تجاوز إلى المحتوى

من «قلائد العقيان في محاسن الأعيان» للفتح بن خاقان (ت ٥٢٩هـ)

الوزير الكاتب أبو محمد ابن عبد الغفور رحمه الله تعالى

قد كنت نويت ألا أثبت له ذكرا، ولا أعمل فيه فكرا، وادعه مطرحا، وأقطعه الإهمال مسرحا، لتهوره، وكثرة تقعره، فإنه بادي الهوج، واعر المنهج، له ألفاظ متعقدة، وأغراض غير متوقدة، لا يفك معماها، ولا يعلم مرماها، مع نفس فاسدة الاعتقاد، ثابتة الأحقاد، تتنكد بالأفراح، وتحسد حتى على الماء القراح، وتغصّ بفارس يراعة وتتربض الدوائر بحامل براعة، إلى لسان لا ينطق إلا هجرا، وأجفان لا ترمق من توقد الحقد فيها فجرا، فهي ترعى الظلم مكان الأنوار، وتود أن ترى النجاد كالأغوار، أستغفر الله ألا نظمه فربما ألمّ فيه بالبدائع إلماما، وملك لها زماما، وصرف فيها لسانا صناعا، وأسأل لها بالمحاسن تلاعا، وله سلف نبيه أعقله في حبالة هذا الديوان، وألحقه بأعيان الأوان، وربما نذرت في نثره ألفاظ سهلة الفرض، مستنبلة الغرض، سلسة القياد، وارية الزناد، تقرب مما جمعت، وتمتزج بما روّقت وشعشعت، لئلا أكون ممن قصد إغفالاً واعتقد إخمالاً وتعصب باطلاً، وترك مكان الحلي عاطلاً، فقد علم الله أني انحرف عن التعليل وأغفر الكثير للقليل، وأتغافل في الهنات لذوي الهيئات واخذ الحسنة من أثناء السيأت، وقد أثبت له ما شذ من إبداعه، ولم أبخل بتضمينه في هذا التصنيف وإيداعه، ورفضت كثيراً من كلامه فقليلاً ما يتوضح فجر إحسانه في ظلامه، فمما انتخبت له قوله يمدح لأمير يحيى بن سير

ويذكر فرساً أشهب جاء سابقاً. بسيط مجزوء

يا ملكاً لم يزل قديماًبكلّ علياء جدَّ وامقْ
وسابقاً في الندى أتتناجياده في المدى سوابق
لله منها أسيل خدّأهديت شدقه كالجوالق
حديد قلب حديد طرفذو منكب يشبه البواسق
ذو وحشة في الصهيل دلتمنه على أكرم الخلائق
أشهب كالرجع مستطيركأنه الشيب في المفارق
خبّ غداة الرهان حتّىأجهد في أثره البوارق
ما انس لا أنس إذ شاهامشربات مثل البواشق
وبدّها شربا عتاقالم ترض عن خصرها العواتق
فقمن يمسحن منه رشحامطيبات به المخانق
أفديه من شافع لبيضقد كن عن بغيتي عوائق
انصع منه لرأي عينيسود عذار الفتى الغرانق

وله في الأمير يحيى:

أن الأمير الأجلّ يحيىنجل الأمير الأجلّ سيرِ
بدر تمام بلا محاقيجل عن هذه البدورِ
حفّ به كلّ ذي سناءأبهى من الكوكب المنيرِ
كالنجم في رجمه عداهبكلّ ماضي الشبا طريرِ
وأرعى من النجم للرعاياأروع سام عن النظيرِ
لذت به من صروف دهريفكان من جورها مجيري
ومدّ نحوي يداً بجودأهمي من العارض المطيرِ
القى شعاعاً عليّ ليلافخلتني في سناً منيرٍ
حمى فأرضى الإله ثغراحقاً له لذة الثغورِ

قرّت به أعين الرعايا=فاعلموا أكؤس السرورِ

وأصبح الشرك في ثباتيدعون بالويل والثبورِ
يا إيّها الملك أقبلنهمعلى يعابيبك الذكورِ
وأنهد إليهم بكلّ نهديأبى عن الابن والفتورِ
وشنّ غارتها عليهممثل العراجين من ضمورِ
أهلّة لا تزال تسريلتحرز الحظّ من ظهورِ
أصدرك الله ذا انتقاممن العدى شافي الصدورِ

وله فيه حين ارتحل إلى قصر إشبيلية:

هذا محلّك يا أميرفاعمره متّصل السرور
قصر تضآءلت القصوموله ودانت بالقصور
فاسحب به ذيل العلاءممدى الليالي والدهور
وأنعم باحراز الإمام نيفي الوقود وفي الظهور

لا تزال به أبداً رئيساً ولا يزال لك من كل ليث ضبارم خيسا تداس فيه بين يديك جماجم الأعداء، حتى تكل أنامل العد والأحصاء ويتردى من قادة ذويك وأخوتك السادة وأقربيك بنجوم رجال كالجبال أنت بدرها المنير ورضوى ماثلا بينها أو ثبير أن دنا من علائك شيطان فتنة رجمته بمشرعات الأسنة، وأن زحم ركن سنائك منكب عظيم حطمته بمقرطات الأعنة، تطيع أقحامها باللحم، وتفهم عن أهله لثم، كأنما اقتعدت من صهواتها بروجاً، واعتقدت إلى حيث المنازل المقدرة لأشباهها عروجا لتتم هناك بدورا وتمثل قدراً مقدوراً، وتحدق بك في الهيجاء أحداق مقلة العين بأنسابها وتجري في اللقاء على سنن أوليتها واستنابها. كامل مجزوء

وبمثل قومك جالت النحيل اليعابيب الذكور
وحكت سماوتنا السماء بهم نجوما أو بدور
وبمثل رأيك أذنتدهم الحوادث بالسفور
ماض إذا أعملتهأغناك من مضب ذكير
واراك من صور العواقب كلّ محتجب ستير

تفل الصوارم ولا يفل، وتحل العزائم ولا يحل، لو ضرب بالعود لعاد أبيض قاصلاً، أو عالج شعر المولود لأصبح أسوده البهيم ناصلا. كامل مجزوء

فليهننا أنّا خصصنا منه بالعلق الخطير
يربو على ملء العيون إذا ملء الصدور
لو جاور البحر الخصمّ ألمّ بالنزر اليسير
أو ديمة وطفأء لمتنسب إلى مطر غزير
أن لم يقع شكري لكمأذكى من الزهر المطير
لا نلت من زمني سرورا ارتجيه ولا حبور
وعليه مّني ما حييت تحية الروض النضير

وكتب إليه في غزاة غزاها:

سر حيث تحلّه النوّاروأراد فيك مرادك المقدارُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «سر حل حيث تحله النوار»
وإذا ارتحلت فشيّعتك سلامةوغمامة لا ديمة مدرارُ
تنفي الهجير بظلها وتنيم بالرش القتام وكيف شئت تدارُ
وقضى الإله بان تعود مظفراوقصت بسيفك نحبها الكفّارُ

هذا ما تمناه الولي لا ما تمناه الجعفي، فإنه قال حيث ارتحلت وديمة، وما تكاد معها عزيمة، وإذا سفحت على ذي سفر، فما أحراها بأن تعوق عن الظفر ونعتها بمدرار، فكان ذلك أبلغ في الأضرار. وافر

فسر ذا راية خفقت بنصروعد في جحفل بهج الجمالِ
إلى حمصِ فأنت بها حليّتغاير فيه ربّات الحجالِ

النص من طبعة بولاق (١٢٨٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من القسم الثاني من قلائد العقيان ومحاسن الأعيان في غرر حلية الوزراء وفقر الكتاب والبلغاء

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.