تجاوز إلى المحتوى

من «الوسيط في تراجم أدباء شنقيط» لأحمد بن الأمين الشنقيطي (ت ١٣٣١هـ)

الكلام على تاريخ عمارة شنقيط

كانت شنقيط عيونا تشرب منها الخيل كما تقدم، وقد مضى من تاريخ عمارتها إلى وقتنا هذا وهو عام خمسمائة سنة تقريبا، وقد بنيت في أول الأمر على موضع مستومشتد، فانتقلت إليها الرمال، حتى أن جوانبها يخشى عليها أن تواريها الحصباء فيما بعد. وهذا يوجد في تلك البلاد، فان منها أماكن دهسة، فالريح تنقلها على طول الأزمنة كما هو مشاهد.

ومن أغرب ما يحكى، أن في بعض صحاري إدر، أوداء عامرة من النخل إلى الآن، فيما يقال، لا أنيس بها. ويقال: إنها كانت بها قرى فدفنتها الريح، وأن بعض أودائها عامر بالنخل، وأن الريح تلحقه لكثرته، وقرب بعضه من بعض، لأنها تنسف الطلع إلى النخل المحاذي له، فيغنيه ذلك عن تأبير الناس. وإذا أفرك، فإن الريح تسقط ثمره تحت النخل، فتأكله الوحوش والذئاب، وربما مر عليه بعض الجيوش الذين يذهبون للنهب، فيتزودون من ثمره. والله أعلم.

قال العلامة سيدي عبد الله بن الحاج إبراهيم العلوي في رسالته (صحيحة النقل في علوية إدوعل وبكرية محمد غل): وهم يعني (العلويين) كانوا زمانا قبل توطنهم آبير وشنجيط، بتبلبالت. أخبرني الثقة، عن سيدي المختار الكنتي ﵁، انهم كانت لهم مائة ساقية، وإلى الآن يذكر لنا من مر بتلك الجهة، أن موالى العلويين بها، ويتراجعون أحدا منهم يكون لهم أساسا، ثم لم يزل العلويون قبائل كثيرة، بآبير. بلغنا أن كل من أوَّل اسمه إد (بكسر الهمزة وفتح الدال المهملة) من قبائل الزوايا، خرج من آبير، وكان العلويون فيه أربعين أو اثنتين وأربعين قبيلة، ما بين صميم وحليف. وكانوا يقتلون من قتل، حتى قتل جدنا يحيى قتيلا، فقال بعضهم: نقتله، وقال بعضهم نطرده، ثم طردوه ولم يقتلوه لشرفه فيهم وعلو منزلته، فجال في البلاد، ثم أتى شنجيط، وقد بنيت فيه بيوت قليلة فيها: أعمر يبنى وجد إد يجر ومحمد غل، فأراد النزول معهم فقال بعضهم: خلوه ينزل معكم، لكن سيستبد بالأمر عليكم، فسكن معهم.

وآبير: قريب جدا من شنقيط. ومعنى شنقيط: عيون الخيل، ثم لم تزل عمارة شنقيط تنمو، وتضمحل عمارة آبير، إلى أن لم يبق فيه داع ولا مجيب.

وابتداء عمارة هذا، إلى زوال عمارة ذاك، أربعون سنة. وكان في شنجيط أحد عشر مسجدا، بالمسجد العتيق العامر اليوم، وله اليوم نيف وأربعمائة سنة، والناس يقولون إنه من المدائن السبع، ولا أدري ما المدائن السبع، ولما اختصت بالسبع دون سائر المدائن. فإن كان المراد أنها هي الموجودة زمنه ﷺ، فالموجود إذ ذاك أكثر. والمراد آبير: لأنه هو القديم، لكنهما كالبلد الواحد.

وكان الركب يمشي من شنجيط إلى مكة كل عام، ويتعلق بهم كل من أراد الحج من سائر الآفاق، حتى إن أهل هذه البلاد، أعني من الساقية الحمراء إلى السودان، إن رووا، لا يعرفون عند أهل المشرق إلا بالشناجطة إلى الآن، وقد تحج الدار

منهم كلها، حتى لا يبقى فيها صغير ولا كبير، من شدة اعتنائهم بالحج، ويحجون من قدروا عليه. وقد بلغنا أن الحاج محمد أحمد، والد أبي كساء أنفق في الحج على أربعين نفسا من غير عياله، وحملها لله تعالى. وقد كان العلويون يقدمون من كان معهم من الزوايا للإمامة، فكانت أولا للسماسدة، ثم جعلوها للأغلال، فتغيروا من ذلك وخرجوا من شنجيط، فذلك سبب خروج السماسدة من شنجيط. وخرج يوما من شنجيط، اثنان وثلاثون ألف جمل موقرة بالملح عشرون لأهله، واثنا عشر لأهل تيشيت. وباعت الرفقة كلها في زار. فتعجب الناس أي البلدين أعمر، مع اتفاق الكلمة، وكانوا إذا مات شيخ، رأسوا عليهم آخر. فبقيت دولتهم بشنجيط دولة دين ودنيا، ثلاثا وثمانين سنة، مدة حياة الشيخ سيدي أحمد بن الوافي فلما توفي، وقعت الحرب بينهم، واعتزل الفتنة من اعتزلها فمنهم من خرج شذر مذر. ومنهم من بقي مع اعتزاله إياها، حتى انقضت الحرب بين أهلها، وقد قتل بتلك الحرب، مائة وأربعون من البيض وما بقي من الكحل، وكانوا

يقتتلون الليل والنهار، إلا أنهم لا يغدر بعضهم بعضا، ولا يقتله إلا إذا لقيه في الصف، ولا ينتهبون الأموال. ثم انتقل البيض إلى تيججك، آخر القرن الحادي عشر).

موقع بلاد شنقيط

قال ياقوت في معجمه، عاطفا له على سوس خوزستان: (والسوس أيضا بلد بالمغرب، كانت الروم تسميها قمونية. وقيل السوس بالمغرب: مدينة كورتها ظنجة. وهناك السوس الأقصى، كورة أخرى مدينتها طرقلة. ومن السوس الأدنى إلى السوس الأقصى، مسيرة شهرين، وبعده بحر الرمل، وليس وراء ذلك شيء يعرف).

وبحر الرمل الذي ذكره: أرض دهسة، يغوص فيها الإنسان والجمل، فربما أتى الناس بالحبال، واحتالوا للغائص فيها، حتى ينقذوه، وربما أعجزهم، وربما انهار

معه من أراد أن يخلصه. وبحر الرمل الذي ذكره هو (آمطليش) على ما أظن. ولهذه الأرض منافذ تسلك بمشقة، ومن تخلف عنها تلف، ولا يقدر الإنسان أن يمشي على قدميه فيها ساعة من النهار. وقد سلكت أرضا بين فاي، وآدرار، قريبة من هذه الصفة. والظاهر ان أرض بنبار وفُوت وجلف وإيسنغان وبول وسين وسالم، لم تكتشف إذ ذك، ولا تقل هذه الأرض عن مسيرة أشهر عديدة، وأهلها سودان مختلفون في الأديان واللغات، ولا يعلم عددهم إلا الله تعالى.

النص من طبعة الشركة الدولية للطباعة بمصر (١٤٢٢هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الكلام على شنقيط وتخطيطها

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.