من «الوسيط في تراجم أدباء شنقيط» لأحمد بن الأمين الشنقيطي (ت ١٣٣١هـ)
الكلام على شنقيط هل هي من السودان أو من
المغرب؟
شنقيط من المغرب على ما كنا نعهد، وذلك معروف عند أهل شنقيط،
وأهل المغرب، وقد أنكر ذلك بعض المشارقة، وادعى أنها من السودان، وذلك أن بعض الشناقطة، كان مقيما بالمدينة المنورة، فكان يأخذ من وقف المغاربة العمومي،
فتعصب عليه الجزائريون خاصة، وقالوا: إن الشناقطة ليسوا من المغاربة، فمنعوه من أخذ حصته، فلما قدمت إلى المدينة المنورة، سنة سبع عشرة وثلامائة وألف، واجتمعت به، أخبرني بما جرى له. فقلت له: إن سيدي العربي بن السائح، نص في كتاب (البغية) على أنهم من أقصى المغرب.
ورأيت في دار كتب المرحوم عارف حكمت بك بالمدينة المنورة، كتابا للسيد مرتضى الزبيدي، شارح القاموس بخط يده، يعدد فيه أشياخه، ويترجمهم فذكر من جملتهم: عبد الرشيد الشنقيطي، وذكر إنه مر عليهم بمصر متوجها إلى فاس، في قضية مماثلة لقضيتك، قال: ثم رجع إلينا، وقد صدق له السلطان بأنهم من المغاربة، وحكم بذلك القاضي ابن سودة (والأغلب أن ذلك السلطان هو سيدي محمد بن عبد الله). فبعد سفري، بلغني أن مفتي المدينة، وهو تاج الدين إلياس ﵀، لم يقبل ما في الكتابين، وحكم بأن الشناقطة من السودان، زاعما أن ذلك مقتضى ما في الجغرافية. وهذا عجيب، فإن النخبة الأزهرية، نصت على ان شنقيط من المغرب، وهذا نصها: ومن الواحات الشهيرة فيها (يعني الصحراء) غربا الآدرار، وتسكنها قبائل الأرواد، وهم مغاربة مسلمون. ومركزها وادان، ومدنها شنقيط، ثم تاغانيت، ومركزها تيشيت، ثم والاته، الخ ما ذكره.
وقد ذكرنا حكمه هذا، حكما كاد يقع في مكة المكرمة بشهادة حمير، لولا أن المحكوم عليه كان من الظرفاء، فتنادر للحاكم فضحك، وخلى سبيله. وذلك
إن أحد الشبان، كان يجتمع عنده السفهاء بمكة، فشكوه إلى الوالي فنفاه إلى عرفات، فكتب إلى أصحابه، بأنهم صاروا إلى الأمن والنزهة، فصاروا يكترون حمير المكارين، ويذهبون إليه، فشكاه أهل عرفات إلى وإلى مكة ايضا، فأحضره، فأنكر، فقيل له: مر بحمير المكارين أن تساق إلى عرفات، فإذا وقفت عند بيته من تلقاء نفسها، فذلك دليل، فأمر بالحمير فسيقت إلى عرفات، فوقفت على بيته،
فصدق ما قيل له، فلمَّا هم بتنكيله. قال له: والله ما في هذا شيء، أشد علينا من أن يسخر منا أهل العراق، ويقولون: إن أهل مكة يحكمون بشهادات الحمير.
فما يؤسف عليه: أن ذلك المفتي ﵀، نبذ خط السيد مرتضى بيده، وكلام سيدي العربي بن السائح، وحكم بالجغرافية، على أن الجغرافية ليس فيها ما نسبه إليها.
والقبائل التي سمى لا توجد في آدرار، وقوله تاغانيت، ومركزها تيشيت، غير صحيح أيضا، فتاغانيت هي تاكانت، وليس بها من المدن إلا تيججك والرشيد، أما الرشيد، فليست عامرة دائما، بل قد تمر عليها سنين متتابعة، لا يدخلها غير الحمام. وذلك إذا كان أهلها في الحرب، كما وقع مرارا، وأما تيشيت، فبينها مع تكانت، أربعة أيام، وتعترض بينهما أرض آوكار وتكب، وغير ذلك.
النص من طبعة الشركة الدولية للطباعة بمصر (١٤٢٢هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع