من «المذاكرة في ألقاب الشعراء» للنشابي الإربلي (ت ٦٥٧هـ)
وعمارة ولد عقيل بن بلال
وكان عمارة اشعر ولد جرير، وهو غزير الشعر، كثير التصرف، وأخذ عنه ابن الأعرابي وابن السكيت. ومن شعره:
أرى الناسَ طراً حامدين لخالدٍومأكلهم أفضت إليه صنائعهُ
ولن يترك الاقوام أن يحمد الفتىإذا كرمت أخلاقه وطبائعهُ
فتى أمعنت ضراؤهُ في عدوهٍِوخصت وعمت في الصديق منافعهُ
فأخذ هذا المعنى أبو هفان، فمدح به ابن ابي دواد، فقال:
ما لي إلى ابن أبي دؤادٍ حاجةٌتحدو إليه، ولا له عندي يدُ
إلا يدٌ عمت فكنت كواحدٍممن يعين على الثناء ويسعدُ
نال البعيدَ عرفه، فشكرتهوالحرُّ يشكرُ أن ينال الأبعدُ
وقال أيضاً:
وكم قد رأينا من كهامٍ، وجفنهحديدٌ، ورثّ الغمد، وهو جديدُ
ومغتمضٍ في العين صدق ٍلقاؤهُومن مالئٍ للعين وهو بليدُ
وشبيه بهذا المعنى:
خلائقُ المرءِ في الدنيا تزينهُما إن يزينه طولٌ ولا عظمُ
قد يخلفُ المرءُ، والمرآةُ معجبةٌوقد يسودُ الفتى في كشحهِ هضمُ
ومثله:
وقد يعجزُ المرءُ السمينُ عن العلىوقد يمنعُ الضيمَ الفتى وهو أعجفُ
وله وقد أسن:
كبرتُث ودقَّ العظمُ مني، وقنيبنيَّ، وأجلتْ عن فراشي القعائدُ
وأصبحتُ أعمى لا أرى الشمسَ بالضحىتعيرني بين البيوتِ الولائدُ
وأكثر هجري أهلُ بيتي ومنزليوبتُّ كأني منهمُ متباعدُ
وقد كنتُ أغدو في رضاهم كأننيمن الطير أقنى ينفضُ الطلَّ صائدُ
ولن تلبثَ الأيامُ شيئاً طلبتهُوسودُ الليالي المخلداتُ الجدائدُ
ذهبنَ بإسحاقَ الجوادِ مع الذيببغدادَ صادتهُ المنايا الصوائدُ
يعني إسحاق بن إبراهيم المصعبي، وكان امتدحه فوهب له خمسين ألف درهم.
وقيل لعمارة بعدما عمي: أيما أشعر أنت أبو أبو تمام؟ فقال: أبو تمام، فقيل له: إنك لأشعر منه، فقال: أنا لا أجيد إلا في وصف النؤي والأثافي والديار، وأبو تمام يقول:
لولا العيونُ، وتفاحُ الخدودِ، إذاًما كان يحسدُ أعمى منْ له بصرُ
فما اشتهيت أن أكون بصيراً إلا مذ سمعت هذا البيت.
ولعمارة لما دخل بغداد:
ترحلْ، فما بغدادُ دارَ إقامةٍوما عندَ منْ أضحى ببغدادَ طائلُ
محلّ ملوكٍ سمنهمْ في أديمهمفكلهمُ من حلةِ المجدِ عاطلُ
إذا غطمطَ البحرُ الغطامطُ ماؤهُفليسَ عظيماً أن تفيضَ الجداولُ
قوله: سمنهم في أديمهم: كما يقال: سمنهم في عجينهم، أي ما يغذي فضلة.
وأنا أقول: قاتله الله، لو شاهد هذه الأيام المستنصرية، وهذه المواهب التي عمت البرية. ولقد أجاد من قال في هذا العصر المذهب والزمان الفسيح المذهب:
أقمْ في ذرى بغدادَ، تلقَ إمامهامليكاً عليه للنبيِّ دلائلُ
عجبتُ وقد أضحتْ أياديهِ أبحراًوليس لها إلا النوال سواحلُ
وفي أهل بغدادَ الكرامِ ثلاثةٌلهم محتدٌ في المكرماتِ، ونائلُ
وزيرٌ سما فضلاً، وأستاذُ دارهاحليفُ الندى، وابنُ الدوامي عادلُ
ثلاثةٌ أجوادٍ، لو أفتخرتْ بهمتميمٌ وتيمٌ باهلوا وتطاولوا
ولعمارة أيضاً:
إذا ما سقى الله البلادَ فلا سقىبلاداً بها الميدانُ برقاً ولا رعدا
فيا ليتَ شعري هل أبيتنَّ ليلةًعلى صدرٍ منها، كما جئتها وردا
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع