من «قلائد العقيان في محاسن الأعيان» للفتح بن خاقان (ت ٥٢٩هـ)
الوزير الكاتب أبو محمد بن عبدون رحمه الله تعالى
منتمى الأعيان، ومنتهى البيان، المطاول لسحبان، والمعارض لصعصعة بن صوحان، الذي اطلع الكلام زاهرا، ونزع فيه منزعاً باهرا، نخبة العلاء، وبقية أهل الإملاء، الشامخ الرتبة، العالي الهضبة، فاق الأفراد والأفذاذ، ومشى في طرق الإبداع الوخد والأغذاذ، وراقت رقة ما يحويه العراق وبغذاذ، له الأدب الرائق البهيج، والمذهب العاطر الأريج، فاز بمقاد، الانتقاد، وأمسك عن عنان، الافتنان، وقد أثبت له من البدائع الروائع، ما هو أصفى من الوقائع، وأبهى من الشمس في المطالع، حللت يابرة فأنزلني وإليها بقصرها، ومكنني من جنى الأماني وهصرها، فأقمت ليلي، أجرّ على المجرّة ذيلي، وتتطارد في ميدان السرور خيلي، فلمّا كان من الغد باكرني الوزير أبو محمد مسلمّا، ومن تنكّبي عنه متألما، ثم عطف على القائد عاتباً عليه، في كوني لديه، ثم انصرف وقد أخذني من يديه، فحللت عنده في رحب، وهمت عليّ من البرّ أمطار سحب، في مجلس كانّ الدراري فيه مصفوفة، أو كانّ الشمس إليه مزفوفة، فلما، حان انصرافي، وكثر تطلّعي إلى قيامي واستشرافي، ركب معي إلى حديقة نضرة، مجاورة للحضرة، فانحنا عليها أيدي عيسنا، ونلنا منها ما شئنا من تأنيسنا، فلما امتطيت عزمي، وسددت، إلى غرض الرحلة سهمي، أنشدني:
سلام يناجي منه زهر الربى عرفُفلا سمع إلا ودّ لو أنه أنفُ
حنيني إلى تلك السجايا فإنّهالآثار أعيان المساعي التي أقفُ
دليلي إذا ما ضلّ في المجد كوكبيوإن لم يعقه لا غروب ولا كسفُ
نأى لا نأي عهد التواصل بيننافمجد به رسم التواصل لا يعفُ
واطلعه يستام العقول كأنمايلاحظنا من كلّ حرف له طرفُ
تقابلنا منه السطور بواسماأثغر تفري عن لمى الخبرام حرفُ
معانٍ وألفاظ كما رقّ زاهرمن الروض أو دارت معتّقة صرفُ
تحلّ حبا الأحلام هزّاً كأنمالسامعها في كل جارحةٍ عطفُ
يودّ بجدع الأنف شانيك أنهالناظره كحل وفي أذنه شنفُ
فأنت الذي لولاه ما فاه لي فمولا هجست نفسٌ ولا كتبت كفُّ
نصيري أبا نصر على الدهر لا النوىفمنك لنا نصر وأنت لنا كهفُ
رحلت ولا شسعي ولا مركبي معيفلا حافر يقضي ودادي ولا خفُّ
ولست على التشييع إن سرت قادرافلا عيشة تصفو ولا ريشة تضفو
عزيزٌ على الدنيا وداعك لي غدافلا أدمع تهمي ولا أضلع تهفو
سأشكو إليك البين حسبي ويا لهولو غيره ما ضاق عدلٌ ولا صرفُ
أقلني بلى أشكو إليك لياليامضت وعلى أظفارها من دمي وكفُ
وإنّ حبيا بنت عنه لعاطلوإنّ عرينا غاب عنك لملتفُّ
وله:
سقاها الحيا من مغانٍ فساحفكم لي بها من معانٍ فصاحِ
وحلّى أكاليل تلك الربىووشّى معاطف تلك البطاحِ
فما أنس لا أنس عهدي بهاوجرّي فيها ذيول المراحِ
ونومي على حبرات الرياضتجاذب بردي مرّ الرياحِ
بحيث لم أعط النهى طاعةًولم أصغ سمعاً إلى لحي لاحِ
وليل كرجعة طرف المريبلم أدر له شفقاً من صباحِ
وله:
أخلاني وفي قرب الصدورظبٌي تمضي على قمم الدهورِ
وقد ضمّت جوانحنا قلوباًأبت غير القبور أو القصورِ
إذا الكرماء باتت تحت ضيمفما فضل الكبير على الصغيرِ
فقبل أبي الدنيّة قيس عبسولم يصغي إلى قول العشيرِ
وله:
وما أنس ليلتنا والعنامقد مزج الكلّ منّا بكلِ
إلى أن تقوّس ظهر الظلاموأشمط عارضه واكتهل
ومس رقيق رداء النسيمعلى عاتق البل بعض البلل
وله:
هل تذكر العهد الذي لم أنسهومودتي مخدومةٌ بصفاءِ
ومبيتنا في نهر حمص والحجاقد حلّ عقد حباه بالصهباءِ
ودموع طلّ الليل تخلق أعيناترنو إلينا من عيون الماءِ
وله:
وما أنس بين النهر والقصر وقفةنشدت بها ما ضلّ من شارد الحبِّ
رميت بعيني رمية جمحت بهافلم أنتهي إلا ومجروحها قلبي
وله:
أقول لصاحبي قم لا بأمرتنبه إنّ شأنك غير شأنِ
لعلّ الصبح قد وافى وقامتعلى اليل النوائح بالآذانِ
وله:
مررت على الأيام من كل جانبأصعّد فيها تارةً وأصوّبُ
ينيرني الثغران صبح وصارمويكتمني القلبان ليل وغيهبُ
وقد لفظتني الأرض إلا تنوفةيحدثني فيها العيان فيكذبُ
وله القسم الأول للمتوكل بن الأفطس:
الشعر خطّة خسفلكلّ طالبٍ عرفِ
للشيخ عيبة عيبوللفتى طرف ظرفِ
وكتب إليّ مراجعاً قد رماني على فوت من بياني بيانك وقد تولّى إحساني وأرجحنّ إحسانك بعينين من النظم والنثر نجلاوتين لو رقرقهما لنوء الثريا لتهلل برقها واستهلّ ودقها وفصلين من در وياقوت بل أصلين من سحر هاروت وماروت إذا لمحت النثر قلت لو نظم هذا لفسد وإذا تصفحت النظم قلت لو نثر هذا لتبدد ولئن أشرعت إليّ من البيان رمحا فيه نصلان ما من طرفيه إلا عاليه ركب فيه سنان قاض ولا من شفرتيه إلا فارية لا يثبت لها جنان ماض وقابلتني من كتائب الكتابة ومقانب الخطابة بطفيلها وبابنه عامر قائد خيلها وبابي براء ملاعب أسنتها وبابن الصماء صاحب أعنتها ودريدها يمن نقيبه وزفرها كثرة قعدة منها وكتيبه فإلى أي لامة تسدد رماحك وعلى أي هامة تجرد صفاحك هل تجد إلا من يمر بين يديك في شخص ضئيل وينظر إليك من طرف كليل وهل تجس إلا ضلوعاً من ساكنيها قفارا أو دموعاً من التاسف على التخلف حرارا ولا تستعد إلا بالتسليم لسبقك والتعظيم لحقك أنصاراً بادني لمحة من نثير منك أو نظيم فيرد من الأوهام والأفهام كل لفحة ولو كانت من نار إبرهيم وتركد من البصائر والخواطر كلّ نفحة ولو كانت من الريح العقيم دع ذا وعد القول في هرم هذا الزمان معليّ همم الأعيان جمال الدين والدنيا الرئيسي الأسنى أبي يحيى وأقسم بمساعيه العظام وأياديه الجسام المحليّة لأعناق الكرام المزرية بأطواق الحمام لقد نشرت عليه ثوب إحسان تقصر عنه صنعة قس وسحبان وأنه لا بصر بكرامة الضيفان من زرقاء اليمامة بعسكر حسان وأما ذلك المصحف المبدل للمعاني والأغراض المقابل لما لا يفهمه بالاعتراض فما الحساب لما طنّ الذباب إذا طنّ لا يناوبه بصفيره العصفور فكيف يجاوبه بزئيره الليث الهصور ولولا تمريث الزمان بذكره وتلويث الأواني بقبائحه ونكره لرأيتك من خطله وزلله ما يضحك الثكلى ويستدرك به الجاحظ
باب النوكى دع عنك رواحل الضليل والأشغال بالأباطيل من الأقاويل الحق الله ثانيه ابن أبي سلمى بخيار أهل ملّته فلقد انتفع السلف والخلف بحكمته ونادى عليه لسان الزمان فاسمع من كانت له أذنان وكأنه ما عني غير ذلك الإنسان وإن كان في غير هذا الأوان. طويل
وذي خطلٍ في القول يحسب أنهمصيب فما يلمم به فهو قائله
عبات له حلماً وأكرمت غيرهوأعرضت عنه وهو باد مقاتله
وفي القطر الذي أنت فيه أدام الله بسطة ناصره وحاميه ووصل عزة حاضره وناءيه شرف قديم وسلف كريم وآداب وعلوم وألباب وحلوم وأودية يجتابها الفضل والطول عذاب وأندية ينتابها القول والفعل رحاب وعليك سلام الله ما لاح شهاب ووكف سحاب.
النص من طبعة بولاق (١٢٨٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع