تجاوز إلى المحتوى

من «وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان» لابن خلكان (ت ٦٨١هـ)

الوزير المهلبي

ديوان الوزير المهلبي

ماذا روى «وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان» عن الوزير المهلبي؟

أبو محمد الحسن بن محمد بن هارون بن إبراهيم بن عبد الله بن يزيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلب بن أبي صفرة الأزدي المهلبي الوزير؛ كان وزير معز الدولة أبي الحسين أحمد بن بويه الديلمي - المقدم ذكره في حرف الهمزة - تولى وزارته يوم الاثنين لثلاث بقين من جمادى الأولى سنة تسع وثلاثين وثلثمائة. وكان من ارتفاع القدر واتساع الصدر وعلو الهمة وفيض الكف على ما هو مشهور به، وكان غاية في الأدب والمحبة لأهله. وكان قبل اتصاله بمعز الدولة في شدة عظيمة من الضرورة والضائقة، وكان قد سافر مرة ولقي في سفره مشقة صعبة واشتهى اللحم فلم يقدر عليه فقال ارتجالاً:

ألا موت يباع فأشتريهفهذا العيش ما لا خير فيه
للشاعر الوزير المهلبي، اقرأ القصيدة
ألا موت لذيذ الطعم يأتييخلصني من العيش الكريه
للشاعر الوزير المهلبي، اقرأ القصيدة
إذا أبصرت قبراً من بعيدوددت لو أنني مما يليه
للشاعر الوزير المهلبي، اقرأ القصيدة

ألا رحم المهيمن نفس حر ... تصدق بالوفاة على أخيه وكان معه رفيق يقال له: ابو عبد الله الصوفي، وقيل أبو الحسين العسقلاني، فلما سمع الأبيات اشترى له بدرهم لحماً وطبخه وأطعمه، وتفارقا. وتنقلت بالمهلبي الأحوال، وتولى الوزارة ببغداد لمعز الدولة المذكور، وضاقت الحال

برفيقه في السفر الذي اشترى له اللحم، وبلغه وزارة المهلبي فقصده وكتب إليه:

ألا قل للوزير فدته نفسيمقالة مذكر ما قد نسيه

أتذكر إذ تقول لنضك عيش ... " ألا موت يباع فأشتريه " فلما وقف عليه تذكره وهزته أريحية الكرم، فأمر له في الحال بسبعمائة درهم ووقع في رقعته (مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء) ثم دعا به فخلع عليه وقلده عملاً يرتفق به.

ولما ولي المهلبي الوزارة بعد تلك الإضاقة عمل:

رق الزمان لفاقتيورثى لطول تحرقي
للشاعر الوزير المهلبي، اقرأ القصيدة
فأنالني ما أرتجيهوحاد عما أتقى
فلأطفحن عما أتاهـ من الذنوب السبق
حتى جنايته بماصنع المشيب بمفرقي وله أيضاً:
قال لي من أحب والبين قد جد وفي مهجتي لهيب الحريق
للشاعر الوزير المهلبي، اقرأ القصيدة

ما الذي في الطريق تصنع بعدي ... قلت أبكي عليك طول الطريق ومن المنسوب إليه في وقت الإضاقة من الشعر ما كتبه إلى بعض الرؤساء،

وقيل إنهما لأبي نواس:

ولو أني استزدتك فوق ما بيمن البلوى لأعوزك المزيد
للشاعر الوزير المهلبي، اقرأ القصيدة

ولو عرضت على الموتى حياة ... بعيش مثل عيشي لم يريدوا وقال أبو إسحاق الصابئ صاحب الرسائل: كنت يوماً عند الوزير المهلبي فأخذ ورقة وكتب، فقلت بديها:

له يد برعت جوداً بنائلهاومنطق دره في الطرس ينتثر
للشاعر أبو إسحاق الصابي، اقرأ القصيدة

فحاتم كامن في بطن راحته ... وفي أناملها سحبان مستتر وكان لمعز الدولة مملوك تركي في غاية الجمال، يدعى تكين الجامدار، وكان شديد المحبة له، فبعث سرية لمحاربة بعض بني حمدان وجعل المملوك المذكور مقدم الجيش، وكان الوزير المهلبي يستحسنه ويرى أنه من أهل الهوى لا مدد الوغى، فعمل فيه:

طفل يرق الماء فيوجناته ويرف عوده
ويكاد من شبه العذارى فيه أن تبدو نهوده
للشاعر الوزير المهلبي، اقرأ القصيدة
ناطوا بمعقد خصرهسيفاً ومنطقة تؤوده
للشاعر الوزير المهلبي، اقرأ القصيدة

جعلوه قائد عسكر ... ضاع الرعيل ومن يقوده وكذا كان، فإنه ما أنجح في تلك الحركة، وكانت الكرة عليهم.

ومن شعره النادر في الرقة قوله:

تصارمت الأجفان لما صرمتنيفما نلتقي إلا على عبرة تجري
للشاعر أبو الفرج الأصبهاني، من قصيدة «تصارمت الأجفان لما صرمتني»

ومحاسن الوزير المهلبي كثيرة.

وكانت ولادته ليلة الثلاثاء لأربع بقين من المحرم سنة إحدى وتسعين ومائتين بالبصرة. وتوفي يوم السبت لثلاث بقين من شعبان سنة اثنتين وخمسين وثلثمائة في طريق واسط، وحمل إلى بغداد، فوصل إليها ليلة الأربعاء لخمس خلون من شهر رمضان من السنة المذكورة، ودفن في مقابر قريش في مقبرة النوبختية، رحمه الله تعالى.

والمهلبي - بضم الميم وفتح الهاء وتشديد اللام المفتوحة وبعدها باء موحدة - هذه النسبة إلى المهلب المذكور أولاً، وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى.

ولما مات الوزير المذكور رثاه أبو عبد الله الحسين بن الحجاج الشاعر المشهور - وسيأتي ذكره - بقوله:

يا معشر الشعراء دعوة موجعلا يرتجى فرج السلو لديه
عزوا القوافي بالوزير فإنهاتبكي دماً بعد الدموع عليه
مات الذي أمسى الثناء وراءهوالعفو عفو الله بين يديه
هدم الزمان بموته الحصن الذيكنا نفر من الزمان إليه
فليعلمن بنو بويه أنهفجعت به أيام آل بويه

النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حَرف الحَاء

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.