من «وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان» لابن خلكان (ت ٦٨١هـ)
أبو الطيب الطبري
أبو الطيب طاهر بن عبد الله بن طاهر بن عمر الطبري القاضي الفقيه الشافعي؛ كان ثقة صادقاً ديناً ورعاً عارفاً بأصول الفقه وفروعه، محققاً في علمه، سليم الصدر حسن الخلق صحيح المذهب، يقول الشعر على طريقة الفقهاء.
[ومن شعره ما أورده له الحافظ أبو طاهر أحمد بن محمد السلفي - المقدم ذكره - في الجزء الذي وضعه في أخبار أبي العلاء المعري، فقال مسنداً عنه: كتبت إلى أبي العلاء المعري الأديب حين وافى ببغداد، وكان قد نزل في سويقة غالب:
وما ذات در لا يحل لحالبتناوله واللحم منها محلل
لمن شاء في الحالين حياً وميتاًومن شاء شرب الدر فهو مضلل
إذا طعنت في السن فاللحم طيبوآكله عند الجميع مغفل
وخرفانها للأكل فيها كزازةفما لحصيف الرأي فيهن مأكل
وما يجتني معناه إلا مبرزعليم بأسرار القلوب محصل فأجابني وأملى على الرسول في الحال ارتجالاً:
جوابان عن هذا السؤال كلاهماصواب، وبعض القائلين مضلل
فمن ظنه كرماً فليس بكاذبومن ظنه نخلاً فليس يجهل
لحومهما الأعناب والرطب الذيهو الحل، والدر الرحيق المسلسل
ولكن ثمار النخل وهي غضيضةتمر وغض الكرم يجنى ويؤكل
يكلفني القاضي الجليل مسائلاًهي النجم قدراً بل أعز وأطول
ولو لم أجب عنها لكنت بجهلهاجديراً ولكن من يودك مقبل فأجبته عنه، وقلت:
أنار ضمير من يعز نظيرهمن الناس طراً سابغ الفضل مكمل
ومن قلبه كتب العلوم بأسرهاوخاطره في حدة النار مشعل
تساوى له سر المعاني وجهرهاومعضلها باد لديه مفصل
ولما أنار الحب قاد منيعهأسيراً بأنواع البيان يكبل
وقربه من كل فهم بشكفهوإيضاحه حتى رآه المغفل
وأعجب منه نظمه الدر مسرعاًومرتجلاً من غير ما يتمهل
فيخرج من بحر ويسمو مكانهجلالاً إلى حيث الكواكب تنزل
فهنأه الله الكريم بفضلهمحاسنه والعمر فيها مطول فأجاب مرتجلاً وأملى على الرسول:
ألا أيها القاضي الذي بدهائهسيوف على أهل الخلاف تسلل
فؤادك ممهور من العلم آهلوجدك في كل المسائل مقبل
فإن كنت بين الناس غير ممولفأنت من الفهم المصون ممول
إذا أنت خاطبت الخصوم مجادلاًفأنت، وهم مثل الحمائم، أجدل
كأنك من في الشافعي مخاطبومن قلبه تملي فما تتمهل
وكيف يرى علم ابن إدريس دارساًوأنت بإيضاح الهدى متكفل
تفضلت حتى ضاق ذرعي بشكر مافعلت وكفي عن جوابك أجمل
لأنك في كنه الثريا فصاحةوأعلى ومن يبغي مكانك أسفل
فعذرك في أني أجبتك واثقاًبفضلك فالإنسان يسهو ويذهل
وأخطأت في إنفاذ رقعتك التيهي المجد لي منها أخير وأول
ولكن عداني أن أروم احتفاظهارسولك وهو الفاضل المتفضل
ومن حقها أن يصبح المسك عامراًلها وهي في أعلى المواضع تجعل
فمن كان في أشعاره متمثلاًفأنت امرؤ في العلم والشعر أمثل
تجملت الدنيا بأنك فوقها ... ومثلك حقاً من به تتجمل وذكر السمعاني في " الذيل " في ترجمة أبي الحسن علي بن أحمد بن الحسين بن أحمد بن الحسين بن محمويه اليزدي أنه كان له عمامة وقميص بينه وبين أخيه: إذا خرج ذاك قعد هذا في البيت، وإذا خرج هذا احتاج ذاك أن يقعد. قال السمعاني: وسمعته يقول يوماص، وقد دخلت عليه مع علي بن الحسين الغزنوي الواعظ مسلماً داره، فوجدناه عرياناً، متأزراً بمئزر، فاعتذر من العري وقال: نحن إذا غسلنا ثيابنا نكون كما قال القاضي أبو الطيب الطبري:
قوم إذا غسلوا ثياب جمالهم ... لبسوا البيوت إلى فراغ الغاسل] عاش مائة سنة وسنتين، لم يختل عقله ولا تغير فهمه، يفتي ويستدرك على الفقهاء الخطأ ويقضي ببغداد ويحضر المواكب في دار الخلافة إلى أن مات.
تفقه بآمل على أبي علي الزجاجي صاحب ابن القاص، وقرأ على أبي سعد الإسماعيلي وأبي القاسم بن كج بجرجان، ثم ارتحل إلى نيسابور، وأدرك أبا الحسن الماسرجسي فصحبه أربع سنين وتفقه عليه، ثم ارتحل إلى بغداد وحضر مجلس الشيخ ابي حامد الاسفرايني. وعليه اشتغل الشيخ أبو إسحاق الشيرازي، وقال في حقه: " لم أر فيمن رأيت أكمل اجتهاداً واشد تحقيقاً وأجود نظراً منه ".
وشرح مختصر المزني وفروع أبي بكر ابن الحداد المصري، وصنف في الأوصل والمذهب والخلاف والجدل كتباً كثيرة.
وقال الشيخ أبو إسحاق: " لازمت مجلسه بضع عشرة سنة، ودرست أصحابه في مسجده سنين بإذنه، ورتبني في حلقته ".
واستوطن بغداد وولي القضاء بربع الكرخ بعد موت أبي عبد الله الصيمري، ولم يزل على القضاء إلى حين وفاته.
وكان مولده بآمل سنة ثمان وأربعين وثلثمائة، وتوفي في شهر ربيع الأول يوم السبت لعشر بقين منه سنة خمسين واربعمائة، رحمه الله تعالى، ببغداد، ودفن من الغد في مقبرة باب حرب وصلي عليه في جامع المنصور.
والطبري: قد تقدم الكلام عليه أنه منسوب إلى طبرستان.
وآمل: بمد الهمزة وضم الميم وبعدها لام، مدينة عظيمة هي قصبة طبرستان.
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع