من «وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان» لابن خلكان (ت ٦٨١هـ)
ابن صارة الشنتريني
أبو محمد عبد الله بن محمد بن صارة البكري الأندلسي الشنتريني الشاعر المشهور؛ كان شاعراً ماهراً ناظماً ناثراً، إلا أنه كان قليل الحظ إلا من الحرمان، لم يسعه مكان، ولا اشتمل عليه سلطان، ذكره صاحب " قلائد العقيان "، وأثنى عليه ابن بسام في " الذخيرة " وقال: إنه تتبع المحقرات، وبعد جهد ارتقى إلى كتابة بعض الولاة، فلما كان من خلع الملوك ما كان أوى إلى إشبيلية أوحش حالاً من الليل، وأكثر انفراداً من سُهيل، وتبلّغ بالوراقة وله منها جانب، وبها بصر ثاقب، فانتحلها على كساد سوقها، وخاوّ طريقها، وفيها يقول:
أما الوراقةُ فهي أيكةُ حرفةٍأوراقها وثمارها الحرمانُ
شبَّهت صاحبها بصاحب إبرةٍتكسو العراة وجسمها عريانُ
وله:
ومعذّرٍ رقت حواشي حسنهفقلوبنا وجداً عليه رقاقُ
لم يكسو عارضه السوادُ وإنمانفضت عليه سوادها الأحداقُ وله في غلام أزرق العين:
ومهفهفٍ أبصرت في أطواقهقمراً بآفاق المحاسن يشرقُ
تقضي على المهجات منه صعدةٌمتألقٌ فيها سنانٌ أزرقُ وهذا كقول السلامي:
أعانق من قده صعدةًترى اللخط منها مكان السنانِ ومن ها هنا أخذ النبيه المصري قوله:
أسمر كالرمح له مقلةٌ ... لو لم تكن كحلاء كانت سنان وأورد له صاحب كتاب " الحديقة ":
أسنى ليالي الدهر عني ليلةٌلم أخل فيها الكأس من إعمال
فرّقت فيها بين جفني والكرى ... وجمعت بين القرط والخلخال وقال غيره: هذان البيتين لصالح الهزيل الإشبيلي، والله أعلم.
وله في الزهد:
يا من يصيخ إلى داعي السفاه وقدنادى به الناعيان: الشَّيب والكبر
إن كنت لا تسمع الذكرى ففيم ثوىفي رأسك الواعيان: السمع والبصر
ليس الأصم ولا الأعلى سوى رجلٍلم يهده الهاديان: العين والأثر
لا الدهر يبقى ولا الدنيا ولا الفلك الأعلى ولا النيران: الشمس والقمر
ليرحلن عن الدنيا وإن كرهافراقها الثاويان: البدو والحضر وله:
وصاحب لي كداء البطن صحبتهيودني كوداد الذئب للراعي
يثني عليَّ جزاه الله صالحةً ... ثناء هندٍ على روح بن زنباع قوله " ثناء هند على روح بن زنباع ": هذه هند بنت النعمان ابن بشير الأنصاري ﵁. وكان روح بن زنباع الجذامي صاحب عبد الملك بن مروان قد تزوَّجها وكانت تكرهه، وفيه تقول:
وهل هند إلا مهرةٌ عربيةٌسليلة أفراسٍ تحلَّلها بغلُ
فإن نتجت مهراً كريماً فبالحرى ... وإن يك إقرافٌ فما أنجب الفحلُ ويروى " فمن قبل الفحل " وهو إقواء؛ ويروى هذان البيتان لأختها حميدة بنت النعمان، وإلإقراف: أن تكون الأم عربية والأب ليس كذلك، والهجنة خلاف ذلك بأن يكون الأب عربياً والأم خلاف ذلك.
وله ديوان شعر أكثره جيد، وكانت وفاته سنة سبع عشرة وخمسمائة بمدينة المرية من جزيرة الأندلس وقد تقدم ذكرها.
ويقال في اسم جده: صارة وسارة، بالصاد والسين المهملتين.
والشَّنتريني: بفتح الشين المعجمة وسكون النون وفتح التاء المثناة من فوقها وكسر الراء وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها نون، وهذه النسبة إلى شنترين، وهي بلدة في غرب جزيرة الأندلس أيضاً، رحمه الله تعالى.
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع