تجاوز إلى المحتوى

من «وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان» لابن خلكان (ت ٦٨١هـ)

الصالح بن رزيك

أبو الغارات طلائع بن رزيك الملقب الملك الصالح وزير مصر؛ كان والياً بمنية بني خصيب من أعمال صعيد مصر، فلما قتل الظافر إسماعيل صاحب مصر - كما تقدم في حرف الهمزة - سير أهل القصر إلى الصالح، واستنجدوا به على عباس وولده نصر المتفقين على قتله، فتوجه الصالح إلى القاهرة ومعه جمع عظيم من العربان، فلما قربوا من البلد هرب عباس وولده وأتباعهما ومعهما أسامة بن منقذ - المذكور في حرف الهمزة أيضاً - لأنه كان مشاركاً لهما في ذلك على ما يقال، ودخل الصالح إلى القاهرة وتولى الوزارة في أيام الفائز، واستقل بالأمور وتدبير أحوال الدولة، وكانت ولايته في التاسع عشر من شهر ربيع الأول سنة تسع وأربعين وخمسمائة. وكان فاضلاً سمحاً في العطاء سهلاً في اللقاء محباً لأهل الفضائل جيد الشعر، وقفت على ديوان شعره وهو في جزاين، ومن شعره قوله:

كم ذا يرينا الدهر من أحداثهعبراً وفينا الصد والإعراض
للشاعر طلائع بن رزيك، اقرأ القصيدة
ننسى الممات وليس يجري ذكرهفينا فتذكرنا به الأمراض ومن شعره أيضاً:
ومهفهف ثمل القوام سرت إلىأعطافه النشوات من عينيه
للشاعر طلائع بن رزيك، اقرأ القصيدة
ماضي اللحاظ كأنما سلت يديسيفي غداة الروع من جفنيه
للشاعر طلائع بن رزيك، اقرأ القصيدة
قد قلت إذ خط العذار بمسكةفي خده ألفيه لا لاميه
للشاعر طلائع بن رزيك، اقرأ القصيدة
ما الشعر دب بعارضيه وإنماأصداغه نفضت على خديه
للشاعر طلائع بن رزيك، اقرأ القصيدة
الناس طوع يدي وامري نافذفيهم وقلبي الآن طوع يديه
للشاعر طلائع بن رزيك، اقرأ القصيدة
فاعجب لسلطان يعم بعدلهويجور سلطان الغرام عليه

والله لولا اسم الفرار وأنه ... مستقبح لفررت منه إليه وروى عنه أبو الحسن علي بن إبراهيم بن نجا بن غنائم الأنصاري الملقب زين الدين الحنبلي المعروف بابن نجية الواعظ المشهور الدمشق قال: أنشدني طلائع بن رزيك لنفسه بمصر:

مشيبك قد نضا صبغ الشبابوحل الباز في وكر الغراب
للشاعر طلائع بن رزيك، اقرأ القصيدة
تنام ومقلة الحدثان يقظىوما ناب النوائب عنك نابي
للشاعر طلائع بن رزيك، اقرأ القصيدة

وكيف بقاء عمرك وهو كنز ... وقد أنفقت منه بلا حساب وكان المهذب عبد الله بن أسعد الموصلي نزيل حمص قد قصده من الموصل، ومدحه بقصيدته الكافية التي أولها:

أما كفاك تلافي في تلافيكاولست تنقم إلا فرط حبيكا وهي من نخب القصائد، ومخلصها:
وفيم تغضب أن قال الوشاة سلاوأنت تعلم أني لست أسلوكا
للشاعر ابن الدهان، من قصيدة «أما كفاك تلافي في تلافيكما»
لا نلت وصلك إن كان الذي زعمواولا شفى ظمئي وجود ابن رزيكا وهي طويلة ولولا خوف الإطالة لكتبتها

ولما مات الفائز وتولى العاضد مكانه استمر الصالح على وزارته وزادت حرمته وتزوج العاضد ابنته، فاغتر بطول السلامة، وكان العاضد تحت قبضته وفي أسره، فلما طال عليه ذلك أعمل الحيلة في قتله، فاتفق مع قوم من أجناد الدولة يقال لهم أولاد الراعي وتقرر ذلك بينهم، وعين لهم موضعاً في القصر يجلسون فيه مستخفين، فإذا مر بهم الصالح ليلاً أو نهاراً قتلوه، فقعدوا له ليلة وخرج من القصر، فقاموا ليخرجوا غليه، فاراد أحدهم أن يفتح غلق الباب فأغلقه وما علم، فلم يحصل مقصودهم تلك الليلة لأمر أراده الله تعالى في تأخير الأجل، ثم جلسوا له يوماً آخر، فدخل القصر نهاراً فوثبوا عليه وجرحوه جراحات عديدة بعضها في رأسه، ووقع الصوت، فعاد أصحابه إليه فققتلوا الذين جرحوه وحمل إلى داره مجروحاً ودمه يسيل، وأقام بعض يوم. ومات يوم الاثنين تاسع عشر رمضان سنة ست وخمسين وخمسمائة، رحمه الله تعالىن وكانت ولادته في سنة خمس وتسعين وأربعمائة. وخرجت الخلع لولده العادل يحيى الدين رزيك - المقدم ذكره في ترجمة شاور - يوم الثلاثاء ثاني يوم وفاة أبيه، وكنيته أبو شجاع، ولما تولى الوزارة لقبوه العادل الناصر.

ولما مات رثاه الفقيه عمارة اليمنى بقصيدة، أولها:

أفي أهل ذا النادي عليم أسائلهفإني لما بي ذاهب اللب ذاهله
للشاعر عمارة اليمني، من قصيدة «أفي أهل ذا النادي عليم أسائله»
سمعت حديثاً أحسد الصم عندهويذهل واعيه ويخرس قائله
للشاعر عمارة اليمني، من قصيدة «أفي أهل ذا النادي عليم أسائله»
فهل من جواب يستغيث به المنىويعلو على حق المصيبة باطله
وقد رابني من شاهد الحال أننيأرى الدست منصوباً وما فيه كافله
للشاعر عمارة اليمني، من قصيدة «أفي أهل ذا النادي عليم أسائله»
فهل غاب عنه واستناب سليلهأم اختار هجراً لا يرجى تواصله
للشاعر عمارة اليمني، من قصيدة «أفي أهل ذا النادي عليم أسائله»
فإني ارى فوق الوجوه كآبةتدل على أن الوجوه ثواكله ومنها:
للشاعر عمارة اليمني، من قصيدة «أفي أهل ذا النادي عليم أسائله»
دعوني فما هذا أوان بكائهسيأتيكم طل البكاء ووابله
ولا تنكروا حزني عليه فإننيتقشع عني وابل كنت آمله
للشاعر عمارة اليمني، من قصيدة «أفي أهل ذا النادي عليم أسائله»
ولما لا نبكيه ونندب فقدهوأولادنا أيتامه وأرامله
فيما ليت شعري بعد حسن فعالهوقد غاب عنا ما بنا الله فاعله

أيكرم مثوى ضيفكم وغريبكم ... فيمكث أم تطوى ببين مراحله وهي طويلة؛ وكان قد دفن بالقاهرة، ثم نقله ولده العادل من دار الوزارة التي دفن بها، وهي المعروفة بانشاء الأفضل شاهان شاه - المقدم ذكره -؛ وكان نقله في تاسع عشر صفر سنة سبع وخمسين في تابوت وركب خلفه العاضد إلى تربته التي بالقرافة الكبرى، فعمل في ذلك الفقيه عمارة أيضاً قصيدة طويلة أجاد فيها، ومن جملتها في صفة التابوت:

وكأنه تابوت موسى أودعتفي جانبيه سكينة ووقار وله فيه مرات كثيرة

وهذا الصالح هو الذي بنى الجامع الذي على باب زويلة بظاهر القاهرة.

وأما ولده العادل رزيك فقد ذكرت في ترجمة شاور تاريخ هربه من القاهرة، وكان قد حمل معه من الذخائر ما لا يحصى، ومعه أهله وحاشيته، واستجار بسليمان، وقيل بيعقوب بن النيص اللخمي، وكان من خواص أصحابهم، وحصل من جهتهم نعمة وافرة، فأنزلهم عنده وهو بإطفيح، وسار من ساعته إلى شاور وأعلمه بهم، فندب معه جماعة ومضوا إلى العادل وأخذوه أسراً وأحضروه إلى باب شاور، فوقف زماناً طويلاً ثم حبسه.

ثم قال شاور لابن النيص: لقد خبأك الصالح ذخيرة صالحة لولده وأنا أخبؤك أيضاً لولدي، ثم شنقه، وبقي العادل في الاعتقال مدة مديدة، ثم قتله

وأخرج رأسه لأمراء الدولة.

ومن العجائب أن الصالح ولي الوزارة في التاسع عشرن وقتل في التاسع عشر، ونقل تابوته في التاسع عشر، وزالت دولتهم في التاسع عشر.

ورزيك: بضم الراء وتشديد الزاي المكسورة وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها كاف.

وكانت ولادة زين الدين الواعظ المذكور سنة ثمان وخمسمائة بدمشق، ونشأ لها وقدم بغداد مراراً، وصاهر أبا الحسن سعد الخير بن محمد بن سهل بن سعد البلنسي الأنصاري الأندلسي على ابنته أم عبد الكريم فاطمة، وانتقل قبل وفاته إلى مصر، وحدث بها، وتوفي يوم الأربعاء ثامن رمضان سنة تسع وتسعين وخمسمائة بمصر، وهو المعروف بابن نجية، رحمه الله تعالى.

النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حَرفُ الطَاء

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.