من «قلائد الجمان في فرائد شعراء هذا الزمان» لابن الشعار الموصلي (ت ٦٥٤هـ)
ذكر من اسمه يوسف (٥)
وقال وقد طلب منه الملك الصالح ناصر الدين محمود بن محمد أن يعمل له أبياتاً في معنى اختاره:
طرق العشق بقلبي فأبىأنَّه يعشق من يطرقه
خلق الحسن وسوَّاه لناونهى الخالق من يعشقه
لو أراد الله خيراً بالورىكان هذا الحسن لا يخلقه
وبعيدٌ أن ترى عين فتىقمراً عنَّ ولا ترمقه
وإذا المسك تجافاه الورىقلَّ في العالم من ينشقه
يقطع السّضارق هذا عجبٌوبأمر كان ما يسرقه
صل فقد صرت لحيني غرضاًنبل جفنيك هوىً ترشقه
اخش دمعي ولهيبي فهمايغرق النَّابل أو يحرقه
فإذا أيبس عودي زمنٌناصر الدِّين ندىً يؤرقه
وقال صدر كتاب كتبه إلى بغداد يتضَّمن شوقاً واستيحاشاً لشهاب الدين يوسف العقاب:
كتبت إليك من شعفي وشوقيشهاب الدِّين خطِّي كي يراكا
وقلت عسى يقبِّل حين يقرالواعج ما كتبت إليك فاكا
أحنُّ إلى لقاك وأيُّ يومٍيمرُّ ولا أحنُّ إلى لقاكا
وقال يعاتب الوزير ضياء الدين بن شيخ السلّامية بآمد رأى تناقصه في حقّه، ويعتذر إليه أيضاً خوفاً أن يكون قد بلَّغه عنه إنسان سوءٍ محالاً:
والله لا أنسى ولا يقتضيديني أن أكفر نعماكا
/ أ/لعل نذلاً جاء يا سيِّديينقل عنِّي الزُّور أفَّاكا
يريد أن ينسخ شرع الوفالا كان ما يختاره ذاكا
وإن جرى ذنبٌ فحاشاك أنتؤاخذ المذنب حاشاكا
وقال يهنئ الملك المسعود قطب الدين سكمان بن محمد- بآمد- بعيد الفطر:
جاءك العيد يا أجلَّ الملوكفارتشفها على أذان الدُّيوك
من سلاف تضيء في اللَّيلة اللَّيــلاء ناراً في جوهر مسبوك
قد كساهاً المزاج في الكأس إكليــلاً يضاهي للُّؤلؤ المسكوك
بنت كرم حمراء صيَّرها العصــر مع العصر كالدَّم المسفوك
يتمنَّى الشُّهود أن شهدوهامع غبيٍّ ومقترٍ صعلوك
يا صحابي دعوا التمعقل في الشُّرب وجنُّوا على استماع الجنوك
وأشربوها من كفِّ أغيد معسول الثَّنايا مقرطقٍ جاووك
بابلي اللِّحاظ لوندس المئــزر أوهى بخصره المبتوك
واجتلوا وجهها فقد زفَّها الرَّاووق زفَّ الأستاذ للمملوك
وامزجوا كأسها بأخلاق قطب الدِّين شمس الإسلام تاج الملوك
يا أكفَّ السُّلطان إن قايس النَّاس بك البحر في النَّدى ظلموك
كرماً قد تعوَّدته بنو الآمال أجداده قبل ذاك أبوك
وقال يطلب من زين الدين أبي سعيد بهروز بن عبد الله وقد هجم البرد ببالويه كبولة:
يا سيِّدي الزَّين يا منآراؤه مصقوله
ومن سيوف علاهعلى العدا مسلوله
ومن جبلَّة ساميــه بالتُّقى مجبوله
نريد ذا اليوم في البرد من نداك كبوله
دقيقها كالتَّباطيمن حنطة مغسوله
وأن تكون من الضَّرب سيِّدي مقتوله
بغير شرٍّ تأنٍّلكن نريدها معسوله
كثيرة السَّمن تأتيعلى القفا محموله
وقال يمدح بهاء الدين أبا سعيد سريجا بن عبد الله بآمد:
لقد تناهى معي العذولولست أصغي لما يقول
فكيف يصبو إلى ملامصبٌّ لعبء الهوى حمول
يراقب النَّجم منه طرفٌكأنَّه بالدُّجى وكيل
ليس له في السُّلوِّ رأيٌّولا من العشق يستقيل
فالعشق معنىً بغير ذاتتحار في كنهه العقول
يحلُّ بالقلب منه وهمٌوما إليه له سبيل
فتعتريه الهموم حتَّىكأنَّ طرفي لها دليل
وأكحل الطَّرف فاق حسناًيا حبَّذا طرفه الكحيل
مذ رضع الثَّدي وهو طفلٌما جال في مقلتيه ميل
أسمر كالسمهريِّ لدنٌأفرط في خصره النُّحول
يميس كالغصن رنَّحتهمع الصَّبا في القبا القبول
ما لجفون المها سهامٌتراش منها ولا نصول
ولا لريم الفلاة فرعٌأسحم مثل الرِّشا طويل
فكم دمٍ للمحبِّ ظلماًأساله خدَّه الأسيل
فرَّق جيش الهموم لهواًفجمَّعت شمله الشَّمول
تخفُّ بالشَّارب الحميَّاوهو على سكره ثقيل
لم يبد منه على مداممع النُّدامى قال وقيل
ناولني من يديه راحاًبها يداوى الصَّب العليل
وشابها من رضاب فيهفقلت آسٌ وسلسبيل
فقل لمن لا مني سفاهاًفي حبِّ من كلُّه جميل
تلوم في حبِّ عيسويٍّعاش بايشوعه القتيل
كما يعيش الأنام طرّاًفي جود من ظلُّه ظليل
وله يعاتب الدهر لكونه يرفع وضيعاً ويحط رفيعاً:
إنِّي لأبغض دهراً لا يفرِّق مابين الأماجد والسَّفسافة السِّفل
يحط للَّسن النِّحرير قعر خلاًويرفع العي أعلى مرتقى زحل
لعلَّ ما وعسى الأيَّام قد عميتفما تفرِّق بين الصَّاب والعسل
بالعقل والنَّقل يزداد الفتى شرفاًفما التَّناقص ضاقت في الورى حيلي
ذر العوم وكن في النَّاس مسخرةًوقد ولط وازن واشرب واستبح وكل
لعلَّ عتبك محمودٌ عواقبهوربما صحَّت الأجساد بالعلل
وقال وقد طلب منه صديقٌ أن يصف الخال الذي في خدِّ عمر بن رجب الصائغ بماردين:
ماس شبيه الغصن الحاليأهيف لا ينظر في حالي
وسلَّ سيف الحسن يسطو بهعلى كئيبٍ دنف بالي
ما ضرَّه لو جاد لي رحمةًبقبلة في الخدِّ والخال
حلَّ ببالي عمرٌ ليتهيعمر ما خرَّب من بالي
لو علم المعشوق أنَّ الهوىيزينه ما كان بالغالي
أثرَّ في وجنته من دميفما له يمنعني مالي
وله في جارية بخدِّها خال:
ومليحة مزجت فمي برضابهافظنت أنَّ رضابها سلسال
ولثمت شامة خدِّها فوجدتهامسكاً وأين من الفتيق الخال
وقال بالمحلّة الغربيّة من بلاد مصر، وقد طلب من يونس بن الظهير أن يصنع له حلوةً وينفذها له مع عبده ريحان. فنفذ إليه يقول: البيت في الحمام. واعتذر بعذرٍ بارد:
لا ذنب لي فيما طلبــت وليس ذنبٌ للجمال
الذَّنب للسيف الَّذيسوَّاك بين النَّاس والي
أرسلت ريحاناً إليــك فعاد كفُّ العبد خالي
وذكرت أنَّ البيت في الــحمَّام حدت عن السُّؤال
أنا قد سألتك حلوةًمن ذا سالك عن العيال
أمَّا الهمام فإنَّهرجلٌ ترفَّع بالمحال
يستوعب الدَّخل الحرام ولا يعفُّ عن الحلال
الجمال: يونس بن الظهير كان نائب سيف الدين علي بن كهلان بالمحلّة. والهمام كان بين يديه يستوعب الحاصل من الجنايات.
وقال أيضاً وقد طلب منه بعض المطربين أن يعمل له غزلاً في معنى اختاره مذكراً ومؤنثاً:
منعت وصال من الوصالفبقيت مرتقب الخيال
حتَّى أبثَّ إليه مالاقيته من سوء حالي
أرعى العهود لبانةصرمت بلا سببٍ حبالي
ما بالها تسلو وماخطر السُّلوُّ لها ببالي
يا طيف إن ساعدتنيبعد القطيعة بالوصال
لأعذِّب الأيَّام بالاًحلام من قصر اللَّيالي
كم ليلة قضَّيتهابين الغزالة والغزال
مع كلِّ خودٍ كالغلام وشادن خنث الدَّلال
يرنو إليَّ بمقلتيريمٍ ويبسم عن لآلي
حلو الشَّمائل وجنتاهـ أرقُّ من ورد الشَّمال
وقال يتغزل:
أما ترى النَّرجس من جفنهيرشق جاني الورد من وجنتيه
وسوسناً نثَّ علينا الَّذيقد كتب الرَّيحان في عارضيه
ولؤلؤاً نضِّد من ثغرهبين عقيق ساق حتفي إليه
فوالَّذي قلَّب قلبي لهلازلت أهواه وأحنو عليه
وقوله يذم التكبر:
ولمَّا رأيت الكبر يزري بأهلهتواضعت حتَّى عظَّم النَّاس حاليا
إذا الكبر زار المرء شان جمالهوأصبح من ثوب الرِّئاسة عاريا
وقال يمدح سعد الدين أستاذ دار الملك المؤيد مسعود بن الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب بمصر:
أقسمت بالثَّغر النَّقيِّوبحسن وجه يوسفيِّ
وبعقرب الصُّدغين فوق بنفسجٍ غضٍّ طريِّ
وبنرجس العينين أقــسم لا بسحرٍ بابليِّ
وبحاجب حجب العيون عن القوام السَّمهريِّ
وبخصره الواهي الدَّقيقوورد خدَّيه البهيِّ
وبمبسم عطر اللِّثاتوظلم ثغر لؤلؤيِّ
لا حلت عن مدحي لسعــد الدِّين ذي الأصل الزَّكي
الواهب الأموال للسُّــؤَّال بالكفِّ السَّخيِّ
فحباه يغني مادحيــه إذا أتوه عن الحبيِّ
وقال يصف بغداد ويتشوّق إليها:
أحنُّ إلى الجسر والرَّقتينودار السَّلام وسكَّانها
وتاج الخلافة والجانبينمن الشَّطِّ والظِّلِّ من بانها
وباب المراتب والزَّند وردونهر المعلَّى وغزلانها
وسوق العميد وباب الحديدوحور الجنان وولدانها
واسأل ذا الطَّول ربِّ العبادإدامة دولة سلطانها
وقال في صبيّ كلما زاده إحساناً زاده إساءة. وكان قد أنحله هواه فذكر الإساءة فجفاه:
لا تعجبوا لمحبٍّ كنت أوثرهبناظريَّ وبروحي كنت أفديه
أسدى إليَّ قبيحاً كي يعاقبنيفكان للهجر أحلى من تلافيه
وعيده أن ما أسداه يمرضنيفكان عين شفائي والدَّوا فيه
فليته لا يزال الدَّهر يفجعنيبصدِّه وبصابٍ من تجنِّيه
وقال يمدح الملك الصالح ناصر الدين محمود بن محمد من قصيدة:
يا ليلةً زارني محيَّاهابغير وعد ما كان أوفاها
قرنت أولى زيارةٍ سمحتعلى محبٍّ بيمن أخراها
بتُّ أعاطي بك الكؤوس فماألذَّها في فمي وأحلاها
أمزج من ريقها المدام وقدتغزَّلت بالمدام عيناها
في ليلة والرَّقيب منعزلٌأحبُّها والحسود يشناها
أضاء لي ثغرها الظَّلام فماأزال أثني على ثناياها
جاريةٌ كالقضيب لو دعت الــميِّت من قبره للبَّاها
أبدع في خلقها الإله فماأحسن ما صاغها وسوَّاها
أنسى صلاتي إذا خلوت بهاوهي مع الدَّهر لست أنساها
لا سيَّما والنُّفوس في يدهاتأمرها تارةً وتنهاها
أحفظ عهدي لها وتحفظنيوذاك مازال من سجاياها
تزيد قلبي أسى وتهجرهوهو على الحالتين يهواها
لولا هواها يذيبني حرقاًما صرت عبداً وكنت مولاها
تسهرني والنُّجوم خافقةٌقد حدَّجت للسرى مطاياها
مرتمياتٍ بنا إلى الملك الــصَّالح أعني به شهنشاها
وقال وقد استدعاه الملك العزيز عثمان بن يوسف ليلاً وجعله جليساً له:
لست أخشى صرف الزَّمان إذا مانظرتني مواهب السُّلطان
ملكٌ كنت ميِّتاً قبل مرآهـ فلمَّا رأيته أحياني
يوسف بن ضوء بن عليِّ بن ضوء بن هيماج بن عليِّ بن ضوء بن كيسان بن عليِّ بن ضوءٍ، أبو يعقوبٍ الربعيُّ.
من أهل إربل ومن بيت مشهورٍ بها.
وكان رجلاً مطبوعاً، معاشراً فيه تودّد وكياسة، يحكي الحكايات المستحسنة، ويحفظ من النوادر والأشعار كثيراً، وينظم أشعاراً لا بأس بها. وكان يخضب بالسواد. وكانت بيني وبينه صحبة أيام مقامي بإربل. وكان يخدم بها متصرفاً.
ثم رحل عنها إلى حلب، وتولّى بمعرة النعمان ولايةً فلم يمكث بها إلَّا قليلاً حتى أتت عليه منيَّته؛ وذلك في رجب سنة ستٍّ وثلاثين وستمائة- رحمه الله تعالى-.
ومما أنشدني لنفسه بإربل في سنة خمس وعشرين وستمائة:
هوىً عاد لي طفلاً وقد كان مكتهلوصار قشيباً بعد ما كان مضمحل
وعاودني منه الغرام الَّذي مضىمن الشَّوق والتَّبريح إذ كان قد رحل
فقلت له فيما أتيت وما الَّذيتريد وثوبي في الشَّبيبة قد سمل
وهل يقبلنَّ البيض منِّي تشفعاًإليهنَّ بيضاً في العذار فاحتمل
وما من شفيعٍ في وصال أرومهفيشفع لي في وصلهنَّ إذا وصل
هو الحبُّ لا يسلى بشيبٍ وكبرةٍمدى الدَّهر في قلب الكريم إذا نزل
وأنشدني لنفسه إملاءً:
قد كنت في دعة ألهو بلا فرقٍإذ كان سيَّان عندي العود والحطب
فمذ تأدَّبت نابتني نوائبهوفي التَّأدب إن عاينته نوب
وأنشدني أيضاً قوله:
أما والهوى واختلاس القبلوورد الخدود وغنج المقل
لقد شرَّد النَّوم عن مقلتيبدر العقيقين لمَّا أفل
وأنشدني لنفسه في غلام فقيهٍ:
رأيت فقيهاً يافعاً عند شيخهيباحثه في درسه ساعة الدَّرس
وفي وجهه نورٌ كبدر دجنَّةإذا ما بدا في الحسن أو ألق الشَّمس
يقول له يا شيخ قد قال ربناتعظَّم في تنزيله: النَّفس بالنَّفس
فقلت له: يا أحسن النَّاس منظراًوعلماً غزيراً ليس في العلم من لبس
أجرني لقد أتلفت نفسي عامداًولا تعص قول الله للجنِّ والإنس
فقال ولم يفكر: صدقت، وإنِّماأراد به الأحرار يا صاحب الحسِّ
يوسف بن عامر بن أبي عبد الله بن أبي نصر بن عليِّ بن أحمد بن الوهبي، أبو سعد الموصليُّ المعروف بالشَّحَّاميِّ.
قرأ طرفاً من فقه الإمام الشافعي- ﵁ على الشيخ أبي حامد محمد بن يونس بن محمد بن منعة الموصلي- فقيه الموصل- وكان قبل ذلك مرتباً بالمدرسة النوريّة.
ثم سافر إلى الشام سنة ستمائة، ونزل دمشق ولم يزل بها مقيماً إلى أن مات سنة ثمانٍ وعشرين وستمائة.
صار إليّ من شعره قصيدة مدح بها أتابك نور الدين أبا الحارث أرسلان شاه بن مسعود بن مودود بن زنكي بن آقسنقر- صاحب الموصل- ويهنئه بالنيروز وذلك في سنة خمس وتسعين وخمسمائة- رحمه الله تعالى-:
أنا مالي وللظُّبا والعواليوسموٍّ إلى سماء المعالي
أنا مالي صبرٌ على الطَّعن والضَّرب وبالي لا يستلذُّ وبالي
لست ممَّن يروم حرباً إلى حربولا غزو ضمرةٍ وهلال
أنا أهوى للبيض والسُّمر لا سمــر العوالي ولا لبيض النِّضال
إنَّ بيض الخدور أحلى من البيــض وصدم الأبطال بالأبطال
أنا مالي بين الصُّفوف مجالٌيوم عثر الرِّجال بالآجال
أيُّ فخرٍ إذا أتيت طعيناًأو رهيناً أو جاثماً من قتال
إنَّما الفخر في وصال الأغانيبالمغاني من دون قيل وقال
أو مديح المولى المؤيَّد نور الدِّين ربِّ الإحسان والإفضال
ملكٌ جلَّ عن مشابهة الخلقوعن كلِّ لاحقٍ أو تالي
فهو بين الملوك واسطة العقــد وجلَّ المولى عن التمثال
يا أرسلان شاه يا مالك الحدباء يا من علا على كلِّ عالي
قد أتاك النَّيروز السَّعيد بجدٍّصاعدٍ مخبرٍ بخير مال
حين عاينت عرَّة العام ناداك منادٍ بالعزِّ والإقبال
إن يكن للزمان فيك لسانٌكان والله ناطقاً في المقال
ولنادى بصوته في البرايا: دمت في الملك مع دوام اللَّيالي
قد أتاك الهناء يرفل من لفــظي تيهاً في ثوب سحرٍ حلال
كم به أكبت الحسود وكم أســحب من فرط برده أذيالي
دمت لي في سعادةٍ وسرورٍونعيمٍ يأتي بغير زوال
يوسف بن عبد الله بن أبي الفضل بن عبد الله بن عليِّ بن الخشاب الأديب أبو المحاسن بن أبي الفرج القاهريُّ المصريُّ.
من شعراء الديار المصرية.
أنشدني الصاحب الإمام أبو القاسم عمر بن أحمد بن هبة الله بن أبي جرادة العقيلي، قال أنشدني أبو المحاسن بن الخشاب لنفسه:
صبِّر فؤادك فالعقبى لمن صبراولو تجرَّعت في ترك الهوى صبرا
ألم يعظك من الدُّنيا الذي خطراحتَّى ركبت إلى نيل المنى خطرا
يا لاهياً عمره في غيِّه عبراأنظر مصائر من ولَّى تجد عبرا
أين الملوك الألى أمسوا بها سمرالا يملكون بها ضالاً ولا سمرا
طافوا البلاد وأبقوا بعدهم سيراومن تمادى قليلاً عمره سيرى
تضاحك الداهر فيما بينهم شجراإذ لا ينالون لا ماءً ولا شجرا
إنَّ الفتى إن عصته نفسه نهراوأطلق الخوف من أجفانه نهرا
فازجر فؤاداً بأحداق المها سحراواستغفر الله من ذكر الهوى سحرا
ما بذَّ طرفك إلَّا صائداً قمراقمرت عقلك فاترك سبل من قمرا
واجهد لتلقى فتىً من مكرها نفرافكم أضلَّ وأردى مكرها نفرا
وكن كصاحب لبٍّ طرفه قصراأن يجتني الذَّنب لا عن توبة قصرا
كم عامرٍ لسواه هادمٍ عمراوهادمٍ بالتُّقى ما غيره عمرا
وأنشدني أيضاً، قال: أنشدني يوسف بن عبد الله لنفسه:
نويت إلى ربعكم حجَّتيوطالت على بابكم وقفتي
أطوف على ربعكم خاضعاًطواف الإفاضة من عبرتي
فؤادي الحطيم بكم أو منّىوزمزم ما فاض من مقلتي
ركنت إلى ركن ظنِّي بكموصيَّرت قصدي لكم كعبتي
ترى هل لأيَّامكم عودةٌتردُّ عليَّ اللَّيالي الَّتي
ألا يا بريقاً أضا بالغضالقد هجت نحوهم لوعتي
ويا نسمةً ما انطوى نشرهامن البعد إلَّا إلى مهجتي
نعيمي إذا أنعموا بالرِّضاوإن هجروني فيا شقوتي
أعزُّ إذا قيل يا عبدهموعزِّي بغيرهم ذلَّتي
خلعت العذار على حبِّهمفطاب افتضاحي على عفَّتي
وهذا حديث غرامي بهمولا تسال الغير عن قصَّتي
وأنشد أبو المظفر منصور بن سليم بن منصور الفقيه الشافعي الهمداني الإسكندري في سنة تسع وثلاثين وستمائة، قال: أنشدني أبو المحاسن يوسف بن عبد الله بن الخشاب المصري لنفسه بالقاهرة المعزِّيَّة:
يا ناصباً لي في الهوى أشراكاأنا والأنام بأسرهم أسراكا
نظرك إليك نفى عن العين الكرىوهواك أصعب ما لقيت هواكا
أعدى إلي السُّقم طرفك عندماأهدى إليَّ تبلبلي صدغاكا
وأقام محتصر العذار قيامتيلمَّا اكتسى بجديدة خدَّاكا
أنا عبدك الرَّاضي بحكمك فاحتكمقلبي أسيرك لا يروم فكاكا
غرضي رضاك فصل هواك وخن وجرواهجر وصدَّ فإنَّني أهواكا
أمثال كلِّ الحسن لو خلق الهوىشخصاً لكنت أنا الممثِّل ذاكا
سل ناظري عمَّن حلا فيه يقليا مشرقي بالدَّمع ما أحلاكا
واستقر أحشائي فإن تك باقياًفي طيِّها قلبي وأنت هناكا
إنِّي لأقنع من وصالك بالمنىوأسرُّ أنِّي في المنام أراكا
وتقرُّ عيني أن تمرَّ مسلِّماًمتبسماً فأذوق طعم رضاكا
حتَّى م أصفيك الوفا وتشوبهوافي وتغدر بي فما أجفاكا
يا وجنتيه ما أرقَّكما وياقلباً يحلُّ حشاه ما أقساكما
ماذا تريد من السَّليم تعلُّهسمّاً فحسبك ما به وكفاكا
حاشاك أن تلفى بحسنك شانياًبخلائقٍ مذمومةٍ حاشاكا
يوسف بن عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الله بن علوان بن عبد الله بن علوان بن رافعٍ، أبو المحاسن بن القاضي أبي محمدٍ الأسديُّ.
كانت ولادته في شوال سنة ثلاث عشرة وستمائة.
وتوفي يوم الأربعاء ثالث المحرم سنةوثلاثين وستمائة
من بيت علم وفقه وخير وصلاح. كان والده قاضي القضاة بحلب. ونشأ أبو المحاسن هذا فتخلَّق بأخلاق أبيه السَّنيَّة، واقتدى بأفعاله الجميلة الرضية؛ فنبغ شاباً ذكياً حسن السيرة مرضياً ذا قبول ولطافةٍ، وفخامة قدر وظرافة.
أخذ من الفقه على مذهب الإمام الشافعي- ﵁ جزءاً متوفراً، وتأدّب وناب عن والده في الدروس بالمدرسة الرواحيّة شمالي المسجد الجامع، وتكلم في المسائل الخلافية وأجاد وطاوعه خاطره في نظم الشعر، فقال منه القطع الغزلة السهلة المأخذ، وظهرت عليه النجابة. وتميَّز على أقرانه، وأبناء زمانه. وكملت آدابه؛ وتوفي أكمل ما كان شباباً. رأيته بحلب ولم أجتمع به.
أنشدني الشيخ الإمام الأمين المعدل شمس الدين أبو بكر عبد الله بن محمد ابن أحمد بن مبادر بن الضحاك التاذفيّ ثم الحلبيّ بها، قال: أنشدني أبو المحاسن يوسف بن القاضي عبد الله بن عبد الرحمن الأسدي الحلبيّ لنفسه:
تبارك خلَّاق وجهك الحسناواظهر في كفَّيك معجزة الحسنى
وأوجد في يساك يسر مرادنايميناً وفي اليمنى السَّلامة واليمنا
وأبدع في أخلاقك الغرِّ فاغتدتهي الثمرات الطَّيِّبات إذا تجنى
واطلع بدراً في منازل سعدهوأبدى قواماً قد حكى الأسمر اللَّدنا
فأنت حبيب القلب سرّاً وجهرةًبما حزت من لفظ بديعٍ ومن معنى
وأنت دواءٌ للسَّقيم بنظرةيعيش بها أو أن تبلِّغها مثنى
فللَّه أوقاتٌ على الخيف من منىًتحوز المنى والعين مطروفة عنَّا
وكم ليلةٍ وافيته في ظلامهافعاد ضياءً من سنى وجهه الأسنى
ولمَّا بدا والبدر وافاه في الدُّجىفقالوا فما أنصفت أعلاكما الأدنى
فحين رماني الله بالبعد والنَّوىسألت لمغناه يجيب فما أغنى
ولولا رجاء الطَّيف أن يطرق فكريوإلَّا لكان الصَّبر من بعده يفنى
فاسأل ربَّ الخلق يجمع بينناعلى حالةٍ ترضي الودود كما كنَّا
وأنشدني، قال: أنشدني يوسف بن عبد الله الحلبيّ لنفسه:
ألا هل لنا بعد التَّفرق مجمعفعيني لا يرقى لها الدَّهر مدمع
نأيتم وألهبتم فؤادي صبابةًعسى عطفةٌ منكم وفي القوس منزع
وحرَّقتم الأحشاء بعد بعادكمفكيف أروم البرَّ أو كيف أطمع
وأوقرتم سمعي عن العذل بعدكمفلا أرعوي عذلاً ولا الأذن تسمع
أطعت لغيِّي في الهوى وضلالتيوعاصيت سلواني وذلك انفع
سقامي نجمٌ إن حضرتم فغائبٌوإن غبتم عنِّي فإذ ذاك يطلع
حرمت لذيذ النَّوم بعد فراقكمفعيني لا تغفو ولا هي تهجع
ولا يرتجي الملهوف إلَّا وصالكمفبالوصل ينأى السُّقم عنه ويقلع
وأنشدني، قال: أنشدني أبو المحاسن قوله:
أيا سائق الأظعان رفقاً بها رفقاًفلا سلوتي تحيا ولا عبرتي ترقا
تعزَّيت بالأسقام لمَّا رأيتهموحادي ركاب القوم يحدو بهم شرقا
فناديته بالله قف لي هنيئةًفقال وما ألوى: يجنَّبها الأشقى
فلمَّا سمعت القول أهويت صاعداًوجسمي على نيران هجرهم ملقى
إذا هاج تذكاري خشيت تحرُّقاًوإن فاض دمعي إنَّني لمن الغرقى
فإن لم يوافوا المستهام بنظرةوإلَّا على حال الحياة فما يبقى
إذا ما نأوا فالدَّهر يقطب وجههوإن حضروا قد عاد مبتسماً طلقا
فلا تعذلوا المشتاق في فرط وجدهإلى أن تلاقوا في الهوى كلفاً يلقى
فإن كنت ألقاكم فعيشي منعَّمٌوإن غبتم عني فسحقاً له سحقا
وقد كنتم هدَّدتم الصَّبَّ بالنَّوىإلى أن حدا الحادي فصار النَّوى حقَّا
إذا ما وطئت الدَّار من بعد بعدهمتخيَّلت أنَّ النَّار أو حرَّها أرقى
فطوبى لعينٍ متِّعت بجمالكموعينٌ نأت عنكم جديرٌ بأن تفقا
وأنشدني، قال: أنشدني من شعره:
عسى يجمع الرَّحمن شملاً تفرَّقاويشفى سقيم البعد بالوصل واللِّقا
فجسمي بنيران البعاد محرَّقٌودمعي من بعد القطيعة ما رقا
إذا لم يداو المستهام أحبَّتيفمن ذا يعانيه فقد شفَّه الشَّقا
نأيتم فأثواب السَّقام جديدةٌعليه وثوب الصَّبر أضحى ممزَّقا
فمنُّوا على الصَّب المعنَّى بطيفكمفهيهات أن تبرا الصَّبابة بالرُّقى
إذا هاج تذكاري بساعة بيننافغربت في شوقي إذا البدر شرَّقا
فقلبي عند الظَّاعنين مقيَّدٌوقد كنت قبل البين ألفيه مطلقا
وأنشدني قال أنشدني لنفسه:
سرى الطَّيف من نحو الحبيب مبشِّرافصادف أجفاني جفت لذَّة الكرى
وقلبي مذ بانوا يحرِّقه الأسىفيا ليت لا كان الفراق ولا جرى
يخبِّرني أنَّ البعاد مباعدٌوأنَّ عسير الوصل عاد ميسَّرا
فحيث وعى سمعي لما قال عائديرأيت شفاي وجهه عاد مسفرا
ومن يبره طيفٌ ألمَّ بقربهفكيف إذا وافى الجمال بلا مرا
ولمَّا دنا لقياهم قال نأيهمإذا كنت تهوى البدر لا تنكر السُّرى
فقلت له: قد كان قلبي منزلاًأنيساً فبالهجران أصبح مقفرا
وأنشدني، قال: أنشدني قوله:
عزيزٌ علينا أن نرى بعدكم شخصاًوقد كنتم الأدنى فأصبحتم الأقصى
فقد عاد جسمي بالسَّقام معذَّباًوفرط اشتياقي لا يعدُّ ولا يحصى
وقد كنت بالآثار أروي هواكمفما زلت حتَّى صرت أذكرها نصّاً
خليليَّ إن أدركتماه برامةفمن شرح حالي والغرام به قصَّا
وقولا له يا غاية السُّؤل مغرمٌبحبِّكم دون البريَّة قد خصَّا
وقال أيضاً:
أظننت قلبي قد تسلَّىيا عاذلي حاشا وكلَّا
لست المطيع للائميوالسَّمع لمَّا رام كلَّا
كيف السَّبيل وقد تولًّــى حسنه والصَّبر ولَّى
وهواه أبرا مهجتيلمَّا ألمَّ بها وحلًّا
بدرٌ تجلَّى في الدُّجىفالهمُّ مذ وافى تجلَّى
ومنها قوله:
لله أيامٌ تقضَّــت بالمنى نحو المصلًّى
عين النَّوى مطروفةٌعنَّا وكفُّ البين شلَّا
حتَّى دهاني هجرهفالقلب بالنِّيران يصلى
والسُّقم آلى لا يزول بدون رؤية من أعلَّا
لو لم يبلَّ لمهجتيطيفٌ أتاني كنت أبلى
أشكو إليه سقام جســمٍ ناحلٍ قد ذاب ألَّا
إن كان يسأل عن فؤادي صحَّ بعد البين قل: لا
وهواه عندي واجبٌوهوى سواه عاد نفلا
وقال أيضاً:
نذرت لرِّبي إذ قضى لاجتماعناأعفِّر خدِّي في التراب له شكرا
وكيف يطيق الشُّكر عن جمع شملهمحبٌّ يرى مرأكم يكشف الضُّرَّا
وأحمد يوماَ ضمَّنا بعد فرقةوللمستهام الصَّبِّ من سقمه أبرا
ولو كان هذا اليوم يرجى شراؤهلكنت لروحي قد بذلت لكم يشرى
وكنت نذرت الصَّوم يوم لقائكمولكنَّه عيدٌ فلن يقبل العذرا
وألقي شفاهي تحت أقدام مالكيأقبِّلها عشراً وأضعفها عشرا
وقد جئتكم مثرٍ من الهجر والضَّنىوكنت قتيل البين من وصلكم أثرى
وقال أيضاً:
يا عاذل القلب المتيَّمدعه فإنك لست تعلم
ما قد حوى من حرقةمن بعد سكَّان المخيَّم
أنَّى تروم سلوَّهوالحبُّ في الأحشاء خيَّم
أم كيف ترجو برءهمن غير من قد كان أسقم
هيهات حاولت المحال ورمت شيئاً ليس يفهم
كيف السُّلو وسمعهعن عذل لاحٍ قد تصَّمم
ويرى الضَّلالة رشدهوشقاه غاية من تنعَّم
لم يشفه إلَّا لقاء حبيبه والله اعلم
وقال أيضاً:
بي صممٌ عن عذَّليومهجتي في شغل
رمى فؤادي شادنٌمن لحظه في المقتل
له فؤادٌ كالصَّفاوريقه كالسَّلسل
يريك وجهاً كالضُّحىمن تحت ليل اليل
لا انتهى عن حبِّهفمنتهاه أجلي
كيف يرى من وجدهوسقمه مثلي خلي
لمَّا دنا توديعهناديته يا أملي
منَّ ولو بنظرةأشفي بها من عللي
قال وأبدى لؤلؤاًمن ذلك المقبَّل
حكم الهوى أن لا أرىلعاشق بالقبل
فمذ نأى عن ناظريفعبرتي تضمن لي
[أن ليس يبقى دمعةًأريقها من مقلي
وصار خدِّي بعدهمن البكا كالجدول]
يوسف بن عبد الله بن عبد الباقي بن مكيِّ بن إسماعيل بن يحيى بن نهار بن الحسين بن يحيى بن إدريس بن محمَّد بن عليِّ بن محمَّد بن إبراهيم بن صالح بن طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق- ﵁ صاحب رسول الله ﷺ، أبو المحاسن البكريُّ التيميُّ.
الفقيه المالكيّ من أهل مصر.
نزل بغداد واشتغل بالفقه والأصول، وسمع الحديث النبوي من أصحاب أبي الوقت السجزي في آخرين بعدهم؛ وله فهم وذكاء، ويقول شعراً؛ وهو شاب. أخبرني أنه ولد إما سنة إحدى أو اثنتين وستمائة.
ومن شعره ما أنشدني بدمشق بمسجدها الجامع في أواخر ذي الحجة سنة تسع وثلاثين وستمائة؛ وهو متوجه إلى دير مصر:
ما غرَّدت قمريَّة الأجفانإلا وفاض الدَّمع من أجفاني
شوقاً إلى وادي الأراك وبانهفهناك لي قلبٌ نأى وجفاني
أضحى مطيعاً للغرام ملبِّياًفإذا عزمت على السُّلوِّ عصاني
يهوى من البيض القواضب أهيفاًهزات معاطفه بغصن البان
يدنو فيمنعه الدَّلال إذا دنامن قربه فهو البعيد الدَّاني
كم عاذل قد لام فيه وما وعىسمعي ولا ملك الملام عناني
يوسف بن عبد الرحمن بن عليِّ بن محمَّد بن عليِّ بن عبيد الله بن حمّادي بن أحمد بن محمَّد بن جعفر بن عبد الله بن
القاسم بن النضر بن القاسم بن محمَّد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن القاسم بن محمَّد بن أبي بكر الصديق- ﵁، أبو محمَّدٍ بن أبي الفرج الجوزيّ الواعظ الفقيه الحنبليُّ التيميُّ البكريُّ.
خيّرت بأنَّ جدّه كان من مشرعة الجوز إحدى محال بغداد بالجانب الغربي، فلذلك يقال لهم بيت الجوزي.
وكان والده إمام العراق في وقته، وعلمه أشهر من أن يذكر، وابنه هذا خلف أباه، وسمع الحديث الكثير على مشايخ ذلك الوقت كأبي القاسم يحيى بن أسعد بن يحيى بن يونس البغدادي، وأبي الفتح أحمد بن محمد المندائي، ووالده أبي الفرج وغيرهم.
وولّاه الناصر لدين الله أبو العباس أحمد- رضوان الله عليهم- حسبة بغداد وأنعم عليه إنعاماً عظيماً ورزق منه حظاً شاملاً؛ فلما توفي الناصر وتولّى الإمام الظاهر بأمر الله أبو نصر محمد- ﵁ لم يغيّر عليه شيئاً مما كان عليه. فحينئذ انقرضت أيام الظاهر بأمر الله- تغمده الله برحمته ورضوانه- عن مدّة قريبة، وتولّى الإمام المستنصر بالله أبو جعفر المنصور- ﵁ زيد في إكرامه، وارتفعت منزلته لديه. وأنفذه إلى عدّة جهات رسولاً، فحصل له بذلك الترسل أموال جمّة، ونعمة طائلة؛ فلما توفي المستنصر بالله- ﵁ وتولّى المستعصم بالله أبو أحمد عبد الله بن المستنصر- خلد الله دولته- ولّاه أستاذ داريّة الدار.
وكان واعظاً حسناً عالماً بالتفسير والحديث فقيهاً مدرساً مفتياً على مذهبه شاعراً مسهباً غزير الشعر مقتدراً على إنشائه؛ ولم [يمدح] أحداً من الناس غير الخلفاء- صلوات الله عليهم اجمعين-.
كنت ببغداد أيام مدّة إقامتي بها، وحضرت مجلس وعظه بباب بدر عدّة مرات. وكان ينشد عقيب المجلس قصيدة طويلة من نظمه مديحاً في الخليفة يختم بها مجلس الوعظ. ولم يعلق بحفظي من أشعاره شيء ولا اتفق لي الاجتماع به ولا الرواية عنه.
ثم بعد ذلك قدم إربل رسولاً من ديوان الخلافة إلى خوارزم شاه أبي المظفر مينكبرتي بن محمد بن تكش، فاجتمعت به بعد عوده من الرسالة بإربل في أواخر شعبان سنة سبع وعشرين وستمائة، وأجازني جميع مقولاته ورواياته وما يندرج تحت الإجازة، وكتب ذلك بخطه.
وسألته عن مولده، فقال: ولدت في ذي القعدة سنة ثمانين وخمسمائة. وذكر لي أنَّ له عدة مصنفات في المذهب والخلاف والوعظ والتفسير، وغير ذلك. ومن تصانيفه كتاب ((معادن الإبريز في تفسير الكتاب العزيز)).
وقرأ القرآن الكريم على أبي بكر الباقلاني للعشرة.
ومما قرأت عليه لنفسه من قصيدةٍ يمدح بها الناصر لدين الله أبا العباس أحمد بن
الحسن- رضوان الله عليه-:
من لصبٍّ ضاع يوم نأواصبره عنهم وحيلته
وإذا طرف المشوقي كبالم تقل والله عثرته
وممات الصَّبِّ صدُّكموغداة الوصل بعثته
قصَّة المحزون تسطرهافي ظلام اللَّيل غصَّته
صفحة الخدَّين رقعتهاودواه الصَّبِّ مقلته
ويراع الوجد تعربهامن مداد الشَّوق مدَّته
وإلى المحبوب تحملهامن صبا الأسحار نسمته
وإذا حنَّ الحزين أسىًكحنين العنس حنته
وسلاف الحبِّ تطربهفتذيع السِّرَّ نشوته
مثل ما في النَّظم يطربنيلإمام العصر مدحته
لوفود الجود قد كفلتبالأماني أريحيَّته
من ندى كفَّيه تابعهحجَّة الإنسان عمرته
فعلت بالحقِّ دولتهفعلت في الخلق دعوته
تخجل الوطفاء هاميةًحين يهمني الجود مزنته
فأسود الغاب خاشيةٌقد كساها الخوف سطوته
وإذا ما البحر قيس بهأشبه الغدران لجَّته
ومن الطِّين الورى خلقواومن العلياء طينته
ولنا منه النَّدى ولهمن إله العرش نصرته
وله رق الورى ولهمن رسول الله بردته
ومنانا أن تدوم لنالننال السُّؤل دولته
إنَّ ميت الجود عاش بهبعد ما ضمَّته حفرته
وإذا ما الله عمَّرهكملت للجود بغيته
حبُّه فرضٌ ندين بهطاعة الرَّحمان طاعته
فلمن عاداه نار لظىولمن والاه جنَّته
وقال أيضاً:
ألا قل لمن أمسى على الدَّهر عاكفاًتنَّبه خليلي قبل أن يفرط الأمر
فوالله ما دنياك إلَّا كزاخرٍوزهد إلى التَّقوى لعابرها جسر
أتغترُّ بالدُّنيا وتطلب صفوهاوظاهرها حلوٌ وباطنها مرُّ
لكلِّ صحيح الجسم منها بلَّيةٌوكلِّ صحيح من غوائلها كسر
ولو كان موت المرء آخر شدَّةيراها لهان الصَّعب واستسهل العسر
ولكن لديه موقفٌ يجمع الورىوداهيةٌ دهياء يظهرها الحشر
ومن شعره أيضاً وقد عرض ثلاث رقاع مزوَّقة برسم العيد السعيد باسم السادة الموالي الأمير أبي العباس أحمد، وأبي الفضائل عبد الرّحمن، وأبي المناقب المبارك أولاد أمير المؤمنين المستعصم بالله أبي أحمد عبد الله بن الإمام المستنصر بالله أبي جعفر المنصور بن الظاهر بأمر الله أبي نصر محمد بن الناصر لدين الله أبي العباس أحمد- رضوان الله عليهم وسلامه- الرقعة الأولى فهي قوله:
بقيت مبلَّغاً أقصى الأمانيإلى أن ينقضي عمر الزَّمان
برزت لنا فلم نترك ثناءًوعوَّدناك بالسَّبع المثاني
أبا العبَّاس أحمد يا ابن خير الــبريَّة في الأقاصي والأداني
أتاك العيد بالبركات يهديالميامن والبشائر والتَّهاني
فبلغك السُّعود به وألقتلدى المولى الخليفة بالجران
وأما أبيات الرقعة الثانية فهي:
أنت يا عيد جيء ببشراك واستصــحب بشارات سائر الأيَّام
وأنلها أبا الفضائل مولى الــخلق عبد الرَّحمان نجل الإمام
وأحبه التَّهنئات يكسبك فخراًكامل الحسن وافر الأقسام
وادع ربَّ الأنام يحييه كي يوليك هذا الإنعام في كلِّ عام
دام في ظلِّ مالك الرقِّ ذي السُّؤدد مولى الإحسان مولى الأنام
وأما أبيات الرقعة الثالثة فهي:
بأبي المناقب سيِّد الــخلق المبارك ذي المعالي
تزهى المواسم عزَّةًوتميس في ثوب اختيال
يا من به حلت الحياة ودهرنا بعلاه حالي
عمِّرت في ظلِّ الخليــفة ما تتابعت اللَّيالي
وسعدت بالعيد الَّذيبكم اكتسى حلل الجمال
يوسف بن عبد الكريم بن عليِّ بن أبي الحسن بن أبي القاسم بن مزارٍ، أبو الحسين المعروف بابن بزاقة، وينبز بالكوذين.
كان يعلم الصبيان بالموصل، وبقي مدّة في التعليم ومال إلى الشعر، وقصد به الناس. وكان رجلاً ضعيف العينين، خفيف العارضين، مبخوس الحظ من الزمان، متظلماً من أبنائه؛ وله مدائح كثيرة وأهاجٍ قبيحة يستعذبها من يسمعها.
أخبرني أنَّه ولد سنة ثمانين وخمسمائة، وخبّرت أنه امتدح بدر الدين لؤلؤ بن عبد الله- صاحب الموصل- فأنعم عليه، وقرّبه وصار يحضر مجلسه وأحد ندمائه، وتمشت أحواله.
ومما أنشدني لنفسه بالموصل مبدأ قصيدةٍ:
تيَّمه برقٌ بتيماء لاحفبات لا يصغي إلى لحي لاح
وظنَّه زار الحمى فاحتمتأجفانه عن نومها المستباح
وكان لا يظهر أشجانهفصار بالدَّمع هواه صراح
له هوىً في حلبٍ ساكنٌوداره عن ربعها في انتزاح
يضرب في الآفاق يبغي الغنىبالشِّعر من عند أناسٍ شحاح
كأنَّما أضحى على طائرٍأراش عزُّ الدِّين منه الجناح
وأنشدني لنفسه من أبيات:
لا توحشنَّك غربةٌ عن منزلٍفيه الكريم على السَّماح يعنَّف
واقنع على ظمأ بأيسر نغبةٍمن غيرها لو أنَّ دجلة قرقف
أتراكم موتى فلا يرجوكمأحدٌ ولا من بأسكم يتخوَّف
كم ضعت عندكم وحظِّي قال لييا يوسفٌ قد ضاع قلبك يوسف
وأول هذه الأبيات يهجو بها أبا الحسن علي الكاتب المنبوز باللقيط الموصلي
لا تنكرنَّ من اللَّقيط مساءةًعرضت فإنَّ له أباً لا يوصف
أضحى من النَّكرات عرَّفه الغنىوعجبت للنكرات كيف تعرَّف
أرضٌ يسود بها اللَّقيط فخلِّهالو أنَّها الفردوس حين تزخرف
وأنشدني أيضاً لنفسه فيه يهجوه:
تبّاً لنعمة قومٍجاءتهم مستعاره
وقبَّح الله دهراًألقى عليهم إزاره
ساد اللَّقيط عليناكأنَّه ابن زراره
وحمَّل النَّاس وزراًمذ حاز فيه الوزاره
وأنشدني أيضاً لنفسه يتظلَّم من أهل الموصل:
أيا جيرة الحدباء أهوى لقاكمولكن جفاكم بيننا شرُّ طائر
أبيع ثيابي عندكم وهي رثَّةٌولولا رحيلي عنكم رثَّ خاطري
بياضكم دون السَّواد وكلُّكمبياضٌ ولكن فوق أسود ناظري
وأنشدني لنفسه في الشيطان الشاعر الإربلي، وهو يوسف بن نفيس. وكان يعاشر الأمراء من أهل الموصل فكانوا يبرّونه ويحسنون إليه:
يا معشر الأمراء إنِّي قائلٌقولاً يدلُّكم على حرماني
لو لم تكن أموالكم من جذركمما كان مصرفها إلى الشَّيطان
وقال أيضاً:
قد سئمت المقام بين أناسٍما أرى دعوتي بهم مستجابة
جمعوا في أسافل وأعالبين لينٍ منهم وبين صلابة
فلهم أوجهٌ تقلُّ سيوف الــهند ممَّا تسقى بماء الجنابة
وقال أيضاً:
لحا الله قوماً لا تعدُّ ألوفهمإذا عدَّ أهل المكرمات بواحد
لبست محياً من حديد لحاجتيوقلت به ألقاهم في المشاهد
ولم أدر أنَّ القوم من فرط لؤمهمأعدَّوا الرَّدى لي أوجهاً من مبارد
وقال أيضاً:
وجوهٌ لو تكون دروع حربلأخطأت المنيَّة لابسيها
دققت وجوههم ستين عامًّابكوذيني فما أثَّرت فيها
وقوله أيضاً:
إذا طلب العين ذو فاقةٍفلا يتعدَّى عريق الخطيب
ويلقي عصاه على بابهفقد أمن الدَّهر ريب الخطوب
وله من أبيات:
كيف لا أشتكي نوائب دهرٍفاتني فيه جود بدر الدِّين
قد رماني منه بكلِّ خسيسٍحملته لعينةٌ من لعين
معشرٌ إن حضرتهم سجدوا ليوإذا غبت عنهم لعنوني
إن يموتوا غيظاً عليَّ فبشَّار بن بردٍ قد مات بالكوذين
وقال أيضاً:
أصبحت تشتكي حليلة بيتيعري جسمي وما به تكسوني
قلت لا تعجبني لئن كان منِّيأي ثوبٍ يبقى مع الكوذين
يوسف بن عثمان بن سلّار الكرديُّ الهذبانيُّ.
من أهل إربل.
كان متجنداً في خدمة بعض الأمراء الإربليين. وكانت وفاته سنة ثمان وعشرين وستمائة.
وهو القائل:
شوقي إليك وإن بعدت كثيروفؤادي المضنى لديك أسير
أنتم لروحي راحةٌ ولمهجتيدون الخلائق فرحةٌ وسرور
كيف التَّخلَّص من هواك فدلَّنيلم يبق لي رأيٌ ولا تدبير
يوسف بن عليِّ بن الحويزائيِّ العود.
يقول:
يا عذولي أقصر فشرح حديثيبعدما صدُّ من أحبُّ طويل
إن يكن ظاهري سليماً لمرأى الــعين فالقلب بالصُّدود عليل
قلت للحب والفؤاد على الجمــر وجفني منه الدِّماء تسيل
لا تمل في الهوى عليَّ فقلبيما أراه إلى سواك يميل
إن تكن واصلي فأنت حبيبيأو تكن هاجري فصبرٌ جميل
إنَّ ما قلَّ منك عندي كثيرٌ.......... قليل
قال لي والمدام قد أخذت منــه ومالت بغصن بان يميل:
قتلتني المدام قلت: بثأريأخذت كلًّ قاتل مقتول
البيتان الآخران هما للخطيب أبي الفضائل يحيى بن سلامة الحصكفي قد ضمنها المقطوعة.
يوسف بن عليٍّ، أبو الفضل بن أبي الحسن العميد الكاتب المصريُّ، المعروف بصهر الفقيه يعقوب.
من الشعراء الكتّاب المقتدرين على إنشاء الأشعار والرسائل، وابتداع المعاني في تحرير الألفاظ.
وكان أبسط كتاب زمانه يداً، وأقدرهم على التوسع في صناعة الإنشاء لمنظوم الكلام ومنثوره. وصنّف تصانيف وله رسائل كثيرة مشهورة، وأشعار محكمة فيها التزام.
وكان على عهد السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب- ﵁.
وتوفي شاباً في سنة ثلاث أو أربع وستمائة.
وصنّف كتاباً للمرتضى بن الجليس بن الجبّاب لما قدم من الشام وسمّاه بـ ((تحفة القادم)).
وحدّثني الصاحب الإمام أبو القاسم عمر بن أحمد بن هبة الله بن أبي جرادة الفقيه الحنفي بحلب، قال: كتب أبو الفضل يوسف بن علي المصري بين يدي القاضي المؤتمن علي بن محمد بن كيا سيبويه الكاتب حين اتصل بالسلطان الملك الظاهر غياث الدين غازي بن يوسف- رحمه الله تعالى- بحلب؛ هذا آخر كلامه.
ومن شعر أبي الفضل يتغزل:
ودَّعتكم وضلوعي حشوها حرقٌوبتُّ والجفن مشعوفٌ به الأرق
فلا يميل بقلبي بعدكم فرحٌولا يفارقه من بعدكم فرق
لمَّا رحلتم عن الأوطان ودَّعكمقلبٌ به سكن التَّعذيب والقلق
فالوجد متَّفقٌ والصَّبر مفترقٌوالطَّرف مسترقٌ والدَّمع متَّسق
وقال في جمال الملك موسى بن المأمون يمدحه:
كم يد بيضاء عنديلجمال الملك موسى
فجعلت المدح فيهتجتلي منه شموسا
وتفرَّغت لأن أمــلأ بالشُّكر الطُّروسا
لأوفِّي بعض نعماهـ الَّتي تحيي النُّفوسا
دام في سعدٍ وعزٍّلا يلاقي منه بوسا
وقوله في الشريف قرطم:
يا سادتي هذا الَّذيقد كنت من دهري أخافه
قوموا بنا نبغي... قرطم طلب الخلافة
وله يمدح المرتضى بن الجليس بن الجبّاب:
وافى خيالك في الكرى متعرِّضاوأظنُّه مازال إلَّا عن رضا
قصرت لزورته القفار وإنَّماحقٌّ عليها أن تطول وتعرضا
أتراه ما حسب الظَّلام البحر والــزُّهر الحباب ولا السَّماء العرمضا
لم يخش من نظر الغيور ولم يزليدري بأنَّ جفونه لن تغمضا
هي ليلة رضي الحبيب وزارنيفيها وقد كان المصدَّ المعرضا
نزَّهت طرفي في محاسن وجههفي جنَّة والقلب في نار الغضا
فلثمت خدَّاً كالشَّقيق مذهَّباًورشفت ثغراً كالأقاح مفضَّضا
وجعلت أقطع ليلتي بوصالهحتَّى مضى غسق الدُّجنَّة وانقضى
ونعى الظَّلام الدِّيك لمَّا أن رأىفي فرعه سيف الصَّباح المنتضى
وبدت أزاهير الرِّياض كأنَّماأبدت لنا خلق الأجلِّ المرتضى
الألمعيِّ فلا يمارس جامحاًبذكائه إلَّا وأصبح ريِّضا
أغنى بيقظته لكلِّ عظيمةٍأن يستجاش لها وأن يستنهضا
لله من آل الجليس ماثرٌبهرت فعزَّت أن تذال وتدحضا
عقدت لهم فوق السِّماك معاقدٌللمجد ليس بممكن أن ينقضا
هنِّيت ذا الفتح القريب فإنَّهجاءت به خيل البشائر ركضا
أعملت فيه من الدُّعاء لنصرة إلاسلام ما عضد الحسام الأبيضا
ولقد أراد الله نصرة دولةٍأصبحت فيها للنّضصائح ممحضا
عجزت عن الشُّكر النُّفوس فأصبحتلا تستطيع بشكرها أن تنهضا
جاهدت فيهم بالدَّعاء وإنَّهأمضى سلاح الصَّالحين إذا مضى
لازلت في كسب المعالي ساعياًتسمو إلى رتب العلاء فترتضى
وقال أيضاً يمدحه من رسالة:
أغرى الملامة بالكئيبغصنٌ يميس على كثيب
يزهى بخصرٍ مجدبٍ عالٍ على ردف خصيب
كم أرسلت الحاظهللقلب من سهمٍ مصيب
أجفانه فتكت من الــتَّفتير بالسَّيف القضيب
فتراه ينظر دائباًللخلق من عيني مريب
حاز الكمال فما لهبين البريَّة من ضريب
لا أنس لمَّا مرَّ بيمترقِّباً نظر الرَّقيب
مستوحشاً لكنَّ هــذي شيمة الرَّشا الرَّبيب
مالت معاطف قدِّهكتمايل الغصن الرَّطيب
فتساقطت عبرات عيــني إذ رأت شخص الحبيب
فحسبتها تحكي عطاء المرتضى للمستثيب
ابن الجليس أجلُّ منأضحى نجيباً من نجيب
ندبٌ بغرِّ صفاتهيغني القريض عن النَّسيب
فضل البريَّة مثل مافضل الشَّباب على اللمشيب
يا من به لبس الزَّمان نضارة البرد القشيب
اسمع نداء العبد إذنادى عطاءك من قريب
الدَّهر عندك دأبهأن لا يرق على أديب
يشني اللَّبيب لأنَّ منعاداته خفض اللَّبيب
أهدى إليك العبد شعــراً راق باللَّفظ العجيب
هجر الغريب من اللُّغات فجاء بالمعنى الغريب
فالبحتري ممثَّلٌفيه يعيب على حبيب
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (٢٠٠٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع