من «المذاكرة في ألقاب الشعراء» للنشابي الإربلي (ت ٦٥٧هـ)
ذكر جرير ولده
وولد جرير: حرزة، وزكرياء، والصفاح، وسوادة، والثبجان، وأمهم خالدة بنت سعد بن أوس. ولها يقول:
تشكت أمُّ حرزة، ثمَّ قالترأيتُ الموردين ذوي لقاحِ
وكذا يقول:
حيوا أمامة، واذركوا عهداً مضىقبل التفرقِ من شماليلِ النوى
وبلال، ونوح، أمهما أم حكيم بنت سعد، من أهل الري، سباها قطري بن الفجاءة، فوقعت في يدي الحجاج، فوهبها لجرير، وفيها يقول:
لقد زدتِ أهل الريّ عندي ملاحةًوحببت، أضعافاً، إليَّ المواليا
إذا عرضتْ بالبين منها تعرضتلأمِّ حكيمٍ حاجةٌ في فؤاديا
وفيها يقول:
ما استوصف الناس من شيءٍ يروقهمُإلا رأؤا أمَّ نوحٍ فوق ما وصفوا
كأنها مزنةٌ غراءُ رائحةٌأو درةٌ ما يواري ضوءها الصدفُ
وشعراء الاسلام اربعة: جرير، والفرزدق، والأخطل، وكثير. وسئل الأخطل عن نفسه وعن جرير والفرزدق فقال: أنا أمدحهم للملوك، وأوصفهم للخمر، والفرزدق أفخرنا، وجرير أهجانا وأسبنا وأسهبنا. ويقال: الفرزدق ينحت من صخر، وجرير يغرف من بحر.
ومر الراعي في سفر فسمع إنساناً يغني بشعر جرير:
وعاوٍ عوى من غير شيءٍ رميتهبقافيةٍ إنفاذها يقطرُ الدما
خروجٍ بأفواهِ الرواةِ كأنهاقرا هندوانيٍّ، إذا هزَّ صمما
فقال الراعي: لعن الله من يلومني إذا قلت: جرير يغلبني.
وسئل الأخطل عن جرير، فقال: دعوه، فإنه كان بلاء على من صب عليه، وما أخشن ناحيته، واشرد قافيته، والله لو تركوه لأبكى العجوز على شبابها، والشابة على أحبابها، ولقد هزوه فوجدوه عند الهراش نابحاً، ولقد قال بيتاً لأن أكون قلته أحب إلي مما طلعت عليه، وهو قوله:
إذا غضبت عليك بنو تميمٍحسبت الناس، كلهمُ، غضابا
ويقال: إن جريراً هاجى ثلاثين شاعراً غلبهم، وأخباره كثيرة مسموعة، وقد تداولتها الألسن، فلا نذكر منها إلا لمعاً، وكذا من أشعاره نذكر ما يتمثل به.
ومن العجب أن أم جرير رأت في نومها كأنها ولدت جريراً، والجرير: زمام النجيب، من سيور مضفورة، وكان الجرير مطوياً، فجعل أهله يأخذونه فينثرونه ويجعلونه قلائد في أعناق رجال لا تعرفهم. فخبرت أباه بذلك، فقال: لتلدن غلاماً يعد الناس بشر. فلما ولدت جريراً سألته أن تسميه جريراً، فكان منه ما كان.
وقال جرير: لا يقال للشعر شعراً إلا أن يكون بعضه أخذاً برقاب بعض.
وقيل لمسلم: أي الشاعرين أفضل، جرير أم الفرزدق؟ فقال: الفرزدق يبني، وجرير يهدم. وقال: بيوت الشعر أربعة: فخر، ومدح، وهجاء، ونسيب. وجرير غلب في هذه كلها. ويريد بالفخر قوله:
إذا غضبت عليك بنو تميمٍحسبتَ الناس كلهمُ، غضابا
ويريد بالمدح قوله:
ألستمْ خيرَ من ركب المطاياوأندى العالمينم بطونَ راحِ
ويريد بالهجاء قوله:
فغضَّ الطرفَ إنكَ من نميرٍفلا كعباً بلغتَ، ولا كلابا
ويريد بالنسيب قوله:
إنَّ العيونَ التي في طرفها مرضٌقتلننا، ثمَّ لم يحيينَ قتلانا
يصرعن ذا اللبِ حتى لا حراكَ بهوهنَّ أضعفُ خلق اللهِ أركانا
وقيل لبشار: من أشعر الثلاثة؟ فقال: لم يكن الأخطل مثلهما، ولكن ربيعة تعصبت له وأفرطت فيه، وكان لجرير ضروب من الشعر لا يحسنها الفرزدق. ولقد ماتت النوار فكانوا ينوحون عليها بشعر جرير، الذي رثى به أم حرزة، وهو:
لولا الحياء لعادني استعبارولزرت قبرك، والحبيب يزارُ
ولقد أراكِ كسيت أجمل منظرٍومع الجمال سكينةٌ ووقارُ
لا يلبثُ القرناء إن يتفرقواليلٌ يكرُّ عليهمُ ونهارُ
وقوله:
فإن أكُ مجفواً فأخسر صفقتيوإن أك متروكاً فللقوسِ منزعُ
ولستُ أخا ذنبٍ فأخشى نكالهُوإن كنتُ ذا ذنبٍ فحلمكَ أوسعُ
وله أيضاً:
يا أيها المولى الذي لم أبتهلإلا سألتُ لهُ البقاءَ إلهي
أشكو إليك، وكيف أشكو خلتيإلا إليكَ، وأنتَ بابُ اللهِ
وله أيضاً:
غاب عنا فغاب كلُّ سرورٍوأتانا بالبشرِ والترحيبِ
طاوياً بالدنوّ ما نشر البعد علينا من الجوى والكروبِ
سافراً عن أسرةٍ تخجل الشمس، وتخزي وجه الزمان القطوبِ
وله أيضاً:
نمَّ في الليل عرفها وسناهاووشى حليها فهبَّ الرقيبُ
فخشينا الواشي فقلنا أستري مانمَّ، قال، والقول منها عجيبُ
هب سترت الحليَّ، أو ضوء وجهيكيف أخفي نشري، وكلي طيبُ
وله ايضاً:
إذا كنت لا أقري الضيوف وأخرقوأغني كلَّ عافٍ ومدقعِ
وإلا فبدلتَّ القناة بمغزلٍوسرجي بخدرٍ، واللئامَ ببرقعِ
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع