب الدَّهر من لطافتهما عصرته الأكفُّ في صرخد
ما قال رأيًا ولا بدا سفهمنه على شربه ولا عرب
لو عبد النَّاس قبله بشراًلكان من حسن وجهه يعبد
فاق بني الحسن في الزَّمان كمافاق على النَّاس بالتُّقى أحمد
وقال أيضًا يمدح الملك المسعود قطب الدين أبا المظفر سكمان بن محمد ابن داوود بامد:
قف على الجزع متى شئت وناديفعسى يخبرك الجزع مرادي
/ ب/ إن وعى قولك يا سعد اللِّوىأو وعى البان فعرِّض بسعاد
أتراها نسيت عهد الصِّباأم تراها صرمت حبل ودادي
إن يكن قلبي جديداً في الهوىفهي مغناطيس قلبي وفؤادي
سل حمام الأيك عنِّي سحراًهل تلذَّذت بنوم ورقاد
إن شدا نحت وإن نحت شدافكلانا في ثياب من حداد
ما على طيف الكرى لو زارنيوعلى طيف الكرى كان اعتمادي
وعلى أنعم قطب الدِّين مذكنت في الذَّرِّ طريفي وتلادي
ملك تسطو به الحرب كمايطرب النَّشوان من شعر وشادي
لا يبالي والعوالي شرَّعكثر الحاسد أم قلَّ المعادي
يطعن الألف فلا يرهبهاويجود الألف من غير تمادي
يا بني أرتق إن عدَّ النَّدىأنتم السَّامون في تلك العداد
ناركم ناران سخط ورضًافهي دخر لمحبِّ ومعادي
وقال وأرسلها إلى الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب إلى الشام:
/ أ/ ما ثناني عن الثَّناء البعادالهوى والوداد ذاك الوداد
كيف أنسى تلك اللَّيالي وأيَّامي بنعماك كلُّها أعياد
وجلوسي إذا خلوت بعلياك وسمعي يصغي لما لا يعاد
إن تناسيت ذلك العهد لا شمـت وميضًا ولا سقتني عهاد
أو تواني فمهي عن الملك النًّاصر يومًا فلا ورى لي زناد
والَّذي جمَّع الشَّتات وأنشاسحبًا أعشبت لديها البلاد
مذ ترَّحلت عن جنابك ما سغـت شرابًا ولا هنا لي زاد
وقال يعاتب الوزير ضياء الدين أحمد بن شيخ السلامية:
كم قد سهرت على علاك بمدحةغرَّاء ما صلحت لغيرك أحمد
علِّي أحوز بما نظمت مواهبًامن راحتيك وأنعمًا لا تنفد
فنبذتها نبذ الحصاة كأنَّهاصل ينضنض في يمينك أسود
وكأنَّ طرس قصائدي في مدحكمورق يصُّر به الدَّواء ومزود
ولكم مدحت كما مدحتك ماجداًأسدى إليَّ مكارمًا تتردَّد
/ ب/ ومنعتني فمك الَّذي أحيا بهومنعت جودك قل بمن أستنجد
فإذا كسوتك في زماني حلَّةتبقى على مرِّ الزُّمان وتخلد
وقال يهني صارم الدين ختلج بالعيد – عتيق نجم الدين أبي الفتح يوسف بن الحسين بن المجاور الدمشقي وزير الملك العزيز عماد الدين عثمان بن يوسف بمصر – إرتجالاً، ويطلب منه ما كان قد وعده به:
يا صارم الدِّين لقدوعدتني في العيد
أرفل من جودك فيذيل قبًا جديد
وليس لي عندم منيطرب من نشيدي
تحيَّر الحمام فيالغصون من تغريدي
كأنَّني نائحةتفجع بالتعَّديد
وأهيف القدِّ نشاكالغصن الاملود
/ أ/ أعيد معسول اللَّمىمن الظِّباء الغيد
أكحل مهضوم الحشامورَّد الخدود
ريقته أطيب منسلافة العنقود
سألت عن مسكنهفقال في زبيد
ولي موال قطنوابالأمس في الصَّعيد
ناولته الكأس وقدمال من الرُّقود
كأنَّه القانت فيالركوع والسُّجود
أو طفلة من الظِّباء علبة الزُّنود
تقوم شفعًا وتصلّـي الوتر من قعود
أديك ياربَّ النُّهىمن صارم صنديد
لازلت تعلو رتبًاعلى الملوك الصِّيد
وقال ارتجالاً وقد طلب منه الملك الصالح محمد بن محمد أبياتاً تكتب على باب عرضي:
/ ب/ حلَّ بأرجائك السُّعودولا عرشك المجيد
ولا غدا عن ذراك وفدإلاَّ وقد نال ما تريد
ولا برحت الزَّمان تعلوفي نعم ما لها نفود
ممتَّعً بالبقاء تأتيقسراً إلى بابك الأسود
ما سجع الطَّير فوق غصنمغردِّاً والحيا يجود
أنت لمن يرتجيك بابللخير مفتاحة السُّجود
وقوله فيه أيضًا وقد طلب منه أبياتاً تكتب على باب المجاز:
جاز بباب المجاز محمودفسال من سيب كفِّه الجود
في دول ما يزال يكنفها السَّـعد وتعنو لها الصَّناديد
لا زالت النَّيرات تخدم علـياه ركوعًا والبيض والسُّود
ما سجع الطَّير في الأراك ومارجعَّ خلف الركاب غريد
وقال أيضًا/ أ/ جواب كتاب أرسله إليه من الموصل بهاء الدين علي بن السمين:
وافي كتاب بهاء الدِّين فابتهجتعيني بذاك فلم تشبع من النَّظر
وبان منثور تبر قد سقى أدبًامن وابل الفكر لا من وابل المطر
ولم أزل وحياً كفَّيك أرتع فيروض الرسائل بين الحبر والحبر
وقال يمدح الملك المسعود قطب الدين أبا المظفر سكمان بن محمد بن داود من قصيدة أولها:
ربَّ ليل بتُّ من سهرهأجتلي الجوزاء في قمره
ظلت أشكو طوله ومنىمهجتي تشكوه من قصره
لم يحمِّلنا انقضاء هوىًكلُّ إنسان على قدره
وحبيب كنت أرمقهخيفة الواشين من حذره
صدَّ ظلماً وانثنى غصناًفبعثت النَّفس في أثره
كيف يسري الطيف نحو فتىًما يجول النُّوم في بصره
ألف الدَّهر الصُّدود فمايخطر السُّلوان في فكره
كيف يسلو عاشقٌ بشراًحلَّ كلُّ الحسن في بشره
شدَّ زمَّاراً له وتلاما تلا داود من زبره
وهو للإنجيل معتنقٌيطبع الألحان من سوره
كيف يصليه الإله لظىوهو أسنى الخلق من صوره
إن يكن ذا الحسن في سقرٍفجنان الخلد في سقره
تخجل الأغصان منه كماتخجل الولدان من خفره
وتحار الحور منه إذاسل سيف الحسن من حوره
حاز من بحر النَّسيب كماحاز قطب الدِّين من درره
وقال في رجلين كل منهما يلقب بالضياء أحدهما ضرير والآخر أعرج:
ضياءان من غسق كوِّنابسومهما ذو النهى يخسر
ضريرٌ يقول رأيت السُّهاوأعرج يعجب ما يذكر
يقول لحقت برجلي الغزالوما فاتني البارق الممطر
ويزعم إن صفعت كفُّهضريراً ففي وقته يبصر
وقال في النحول:
أنحلني الشُّوق فلو أنَّنيولجت في جفنك لم تشعر
وصرت لا شيء ومن لم يبنكيف تناجيه ولم يبصر
وقوله وقد طلب منه الوزير صفي الدين عبد الله بن علي بن شكر أن يجيز له بيت أبي فراس:
وكم أبصرت من حسنٍ ولكنعليك لشقوتي وقع اختياري
فقال أبو يعقوب:
فما للقلب حين يحبُّ شرطٌوهل شرطٌ لمسلوب القرار
ولو وجب القصاص على دليللكنت أخذت من عينيَّ ثاري
وقال فيه أيضاً يطلب منه دستوراً لعله يمضي يقضي من أهله وطراً:
دعاني المسير وآن السَّفرفجد لي بجودك ممَّا حضر
من الصَّافنات الجياد الَّتيطواها الطِّراد بجيشٍ مجر
معوَّدة لحياض المنونوطنِّ الذُّباب ورنِّ الوتر
أيا ملكاً بسماح اليدينلأعلام جود نداه نشر
فأنت الزَّمان إذا ما سطاوأنت الصَّباح إذا ما ظهر
وكفُّك حين ترى السَّائلينتمدُّ الجياد وتعطي البدر
فمنك العطاء ومنَّا الثَّناءفسيره بالمعاني سير
وقال وقد طلب منه الأوحد المغني أن يجيز له بيتاً يغني بما يجيزه؛ لأنَّه ما كان يحفظ غير ذلك البيت فحسب:
وعذراء ما لبست للحليِّإلَّا خلعت عليها عذاري
تميس من الدَّلِّ كالخيزرانويعطفها اللِّين عطف السِّوار
واحذر من قدِّها أن يميدفينقدُّ من هيف وانحصار
وأعجب من خصرها كيف لايزول وقد حسَّ مسَّ الإزار
فمن وجهها زهري إن أردتربيعاً ومن ريق فيها عقاري
تعلَّقتها وزمان الشَّبابشفيعي إلى صورٍ كالصِّوار
فلمَّا كلفت بها قادنيإلى وطني عدم الإصطبار
فودَّعتها ولئالي الجفونتساقط ما بين ماء ونار
كأنَّ الدُّموع على خدِّهابقيَّة طلٍّ على جلَّنار
وقال بالموصل وقد أخذه نسا في رجله اليسرى:
يا بلدة الموصل أورثتنيمفاصلاً في رجلي اليسرى
إن لم أعجل لانصرافي غلىبغداد آيست من الأخرى
وقال أيضاً وقد طلب من الوزير ضياء الدين أبي العباس أحمد بن القاسم ابن شيخ السلّامية شعيراً، قال له: قد نفذنا إلى الحصن في طلب الشعير:
قد تقنَّعت بالشَّعير ومثليلا يجازى لشعره بالشَّعير
يا وزير المسعود ساعد لمن لايترجَّى سوى أيادي الوزير
كلُّ شيء يفنى سوى مدحي فيــك ولو جدت لي بملك كبير
فنفاد القليل يا أوحد النَّاس يوازي به نفاد الكثير
وقال في الخضر بن شروه بمصر، وهو في خدمة الملك العزيز عماد الدين عثمان بن يوسف بن أيوب: [من المسرح]
بتُّ أعاطى الكؤوس في السَّحرعلى أنين النَّايات والوتر
من كفِّ جيداء كالغزالة ماأخفَّها لو مشت على بصري
بديعة الحسن من لطافتهاتعلِّم النَّاس صنعة الصُّور
ريقتها في الزُّجاج أطيب منمسك فتيق وعنبر عطر
تميل أعطافها إذا خطرتكما تميل الأقاح بالمطر
تكاد تخفي الصَّباح إن أسفر الــصُّبح بمحلو لك من الشعر
تعقد من لينها إذا خطرتدون مهاة النَّقا على خطر
وقينة بالجمال حالية الــحال تغنِّي بصوتها الخمر
أما ترى اللَّيل قد مضى هرباًمنهزماً والصَّباح في الأثر
في ليلة ظلَّ من تقاصرهايعثر ذيل الصَّباح بالسحر
هبُّوا إلى قهوة معتَّقةحمراء تنفي وساوس الفكر
باكرها القسُّ في الظلام علىعادته والنُّجوم لم تغر
في فتية من بني الشَّمامس يزهون بأعطافهم على الزَّهر
جاءوا براحٍ كأنَّها قبسٌيطير منها الحباب كالشَّرر
تذكر نوحاً وقد تعلَّقهاآدم من قبله أبو البشر
شجُّوا قواها حتَّى ترقَّ كمارقَّت من الجود راحة الخضر
وقوله في غلام اسمه غازي معذّر
قال قومٌ على سبيل التَّهازيشعراتٌ بدت بعارض غازي
قلت قول المحبِّ حين بدا الرَّيــحان ما حلَّةٌ بغير طراز
وقوله ما كتبه إلى الملك العزيز عماد الدين عثمان بن يوسف بمصر. وكان يحبّ أن يستزيد من رقاعه وكان يطول به رغبةً فيه ليستخدمه:
كم أناجيك في الرِّقاع وفكريفي معاليك ينظم الأشعار
وأغالي من المحبَّة في المدح لعلِّي أهزُّ منك الثِّمارا
وقال يمدح هلدرا ببلد مصر، ويغّزل بأياز الرومي؛ وقد مرَّت عينه على يافا:
يا خوط بانٍ ماس سكراورخيم دلِّ تاه كبرا
وبديع لفظٍ صيغ بالــتنقيح ياقوتاً ودرَّا
ما ضرَّ طيفك لو يجود بليلة في الدَّهر أخرى
حتَّى أبثَّ إليه مالاقيت منك قلى وهجراً
فلقد أضرَّ بي الهوىلو كنت تنظر فيَّ أجراً
أرسلت فوق عذارك الــمخضرِّ من صدغيك ستراً
كتب البنفسج حولهبالعنبر الشَّحريِّ سطراً
ما الدُّرُّ نضِّد في نحور الحور أحسن منك ثغراً
قد كنت شمساً قبل أنأهوى هواك فصرت بدراً
تفَّاح خدِّك نقل منيمتاح من شفتيك خمراً
يا قاتلي بشبا الجفون إلى متى بجفاك تغرى
أسبلتني سنة الكرىوبدأت لي في صل تقرا
وسحرتني بأيا الصَّباح وكنت أنفث منك سحراً
تهتز من مرِّ النسيــم فمن ترى سمَّاك صخراً
حتَّى أقبِّله لصدق مقاله خمساً وعشراً
لمَّا تمكَّنت المحبَّــة صرت كالمصفود أسراً
أسلمتني للنائباتتحدُّني بطناً وظهراً
لولا انبعاث الفكر فيمدحي لمولانا هلدرا
وقال يطلب مداداً من زين الدين بهروز. وكان دزداراً بقلعة بالوية:
أروم نقس دواتي من سحائبك السود التي حجبت من جوفها القمرا
وغرَّقت بنداها كلَّ شامخةٍحتَّى شكرت على حالاته المطرا
وقال وقد نفذ إلى العضد أبي الفوارس مرهف بن أسامة بن منقذ رقعةً وجاء إلى بابه بها فرده:
جئت إلى بابك الكريم وقدنقَّحت فكري في مدحكم دررا
كأنَّها روضةٌ وقد نثر الغيم عليــها من النَّدى مطرا
تضوع من ريِّها إذا اضطربتمسكاً فتيقاً وعنبراً عطرا
رضَّعتها في ابن منقذ العضد الــعالم علِّي اقضي بها وطراً
وقلت بكرٌ من الكواعب كالشــمس رودٌ أنكحتها قمراً
فصدَّها عن هواه أسودهوما درى أنَّني أبو الشُّعرا
أقابل الجود بالمديح ومازلت بهذا أعامل الأمر
وقال أيضاً يمدح أسد الدين المصري بمصر:
ألا يا أسد الدِّينوحقِّ ليلة القدر
لقد أوحشني شخصــك في صحوي وفي سكري
وما لي أحدٌ أسنــد في الخلق به ظهري
سوى ساميك يا من فاق فوق الأنجم الزُّهر
أرى قوماً بلا قدرإذا ما جهلوا قدري
يخافون بأن أنظرــم في أعناقهم شعري
ولولا ابنة العمرلأودى بينهم عمري
فقم وأسع إلى بكرٍشبيه الغادة البكر
إلى مشموله أعتــق من آدم في الذَّرِّ
تزيل الهمَّ عن صدرك والوسواس عن صدري
تضيء في ظلام اللَّيــل مثل الكوكب الدرِّي
إذا ما ألَّف الرَّاووق بين الماء والخمر
وطابت نغمات العود بين الطَّبل والزَّمر
أناديك وقد زفَّتعلينا ابنة الخدر
إلا فارتشف الرَّاحعلى واضحة النَّحر
على ناعمة كالخوطمن أجفانها سحري
فتاة كمهاة الرَّمــل لولا هيف الخصر
فمن رمَّانها نقليومن ريقتها خمري
وإلَّا مع فتىً كالبدر أو أبهى من البدر
غلامٍ من بني عذرة لا يقبل من عذري
إذا ما مزج الرَّاحبريق ذلك الثَّغر
ترى سوسنة العارض تنهلُّ من القطر
فمن طرَّته ليليومن بهجته فجري
كذاك الفالق الهامات أعني الأسد المصري
كريماً غرَّق العالــم في البرِّ من البرِّ
ويحمي البيض بالبيضويحمي السُّمر بالسُّمر
تراه ودم المالعلى صارمه يجري
وقال أيضاً من قصيدة يمدح بها الملك الصالح ناصر الدين محمود بن محمد بن داود، أولها:
قم فاسقني يا طلعة الشَّمسسلافةً تحيا بها نفسي
مع قينة تطرب إن رجَّعتصوتاً بعود طيِّب الحسِّ
كالشَّمس إلَّا أنَّها والَّذيصوَّرها أبهى من الشَّمس
ترنِّح الصُّم بتهزيجهاوتنشر الموتى من الرَّمس
وتنطق الخرس ومن قبلهاما نطقت ألسنة الخرس
حمراء كالياقوت لا مزَّةًتمنع أو صفراء كالورس
تجلى على شرَّابها مثل ماتجلى العذارى ليلة العرس
لو بزلت بالكرج من دنِّهالفاح ريَّها إلى القدس
قد نظم الرَّاووق في جيدهاقلائداً جلَّت عن اللَّمس
يحار فكر المرء فيها فماتدرك بالعقل ولا الحسِّ
تصيِّر الفسل إذا عبَّهاأشجع من عنترة العبسي
أعوزني منها صراحيَّةٌفي ليلة حالكة اللَّبس
فصار يهديني سناها إلىقلَّاية في الدَّير كالحبس
فجئتها لم أر فيها سوىأربعةً بالحزر أو خمس
وواحد يدرس إنجيلهوواحد خال من الدَّرس
وبينهم مشمولةٌ عتِّقتمن عهد كسرى ملك الفرس
عتَّقها القسُّ فلم يجلهامن شحِّه إلَّا على قسِّ
لمَّا رأوني وثبوا خيفةًوالجنس لا يهوى سوى الجنس
قالوا: سنى ذلك أم نشرهاهداك يا ابن السَّادة الحمس
فقلت: عين شردت من يديفجئت أقفو أثر العنس
عنساء كالبرس فهل فيكممن شام لي عنساء كالبرس
ولم أزل أخدعهم حيلةًأخشى على الفخِّ من الفقس
وصرت أحكي لهم ما جرىعلى بني الأصفر في المقس
وقتلة الغبس بأسياف منلم يبق في مصر على الغبس
وكان قصدي شرب فقصيَّةٍليست من التَّمر ولا الدِّبس
ما يقلع القلاع مع حذقهلطعمها الطَّيِّب من ضرسي
لله أيامٌ مضت طيبةًقضَّيتها بالشُّرب في الغرس
مع فتية سادوا على كلِّ منيكتب بالزِّنجار والنِّقس
إن خطرت بالطِّرس أقلامهمتواثب الجيش من الطِّرس
بسِّي من الصَّوم فقد هاضنيصيامه يا سيِّدي بسِّي
فاشرب ومل نحو فتىً ودُّهقد شيد بالقرميد والكلس
وقال أيضاً فيه يمدحه من قصيدة أوّلها:
إسق بدر الدجى من الشَّمس كاساًواختلس غفلة الزَّمان اختلاساً
مع فتاة مثل القضيب إذا مال سحيراً من النَّسيم وماسا
كلَّما غازلتك أجفانها المرضى من الغنج خلت فيها نعاساً
شابت الكأس من رضاب ثناياها فزادت من الرُّضاب شماساً
اسقنيها سلافةً عقد المزج من الحبِّ حولها برجاساً
بنت كرمٍ كانت وما خلق اللــه شهوراً من قبلها وأناساً
عصرتها يد الزَّمان فماتعرف قسّاً ولا رأت شمَّاساً
قهوةً عتِّقت بقطرَّبل الزَّوراء تنفي الهموم والوسواسا
رقصت في يد المدير وقد قلَّــدها المزج في الزُّجااج قداساً
ألبستها الأيَّام ثوباً قابلتحقب الدَّهر والسّنون اللِّباسا
وإذا ما بزلتها غسق اللَّيــل من النُّور خلتها مقباساً
فهي كالنَّفس لا تكيَّف إن فــكَّرت فيها ولا تحدُّ قياساً
تتلاشى من اللَّطافة في الأجســام لكن تفوق عمراً وشاساً
مثل ما فاق في الورى الملك الصَّالح قدراً على الملوك وراساً
وقال أيضاً يمدح نظام [الدين] أبا سعيد البقش بماردين:
وما روضةٌ أنفٌ كالعبيرسقتها عيونٌ يعاليل بيض
يلاعبها الطَّلُّ حتَّى النَّسيمويضحكها لمعان الوميض
ويطلعها شهباً كالنُّجومتأرَّج ما بين روضٍ أريض
أقام بها الشَّرب حتَّى الصَّباحوقد رقَّ ثوب الطَّويل العريض
وأهيف ذو فلجٍ كالقضيببخدٍ أسيل وجفنٍ مريض
إذا أعوز القطر سقَّى الشَّرابثراها على معبد والغريض
بأطيب من مدحي في النِّظاموقد رجَّعتها حداة القريض
وقال أيضاً يمدح الملك الظاهر غياث الدين غازي بن يوسف بن أيوب- صاحب حلب المحروسة- رحمه الله تعالى-:
ترى من كساك الحسن من بعد ما خطاعذارك لمَّا ندَّ بالنَّدِّ واختطَّا
ومن راش من جفنيك للنَّاس أسهماًتعطُّ قلوب العاشقين به عطَّاً
فيا لك من بدر سقتني لثاتهبغير مزاج من كؤوسك إسفنطا
وما كحلت عيناه يوماً بمرودٍولكن عيون العين ساهمنها قسطاً
إذا ما تقلَّدن الحسان مخانقاًمن الشَّذر والياقوت منظومةً سمطاً
تبسَّم عن ثغرٍ كأنَّ شتيتهقلائد درٍّ لا تعار ولا تعطى
وعسكر من سحر الجفون عساكراًهم الرَّهط للبلوى فيا لهم رهطاً
إذا ما تثنَّى فوق دعص يقلُّهرأيت قضيباً رنَّحته الصَّبا سبطاً
أقر به حتى حتَّى يحلَّ بمهجتيمحلَّ الهوى منِّي فيوسعني شحطاً
وأرضى بما يرضاه لو كان منصفاًولكنَّ واشي الحسن علَّمه السُّخطا
أحبُّ من الرِّيم الحجازيِّ ما رناإليَّ مشيحاً إن تدانى وإن شطَّا
ويعجبني منه إذا مدَّ جيدهليقتات من أغصانه ثمر الأرطا
أغازل غزلاناً من الحلي عطَّلاًوقد حكت الجوزاء في المغرب القرطا
وقد أشامت بي همَّةٌ عربيَّةٌعلى أينق من عزِّها قلَّ ما تمطى
من اليعملات القود ما مسَّها وجّىولا سمع الحادي لها في السُّرى نحطا
إلى الظَّاهر الملك الَّذي بحر جودهيغطُّ به راجي جواهره غطَّا
وقال أيضاً وقد هجم الثلج بآمد. وكان قد انقطع الطريق عن الحطب فنفَّذ إلى الوزير ضياء الدين أبي العباس أحمد بن القاسم يطلب منه خطباً:
يا سيِّداً أصدق فيوعوده من القطا
ومن إذا استر فدتهجاد سماحاً وعطاً
الثلج قد جار علىدياركم وقد سطا
وعاد كانون كماكان زماناً أفرطاً
وكلُّ من يحسب ذا الشَّــهر سباطاً غلطاً
فلا تقل إلى متىتجور هذا شططاً
فمن رأى خطوتهتطول في المشي خطا
وكتب إلى نظام الدين:
كسوتك من لفظي مديحاً مخلَّداًولم تكسني معنىً يدوم ولا لفظا
وصيرت شعري في ثناك مشرَّداًيطوف فلا شختاً يعاف ولا غلطا
وعاوضتني شيئاً بشيء وإنَّماتفاوقت فاستقلعت من شجري المظَّا
إذا كان لا يخشى من الوعظ غافلٌفما ينفع المغرور أن سمع الوعظا
وكنت إذا ما جئت تلحظني هوىًوقد صرت لا شزراً تراني ولا لحظا
وكم قلت طعني تستفد من مكارميفلم أستفد إلَّا من الضَّيعة الدَّلظا
وقال في نقطة سوداء بين ثنايا بيض وذلك في صباه:
وثغر نقيٌّ غير شينٍ كأنَّهلآل نظمناها يفصِّلها جزع
ألم تر أنَّ العين لولا سوادهمالما كان نور للبياض ولا وقع
وقوله وقد أقبل على آمد. وكان في زمن الربيع فوجد برد كانون في ذلك الأوان:
أتينا آمد السَّوداء يوماًلنمدح صاحب الشَّرف الرَّفيع
فلمَّا أن وصلناها وجدناهوا كانون في زمن الرَّبيع
وقال أيضاً يشكو من جماعة عند الملك العزيز عماد الدين عثمان- صاحب مصر- ذوي محضرٍ سوء:
على بابك أقوامٌإذا ما قد رحا حافوا
وأنت المورد العذبوهم حولك أجراف
وقد ينبت حول الكرم لبلابٌ وصفصاف
وقال فيه أيضاً وقد طوّل به زماناً إلى أن قرَّبه إليه وأسبغ نعمته عليه:
أخاف انقضاء العمر من قبل أن أرىعطاياك قد مدت يدي بالبر يوسف
وهبك منحت الكنز لي بعد مدَّةأينساغ طعماً بعد طول توقفي
ولست بجعد الكفِّ بل أنت ديمةٌتغرِّق إلَّا غلَّتي وتلهُّفي
وقال يتقاضى الوزير ضياء الدين بن شيخ السلّامية رسماً كان له عليه:
كان رسمي على الوزير ضياء الدَّين أكفى الكفاة في حصن كيفا
منحاً زادها وضاعفها حيــن رآني بها مقيماً ضعيفا
لم يزل يطلب الطَّريف من الشِّعــر ويعطي لقائليه الطَّريفا
وقال يعاتب الملك المسعود قطب الدين أبا المظفر سكمان في تخلفه عنه وقلّة نظر الديوان في حقّه:
قل لقطب الدِّين يا سكــمان يا مالك رقِّي
يا كميّا قصَّر آلاجال بالرُّمح الأمقِّ
مؤنتي منِّي وخبزيمن دراهيمي ورزقي
فمتى أفلح قل ليومتى تنجح طرقي
وقوله ما يكتب على طاسٍ من الفضة:
أنا طاسٌ من اللُّجين ولكنَّــي أضاهي السَّماء لوناً وطرفا
كم تمرَّرت في الجحيم وكم صرت مصاغاً وكم تقلبت صنفا
وقوله وقد التمس منه الملك المسعود سكمان بن محمد أن يعمل له خمسة أبيات مذكرة أولها ثاءٌ وآخرها قاف:
ثملت من حسنه والكأس يرشفهاظبيٌ من التُّراك أضحى وهو معشوق
ثبتٌ كأنَّ بفيه وهو مغتبقٌمسكاً وفي يده طاسٌ وإبريق
ثمَّ احتسيت مدام الحبِّ من فمهصرفاً وقد زانها ثغرٌ وراووق
ثق بي فلست مذيعاً سرَّكم أبداًوالسِّرُّ عند ذوي الألباب صندوق
ثكلت من لامني في نبت عارضهوقد بدا فيه تنوينٌ وتعريق
وقال وقد قطع خبزه شتويتين لانقطاعه عند خدمته:
مازلت تقطع في الشِّتا رزقييا من على الأموال لا يبقي
قل لي لأيَّة حالة وربما أســتوجبت فعلك ذاك في حقِّي
ما قدر ذاك النَّزر تمنعهعني وغصنك يانع العرق
غارت عيون نداك أم صفرتكفَّاك من ذهب ومن ورق
وقال غزلاً أخترعه عليه بعض أصدقائه:
نثر الطَّلُّ على الغصن الوريقلؤلؤاً يعرب عن ثغرٍ وريق
وشفاهٍ من عقيق طاب منأجلها سكناي في وادي العقيق
علقت في خدِّه من كبدينقطة الكاتب في الخطِّ الدَّقيق
إن يكن يجحد قبلي في الهوىفدمي ينطق كالمسك الفتيق
حقَّق الشَّامة في وجنتهأنَّها تشهد بالقتل حقيق
ففؤادي يشتكي منه الظَّماوجفوني تشتكي منه الغريق
وقوله وقد طلب منه صديق له أبياتاً ينقشها على منديل:
لم لا أتيه على الفتيقوأسود كاسات الرَّحيق
وتحار في حسني العيون لصنعه النَّقش الدَّقيق
وتقلُّني كفٌّ ترفَّع عن ملامسة الدَّبيقي
مازال يلثمني العقيــق إذا احتساها كالعقيق
فأنا رفيق أخي الظَّرافة وهو من حبِّي رفيقي
وقال يستدعي صديقاً إلى الشراب:
احضر ولا تتوانىعندي شرابٌ عتيق
ومجلسٌ قد تهيَّاكما يحبُّ الصَّديق
اضحك لرقص الحمَّياإذا بكى الرَّاووق
كأنَّه دمع عانٍقد ملَّه المعشوق
فللمداد علينافرائضٌ وحقوق
وقوله يعرض بنفسه إلى الملك العزيز عثمان بمصر وأرسلها على يد ابن المنذر:
إن كان عندك بستانٌ بلا ثمرولا اخضرار ولا زهرٍ ولا ورق
فعند عبدك ألفاظٌ حدائقهامعنبرات المعاني نعَّس الحدق
فاشرب على ملح الآداب مع رجلٍيغنيك في برد كانونٍ عن الدَّلق
وقال يمدح نجم الدين يعقوب بن المقدم بآمد ويطلب منه وعده:
قل لنجم الدِّين يا منعمَّ بالجود الخلائق
والَّذي مازال يوليالبرَّ طفلاً ومراهق
قد تعلَّقت بأهداب معاليك السَّوابق
بك يهدي الله من ضــلَّ عن النَّهج الطَّرائق
هكذا قد نطق القرآن والقرآن صادق
يا كمّيا فرَّقت يمــناه بالبيض المفارق
يوم لا يمتدُّ رمحٌلا ولا يستنُّ سابق
ليست الأوهاد في الأعــين كالشمِّ الشواهق
أنجز الوعد فإنِّيبكريم الوعد واثق
لا نبا سيفك في يوم الوغى ما ذرَّ شارق
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (٢٠٠٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع