تجاوز إلى المحتوى

من «قلائد الجمان في فرائد شعراء هذا الزمان» لابن الشعار الموصلي (ت ٦٥٤هـ)

ذكر من اسمه يوسف (٦)

وقوله من صدر كتاب منثور:

سلامٌ على ذاك الجناب الَّذي بهبلغت الأماني وادَّخرت المحامدا
وسقياً لدارٍ كنت في عرصاتهاأسرُّ الموالي أو أسر المعاندا

يوسف بن عبد العزيز بن إبراهيم بن شداد بن سرورٍ، أبو المحاسن الهمدانيُّ المعروف بابن المرصَّص.

من أهل الديار المصرية.

لقيته بحلب بمدرسة شاذبخت النوري. وكان نازلاً بها في شعبان سنة أربع وثلاثين وستمائة.

وكان شاعراً متأدباً منتجعاً بأشعاره، وعنده طرف صالح من علم العربية، ويقول شعراً حسناً، ويمدح جيداً، وعرض له مرض ولازمه مدّة، وانقطع في منزله ومات به. وبقي ثلاثة أيام لم يدفن وذلك في العشر الوسطى من جمادى الأولى سنة ثمانٍ وثلاثين وستمائة.

ومن شعره الذي أملاه عليّ من لفظه ابتداء قصيدةٍ امتدح بها بعض الأكابر:

أنا مالي وللظباء العينخذلتني وليس لي من معين
كلَّما رمت سلوةً هاج وجدي.... شعرٍ على صباح جبين
يا رشيق القوام حلو التثنِّيجامعاً لي بين المنى والمنون
أنت لي جنَّةٌ فما بال قلبيمن تجنِّيك في العذاب المهين
لي دينٌ عليك بالوصل ولكنرحت منه بذَّلة المديون
بأبي أنت من غزال ربيبهام قلبي به وجنَّ جنوني
سحرتني جفونه بفتوركيف صار الفتور سحر الجفون
ما لدرِّ الكلارم منه شبيهٌغير درٍّ بثغره مكنون
عذلوني وما رأوه فلمَّاأبصروا حسن وجهه عذروني
قل لبدر السَّماء لا يتصدَّىلي فما البدر بعده من زبون
ولغصن الأراك لا يتثنىفضح الشَّكَّ منه علم اليقين
إن تجلَّى يا خجلة البدر في الأفــق وإن ماس يا حياء الغصون
سنَّ وجدي من طرَّة منه سوداء ومن حاجب بسينٍ ونون
أنا في مذهب الغرام إمامٌفسلوني من قبل أن تفقدوني
للشاعر جمال الدين بن مطروح، من قصيدة «حدثوا عن صبابتي وشجوني»
في هوى الغانيات قد شاب فوديعلقت في هوى الحسان رهوني
غادرتني ما بين دمعٍ طليقٍوفؤاد مكبَّل مسجون
بقدود من قضب نعمان لكنمسن فوق الكثبان من يبرين
وعيون سود هي البيض فعلاًإنَّ بيض القلوب سود العيون
أغمدت في الجفون فهي مواضٍوالمواضي مغمودةٌ في الجفون
غزلي لا يزال وقفاً عليهكثنائي على فلان الدّين

وقال أيضاً من قصيدة أولها:

قم بنا قم لكأس الرَّاحنجتليها من قبل ضوء الصَّباح
أصلني نارها فمن صدَّ عنهايا نديمي فليس لي من براح
تتلالا نوراً وأين سناهافي دجى الليل من سنى المصباح
قبل غرس الكروم قد عتِّقت منقبل خلق الأرواح والأشباح
هي أمُّ الحياة بنت المسرَّات غذاء الأجسام والأرواح
تطرد الهم عنك لو أنصفوهالقَّبوها مغناطس الأفراح
كلُّ باب من السُّرور إذا أغلــق جاءت إليه بالمفتاح
فات حاناتها فما أذنَّ المزمار إلَّا دعاك داعي الفلاح
واصطبحها بين الملاح فما العيــش سوى الإصطباح بين الملاح
إن يكن شربها افتضاحاً وهتكاًربِّ زد في تهتُّكي وافتضاحي

وقال من قصيدة أولها:

ذلُّ أهل الهوى هو العزُّ حقاولعمري قد عاش من مات عشقا
إرض ذلَّ الحبيب إن رمت عزّاًوأفن فيمن تختار إن شئت تبقى
يا عزائي تعال أهلاً وسهلاًيا سلوِّي إليك بعداً وسحقاً
قل لمن لام طائعاً في سلوِّيإنَّما رمت أن تشاهد عنقا
أحمق النَّاس من يلوم محباًّمغرماً والرَّقيب أكثر حمقا
رقَّ قول العذول إذ كان زوراًفاقطعوا ذا الحديث من حيث رقَّا

وقال أيضاً من قصيدة أخرى:

واهاً لقدٍّ كأنَّه ثملٍومقلة بالفتور تكتحل
ووجنةٍ ما تزال داميةًيجرحها من لحاظها الخجل
وورد خدٍّ أخاف تذبلهمنِّي إذا رمت لثمه القبل
وريقة أسكرت حلاوتهاكأنَّما شاب خمرها العسل
وبي غزالٌ لولا لواحظهما كان يصبي فؤادي الغزل
لا يعرف الكحل جفن مقلتهأغناه عن زور كحله الكحل
أعجب ما فيه ماء وجنتهلمارج النَّار كيف تشتعل
وكيف يرمي عن قوس حاجبهبسهم لحظ وليس ينفصل
يزينه حسنه بغير حلىًفأعجب لحالٍ يزينه العطل
نشيط عطف وجفن مقلتهيخلق منه الفتور والكسل
أصبحت بالغصن والنَّقا كلفاًوذاك منه القوام والكفل
يا من له مقلةٌ لواحظهايخجل من حسن رميها ثعل
صن لحظ عينيك عن فؤاد فتىجراحها فيه ليس يندمل
والله ما المرهفات فاعلةًوهي المواضي ما تفعل المقل

يوسف بن عيسى بن الحسن بن أبي طالب بن صقرٍ، أبو العزِّ الحلبيُّ.

من بيتٍ مذكورٍ.

بها كانت ولادته في إحدى الجماديين سنة ثلاثٍ وستمائة.

شاب قصير ذو حدبتين في صدره وظهره.

قرأ شيئاً من علم العربية وتأدّب، وله فهم ودراية، ويقول أشعاراً ما بها بأسٌ.

أنشدني من شعره يمدح:

بين بان اللِّوى فرند السَّديرغرَّ قلبي طرف الغزال الغرير
أسرته ألحاظ غيد لها فيقنص الأسد أحبلٌ من فتور
فغدا موثقاً غداةً منادي الــحيِّ نادى ناديهم بالنُّفور
هل مجيرٌ من جور أعين عينٍفاتكات في الأسد بين الخدور
خفرات كواعب إن تجلَّتفي الدُّجى أخجلت وجوه البدور
كشموس على الغصون على الكــثبان بيض الوجوه سود الشُّعور
ينفح المسك والعبير إذا ماخطرت من عقودها والنُّحور
وثقيل الأرداف عند التَّثنِّييتعدَّى على رشاق الخصور
آنسات نوافرٍ كم قتيلٍهدر بين أنسها والنُّفور
ورداحٍ كأنَّ بهجتها شمــس نهارٍ على قضيبٍ نضير
خود خدرٍ لمياء قال لها الحســن على العاشقين في الحبِّ جوري
نرجس الطَّرف نار وجدي فقد خــدَّ فؤادي في الخدِّ وردٌ جوري
صادت القلب ثمَّ صدَّت فما أمَّــل منها سوى الخيال الزُّور
يا زمان الصِّبا سقيت ملثّاًمستهلاً من كلِّ جون مطير
مرزماً مثل جود كفِّ شهاب الــدِّين ربِّ المكارم ابن الوزير
جود يحيى الرَّئيس أكرم خلق اللــه ذي البرِّ والنَّدى المأثور
الجواد الَّذي إذا أمَّه القاصد أغناه بالنَّوال الغزير
طالب الرِّفد لذ بربع شهاب الدِّين وأنزل ببابه المعمور
تحو أسنى الغنى وتحظ من الصَّاحب صدر الشَّام بالتَّكثير
فهو يلقى قصَّاده باسم الثَّغــر بوجه كبدر تمٍّ منير
يرجع القاصد المؤمِّل من جــود يديه بكلِّ خيرٍ وخير
ربعه مخصب المزاد قراهوجمال أمام وردٍ نمير
كلُّ نادٍ لعرف معروفه عطــريُّ ذكر به كنشر العبير
قد أجدت المديح فيه لعلميأنَّه بالمديح أيُّ جدير
أفوح العرف ساكب العرف بدريُّ المحيَّا جذلان عفُّ الضَّمير
إن دعوه بحراً فما أنصفوهإذ له أنملٌ شبيه البحور
كلُّ فضلٍ مكمَّلٌ في شهاب الدِّين من ربِّه اللَّطيف الخبير
حاتمٌ في السَّخاء أحنف في الحلــم وقيسٌ في الرَّأي والتَّدبير
المجير الجار النَّزيل من الخطــب همامٌ شهمٌ وأيُّ مجير
هو عيدٌ لكلِّ عيد أهنِّي الــعيد حقّاً به هناء السُّرور
دام في العزِّ والسَّعادة ما هــبَّ نسيم العشيِّ ثمَّ البكور

يوسف بن غريب بن أبي عليٍّ، أبو الحجاج الحواريُّ.

من أهل إربل.

أخبرني الصاحب الوزير العالم أبو البركات المستوفي- ﵁ وقال: كان يوسف بن غريب رجلاً خرّاطاً، وترك ذلك وجعل يستجدي الناس بالشعر. وكان يلحن في أثناء أبياته، ويأتي بأبياتٍ ساقطةٍ وأخرى لا بأس بها.

ثم قال: ومن شعره، وأنشدنيه:

بنفسي لييلاتٌ مضين وكان لينديماً بها شادٍ أغنّ ربيب
تدير عليَّ الرَّاح كلَّماتروَّق راووقٌ وراق طروب

وأنشدني، قال: أنشدني يوسف بن غريب لنفسه من قصيدة:

وما روضةٌ مجَّاجة الغيث راضهاصباها ووفد الرِّيح يعسفها عسفا
بأطيب ذكراً منه في النَّاس كلَّماتحدَّث صنفٌ عنه زادهم وصفا
سجاياه بذل الجود فيهم وإنَّهلأرحبها باعاً وأسمحها كفَّا

ومنها:

فما شامت أيامي البأس أن لوىإليَّ عناناً من مكارمه عطفا
ولا انتاش عن عودي النَّضير لبأسهومنزلتي أضحت بمنزله زلفى
خلائقه كالماء رقَّت جنوبهلأشوقها قلباً وأذرفها طرفا

قال الصاحب الوزير أبو البركات- ﵁: وأكثر شعره رديء لا معنى له؛ وإنما ذكرت ذلك لتعلم أنَّ ملاك الأمر في تأليف الشعر الطبع.

قال: وعبثت به يوماً، وقلت له: ما أظنّ هذا شعرك فحلف إنَّه له ولا حاجة إلى يمينه، فقال: اقترح عليّ وزناً أعمل فيه وأنت تشاهدني، فقلت له: قول ابن الفضل البغدادي:

طلَّقت تجلُّدي ثلاثاًوالصَّبوة بعد في حبالي
للشاعر ابن الفضل القطان، اقرأ القصيدة

فأخذ ورقة وفكر يسيراً وكتب:

أبكي أسفاً بدمع عينٍقد أخبر عنكم بحالي
أبقى جلدي وريح صبريما نسم نشرها ببالي

قال: وكان على غاية ما يمكن أن يكون عليه إنسان من الفقر، رثّ الثياب، باذَّ الهيأة.

يوسف بن فضل الله بن يحيى، أبو الحجّاج وأبو المظفر السكاكينيُّ.

من أهل حرَّان.

ذكره محاسن بن سلامة الحرّاني في تاريخه، وقال: كانت وفاة يوسف السكاكيني بحرّان ثامن عشر المحرّم سنة أربع وعشرين وستمائة، ودفن في منزله. ووقف داره في محلة الجلاعطة داراً للحديث، ووقف كتبه عليها.

وكان يعرف شيئاً من النحو واللغة والفقه والفرائض والقراءات وعلم التجويد والتصريف ويشعر، ويقرئ النحو. وقرأ عليه جماعة من أهل حرّان وغيرها النحو والتجويد والوقف والابتداء.

واجتمع ببغداد بأبي البقاء عبد الله بن الحسين العكبري النحوي، وقرأ عليه شيئاً من النحو والعربية.

وكان يعمل السكاكين والمغازل وغيرها بيده، ويأكل منها، وحجّ إلى بيت الله الحرام. وكان رجلاً عاقلاً يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، وجوّد القرآن على الشيخ أبي بكر عبد الله بن عبد الرحمن بن علي بن عبد الرحمن بن حبّان الحراني الإمام المقرئ، وسمع عليه تجويد الشيخ أبي الكرم فتيان بن ميّاح بن أحمد بن سليمان الحرّاني.

وكان شيخه في التصوف الشيخ أبو محمد عبد الله بن سليمان بن يحيى بن حسان صاحب الشيخ عتيق بن علي- رحمه الله تعالى- وسمع الحديث الكثير بدمشق وبغداد وحرّان. وبنى المسجد الذي كان يعرف به عند داره، واشترى له ملكاً، وأراد أن يزيد فيه فأدركه الموت ولم يشتر بماله ولكن بجاهه ووساطته، فكان يقرئ قوماً من أولاد الأمراء. وسمع فيما سمع بحرّان على أبي الثناء حماد بن هبة الله الحرّاني، والحافظ أبي محمد عبد القادر بن عبد الله الرهاوي، وأبي زكريا يحيى بن أبي الفتح بن عمر الطباخ.

وانتقل أبو محمد عبد القادر بن عبد الله إلى جوار يوسف السكاكيني، وبنى إلى جانب مسجده داراً وسكنها حتى مات. وكان يسمع الناس في المسجد الذي يصلي فيه يوسف.

ثم أورد له قصيدةً طويلة لامية عدد أبياتها مائتان وأربعة عشر بيتاً يرثي بها الشيخ الفقيه الإمام الموفق أبا محمد عبد الله بن قدامة المقدسي- رحمة الله عليه- شيخ الحنابلة في وقته بدمشق، ذكر فيها معجزات النبي ﷺ، وذكر فيها فضائل الشيخ الموفق المقدسي، وبعث بها إلى دمشق إلى الفقيه عبد الوهاب بن زاكي بن جميع الحرّاني- رحمهما الله تعالى- هذا آخر كلام محاسن.

أنشدني الشيخ المفيد أبو حفص عمر بن مكيّ بن سرجا بن محمد المقري القلانسي الحلبي بها يوم الجمعة العشرين من المحرم سنة ثمان وثلاثين وستمائة، قال: أنشدني الشيخ الصالح أبو المظفر يوسف بن فضل الله بن يحيى الحراني- رحمه الله تعالى- لنفسه في صفر من سنة إحدى وعشرين وستمائة بحرّان هذه القصيدة في الزهد ويمدح النبي ﷺ:

أفق يا ذا النُّهى وابغ الوفاقافقد والله أفلح من أفاقا
ونفسك أيُّها المغرور صنهاعن الدُّنيا وبتَّ لها طلاقا
ولا تركن إليها فهي سجنٌسفيهٌ من رجا منها إباقا
ولا تفرح بزخرفها فإنِّيرأيت تمام ما تعطي محاقا
ولكن من تلفَّع ثوب زهديفكُّ بزهده عنها الوثاقا
إذا ما ساعةٌ للحشر قامتولم تر عند صيحتها فواقا
وبرِّزت الجحيم لها زفيرٌوحلَّ عذابها بهم وحاقا
وتنضب للعصاة وقد أتوهاوما وافوا بصالحةٍ وهاقا
فكن حذراً وقيت حلول دارٍيكون شراب ساكنها غساقا
وجاهد كي تصير إلى نعيمٍمقيمٍ لا تخاف له فراقا
بدارٍ شرب ساكنها رحيقٌيعاطي الكأس مشرعةً دهاقا
من التَّنسيم والولدان يسعىبها أبداً صبوحاً واغتباقا
وعندهم حسانٌ قاصراتٌصفا ودُّ الحسان لهم وراقا
وأنهارٌ بها عسلٌ مصفَّىومن لبن زها الرَّائي وشاقا
ومن خمرٍ تلذَّ لشاربيهاولا تغتال عقلاً إذ تساقى
وماءٌ لا يرى فيه أجونٌإذا ما استافه السَّاقي وذاقا
وأفنان القطوف بها روانوتعتنق الغصون بها اعتناقا
وفيها ما تشهَّى النَّفس حتماًلمن لم ينو في الدُّنيا نفاقا
ولم ينو الخطايا مستحلاًولا دانى فواحشها شقاقا
وأعظم منَّة لله فيهاعلى العبد التَّحيَّة حين لاقى
سلامٌ يا عبادي نلتموهجزاءً من مليككم وفاقا
فخرُّوا ثمَّ كاد العقل منهموقد لاقوه ينطلق انطلاقا
وكيف القلب لا ينشقُّ منِّيعلى هذا بغصَّته انشقاقا
وحول القوم أشجارٌ وروضٌمن المرجان تصطفق اصطفاقا
وحورٌ من بطون الغيب تبدوفتعتلق النُّفوس بها اعتلاقا
يلاعب بعضهم بعضاً سروراًبودٍّ ما أتوا فيه مذاقا
فمن رام الخلود بدار عدنٍيشمِّر في تطلُّب ذاك ساقا
ويلزم نفسه سهر اللَّياليويكلف في العبادة ما أطاقا
فلا والله ما نال المعاليأخو دعةٍ يمدُّ له رواقا
وينشد مستظلاً في فناهأيدري الربع أيَّ دم أراقا
بلى والله من جدَّ اجتهاداًوسابق في رضا المولى سباقا
وحجَّ البيت عاماً بعد عامٍوأعمل نحوه عنساً دفاقا
ول يركن إلى الدُّنيا غروراًوقطع من علائقها الرِّباقا
ولا يلوي على أهلٍ ومالٍوحنَّ إلى فراقهما وتاقا
فطوراً يقطع البيداء شاماًوطوراً سالكاً فيها عراقا
وفارق زهرة الدُّنيا مطيعاًوأقبل نحو أخراه اشتياقا
وعانى من أليم الشَّوق وجداًوكابد من تلهُّبه احتراقا
ورافق من يرافقه برفقٍولا يشكو إلى أحدٍ رفاقا
جديرٌ أن يصير إلى سرورٍيلذُّ به ويرتفق ارتفاقا
فيا طوبى لمن أصغى لو عظيوزايل غيَّه ثمَّ استفاقا
فأسأل من دحا الأرضين بسطاًوظلَّل فوقها سبعاً طباقا
ينضُّ سحائب البركات تترىعلى المختار تنبعق انبعاقا
وتشمل من تولَّاه بصدقٍوجانب ما يخالفه وتاقا
ولست أمتُّ يا مولى المواليإليك بغير من ركب البراقا
ومن جاء البعير إليه يشكوفنفَّس عنه من كربٍ خناقا
وحنَّ الجذع من شوقٍ إليهفأشبه في تحنُّنه النِّياقا
ونطق الذِّئب أعجب كلِّ شيءوقد لاقاه في القفر اتفاقا
وفجِّر من أنامله معينبمرأى الصَّحب يندفق اندفاقا
فأروى الجيش ماءً وستقلُّواوقلُّوا منه .... فهاقا
كذاك الزَّاد أشبع منه خلقاًوقدجاءوا وما ذاقوا لماقا
كذاك البدر لمَّا أن دعاهأطاع الله وانعقَّ انعقاقا
وهذي آيةٌ كأخيه موسىسطا بالبحر فانفلق انفلاقا
وعند ولاده صارت رجوماًنجومٌ تمنع الجنَّ استراقا
ونيران المجوس خمدن لمَّارأين لنور طلعته ائتلافا
ونهر الفرس غاض فاض يبساًوعاد قراره يبدو براقا
وأوثان البسيطة حين وافىرجعن لخوفه رتماً دقاقا
ولو أجريت في هذا عنانيثناني العجز يا أملي وعاقا
فخذ منِّي اليسير وكن عذيريوعد عمَّن حدا بهم وساقا
وصلِّ على النَّبيِّ وصاحبيهولا تعبأ بمن ركب الشِّقاقا

وقال أيضاً يرثي الشيخ الموفق أبا محمد عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي الفقيه الحنبلي- رحمه الله تعالى- من قصيدة طويلة أولها:

الحمد لله القديم الأوَّلما أطَّ رحل مسافرٍ متحمِّل
يقرو إلى أمِّ القرى سنن القرىسنَّ القرى بتواضعٍ وتذلتل
هجر الأحبَّة باذلاً ما يحتويمن نفسه وخلاقه المتأثِّل
يرجو من الرَّحمان غفر ذنوبهفي ما نواه وهو خير مؤمَّل
وأقول بعد لمن تكاثف همَّهسلِّ الهموم مبادراً أو تعجَّل
وتزوَّد الخيرات محتقباً لهافالخير أحمد زاد سارٍ مزمل
وتجاف عن رأي المفنِّد حارساًسبل المسامع عن ملام العذَّل
وإذا أراد الله رفعة عبدهألقى إليه طلاب أرفع منزل
فأطلب ولست بواجدٍ ما لم يكنسبق القضاء بما تروم فأمهل
وانظر لنفسك ليس غيرك ناظراًمن غير جنسك في صلاحك فأعقل
وأقبل على جمع العلوم وقم بهاعملاً يخيِّب سعي من لم يعمل

وهي قصيدة طويلة.

يوسف بن محمَّد، أبو الحجاج الأنصاريُّ المنصفيُّ.

- والمنصف قريةٌ من قرى بلنسية- الشيخ الزاهد الصالح.

كان من عباد الله الصالحين، وأوليائه المتقين، حافظاً للقرآن العزيز، فقيهاً عالماً نبيهاً شاعراً بارعاً مفلقاً، جليل القدر ببلده مبرّزاً في علم الأدب والعربية.

ونظم وأفرد من شعره مجلدة في الإمام الشهيد أبي عبد الله الحسين بن علي بن أبي طالب- صلوات الله عليهما- تشتمل على مراثيه.

واستشهد بسبتة بعد صلاة الصبح بداره وذلك في سنة ثمان وستمائة- رحمة الله عليه-.

أنشدني أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أحمد بن علي بن عبد الواحد الأوسي السبتي- من لفظه وحفظه- بحلب، قال أنشدني الشيخ أبو عبد الله محمد بن يوسف بن محمد المنصفيُّ الأنصاري، قال: أنشدني والدي الإمام الزاهد أبو الحجاج يوسف بن محمد لنفسه:

بين جرعاء اللِّوى والأثلاتمربعٌ للحظِّ فيه فتكات
لبني عذرة دارٌ لم يزلبالعيون الدُّعج محميَّ الجهات
الظُّبا السُّمر به سمر القناوالمها البيض به بيض الظُّبات
أيُّها الآمل نجداً دونهمسلكٌ أبعد ما فيه النَّجاة
لا تشم بارقهم ملتفتاًربُّ جدٍّ بين هزلٍ والتفات
برق ثغرٍ خلَّبٌ تحسَّبهكم سقى الدَّمع به من وجنات
لا وركبٍ نزلوا أمَّ القرىوأحلُّوا المشعرين اليعملات
واستقلوا بالهدايا كرةًعرفت عرف شذاها عرفات
لا أطيع الحبَّ جهلاً بعدماغيَّرتني بالمشيب الخفرات
يا حماماً بالحمى أرَّقهفقد زغبٍ بالفلا مرتهنات
ذات جيدٍ إن بدا تحسبهقزحاً إثر سحاب هاطلات
لم تزل ترسل ما تكرعهمن سقاءٍ أوكأته اللَّهوات
واستدارت والهوى يقتادهاأغلب الشَّوق اشتياق الأمَّهات
بان مرتاداً لها في مرقبٍولأفراخ القطا منها بيات
وارتوت من دمها مقصعةًيا لأفراخ عليها ثاكلات
أنا أولى منك بالحزن علىفقد أيَّام الشَّباب السَّالفات
أعد السَّجع فإنّي دنفٌوأعر سمعي تلك النَّغمات
إن يكن شجوك من فقدٍ لهافكذا الدُّهر اجتماعٌ وشتات
منصفيٌّ تدعي الزُّهد وقدعلقت منك أكفُّ الشَّهوات
وبفوديك مشيبٌ ناصعٌلك فيه لو تذكَّرت عظات
أسأل الله إليه توبةًقابل التَّوب مجيب الدَّعوات
وعلى المختار من صفوتهأحمد الطَّاهر أزكى الصَّلوات

يوسف بن محمَّد بن محمود بن عبيد الله بن محمَّد بن يوسف بن الملثَّم.

كان شاباً ذكياً متوقداً له خطّ حسن، وترسل قريب، وشعر مطبوع. وكان بذيء اللسان خبيثه، كثير الهجو، أفحش شعراء زمانه هجواً. وكانت له اليد البيضاء في الهجاء نظماً ونثراً. وكانت فيه قحة وقلّة حياء.

هجا الناس ونفسه وأباه وإخوته وأقاربه. وكان أبوه من بلاد المغرب تولّى قضاء طبريّة من بلاد الشام مدّة.

ومولد يوسف بدمشق، ونشأ بسميساط وبها توفي في حدود سنة ستٍّ وعشرين وستمائة. ولم يكن عمره غير خمس وعشرين سنة لا مزيد على ذلك؛ وله

ديوان شعر مجموع.

أنشدني المولى الأمير الكبير العالم صلاح الدين أبو المظفر يوسف بن موسى بن يوسف بن أيوب بن شاذي بحلب المحروسة بمنزلة المعمود- أدام الله أيامه- قال: أنشدني يوسف بن محمد بن الملثم لنفسه يهجو قبيلته الملثمة ببلاد المغرب:

قالوا: جدودك أقيال ملثَّمةٌلا تهجهم قلت: هجوي مدحةٌ لهم
كانوا يناكون مرداً فالتحوا فخشواأن يكره الشَّعر العشَّاق فالتثموا

ومن شعره ما كتبه إلى صديق له يقال له: أبو علي بن عبد الرحمن بن إبراهيم العطار. وكان مقيماً بالبيرة في خدمة الملك الزاهر داود بن يوسف بن أيوب متصرفاً في اليهود. وكان يوسف بن الملثم يتردَّد من سميساط إلى البيرة، وينزل في دار صديقه أبي علي بن العطّار فأتى مرة، فلم يجد أبا علي حاضراً فنزل على عادته وسأل عنه، فقال له بعض أقاربه: إنَّه قد عرض له حمّى وقد خرج إلى ظاهر البلد إلى بستانٍ له، فكتب إليه يقول:

لا تحسب القلب من شوقي إليك خليأبا عليٍّ معاذ الله لا وعلي
وأنت تعلم ما عندي إليك كماقلبي عليمٌ بما قد كان عندك لي
وقيل شكواك من حمًّى وما فهمواهذا حرارة فكر منك مشتعل
ولا ترى بعد هذا البؤس ثانيةًوربما صحَّت الأجساد بالعلل

وكتب إليه مرّةً ثانية وقد أتى على عادته ولم يجده في الدار. وكان في ظاهر البلد في البستان. وكانت عادته إذا جاء من سميساط يقيم أيّاماً كثيرةً، ولا شكّ أنه اجتاز تلك المرّة مستعجلاً، فقال:

شوقي إليك أبا عليتفصيله لم يجمل
ما هكذا عوَّدتَّنيمن منَّة وتفضُّل
أيجوز أن أمضي ولمتطرق برجلك منزلي
حاشاك أن تهمل مودَّة صاحبٍ لك أوَّل

وله وقد عمل في الملك الزاهر قصيدة مدح، وأنشده إياها وكان من عادته

/ أ/أن يرسم له بخلعةٍ ونفقة، فأرسل له على يد صاحبه أبي علي بن العطار نفقة بغير خلعة؛ فلما أتاه بها، قال: يا صاحبي لو أنها ألف دينار ما ظهرت علي بغير خلعة فارددها، وأتني بخلعة بغير نفقة، فقال له: اعمل شيئاً يكون معي مفتاح الكلام في ذلك، فقال ارتجالاً:

يا ملك العالم يا من سمافخاره أصلاً وذرِّيَّه
لبسي لتشريفك في عودتيأحبُّ لي من ألف مصريَّه

فلما وصلها المذكور إلى الملك الزاهر وأنشده البيتين أمر له بخلعةٍ سنية مع النفقة.

وقال يهجو العماد بن النوري قاضي إلبيرة. وكان المذكور أوقاته عند الملك الزاهر فحضر شكوى من نفرين أحدهما سارق، والآخر زانٍ فتوسط القاضي للواني بالحصب وللسارق بالقتل:

قل لعماد الدِّين يا قاضياًيحكم في البيرة بالطَّبع
يحم للسارق من علمهبالحصب والزَّاني بالقطع
مذهب ابن إدريس قد أصبحتأركانه هادمة الربع
لو أنَّ للمذهب عيناً بكتعلى الَّذي قد تمَّ بالشَّرع

يوسف بن محمَّد بن عليِّ بن هبة الله، أبو المظفر البغداديُّ المعروف بابن الزجّاج.

من أهل بغداد من باب البصرة.

ذكر لي أنَّه حفظ القرآن العزيز، وقرأه للسبعة والعشرة، وتأدّب وحضر مجالس أهل العلم والأدب، وقال شعراً رقيقاً عذباً، أودعه نكتاً لطيفة.

شاهدته بالموصل وسألته عن مولده، فقال لي: الآن خمس وخمسون سنة. وكان سؤالي في شهر رجب سنة إحدى وثلاثين وستمائة.

وكان رجلاً خفيف الروح، مطبوع المجون، طيب المزاج.

أنشدني لنفسه إملاءً من لفظه وحفظه:

لذَّة الحبِّ أن ترى السِّرَّ جهراأو ترى الهتك فيه صوناً وسترا
أين برهانك الصَّحيح إذا ماخفت زيداً فيه وراقبت عمرا
خلِّ قول النَّصيح واعص اللَّواحيواهجر العذل والعواذل هجرا
وأسدد السَّمع عن سماع ملامٍفأخو اللُّبِّ بالمداراة أدرى
أيُّ عارٍ وأيُّ عتبٍ على ذيكلفٍ وامقٍ تعشَّق بدرا
رشا فرعه الأثيث فحظِّيمن بني الدَّهر كلَّما رمت امرا
فوق صلت يسمو الغزالة حسناًويفوق النِّبراس نوراً وقدرا
حجبت حاجباه نومي وصبريبلحاظٍ تهدي لهاروت سحرا
وأقرَّت وجناته بدم الصَّــبِّ فلم ذا عيناه تجحد نكرا
كتب الحسن: لا مليح سواهبفصيح اللُّغات في الخدِّ سطرا
واغتدى يوسفٌ مطيعاً مقرّاًأنَّه منه بالملاحة أحرى
وأقام العذار عذري عليهعند من لامني فأمسك قسرا
بأبي مبسماً بروداً شتيتاًورضاباً أذكى من المسك نشرا
وقواماً كالسَّمهريِّ إذا ماس دلالاً يكاد ينقدُّ هصرا
وضعيفاً من خصره سلَّ صبريعن هواه إن كنت أزمعت صبرا
ولردف يحكي همومي وساقٍساق أهل الغرام للحتف قهرا
أسمرٌ لو يشاء عند سطاهملأ الخافقين بيضاً وسمرا
لست أنساه حين بات سميريوعيون الوشاة ترمق شزرا
بهواه سليمأضحى ... دون خلق الإله في النَّاس مغرى
فهو في حبِّه وحيدٌ وفي السَّبــق إلى المكرمات مازال وترا

وأنشدني لنفسه يهجو:

بكت العيون وكيف لا تبكي علىدبر أصيب من الزَّمان بهونه
وازاده ضعةً برفعة تاجهوحقارةً بجماله وأمينه
فلينذر الزَّمن المحبَّب نفسهويسيء فيه الحرُّ ظنونه

وأنشدني لنفسه أيضاً يهجو عوّاداً:

عود عبد العزيز يشكو إلى اللــه إذا سار في مثانيه شدُّ
ربِّ ماذا جنيت حتَّى أكافابعذاب ما كان لي منه بدُّ
إنَّ عبد العزيز أثقل من رضــوى وأدهى من وقعه وأشدُّ

وأنشدني أيضاً قوله في إنسان رمدت عينه:

قالوا: اشتكت عين شمس الدِّين قلت لهمحاشا لها وعيون الخلق تفديها
وقلَّ ذاك لها بين الأنام فدىًلكنَّ ذا العرش يكلاها ويشفيها
عينٌ من الغضِّ جفناها وناظرهامن الحيا ومن التَّقوى مآقيها
فكيف يدنو إليها ما يضرُّ بهاأم كيف يقر بها داءٌ فيؤذيها
لكنَّها نظرت وجه الحبيب وقدزاد احمراراً فأعدى ما رأت فيها

وأنشدني لنفسه فيمن مطله بوعد:

من يرجِّي إليك إنجاز وعدٍحسبه أن يعيش بالآمال
وتريه أطماعه والأمانيأيَّما زخرفٍ وأيَّ ضلال
كيف يعطي عمراً كنوحٍ وصبراًمثل أيُّوب أو كنوزاً بمال
ولعمري أن ينفد الكلُّ والوعــد فباقٍ على ممرِّ اللَّيالي
جلَّ وعدٌ لا ينقضي أبد الدَّهــر وسبحانه بغير زوال

وأنشدني أيضاً من شعره:

ما عاقب الله عاداً والَّذين طغوامن قوم لوط ولا النَّمرود حين عصى
بما ابتلى العود من عبد العزيز فماعساه أجرم حتَّى جرِّع الغصصا

وأنشدني لنفسه:

قال العذول تسلَّ عنه وخلِّهفأجبته إنَّ السُّلوَّ بعيد
لأعذر في ولهي عليه وقد بدافي سالفيه عذاره الممدود

يوسف بن محمَّد بن عليِّ بن شفاعة بن الحسين، أبو العزِّ الموصليُّ.

شاب قصير أسمر خفيف اللحية، ينجّم ويبيع الشربات ويعقد الحلق على الطريق؛ وهو ذو لسان ذرب، وجرأةٍ في الكلام، ومع ذلك هو من أطبع الناس ألفاظاً، وأطيبهم فكاهةً، وأحسنهم مزاحاً، يحفظ صدراً وافراً من الأشعار المستطرفة والحكايات النادرة، واعتنى بقول الشعر، فنظم منه مقطعات صالحة، تتضمَّن أغراضاً حسنة.

ومما أنشدني لنفسه بالموصل:

مولاي مسألةٌ هلمَّ جوابهايا قدَّ غصنٍ يا لحاظ الربرب
ما بال ثغرك وهو أنفس لؤلؤٍوأراه حلَّ بريقك المستعذب
أتراه صار كماء خدِّك إذ غدامتحيِّراً فوق السَّعير الملهب
وتقدَّح الرَّيحان في جنباتهفلذاك زاد تحيُّري وتعجُّبي

وأنشدني أيضاً لنفسه:

لو قال لي خالقي تمنَّىلقلت قول امرئٍ محقِّ:
أريد في صبح كلِّ يومٍتجعل يا ربِّ كلَّ رزقي
كوز مدامٍ ورطل لحمٍومنَّ خبزٍ وجذر علق
وصاحباً لا يذيع سرييصحبني مخلصاً بصدق
حتَّى إذا ما دنت وفاتيتصفح عن زلَّتي وفسقي

وأنشدني أيضاً قوله: بمن الطويل]

إذا طار شيطان الهموم بمهجتييروم استراق اللَّهو منِّي ويهرب
عدلت إلى كرخيَّة عنبيَّةٍففاجأه من سورة الكأس كوكب

وأنشدني لنفسه:

لقد حرت في سوء حظِّي المشوموما قد رماني به خالقي
يعاندني في جميع الأمورليجعلني غرض الرَّاشق
ولو أنَّ يوماً عشقت العويرلصار له ماؤنا عاشق

والعوير هذا كان رجلاً أعور مشوَّه الخلق مختلطاً، يعبث به الصبيان بالموصل.

يوسف بن المظفر بن أحمد بن شهابٍ، أبو الفضل الإسكندري.

كانت ولادته بها في شهر ربيع الأول سنة ثلاثين وخمسمائة.

وكان فاضلاً أديباً عالماً لبيباً شاعراً نجيباً.

أنشدني الشيخ الحافظ أبو عبد الله محمد بن محمود بن النجار البغدادي بها- رحمه الله تعالى- قال: أنشدني يوسف بن المظفر الإسكندري لنفسه:

تحدَّى بالمال وقال إنِّيإمام الحسن قلت: فما الدَّليل
فقال: وهل ظننت فقلت: كلَّاولكنِّي أحقِّق ما أقول!
فقال: أنظر تر الضِّدَّين عنديعلى حال التزامٍ لا يحول
فها كفلي به ريٌّ وخصريبه ظمأٌ وذاك لذا كفيل
فقلت: لقد أتيت بمعجزاتٍوجئت بما تصدِّقه العقول
فقال: آمنت، قلت: نعم وإنِّيلأشهد أنَّك الحسن الجميل

وأنشدني له أيضاً:

سبى عقلي بمعتدل القواموصال بناظرٍ مثل الحسام
غزال يصرع الآساد قهراًفما تنجو لديه من الحمام
من الأتراك إلَّا أنَّ فيهمن الأعراب إعراب الكلام
رمى بالَّبل في غرضٍ فأصمىصميم القلب منِّي بالسِّهام
فقلت وقد بصرت به أهذامن الولدان أم حور الخيام
وهل أبصرتم أو هل سمعتمبريمٍ في البريَّة عاد رامي

/ ب/يوسف بن المظفَّر بن أحمد بن أبي بكر بن أبي سعيدٍ، أبو العزِّ الموصليُّ المعروف بابن الجرَّاش.

أخبرني أنه ولد سنة تسعين وخمسمائة.

رأيته بالموصل رجلاً قد أسرع الشيب في لحيته، يتصرف في الأعمال، وينتمي إلى قول الشعر؛ وله مقطعات ما بها بأس.

أنشدني لنفسه في بدر الدين أبي الفضائل لؤلؤ بن عبد الله- صاحب الموصل- وقد رمى الطير المسمّى بالجليل:

لمَّا تصدَّى للرميَّة أرعشتكلُّ النُّجوم بمغربٍ وبمشرق
لحقت جليل الطَّير منك مهابةٌصرعته قبل يناله بالبندق

وأنشدني لنفسه فيه أيضاً حين أجرى القني الذي بالموصل:

قيل أجرى المليك قنياً يعزمٍصادقٍ زانه من الله نصر
قلت: كفُّوا فليس بدعاً يسيل الــقني من كلِّ إصبعٍ منه بحر

وأنشدني لنفسه فيه يهنئه بالنصف من شعبان:

جاءك النِّصف بالكمال يهنِّيــك وما ذاك من بديع الأمر
أنت بدرٌ وعدَّة النِّصف لا تــكمل إلَّا من بعد تمِّ البدر

وأنشدني أيضاً لنفسه ما كتبه إلى بعض الرؤساء وقد عاد مريضاً:

بك برء الأنام نيط فمن عدت من النَّاس برؤه قد تهيَّا
قسماً لو سألت إحياء ميتٍداثرٍ زرت قبره عاد حيَّا

وأنشدني أيضاً لنفسه يصف الخمر:

قال: صف لي المدام، قلت: تأمَّلكأسها تلق كلَّ وصف وسيم
هي في لون نار موسى وفي الفعــل كنار الخليل إبراهيم

يوسف بن المظفَّر بن عبد السلام بن عليٍّ، أبو المظفر البغداديُّ المعروف بابن الموفيِّ.

رأيته بإربل شاباً. وذكر لي أنَّه ولد سنة ثلاث وستمائة.

وقال شعراً كثيراً، وامتدح به الناس.

ومما أنشدني لنفسه في التغزل بإربل، ولم ينشدني غير هذه المقطوعة، ولم أكتب عنه سواها؛ لأنه ما كان يؤثر ذلك:

وأحوى قد حوى رقِّي ولبِّيوغادرني حديثاً في البرايا
أسيل الخدِّ أحور ذو دلالرشيق القدِّ وضَّاح الثَّنايا
يواصلني فأحظى بالأمانيويهجرني فأرضى بالمنايا
كتمت هواه حتَّى عيل صبريفأظهر دمع عينيَّ الخبايا

يوسف بن مسعود بن بركة بن سالمٍ، أبو المحاسن الشيبانيُّ المعروف بابن عرَّاجٍ.

من أهل تليعفر.

وقد مرَّ نسبه مستقصىً بتمامه في ترجمة ولده محمد.

كانت ولادته في سنة ستين وخمسمائة بتليعفر.

ومات بنصيبين في يوم الثلاثاء ثالث المحرم سنة خمس عشرة وستمائة. نزل الموصل وأقام بها مدَّة يختلف إلى الشيخ أبي الحرم النحوي، يقرأ عليه أدباً ونحواً.

وكان وافر الحفظ للأشعار وأيام العرب وسيرها حسن المعرفة بأخبار

الفرس، ومحاسن آثارهم. وكان شاعراً مطيلاً في قصائده يمدح أهل البيت- صلوات الله عليهم وسلامه- وكان من المغالين في مذهب الشيعة خالصاً في الولاء.

أنشدني أبو المجد أسعد بن إبراهيم الكاتب النشَّابيّ الإربليّ بها، قال: أنشدني يوسف بن مسعود بن بركة التليعفري لنفسه بنصيبين يمدح الملك الأشرف شاه أرمن مظفر الدين موسى بن أبي بكر بن أيوب- رحمه الله تعالى- حين صاهر أتابك نور الدين أرسلان شاه بن مسعود بن مودود بن زنكي بن آقسنقر- صاحب الموصل- على أخته من قصيدة:

أدركت بالسَّعي والتَّوفيق منزلةًباتت تقصِّر عنها السَّبعة الشُّهب
ذا سعي من ليس يقفو إثره بشرٌوعزم من ليس يثني عزمه سبب
تراسلت أنفس الأملاك فاتَّفقتتحت الصَّفيح وسرُّ الغيب محتجب
ما استعظم الملك في الأيَّام منزلةًورتبةً تتدانى دونها الرُّتب
ولا رأت أعين العلياء أحسن منهذا القران الَّذي يسمو به الحسب
يومٌ غدا بين أيُّوب وأسرتهوبين مودود فيه للعلا نسب
لو فاخر الدَّهر هذا اليوم في شرفٍلأحجمت دونه الأعوام والحقب
لو أنَّ أيَّام هذا الدَّهر مالكةٌنطقاً لكانت لهذا اليوم تنتسب
لا عذر فيه لباغي سؤددٍ وغنىًإذ ربُّه كيف لم يذهب به الطَّرب

وأنشدني أبو عبد الله محمد بن يوسف ولده، قال: أنشدني والدي لنفسه يمدح الملك الظاهر غياث الدين غازي بن يوسف بن أيوب بن شاذي- رحمه الله تعالى-:

سقى جوَّ قنَّسرين شؤبوب مزنةٍربيعيَّة تكسوه عضباً يمانياً
وجاد قويقاً والعواصم عارضٌيغادر ذاك الجوَّ بالنُّور حاليا
ملثٌّ إذا ما سيط بالبرق ذودهإذا ما ونى أو شلَّه الرَّعد حاديا
توقَّر في المسرى رويداً وكلَّماحذته جنوبٌ أو صباً سار وانيا
ومرَّ على قيعان منبج تائقاًثقيل المطا واهي العرى متدانيا
فلمَّا تدانى بركه من نزاعهولاحت له الشَّهباء أرخى العزاليا
فما زال يسقي صوبه سفح جوشنٍإلى أن رأيت الهضب في الماء طافيا
فلمَّا سكرنا قال: ما جئت ساقياًولكنَّني وافيت خصماً مباريا
فقلنا لمن يعني جزيت كرامةً؟فقال: عنيت الظَّاهر النَّدب غازيا
فأضحكنا ممَّا حكاه تعجُّباًوقلنا: لقد ضيَّعت تلك الأياديا
أتحكي جواداً يبذل المال باسماًوأنت إذا أسقيت أسقيت باكياً
وأقرب فنَّ فيكما أنَّ جودهمتى ما استمحنا صوبه كان ساقيا
وأنت هداك الله للرشد لم تكنلتسقي الورى إلَّا إذا كنت شاتيا
فربما أقلعت عنَّا وأمسكتسماؤك حتَّى لست تنقع ظاميا
ومدَّت إلى الله الأكفِّ فلا ترىمن النَّاس إلَّا ضارع الخدِّ داعيا
تحاول منه الغوث والعام أغبرٌوجودك يبدو أحمر اللَّون قانيا
وأكثر ما يأتي نوال ابن يوسفغياث الورى والدِّين عفواً مفاجيا
يذوق حلاوات الغنى في ديارهفتىً لغياث الدِّين قد بات راجيا

وله من قصيدة فيه أولها:

ما بعد ذا اليوم للراجي المنى أربٌنلت المرام ففيم السَّعي والطَّلب
بشارةٌ لك عندي قد خصصت بهاوالله أدرى إذا أعطى لمن يهب
إنَّ الخليل خليل الله من نطقتبفضله معجزات الآي والكتب
أرسى قواعد بيت الله في حرمٍزاك فشدَّ إليه السَّرج والقتب
واختار بالشَّام للأضياف منزلةًأمسى بها لبني الآمال يجتلب
فمكَّةٌ أصبحت أمَّ القرى وغدتلمن أراد النَّدى أمَّ القرى حلب
بتلك تمسي الخطايا وهي ذاهبةٌعن وفدها وبهذي يذهب السَّغب

وقال أيضاً وهو عند الملك الأشرف مظفر الدين موسى بن أبي بكر ليلةً، وقد ملأ البركة ورداً حتى غطى الماء، وجعلوا الشمع حول البركة جميعها:

يا أيُّها الملك الميمون أنت لناشمسٌ نهاراً وتحت اللَّيل مصباح
أنت العليم بحلِّ المشكلات فقلففي مقالك إيجازٌ وإفصاح
أهذه بركةٌ أم يوم معركةٍآثارها منك ماضي العزم شحشاح
كأنَّ محمرَّ لون الورد فيض دمٍفي مائها وكأنَّ الشَّمع أرماح

وكتب إليه أيضاً:

حيث ما كنت فالإله كفيلٌلك بالنَّصر فهو نعم النَّصير
أي أرضٍ حللتها حلَّ فيهاعارضٌ ممطرٌ وبدرٌ منير
واستمال الرُّواد من وجهك الطَّلــق وكفَّيك روضةٌ وغدير
مثَّلتك العلا لعيني على البعــد وقلبي شوقاً إليك يطير
كلُّ ما يحصر اليراع مع الطِّرس من المدح في مرادي حقير
فلهذا أخَّرته ثمَّ عوَّلــت على ما أنطوى عليه الضَّمير

وقال أيضاً يمدحه من قصيدة أوّلها:

ليت شعري إن هجر خرقاء طالاكان زهداً صدودها أم دلالا
جعلت وصلها حراماً وقتل الــصَّبِّ بالصَّدِّ والتَّجنِّي حلالا
بخلت بالسَّلام يقظى وأهدتطيفها في الكرى فمنِّي محالا
ويح قلبي من معرض ليس يرجىمنه قربٌ ومرسلٍ لي خيالا
من مجيري من ظبيةٍ ذات دلٍّتتثنَّى غصناً وترنو غزالا
ذات شكلٍ لو لوِّن الحسن ثوباًوارتدته لما استزادت كمالا
أطعمتني في وصلها أمُّ عمرووأرتني من المعاني خصالا
سلبت مهجتي بوجهٍ يعير الشَّــمس والبدر بهجةً وجمالا
وافترقنا فكلُّ بدرٍ رأتهمقلتي بعدها رأته هلالا
طمع العشق مهلكٌ ووقوع النَّــفس في الحبِّ عثرةٌ لن تقالا
فاردد الطَّرف عن لحاظٍ إذا أومضن أرسلن للقلوب نبالا
ما أرى اللَّهو بعد خمسين والميــل إلى الغانيات إلَّا ضلالا
قرن لهوٍ قد كان خلف شبابٍطوع أمر الهوى فمذ راك زالا
فمذ الآن ليس إلَّا المطاياوالدُّجى واقتحامها الأهوالا
كلُّ حرفٍ كالنُّون قد كتب الميــس على متنها من الشَّدِّ دالا
واخداتٍ بكلِّ ضربٍ خفيفٍذي همومٍ باتت تهدُّ الجبالا
فهي تسري بنا خفافاً فنطويعرصة البيد بالأماني ثقالا
نحو ملكٍ متوجٍ من بني أيُّــوب خير الورى وأزكى فعلا
الفتى الأشرف المظفَّر خير الــخلق طرّاً وأيمن النّضاس فالا
عادليٌّ يحيي نداه البرايابالعطايا ويقتل الأبطالا
عوِّد السَّبق فهو لو راهن الهــوج لبذَّ الصَّبا وفات الشَّمالا
يا مساميه في العلا يوم فخرٍهكذا هكذا وإلَّا فلا لا

ومنها

ما أطلت المقال إلَّا وعذريواضحٌ فيك يذهب الإشكالا
هي لا شكَّ حلَّةٌ وأخو الفهــم إذا حاك للطويل أطالا
طلت مجداً فطال شعري ومن جدت عليه وخصَّ بالفضل قالا
أوسعت حلبة القوافي سجاياك وحلَّ الإحسان منِّي الشِّكالا
فلذا صرت لو سريت مع الرِّيح إلى غايةٍ لجئنا مثالا
وإذا ما الجواد ألفى اتساعاًفي ميادينه تمطَّى وجالا
جاء منك التَّشريف والبرُّ من حمــص إلى الشَّرق حبَّذاك نوالا
بأبي أنت من مليكٍ نداهينتحيني وما نشطت عقالا
وبعيدٌ أنِّي أكافي بشعرٍمن كفاني همَّ السُّرى والسُّؤالا

وقال أيضاً يمدحه من أبيات:

قارعت دوني اللَّيالي وهي قاهرةٌمسوَّدةٌ فأزلت البأس والظُّلما
وفاح لي منك نشر الودِّ تتبعهمواهبٌ كالحيا الهامي إذا ارتكما
فرحت ملتحفاً نصراً ومقتبساًنوراً ومستشفياً روعاً ومغتنما
إذا كنت كالسَّيل عزماً والهلال سنىًوالمندل الرَّطب عرفاً والحيا كرما

وقوله فيه وكان قد وعده وهو معه في الحمام بقلعة الرّها سنة أربع وستمائة بألف دينار مصريّة- أي يوم ملك خلاط- من قصيدة أنشده إياها بقلعة خلاط في ربيع الأول سنة عشرٍ وستمائة:

/ أ/ سقى خلاط ملثُّ الودق من دارفإن فيها لباناتي وأوطاري
ماجت خراسَّان وارتجَّت قواعدهاكأنَّها الدَّوح لاقى صوب إعصار
للشاعر شهاب الدين التلعفري، اقرأ القصيدة
وأصبحت شاهقات الرُّوم من حذرٍتموج منها الصَّياصي موج تيَّار
غيثًا من الرُّعب ملآنا وليث شرىتظلُّ ما بين فيَّاض وزئَّار
للشاعر شهاب الدين التلعفري، اقرأ القصيدة
وأضحت الكرج في تفليس خائفةًإذ جاورت منك جارًا أيما جار
للشاعر شهاب الدين التلعفري، اقرأ القصيدة
عليك تقري ملوك الأرض قاطبةًصحائف المجد في نجد واغوار
والنَّاس والطَّير أضيافٌ وعائلةٌلله درُّك من مقر ومن قاري
للشاعر شهاب الدين التلعفري، اقرأ القصيدة
بسطت لي يوم حمَّام الرّها أملاًوأنت حرٌّ كريمٌ نجل أحرار
للشاعر شهاب الدين التلعفري، اقرأ القصيدة
كوعد عمِّك إذ وافاه عرقلةستنجز الوعد في نظم وأشعار
للشاعر شهاب الدين التلعفري، اقرأ القصيدة
فقال بيتًا سرى كالشَّمس في مثلٍمولَّد من لثار الشِّعر سيَّار
للشاعر شهاب الدين التلعفري، اقرأ القصيدة
قل للصلاح معيني عند إعسارييا ألف مولاي أين الألف دينار
للشاعر عَرقَلَةِ الكَلبِيّ، اقرأ القصيدة
وأنت لاشك من ذاك النِّجار وليوعدٌ عليك وهذا وقت تذكار
ما أنت دون صلاح الدِّين في كرمٍولا أنا دون حسَّان بن عمَّار
للشاعر شهاب الدين التلعفري، اقرأ القصيدة

وقال أيضًا ب/ يهنئه بعيد النحر سنة تسع وستمائة من قصيدة مبدأها:

كلُّ أوقاتك الحسان هناءيا مليكًا تسمو به العلياء
لك مجدٌ موثلٌ ما تمنتطمعًا في مرامه الجوزاء
قد تشكت منك اللَّيالي ازدحامًاواستغاث الإصباح والإمساء
فمغيرٌ وقت الضُّحى في السَّراياومضيفٌ في حيث يدنو المساء
فمتىوفي طرفي يومك ... للمجد غارةٌ شعواء

ومنها يقول:

ماعرفنا التَّشريق إلاَّ ثلاثًابمنى إذ تراق فيه الدِّماء
وأبو الفتح شاه أرمن قد ســنَّ خلالاً تبقى ويفنى البقاء
جعل الدَّهر كلَّه يوم نحرٍفالعدا والبدور فيه سواء
بأبي بل بمهجتي ربَّ ملكٍكلَّ أيَّام عمر هيجاء
فلأعدائه الظُّبا والعوالىولقصاده الغنى والعطاء
طلتم العالمين يا آل شاذيبوجوه وقفٌ عليها الحياء
/ أ/ نحن والله والخليفة والإســلام والمسلمون والأنبياء
من أناسٍ لا يرتضون الَّذي ترضون للمجد والمعالي براء

وقال في معنى عرض له:

وعاذلةٍ باتت تلوم على نوىًقذوف شطونٍ غادرت حمتي ضحلا
ذريني وعزمي والفيافي وطولهاونصَّ المهاري والـ .... البزلا
إذا كنت ما أخللت بالحلم ناشئًافيا بعد رشد النَّفس إن فاتني كهلا
تغربت عن قومي ولم أشك خلَّةًولا بتُّ فيهم ليلةً فاقدًا خلاَّ
وليس اغترابي عن بلادي لأنَّنيعدمت بها الإخوان والمال والأهلا
ولكنه مالي بها من مشاكلٍوإنَّ الغريب الفرد من يعدم الشَّكلا
إذا ندب التَّجريب سيف عزائميوأرهنه شحذًا وأطلقه صقلا
ولم أرض من دهرٍ غزتني صروفهبسلمٍ ولم أقبل على ما جنى عقلا
فلا يبعث الأعداء نحوي وعدهمفمن خاض لجَّ الموت ما يرهب الوحلا

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (٢٠٠٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف الياء

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.