تجاوز إلى المحتوى

من «وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان» لابن خلكان (ت ٦٨١هـ)

العراقي الخطيب

أبو إسحاق إبراهيم بن منصور بن المسلم، الفقيه الشافعي المصري المعروف بالعراقي، الخطيب بجامع مصر؛ كان فقيهاً فاضلاً، وشرح كتاب المهذب، تصنيف الشيخ أبي إسحاق الشيرازي - رحمة الله تعالى - في عشرة أجزاء شرحاً جيداً، ولم يكن من العراق، وإنما سافر إلى بغداد، واشتغل بها مدة، فنسب إليها لإقامته بها تلك المدة، وعاد إلى مصر وتولى الخطابة بجامعها العتيق والإمامة به والتصدر، ولم يزل على الخطابة والإمامة به والإفادة إلى حين وفاته ومضى على سداد وأمر جميل. قرأ ببغداد الفقه على أبي بكر محمد بن الحسين الأرموي، وكان من أصحاب الشيخ أبي إسحاق الشيرازي، وعلى أبي الحسن محمد بن المبارك بن الخل البغدادي، وتفقه ببلده على القاضي أبي المعالي مجلي بن جميع الآتي ذكره إن شاء الله تعالى، وكان في بغداد يعرف بالمصري، فلما رجع إلى مصر قيل له: العراقي، والله أعلم.

وقد روي عن الخطيب أبي إسحاق المذكور أنه كان يقول: أنشدني شيخنا ابن الخل المذكور ببغداد، ولم يسم قائلاً:

في زخرف القول تزيين لباطلهوالحق قد يعتريه سوء تعبير
تقول هذا مجاج النحل تمدحهوإن ذممت تقل قيء الزنابير

مدحاً وذماً وما جاوزت وصفهما ... حسن البيان يري الظلماء كالنور وكانت ولادته بمصر، سنة عشر وخمسمائة، وتوفي يوم الخميس الحادي والعشرين من جمادى الأولى، سنة ست وتسعين وخمسمائة بمصر، ودفن بسفح المقطم، رحمة الله تعالى.

والمسلم: بضم الميم وتشديد اللام.

وكان له ولد فاضل، نبيل القدر، اسمه أبو محمد عبد الحكم، ولي الخطابة بجامع مصر بعد وفاة والده، وكانت له خطب جيدة، وشعر لطيف.

فمن شعره في العماد ابن جبريل، المعروف بابن أخي العلم - وكان صاحب ديوان بيت المال بمصر، وكان قد وقع فانكسرت يده - قوله:

إن العماد بن جبريل أخي علمٍله يد أصبحت مذمومة الأُثر

تأخر القطع عنها وهي سارقة ... فجاءها الكسر يستقصي عن الخبر وله غير ذلك أشعار نادرة، ثم وجدت هذين البيتين في ديوان جعفر بن شمس الخلافة الآتي ذكره؛ والله أعلم.

ومن شعر عبد الحكم المذكور في رجل وجب عليه القتل، فرماه المستوفي للقصاص بسهم فأصاب كبده فقتله، فقال عبد الحكم:

أخرجت من كبد القوس ابنها فغدتتئن والأم قد تحنو على الولد

وما درت أنه لما رميت به ... ما سار من كبد إلا إلى كبد قلت: البيت الأول من هذين البيتين مأخوذ من قول بعض المغاربة:

لا غرو من جزعي لبينهميوم النوى وأنا أخوالهم
للشاعر ابن أفلح العبسي، اقرأ القصيدة

فالقوس من خشب تئن إذا ... ما كلفوها فرقة السهم والبيت الثاني مأخوذ من قول الفقيه عمارة اليمني، الآتي ذكره إن شاء الله تعالى، في قصيدته الميمية التي ذكرتها هناك، وقد قدم من مكة - شرفها الله تعالى - إلى الديار المصرية، وامتدح بها مليكها يومئذ، - وهو الفائز عيسى بن الظافر العبيدي، ووزيره الصالح طلائع بن رزيك، وكلاهما مذكوران في هذا التاريخ، فقال من جملة القصيدة، يمدح العيس التي حملته إلى مصر:

ورحن من كعبة البطحاء والحرموفداً إلى كعبة المعروف والكرم
للشاعر عمارة اليمني، من قصيدة «الحمد للعيس بعد العزم والهمم»
فهل درى البيت أني بعد فرقتهما سرت من حرم إلا إلى حرم ومن شعر عبد الحكم أيضا:
قامت تطالبني بلؤلؤ نحرهالما رأت عيني تجود بدرها

وتبسمت عجباً فقلت لصاحبي ... هذا الذي اتهمت به في ثغرها قلت: وهذا المعنى مأخوذ من قول أبي الحسن علي بن عطية المعروف بابن الزقاق الأندلسي البلنسي:

وشادن طاف بالكؤوس ضحىًفحثها والصباح قد وضحا
والروض يبدي لنا شقائقهوآسه العنبري قد نفحا
للشاعر ابن الزقاق، من قصيدة «وأغيد طاف بالكؤوس ضحى»
قلت: وأين الأقاح قال لنا:أودعته ثغر من سقى القدحا

فظل ساقي المدآم يجحد ما ... قال، فلما تبسم افتضحا وكان الوزير صفي الدين أبو محمد عبد الله بن علي المعروف بابن شكر وزيرالملك العادل بن أيوب بمصر، قد عزل عبد الحكم المذكور عن خطابة جامع مصر، فكتب إليه:

فلأي بابٍ غير بابك أرجعوبأي جود غير جودك أطمع
سدت علي مسالكي ومذاهبيإلا إليك فدلني ما أصنع

فكأنما الأبواب بابك وحده ... وكأنما أنت الخليقة أجمع قلت: والبيت الأخير مأخوذ من قول السلامي الشاعر المشهور، وهو:

فبشرت آمالي بملكٍ هو الورىودار هي الدنيا ويوم هو الدهر
للشاعر أبو الحسن السلامي، اقرأ القصيدة

وسيأتي ذكرها في ترجمة عضد الدولة بن بويه في حرف الفاء، إن شاء الله تعالى.

[ولعبد الحكم المذكور يستجلي زوجته:

سترت وجهها بكف عليهشبك النقش وهي تجلى عروسا
قلت لم يغن عنك سترك شيئاًومتى غطت الشباك الشموسا وله أيضاً:
ومأدبة بتنا بها في لذاذةيخيل لي أنا على الماء نوم
فمن فوقنا الأفلاك والفلك تحتناففي تلك أقمار وفي تيك أنجم وله أيضاً:
على مهل ففي الأحوال ريثأتخشى أن تضام وأنت ليث

بمصر إن أقمت فأنت نيل ... وإن سرت الشآم فأنت غيث] وكانت ولادته ليلة الأحد تاسع عشر جمادى الآخرة سنة ثلاث وستين وخمسمائة.

وتوفي سحرة الثامن والعشرين من شعبان سنة ثلاث عشرة وستمائة، بمصر، ودفن من الغد بسفح المقطم، رحمة الله تعالى عليه.

وأنشدني ولده شيئاً كثيراً من شعره، وطريقته فيه لطيفة.

وأما العماد المذكور فهو أبو عبد الله محمد بن أبي الأمانة جبريل بن المغيرة بن سلطان بن نعمة، وكان فاضلاً مشهوراً بكثرة الأمانة فيما يتولاه، وتقلب في الخدم الديوانية بمصر والإسكندرية، وكانت ولادته سنة ثمان وخمسين وخمسمائة، وتوفي في خامس شعبان سنة سبع وثلاثين وستمائة بالقاهرة، رحمة الله تعالى.

النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف الهمزة

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.