تجاوز إلى المحتوى

من «وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان» لابن خلكان (ت ٦٨١هـ)

ابن مسهر الموصلي

أبو الحسن علي بن أبي الوفاء سعد بن أبي الحسن علي بن عبد الواحد بن عبد القاهر بن أحمد بن مسهر الموصلي، الملقب مهذب الدين؛ كان شاعراً بارعاً رئيساً مقدماً، تنقل في أكثر ولايات الموصل ومدح الخلفاء والأمراء؛ رأيت

ديوان شعره في مجلدين، وذكر في ديوانه أنه ولد بمدينة آمد، ومن محاسن شعره قوله في صفة فهد:

[وكل أهرت بادي السخط مطرح الحياء جهم المحيا سيء الخلق]
والشمس مذ لقبوها بالغزالة أعطته الرشا حسداً من لونها اليقق
ونقطته حباءً كي يسالمهاعلى المنايا نعاج الرمل بالحدق
هذا ولم يبرزا مع سلم جانبهيوماً لناظره إلا على فرق ومن هذه القصيدة في صفة الخيل:
سودٌ حوافرها بيضٌ جحافلهاصبغ تولد بين الصبح والغسق
من طول ما وطئت ظهر الدجا خبباًوطول ما كرعت من منهل الفلق [وهي قصيدة بديعة، وأولها:
هي الموارد بين السحر والحدقفرد دنان المنايا مورد الأنق
وأطيب العيش ما تجنيه من تعبوأعذب الشرب ما يصفو من الرنق
يا دار درك إخلاف الغمام علىمر النسيم بجاري الغيث منبثق

وإن عدتك عوادي المزن فانتجعي ... بأروض الأرض من أجفان ذي حرق] وهذه الأبيات مع أنها جيدة مأخوذة من أبيات الأمير أبي عبد الله محمد بن أحمد السراج الصوري، وكان معاصره، وهي من جملة قصيدة:

شثن البراثن في فيه وفي يدهما في الصوارم والعسالة الذبل
تنافس الليل فيه والنهار معاًفقمصاه بجلباب من المقل

والشمس منذ دعوها بالغزالة لم ... تبرز لناظره إلا على وجل ومن شعر ابن مسهر أيضاً بيتان كتبهما إلى بعض الرؤساء:

ولما اشتكيت اشتكى كل ماعلى الأرض واعتل شرقٌ وغرب

لأنك قلبٌ لجسم الزمان ... وما صح جسمٌ إذا اعتل قلب [وذكره العماد الكاتب في " الخريدة "، وبالغ في الثناء عليه، ثم قال: أنشدني العلم الشاتاني له هذه القصيدة:

حسرت عن يومنا النوبواكتسى نواره العشب
واستقامت في مجرتهابالأماني السبعة الشهب
يا خليلي أين مصطبحٌفيه للذات مصطحب
وثغور الزهر ضاحكةودموع القطر تنسكب
ولنا في كل جارحةمن غِنا أطياره طرب
اسقنيها بنت دسكرةوهي أم حين تنتسب
خندريسونٌ دون مدتهاجاءت الأزمان والحقب
طاف يجلوها لنا رشأقصرت عن لحظه القضب
أوقدتها نار وجنتهفهي في كفيه تلتهب

ولها من ذاتها طربٌ ... فلهذا يرقص الحبب ثم قال بعد ذلك: وكان قد حكى لي كمال الدين بن السهروردي قال: كان ابن مسهر إذا أعجبه معنى لشاعر أو بيت عمل عليه قصيدة وادعاه لنفسه، واجتمع هو والأبيوردي مرة، وهو لا يعرف ابن مسهر، فجرى حديث ابن

مسهر وأنه سرق بيت الأبيوردي، فقال ابن مسهر: بل الأبيوردي سرق شعري.

وقال في " الخريدة " أيضاً في حقه في أول ترجمته: عاش إلى زماننا هذا، ورأيته شيخاً أناف على التسعين لما كنت بالموصل سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة، ثم وصفه على جاري عادته، ثم قال: وابن مسهر مسهر المعاصرين حسداً، ومميت القاصرين عن شأوه كمداً، ثم قال في أثناء الترجمة]: ومن غريب الاتفاق ما حكاه السمعاني عن أبي الفتح عبد الرحمن بن أبي الغنائم محمد بن أحمد بن علي بن عبد الغفار المعروف بابن الأخوة البيع الأديب الكاتب، أنه رأى في منامه منشداً ينشد:

وأعجب من صبري القلوص التي سرتبهودجك المزموم أنى استقلت
للشاعر جعفر الخرسان، اقرأ القصيدة

وأطبق أحناء الضلوع على جوىً ... جميعٍ وصبرٍ مستحيلٍ مشتت قال أبو الفتح المذكور: فلما انتبهت جعلت دأبي السؤال عن قائل هذين البيتين مدة، فلم أجد مخبراً عنهما، ومضى على ذلك عدة سنين، ثم اتفق نزول أبي الحسن علي بن مسهر المذكور في ضيافتي، فتجاذبنا في بعض الليالي ذكر المنامات، فذكرت له حال المنام الذي رأيته، وأنشدته البيتين المذكورين، فقال: أقسم بالله أنهما من شعري من جملة قصيدة، وأنشدني منها:

إذا ما لسان الدمع نم على الهوىفليس بسرٍ ما الضلوع أجنت
للشاعر جعفر الخرسان، اقرأ القصيدة
فوالله ما أدري عشية ودعتأناحت حمامات اللوى أم تغنت
للشاعر جعفر الخرسان، اقرأ القصيدة
وأعجب من صبري القلوص التي سرتبهودجك المزموم أنى استقلت
للشاعر جعفر الخرسان، اقرأ القصيدة
أعاتب فيك اليعملات على النوىوأسأل عنك الريح من حيث هبت
للشاعر جعفر الخرسان، اقرأ القصيدة

وأطبق أحناء الضلوع على جوىً ... جميعٍ وصبرٍ مستحيلٍ مشتت قال: فعجبنا من هذا الاتفاق، ثم تذاكرنا بقية ليلتنا بأنواع الأدب.

[ومن شعره أيضاً، وهو ما أورده له في " الخريدة " من قصيدة:

الوجد ما قد هيج الطللانمني، وأذكرني حمام البان
أنا والحمائم حيث تندب شجوهافوق الأراكة سحرةً سيان
فأنا المعنى بالقدود أمالهاشرخ الشباب وهن بالأغصان ومنها:
فافخر فإنك من سلالة معشرعقدوا عمائمهم على التيجان

كل الأنام بنو أبٍ لكنما ... بالفضل تعرف قيمة الإنسان] وتوفي في أواخر صفر سنة ثلاث وأربعين وخمسائة رحمه الله تعالى. وقال العماد الكاتب في " الخريدة " سنة ست وأربعين.

ومسهر: بضم الميم وسكون السين المهملة وكسر الهاء بعدها وبعدها راء، وهو اسم علم.

النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف العين

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.