تجاوز إلى المحتوى

من «وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان» لابن خلكان (ت ٦٨١هـ)

أبو فراس ابن حمدان

أبو فراس الحارث بن أبي العلاء سعيد بن حمدان بن حمدون الحمداني ابن عم ناصر الدولة وسيف الدولة ابني حمدان - وسيأتي تتمة نسبه عند ذكرهما إن شاء الله تعالى -؛ قال الثعالبي في وصفه: " كان فرد دهره، وشمس

عصره، أدباً وفضلاً، وكرماً ومجداً، وبلاغة وبراعة، وفروسية وشجاعة، وشعره مشهور سائر، بين الحسن والجودة والسهولة والجزالة والعذوبة والفخامة والحلاوة، ومعه رواء الطبع وسمة الظرف وعزة الملك، ولم تجتمع هذه الخلال قبله إلا في شعر عبد الله بن المعتز. وأبو فراس يعد اشعر منه عند أهل الصنعة ونقدة الكلام. وكان الصاحب بن عباد يقول: بدئ الشعر بملك وختم بملك، يعني امرأ القيس وأبا فراس. وكان المتنبي يشهد له بالتقدم والتبريز ويتحامى جانبه فلا ينبري لمباراته ولا يجترئ على مجاراته، وإنما لم يمدحه ومدح من دونه من آل حمدان تهيباً له وإجلالاً، لا إغفالاً وإخلالاً. وكان سيف الدولة يعجب جداً بمحاسن أبي فراس ويميزه بالإكرام على سائر قومه ويستصحبه في غزواته وستخلفه في أعماله ".

وكانت الروم قد أسرته في بعض وقائعها، وهو جريح قد أصابه سهم بقي نصله في فخذه، ونقلته إلى خرشنة، ثم منها قسطنطينية، وذلك في سنة ثمان. وأربعين وثلثمائة، وفداه سيف الدولة في سنة خمس وخمسين.

قلت: هكذا قال أبو الحسن علي بن الزراد الديلمي، وقد نسبوه في ذلك إلى الغلط، وقالوا: أسر أبو فراس مرتين، فالمرة الأولى بمغارة الكحل في سنة ثمان وأربعين وثلثمائة، وما تعدوا به خرشنة، وهي قلعة ببلاد الروم والفرات يجري من تحتها، وفيها يقال: إنه ركب فرسه وركضه برجله، فأهوى به من أعلى الحصن إلى الفرات، والله أعلم، والمرة الثانية أسره الروم على منبج في شوال سنة إحدى وخمسين، وحملوه إلى قسطنطينية. وأقام في الأسر أربع سنين، وله في السر أشعار كثيرة مثبتة في ديوانه. وكانت مدينة منبج إقطاعاً له، ومن شعره:

قد كنت عدتي التي أسطو بهاويدي إذا اشتد الزمان وساعدي
للشاعر أبو فراس الحمداني، من قصيدة «إني منعت من المسير إليكم»
فرميت منك بضد ما أملتهوالمرء يشرق بالزلال البارد
فصبرت كالولد التقي لبرهأغضى على ألم لضرب الوالد وله أيضاً:
أساء فزادته الإساءة حظوةحبيب على ما كان منه حبيب
للشاعر أبو فراس الحمداني، من قصيدة «أساء فزادته الإساءة حظوة»
يعد علي الواشيان ذنوبهومن أين للوجه الجميل ذنوب وله أيضاً:
سكرت من لحظه لا من مدامتهومال بالنوم عن عيني تمايله
للشاعر أبو فراس الحمداني، من قصيدة «سكرت من لحظه لا من مدامته»
فما السلاف دهتني بل سوالفهولا الشمول ازدهتني بل شمائله
ألوى بعزمي أصداغ لوين لهوغال قلبي بما تحوي غلائله ومحاسن شعره كثيرة

وقتل في واقعة جرت بينه وبين موالي أسرته في سنة سبع وخمسين وثلثمائة.

ورأيت في ديوانه أنه لما حضرته الوفاة كان ينشد مخاطباً ابنته:

أبنيتي لا تجزعيكل الأنام إلى ذهاب
للشاعر نسيب عريضة، من قصيدة «الطبول الطبول إِنا انتصرنا»
نوحي علي بحسرةمن خلف سترك والحجاب
للشاعر أبو فراس الحمداني، من قصيدة «أبنيتي لاتحزني»
قولي إذا كلمتنيفعييت عن رد الجواب
زين الشباب أبو فراس لم يمتع بالشباب
للشاعر نسيب عريضة، من قصيدة «الطبول الطبول إِنا انتصرنا»

وهذا يدل على أنه لم يقتل، أو يكون قد جرح وتأخر هوته، ثم مات من الجراحة.

[وقيل إن هذا الشعر قاله وهو أسير في أيدي الروم، وكان قد جرح ثم أسر ثم خلص من الأسر، فداه سيف الدولة مع من فودي من أسرى المسلمين].

قال ابن خالويه: لما مات سيف الدولة عزم أبو فراس على التغلب على حمص، فاتصل خبره بأبي المعالي بن سيف الدولة وغلام أبيه قرغويه، فأنفذ إليه من قاتله، فأخذ وقد ضرب ضربات فمات في الطريق.

وقرأت في بعض التعاليق: أن أبا فراس قتل يوم الأربعاء لثمان خلون من شهر ربيع الآخر سنة سبع وخمسين وثلثمائة، في ضيعة تعرف بصدد.

وذكر ثابت بن سنان الصابئ في تاريخه، قال: في يوم السبت لليلتين خلتا من جمادى الأولى من سنة سبع وخمسين وثلثمائة، جرت حرب بين أبي فراس، وكان مقيماً بحمص، وبين أبي المعالي بن سيف الدولة، واستظهر عليه أبو المعالي وقتله في الحرب وأخذ رأسه وبقيت جثته مطروحة في البرية إلى أن جاءه بعض الأعراب فكفنه ودفنه.

قال غيره: وكان أبو فراس خال أبي المعالي، وقلعت أمه سخينة عينها لما بلغها وفاته، وقيل إنها لطمت وجهها فقلعت عينها. وقيل لما قتله قرغويه لم يعلم به أبو المعالي، فما بلغه الخبر شق عليه.

ويقال: إن مولده كان في سنة عشرين وثلثمائة، والله أعلم. وقيل: سنة إحدى وعشرين.

وقتل أبوه سعيد في رجب سنة ثلاث وعشرين وثلثمائة، قتله ابن أخيه ناصر الدولة بالموصل، عصر مذاكيره حتى مات لقصة يطول شرحها، وحاصلها أنه شرع في ضمان الموصل وديار ربيعة من جهة الراضي بالله، ففعل ذلك سراً، ومضى إليها في خمسين غلاماً، فقبض ناصر الدولة عليه حين وصل

إليها ثم قتله، فأنكر ذلك الراضي حين بلغه، رحمهم الله تعالى.

[وحكى ابن خالويه أيضاً قال: كتب أبو فراس إلى سيف الدولة وقد شخص من حضرته إلى منزله بمنبج كتاباً صدره: كتابي أطال الله بقاء مولانا من المنزل وقد وردته ورود السالم الغانم مثقل الظهر والظهر وفراً وشكراً، فاستحسن سيف الدولة بلاغته ووصف براعته، وبلغ ذلك أبا فراس فكتب إليه:

هل للفصاحة والسماحة والعلا عني محيد
للشاعر أبو فراس الحمداني، من قصيدة «هل للفصاحة والسماحة»
إذ أنت سيدي الذيربيتني وأبي سعيد
للشاعر أبو فراس الحمداني، من قصيدة «هل للفصاحة والسماحة»
في كل يوم أستفيد من العلاء وأستزيد
للشاعر أبو فراس الحمداني، من قصيدة «هل للفصاحة والسماحة»

ويزيد في إذا رأي ... تك للندى خلق جديد وكان سيف الدولة قلما ينشط لمجلس الأنس لاشتغاله عنه بتدبير الجيوش وملابسة الخطوب وممارسة الحروب، فوافت حضرته إحدى المحسنات من قيان بغداد، فتاقت نفس أبي فراس إلى سماعها ولم ير أن يبدأ باستدعائها قبل سيف الدولة، فكتب إليه يستحثه على استحضارها:

محلك الجوزاء أو أرفعوصدرك الدهناء أو أوسع
وقلبك الرحب الذي لم يزلللجد والهزل به موضع
للشاعر أبو فراس الحمداني، من قصيدة «محلك الجوزاء بل أرفع»

رفه بقرع العود سيفاً غدا ... قرع العوالي جل ما يسمع فبلغت هذه الأبيات الوزير المهلبي فأمر القيان والقوالين بتحفظها وتلحينها، وصار لا يشرب إلا عليها.

وأهدى الناس إلى سيف الدولة فأكثروا، فكتب إليه أبو فراس:

نفسي فداؤك قد بعثت بعهدتي بيد الرسول
أهديت نفسي إنما يهدى الجليل إلى الجليل
للشاعر أبو فراس الحمداني، من قصيدة «نفسي فداأك قد بعثت»

وجعلت ما ملكت يدي ... صلة المبشر بالقبول وعزم سيف الدولة على غزو واستخلاف أبي فراس على الشام فكتب إليه قصيدة منها:

قالوا المسير فهز الرمح عاملهوارتاح في جفنه الصمصامة الخذم
للشاعر أبو فراس الحمداني، من قصيدة «أشدة ما أراه منك أم كرم»
حقاً لقد ساءني أمر ذكرت لهلولا فراقك لم يوجد له ألم
للشاعر أبو فراس الحمداني، من قصيدة «أشدة ما أراه منك أم كرم»
لا تشغلن بأمر الشام تحرسهإن الشآم على من حله حرم
وإن للثغر سوراً من مهابتهصخوره من أعادي أهله القمم
لا يحرمني سيف الدين صحبتهفهي الحياة التي تحيا بها النسم
للشاعر أبو فراس الحمداني، من قصيدة «أشدة ما أراه منك أم كرم»
وما اعترضت عليه في أوامرهلكن سألت ومن عاداته نعم وكتب إليه يعزيه:
لابد من فقد ومن فاقدهيهات ما في الناس من خالد
كن المعزى لا المعزى بهإن كان لابد من الواحد وله أيضاً:
المرء نصب مصايب ما تنقضيحتى يوارى جسمه في رمسه

فمؤجل يلقى الردى في أهله ... ومعجل يلقى الردى في نفسه وله أيضاً وقد سمع حمامة تنوح بقربه على شجرة عالية وهو في الأسر فقال:

أقول وقد ناحت بقربي حمامةأيا جارتا هل بات حالك حالي
معاذ الهوى ما ذقت طارقة النوىولا خطرت منك الهموم ببال
للشاعر عباس الأعسم، اقرأ القصيدة
أتحمل محزون الفؤاد قوادمعلى غصن نائي المسافة عالي
للشاعر أبو فراس الحمداني، من قصيدة «أقول وقد ناحت بقربي حمامة»
أيا جارتا ما أنصف الدهر بينناتعالي أقاسمك الهموم تعالي
للشاعر نسيب عريضة، من قصيدة «الطبول الطبول إِنا انتصرنا»
تعالي تري روحا لدي ضعيفةتردد في جسم يعذب بالي
للشاعر نسيب عريضة، من قصيدة «الطبول الطبول إِنا انتصرنا»
أيضحك مأسور وتبكي طليقةويسكت محزون ويندب سالي
للشاعر أبو فراس الحمداني، من قصيدة «أقول وقد ناحت بقربي حمامة»

لقد كنت أولى منك بالدمع مقلة ... ولكن دمعي في الحوادث غالي] وخرشنة - بفتح الخاء المعجمة وسكون الراء وفتح الشين المثلثة والنون - وهي بلدة بالشام على الساحل، وهي للروم.

وقسطنطينية - بضم القاف وسكون السين المهملة وفتح الطاء المهملة وسكون النون وكسر الطاء المهملة وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها نون - من أعظم مدائن الروم بناها قسطنطين، وهو أول من تنصر من ملوك الروم.

النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حَرف الحَاء

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.