من «وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان» لابن خلكان (ت ٦٨١هـ)
أسامة بن منقذ
ماذا روى «وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان» عن أسامة بن منقذ؟
أبو المظفر أسامة بن مرشد بن علي مقلد بن نصر بن منقذ الكناني
الكلبي الشيزري الملقب مؤيد الدولة مجد الدين، من أكابر بني منقذ أصحاب قلعة شيزر وعلمائهم وشجعانهم، له تصانيف عديدة في فنون الأدب.
ذكره أبو البركات ابن المستوفي في تاريخ إربل وأثنى عليه وعده في جملة من ورد عليه وأورد له مقاطيع من شعره.
وذكره العماد الكاتب في الخريدة وقال بعد الثناء عليه: سكن دمشق ثم نبت به كما تنبو الدار بالكريم، فانتقل إلى مصر فبقي بها مؤمراً مشاراً إليه بالتعظيم إلى أيام الصالح بن رزيك. ثم عاد إلى الشام وسكن دمشق، ثم رماه الزمان إلى حصن كيفا، فأقام به حتى ملك السلطان صلاح الدين - رحمه الله تعالى - دمشق، فاستدعاه وهو شيخ قد جاوز الثمانين.
وقال غير العماد: إن قدومه مصر كان في أيام الظافر بن الحافظ والوزير يومئذ العادل بن السلار، فأحسن إليه وعمل عليه حتى قتل حسبما هو مشروح في ترجمته.
قلت: ثم وجدت جزءا كتبه بخطه للرشيد بن الزبير حتى يلحقه بكتاب الجنان، وكتب عليه أنه كتبه بمصر سنة إحدى وأربعين وخمسمائة، فيكون قد دخل مصر في أيامه وأقام بها حتى قتل العادل بن السلار، إذ لا خلاف أنه حضر هناك وقت قتله.
وله ديوان شعر في جزأين موجود في أيدي الناس ورأيته بخطه. ونقلت منه قوله:
لا تستعر جلداً على هجرانهمفقواك تضعف من صدود دائم
واعلم بأنك إن رجعت إليهم ... طوعاً وإلا عدت عودة راغم ونقلت منه في ابن طليب المصري، وقد احترقت داره:
انظر إلى الأيام كيف تسوقناقسراً إلى الإقرار بالأقدار
ما أوقد ابن طليب قط بدارهناراً وكان خرابها بالنار
ومما يناسب هذه الواقعة أن الوجيه ابن صورة المصري دلال الكتب كانت له بمصر دار موصوفة بالحسن فاحترقت، فعمل نشء الملك أبو الحسن علي ابن مفرج المعروف بابن المنجم المعري الأصل المصري الدار والوفاة:
أقول وقد عاينت دار ابن صورةوللنار فيها مارج يتضرم
كذا كل مال أصله من مهاوشفعما قليل في نهابر يعدم
وما هو إلا كافر طال عمره ... فجاءته لما استبطأته جهنم والبيت الثاني مأخوذ من قوله ﷺ من أصاب مالاً من مهاوش أذهبه الله في نهابر، والمهاوش: الحرام، والنهابر: المهالك.
والوجيه المذكور: هو أبو الفتوح ناصر بن أبي الحسن علي بن خلف الأنصاري المعروف بابن صورة، وكان سمساراً في الكتب بمصر، وله في ذلك حظ كبير، وكان يجلس في دهليز داره لذلك، ويجتمع عنده في يومي الأحد والأربعاء أعيان الرؤساء والفضلاء ويعرض عليهم الكتب التي تباع، ولا يزالون عنده إلى انقضاء وقت السوق، فلما مات السلفي سار إلى الإسكندرية لبيع كتبه، ومات في السادس عشر من شهر ربيع الآخر سنة سبع وستمائة بمصر ودفن بقرافتها، رحمه الله تعالى.
ولابن منقذ من قطعة يصف ضعفه:
فاعجب لضعف يدي عن حملها قلما ... من بعد حطم القنا في لبة الأسد ونقلت من ديوانه أيضاً أبياتاً كتبها إلى أبيه مرشد جوابا عن ابيات كتبها أبوه إليه، وهي:
وما أشكو تلون أهل وديولو أجدت شكيتهم شكوت
مللت عتابهم ويئست منهمفما أرجوهم فيمن رجوت
إذا أدمت قوارصهم فؤاديكظمت على أذاهم وانطويت
ورحت عليهم طلق المحياكأني ما سمعت ولا رأيت
تجنوا لي ذنوباً ما جنتهايداي ولا أمرت ولا نهبت
ولا والله ما أضمرت غدراًكما قد أظهروه ولا نويت
ويوم الحشر موعدنا وتبدو ... صحيفة ما جنوه وما جنيت وله بيتان في هذا الروي والوزن كتبهما في صدر كتاب إلى بعض أهل بيته في غاية الرقة والحسن، وهما:
شكا ألم الفراق الناس قبليوروع بالنوى حي وميت
وأما مثل ما ضمت ضلوعي ... فإني ما سمعت ولا رأيت والشيء بالشيء يذكر، أنشدني الأديب أبو الحسين يحيى بن عبد العظيم المعروف بالجزار المصري لنفسه في بعض أدباء مصر، وكان شيخاً كبيراً، وظهر عليه جرب فالتطخ بالكبريت، قال: فلما بلغني ذلك كتبت إليه:
أيها السيد الأديب دعاءًمن محب خال من التنكيت
أنت شيخ وقد قربت من النا ... ر فكيف ادهنت بالكبريت ونقلت من خط الأمير أبي المظفر أسامة بن منقذ المذكور لنفسه، وقد قلع ضرسه، وقال: عملتهما ونحن بظاهر خلاط، وهو معنى غريب ويصلح أن يكون لغزاً في الضرس:
وصاحب لا أمل الدهر صحبتهيشقى لنفعي ويسعى سعي مجتهد
لم ألقه مذ تصاحبنا فحين بدا ... لناظري افترقنا فرقة الأبد قال العماد الكاتب: وكنت أتمنى أبداً لقياه وأشيم على البعد حياه حتى لقيته في صفر سنة إحدى وسبعين وسألته عن مولده، فقال: يوم الأحد السابع والعشرين من جمادى الآخرة سنة ثمان وثمانين وأربعمائة. قلت: بقلعة شيرز. وتوفي ليلة الثلاثاء الثالث والعشرين من شهر رمضان سنة اربع وثمانين وخمسمائة بدمشق، رحمه الله تعالى؛ ودفن من الغد شرقي جبل قاسيون ودخلت تربته وهي على جانب نهر يزيد الشمالي، وقرأت عنده شيئا من القرآن وترحمت عليه.
وتوفي والده أبو أسامة مرشد سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة، رحمه الله تعالى.
وشيزر - بفتح الشين المثلثة وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها زاي مفتوحة ثم راء - قلعة بالقرب من حماة وهي معروفة بهم، وسيأتي ذكرها في حرف العين عند ذكر جده علي بن مقلد، إن شاء الله تعالى.
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع