من «وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان» لابن خلكان (ت ٦٨١هـ)
عبد المحسن الصوري
ماذا روى «وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان» عن عبد المحسن الصوري؟
أبو محمد عبد المحسن بن محمد بن أحمد بن غالب بن غلبون الصوري الشاعر المشهور؛ أحد المحسنين الفضلاء، المجيدين الأدباء، شعره بديع الألفاظ حسن المعاني، رائق الكلام مليح النظام، من محاسن الشام، له ديوان شعر أحسن فيه كل الإحسان، فمن محاسنه قوله:
أترى بثأرٍ أم بدينعلقت محاسنها بعيني
في لحظها وقوامهاما في المهند والرديني
وبوجهها ماء الشباب خليط نار الوجنتين
بكرت علي وقالت اختر خصلة من خصلتين
إما الصدود أو الفراق فليس عندي غير ذين
فأجبتها ومدامعيتنهل مثل المأزمين
لا تفعلي، إن حان صدك أو فراقك حان حيني
فكأنما قلت انهضيفمضت مسارعةً لبيني
ثم استقلت أين حلت عيسها رميت بأين
ونوائبٍ أظهرن أيامي إلي بصورتين
سودنها وأطلنهافرأيت يوماً ليلتين ومنها:
هل بعد ذلك من يعرفني النضار من اللجين
فلقد جهلتهما لبعد العهد بينهما وبيني
متكسباً بالشعر يابئس الصناعة في اليدين
كانت كذلك قبل أنيأتي علي بن الحسين
فاليوم حال الشعر ثالثة لحال الشعريين
أغنى وأعفى مدحه ال ... عافين عن كذب ومين وهذه القصيدة عملها عبد المحسن في علي بن الحسين والد الوزير أبي القاسم بن المغربي، وهي قصيدة طويلة جيدة ولها حكاية ظريفة، وهي أنه كان بمدينة عسقلان رئيس يقال له ذو المنقبتين، فجاءه بعض الشعراء وامتدحه بهذه القصيدة وجاء في مديحها:
ولك المناقب كلها ... فلم اقتصرت على اثنتين فأصغى الرئيس إلى إنشاده واستحسنها وأجزل جائزته، فلما خرج من عنده قال له بعض الحاضرين: هذه القصيدة لعبد المحسن، فقال: أعلم هذا وأحفظ القصيدة، ثم أنشدها، فقال له ذلك الرجل: فكيف حتى عملت معه هذا العمل من الإقبال عليه والجائزة السنية فقال: لم أفعل ذلك إلا لأجل البيت الذي ضمنها، وهو قوله:
ولك المناقبُ كلها ... فإن هذا البيت ليس لعبد المحسن، وأنا ذو المنقبتين، فأعلم قطعاً أن هذا البيت ما عمل إلا في، وهو في نهاية الحسن.
ومن شعره أيضاً، وذكر الثعالبي في كتابه الذي جعله ذيلاً على " يتيمة الدهر "، هذه الأبيات لأبي الفرج ابن أبي حصين علي بن عبد الملك الرقي أصلاً، وكان أبوه قاضي حلب، والله أعلم، ولكنها في ديوان عبد المحسن - والثعالبي قد نسب أشياء إلى غير أربابها وغلط فيها، ولعل هذا من جملة الغلط أيضاً - وذكر في ديوانه أنه عملها في أخيه عبد الصمد، وهي:
وأخٍ مسه نزولي بقرحٍمثلما مسني من الجوع قرح
بت ضيفاً له كما حكم الدهر وفي حكمه على الحر قبح
فابتداني يقول وهو من السكرة بالهم طافح ليس يصحو
لم تغربت قلت قال رسول اللهوالقول منه نصحٌ ونجح
سافروا تغنموا، فقال: وقد قا ... ل تمام الحديث صوموا تصحوا وذكر له صاحب " اليتيمة " هذين البيتين:
عندي حدائق شكرٍ غرس جودكمقد مسها عطش فليسق من غرسا
تداركوها وفي أغصانها رمقٌفلن يعود اخضرار العود إن يبسا واجتاز يوماً بقبر صديق له فأنشده:
عجباً لي وقد مررت على قبرك كيف اهتديت قصد الطريق
أتراني نسيت عهدك يوماً ... صدقوا ما لميت من صديق ولما ماتت أمه ودفنها وجد عليها وجداً كثيراً فأنشد:
رهينة أحجار ببيداء دكدكتولت فحلت عروة المتمسك
وقد كنت أبكي إن تشكت وإنماأنا اليوم أبكي أنها ليس تشتكي وهذا المعنى مأخوذ من قول المتنبي:
وشكيتي فقد السقام لأنه ... قد كان لما كان لي أعضاء وقد استعمل أبو محمد عبد الله بن محمد المعروف بابن سنان الخفاجي الحلبي
هذا المعنى في بيت من جملة قصيدة طويلة فقال:
بكى الناس أطلال الديار وليتنيوجدت دياراً للدموع السواكب ومحاسنه كثيرة، والاقتصار أولى
وتوفي يوم الأحد تاسع شوال سنة تسع عشرة وأربعمائة، وعمره ثمانون سنة أو أكثر، رحمه الله تعالى.
وغلبون: بفتح الغين المعجمة وسكون اللام وضم الباء الموحدة وبعد الواو نون.
والصوري قد تقدم الكلام عليه.
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع