من «وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان» لابن خلكان (ت ٦٨١هـ)
السلامي الشاعر
أبو الحسن محمد بن عبد الله بن محمد بن يحيى بن خليس بن عبد الله بن يحيى بن عبد الله ابن الحارث بن عبد الله بن الوليد بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر بن
نزار بن معد بن عدنان، المخزومي السلامي الشاعر المشهور؛ هو من ولد الوليد بن الوليد بن المغيرة المخزومي، أخي خالد بن الوليد، ﵁.
قال الثعالبي في حقه: هو من أشعر أهل العراق قولا بالإطلاق، وشهادة بالاستحقاق، وعلى ما أجريته من ذكره، شاهد عدل من شعره، والذي كتبت من محاسنه نزه العيون، ورقى القلوب، ومنى النفوس. ومن خبره أنه قال الشعر وهو ابن عشر سنين، وأول شيء قال في المكتب:
بدائع الحسن فيه مفترفةوأعين الناس فيه متفقه
سهام ألحاظه مفوقةفكل من رام لحظه رشقه
قد كتب الحسن فوق وجنتيه ... هذا مليح وحق من خلقه [وركب في صباه سمارية في دجلة، ولم يكن رأى دجلة قبل ذلك فقال:
وميدان تجول به خيولتقود الدارعين ولا تقاد
ركبت به إلى اللذات طرفاله جسم وليس له فؤاد
جرى فظننت أن الأرض وجه ... ودجلة ناظر، وهو السواد] ونشأ ببغداد وخرج منها إلى الموصل وهو صبي يوم ذاك، فوجد بها جماعة من مشايخ الشعراء، منهم أبو عثمان الخالدي أحد الخالدين، وأبو الفرج الببغاء - المقدم ذكره - وأبو الحسن التلعفري، وغيرهم، فلما رأوه عجبوا منه لبراعته مع حداثة سنه، فاتهموه بان الشعر ليس له، فقال الخالدي: أنا أكفيكم أمره، واتخذ دعوة جمع فيها الشعراء وأحضر السلامي المذكور معهم، فلما توسطوا
الشراب أخذوا في التفتيش عن بضاعته، فلم يلبثوا أن جاء مطر شديد وبرد ستر وجه الأرض، فألقى الخالدي نارنجا كان بين أيديهم على ذلك البرد، وقال ياأصحابنا، هل لكم أن نصف هذا فقال السلامي ارتجالا:
لله در الخالديالأوحد الندب الخطير
أهدى لماء المزن عند جموده نار السعير
حتى إذا صدر العتاب إليه عن حر الصدور
بعثت إليه هديةعن خاطري أيدي السرور
لا تعذلوه فإنه ... أهدى الخدود إلى الثغور فلما رأوا ذلك منه أمسكوا عنه. وكانوا يصفونه بالفضل ويعترفون له بالإجادة والحذق، إلا التلعفري فإنه أقام على قوله الأول حتى قال السلامي فيه:
سما التلعفري إلى وصاليونفس الكلب تكبر عن وصاله
ينافي خلقه خلقي وتأبىفعالي أن تضاف إلى فعاله
فصنعتي النفيسة في لسانيوصنعته الخسيسة في قذاله
فإن أشعر فما هو من رجاليوإن يصفع فما أنا من رجاله وله فيه أهاج كثيرة
ودخل السلامي يوما على أبي تغلب، وأظنه الحمداني، وبين يديه درع فقال: صفها لي، فارتجل:
يا رب سابغة حبتني نعمةكافأتها بالسوء غير مفند
أضحت تصون عن المنايا مهجتيوظللت أبذالها لكل مهند
وهذا المعنى مأخوذ من قول عبد الله بن المعتز في الخمرة المطبوخة، وقد سبق ذكر ذلك في ترجمته وهو:
وقتني من نار الجحيم بنفسها ... وذلك من إحسانها ليس يجحد وقصد السلامي حضرة الصاحب ابن عباد وهو بأصبهان، فأنشده قصيدته البائية التي من جملتها:
تبسطنا على الآثام لما ... رأينا العفو من ثمر الذنوب وهذا البيت من محاسنه، وفيه إشارة إلى قول أبي نواس الحسن بن هانئ من جملة أبيات في الزهد - وقد تقدم ذكرها في ترجمته - وهو قوله:
تعض ندامة كفيك مما ... تركت مخافة النار السرورا وفيه إلمام أيضا بقول المأمون: لو علم أرباب الجرائم تلذذي بالعفو لتقربوا إلي بالذنوب.
ولم يزل السلامي عند الصاحب بين خير مستفيض، وجاه عريض، ونعم بيض، لإلى أن آثر قصد حضرة الصاحب عضد الدولة بن بويه بشيراز، فحمله الصاحب إليها وزوده كتابا بخطه إلى أبي القاسم عبد العزيز بن يوسف الكاتب، وكان أحد البلغاء، وممن يجري عند عضد الدولة مجرى الوزراء، ونسخة الكتاب: قد علم مولاي أن باعة الشعر أكثر من عدد الشعر، ومن يوثق أن حليته التي يهديها من صوغ طبعه، وحلله التي يؤديها من نسخ فكره، أقل من ذلك، وممن خبرته بالامتحان فحمدته، وفررته بالاختبار فاخترته، أبو الحسن محمد بن عبد الله السلامي، وله بديهة قوية، توفي على الروية، ومذهب في الإجادة
يهش السمع لوعيه، كما يرتاح الطرف لرعيه، وقد امتطى أمله، وخير له إلى الحضرة الجليلة رجاء أن يحصل في سواد أمثاله، ويظهر معهم بياض حاله، فجهزت منه أمير الشعر في موكبه، وحليت فرس البلاغة بمركبه، وكتابي هذا رائده إلى القطر، بل مشرعة إلى البحر، لإن رأى مولاي أن يراعي كلامي في بابه، ويجعل ذلك من ذرائع غيجابه، فعل إن شاء الله تعالى.
فلما ورد عليه تكفل به أبو القاسم وأفضل عليه وأوصله إلى عضد الدولة، حتى أنشده قصيدته التي منها:
إليك طوى عرض البسيطة جاعلقصارى المطايا أن يلوح لها القصر
فكنت وعزمي في الظلام وصارميثلاثة أشباه كما اجتمع النسر
وبشرت آمالي بملك هو الورى ... ودار هي الدنيا، ويوم هو الدهر وقد تقدم ذلك في ترجمة عضد الدولة في حرف الفاء فليطلب هناك -.
وقد أخذ القاضي أبو بكر أحمد الأرجاني - المقدم ذكره - معنى البيت الأخير وسبكه في قوله:
يا سائلي عنه لما ظلت أمدحههذا هو الرجل العاري من العار
لو زرته لرأيت الناس في رجل ... والدهر في ساعة والأرض في دار وهذا البيت وإن كان في معنى ذلك البيت لكن ليس فيه رشاقته ولا عليه طلاوته؛ وقد استعمل المتنبي أيضا هذا المعنى المذكور لكنه لم يكمله فأتى ببعضه في النصف الأخير من هذا البيت وهو قوله:
هي الغرض الأقصى ورؤيتك المنىومنزلك الدنيا وأنت الخلائق
رجعنا إلى خبر السلامي مع عضد الدولة:
فاشتمل عليه بجناح القبول، ودفع إليه مفتاح المأمول، واختص بخدمته في مقامه وظعنه، وتوفر من صلاته حظه، وكان عضد الدولة يقول: إذا رأيت السلامي في مجلس ظننت أعطارد قد نزل من الفلك إلي ووقف بين يدي. ولما توفي عضد الدولة - في التاريخ المذكور في ترجمته - تراجع طبع السلامي ورقت حاله، ثم مازالت تتماسك مرة وتتداعى أخرى حتى مات.
وله في عضد الدولة كل قصيدة بديعة، فمن ذلك قوله ذلك قوله من جملة قصيد:
نبهت ندماني وقدعبرت بنا الشعرى العبور
والبدر في أفق السماء كروضة فيها غدير
هبوا إلى شرب المدام فإنما الدنيا غرور
هبوا فقد عيي الرقيب فنام وانتبه السرور
وأشار إبليس فقلنا كلنا: نعم المشير
صرعى بمعركة تعفالوحش عنا والنسور
نوار روضتنا خدودو الغصون بها خضور
والعيش أستر ما يكون إذا تهتكت الستور
طاف السقاة بها كماأهدت لك الصيد الصقور
عذراء يكتمها المزاج كأنها فيه ضمير
وتظن تحت حبابهاخدا تقبله ثغور
حتى سجدنا والإمام أمامنا بم وزير وله فيه أيضا من جملة أبيات:
يزور نائلك العافي وصارمك العاصي فتحويها أيد وأعناق
في كل يوم لبيت المجد منك غنىوثروة، ولبيت المال إملاق وله فيه أيضا:
تشبهه المداح في البأس والندىبمن لو رآه كان أصغر خادم
ففي جيشه خمسون ألفا كعنتروأمضى، وفي خزانة ألف حاتم ومن شعره أيضا:
لما أصيب الخد منك بعارضأضحى بسلسلة العذار مقيدا ومن هاهنا أخذ ابن التلعفري قوله:
هب أن خدك قد أصيب بعارض ... فعلام صدغك راح وهو مسلسل وأنشدني ابن التلعفري - وهو الشهاب محمد بن يوسف بن مسعود الشيباني - أبياته التي من جملتها هذا البيت.
وبالجملة فأكثر شعره نخب وغرر. وكانت ولادته آخر نهار الجمعة لست خلون من رجب سنة ست وثلاثين وثلاثمائة في كرخ بغدادز وتوفي يوم الخميس رابع جمادى الأولى سنة ثلاث وتسعين وثلثمائة، رحمه الله تعالى.
والسلامي: نسبة إلى دار السلام بغداد - وقد تقدم ذكر ذلك في ترجمة محمد بن ناصر الحافظ.
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع