من «وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان» لابن خلكان (ت ٦٨١هـ)
ابن العلاف الشاعر
أبو بكر الحسن بن علي بن أحمد بن بشار بن زياد المعروف بابن العلاف الضرير النهرواني الشاعر المشهور؛ كان من الشعراء المجيدين، وحدث عن أبي عمر
الدوري المقرئ وحميد بن مشعدة البصري ونصر بن علي الجهضمي ومحمد بن إسماعيل الحساني، وروى عنه عبد الله بن الحسن بن النخاس وأبو الحسن الخراجي القاضي وابو حفص ابن شاهين وغيرهم، وكان ينادم الإمام المعتضد بالله.
وقال: بت ليلة في دار المعتضد مع جماعة من ندامائه، فأتانا خادم ليلاً فقال: أمير المؤمنين يقول: أرقت الليلة بعد انصرافكم فقلت:
ولما انتبهنا للخيال الذي سرى ... إذا الدار قفر والمزار بعيد وقد أرتج علي تمامه، فمن أجازه بما يوافق غرضي أمرت له بجائزة، قال: فأرتج على الجماعة وكلهم شاعر فاضل، فابتدرت وقلت:
فقلت لعيني عاودي النوم واهجعي ... لعل خيالاً طارقاً سيعود فرجع الخادم إليه ثم عاد فقال: أمير المؤمنين يقول: قد أحسنت، وقد أمر لك بجائزة.
وكان لأبي بكر المذكور هر يأنس به، وكان يدخل أبراج الحمام التي لجيرانه ويأكل فراخها، وكثر ذلك منه، فأمسكه أربابها فذبحوه، فرثاه بهذه القصيدة وقد قيل: إنه رثى بها عبد الله بن المعتز - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - وخشي من الإمام المقتدر أن يتظاهر بها لأنه هو الذي قتله، فنسبها إلى الهر وعرض به في أبيات منها، وكانت بينهما صحبة أكيدة.
وذكر محمد بن عبد الملك الهمداني في تاريخه الصغير الذي سماه " المعارف المتأخرة " في ترجمة الوزير أبي الحسن علي بن الفرات ما مثاله: قال الصاحب أبو القاسم ابن عباد: أنشدني أبو الحسن ابن أبي بكر العلاف وهو الأكول المقدم في الأكل في مجالس الرؤساء والملوك قصائد أبيه في الهر، وقال: إنما كنى بالهر عن المحسن بن الفرات أيام محنته لأنه لم يجسر أن يذكره ويرثيه.
قلت أنا: وهذا المحسن ولد الوزير المذكور، وسيأتي خبر ذلك في ترجمة
أبيه أبي الحسن علي بن محمد بن الفرات إن شاء الله تعالى.
وذكر صاعد اللغوي في كتاب " الفصوص " قال: حدثني أبو الحسن المرزباني قال: هويت جارية لعلي بن عيسى غلاماً لأبي بكر ابن العلاف الضرير، ففطن بهما فقتلا جميعاً وسلخا وحشيت جلودهما تبناً، فقال أبو بكر مولاه هذه القصيدة يرثيه بها وكنى عنه بالهر، والله أعلم.
وهي من أحسن الشعر وأبدعه، وعددها خمسة وستون بيتاً، وطولها يمنع من الإتيان بجميعها فنأتي بمحاسنها، وفيها أبيات مشتملة على حكم فنأتي بها، وأولها:
يا هر فارقتنا ولم تعدوكنت عندي بمنزل الولد
فكيف ننفك عن هواك وقدكنت لنا عدة من العدد
تطرد عنا الأذى وتحرسنابالغيب من حية ومن جرد
وتخرج الفأر من مكامنهاما بين مفتوحها إلى السدد
يلقاك في البيت منهم مددوأنت تلقاهم بلا مدد
لا عدد كان منك متفلتاًمنهم ولا واحد من العدد
لا ترهب الصيف عند هاجرةولا تهاب الشتاء في الجمد
وكان يجري ولا سداد لهمأمرك في بيتنا على سدد
حتى اعتقدت الأذى لجيرتناولم تكن للأذى بمعتقد
وحمت حول الردى بظلمهمومن يحم حول حوضه يرد
وكان قلبي عليك مرتعداًوأنت تنساب غير مرتعد
تدخل برج الحمام متئداًوتبلغ الفرخ غير متئد
وتطرح الريش في الطريق لهموتبلغ اللحم بلع مزدرد
أطعمك الغي لحمها فرأىقتلك أربابها من الرشد
حتى إذا داوموك واجتهدواوساعد النصر كيد مجتهد
كادوك دهراً فما وقعت وكمأفلت من كيدهم ولم تكد
فحين أخفرت وانهمكت وكاشفت وأسرفت غير مقتصد
صادوك غيظاً عليك وانتقموامنك وزادوا ومن يصد يصد
ثم شفوا بالحديد أنفسهممنك ولم يرعووا على أحد ومنها:
فلم تزل للحمام مرتصداًحتى سقيت الحمام بالرصد
لم يرجموا صوتك الضعيف كمالم ترث منها لصوتها الغرد
أذاقك الموت ربهن كماأذقت أفراخه يداً بيد ومنها:
كأن حبلاً حوى بجودتهجيدك للخنق كان ممن مسد
كأن عيني تراك مضطرباًفيه وفي فيك رغوة الزبد
وقد طلبت الخلاص منه فلمتقدر على حيلة ولم تجد
فجدت بالنفس والبخيل بهاأنت ومن لم يجد بها يجد
فما سمعنا بمثل موتك إذمت ولا مثل عيشك النكد
عشت حريصاً يقوده طمعومت ذا قاتل بلا قود ومنها:
يا من لذيذ الفراخ أوقعهويحك هلا قنعت بالغدد
ألم تخف وثبة الزمان كماوثبت في البرج وثبة الأسد
عاقبة الظلم لا تنام وإنتأخرت مدة من المدد
أردت أن تأكل الفراخ ولايأكلك الدهر أكل مضطهد
هذا بعيد من القياس وماأعزه في الدنو والبعد
لا بارك الله في الطعام إذاكان هلاك النفوس في المعد
كم دخلت لقمة حشا شرهفأخرجت روحه من الجسد
ما كان أغناك عن تسورك البرج ولو كان جنة الخلد
قد كنت في نعمة وفي دعةمن العزيز المهيمن الصمد
تأكل من فأر بيتنا رغداًوأين بالشاكرين للرغد
وكنت بددت شملهم زمناًفاجتمعوا بعد ذلك البدد
فلم يبقوا لنا على سبدفي جوف أبياتنا ولا لبد
وفرغوا قعرها وما تركواما علقته يد على وتد
وفتتوا الخبز في السلال فكمتفتتت للعيال من كبد
ومزقوا من ثيابنا جدداً ... فكلنا في المصائب الجدد ونقتصر من هذه القصيدة على هذا القدر فهو زبدتها.
وكانت وفاته سنة ثماني عشرة، وقيل تسع عشرة وثلثمائة، وعمره مائة سنة، رحمه الله تعالى.
والنهرواني - بفتح النون وسكون الهاء وفتح الراء والواو وبعد الألف نون - هذه النسبة إلى النهروان، وهي بليدة قديمة بالقرب من بغداد، وقال السمعاني: هي بضم الراء، وليس بصحيح.
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع