تجاوز إلى المحتوى

من «وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان» لابن خلكان (ت ٦٨١هـ)

الملك الكامل الأيوبي (٢)

أبو المعالي محمد بن أبي بكر الملقب الملك الكامل ناصر الدين صاحب الديار المصرية. خطب له أخوته وأهل بيته في بلادهم وضربوا السكة باسمه؛ وكان محبوباً إلى الناس مسعوداً مؤيداً في الحروب. ولما نزل الفرنج على دمياط في صفر سنة خمس عشرة اتفق لما يريده الله تعالى وفاة والده العادل، وجرت أمور مع ذلك أوجبت خروج السلطان ومن معه من المخيم ليلاً إلى أشموم - حسبما هو مشروح في ترجمة عماد الدين أحمد بن المشطوب المذكور في حرف الهمزة -

وكان " الفرنج " قد ساروا عن دمياط في الفارس والراجل، وقصدوا الملك الكامل فنزلوا مقابله، وبينهما بحر أشموم وهم يرمون بمناجيقهم وجروخهم إلى عساكر المسلمين، وتيقنوا وكل الناس أنهم يملكون الديار المصرية، فوصل الشرف وتلقاه أخوه الكامل والمعظم، واستبشروا به وكافة المسلمين وتوقعوا النصرة على الأعداء الكافرين، ووقع الاتفاق أن يبعثوا في بحر المحلة أسطولاً يدخل إلى بحر دمياط ليمنع الميرة عن الفرنج، وأمر السلطان بنصب الجسور وعبر عليها المسلمون إلى جزيرة، شرمساح التي الفرنج مخيمون عليها، وكسروا النيل عليها؛ وكان النيل في زيادته، فركب الماء أكثر تلك الأرض، ولم يبق للفرنج جهة يسلكونها، غير جهة واحدة ضيقة إن أرادوا العود إلى دمياط، وعبرت العساكر وملكوا الطريق، ولم يبق لهم خلاص، وأيقنوا بالهلكة، فراسلوا السلطان الملك الكامل يبذلون له النزول عن دمياط على أن يؤمنهم، فأجابهم إلى ذلك، وشرط عليهم إطلاق من في أيديهم من أسرى المسلمين، وأخذ منهم رهائن ملوكهم على تسليم البلد، وتقرر بينهم صلح مدة ثمان سنين، وتسلم السلطان دمياط يوم الأربعاء لإحدى عشرة ليلة بقيت من جرب، فكانت مدة ملك الفرنج لها سنة وعشرة أشهر وأربعة وعشرين يوماً؛ وكان يوماً مشهوداً؛ ومن العجيب أن المسلمين لما تسلموها وصلت الفرنج نجدة في البحر فلو سبقوا المسلمين إليها لامتنعوا من تسليم دمياط ليقضي الله أمراً كان مفعولاً. فلما دخلها المسلمون لم يجدوا فيها من أهلها إلا آحاداً، فبعضهم سار عنها باختياره، وبعضهم مات. وكان الفرنج قد حصنوها تحصيناً عظيماً بحيث بقيت لا ترام ولا يوصل إليها؛ وأعاد الله ﷾ الحق إلى نصابه ورده إلى أربابه، فالله المحمود المشكور على ما أنعم به على الإسلام والمسلمين من كف عادية هذا العدو، وكفاهم شره.

منقبة للملك الكامل جرت في هذه النوبة: لما وقع الحصار على مدينة دمياط اتفق أن علجاً منهم، لعنه الله، قد ألهج لسانه بسبب النبي ﷺ، معلناً به على خنادقهم، ومنكياً لمن يليهم من حرس الإسلام ورجالهم، وكان أمره قد استفحل، وداء اشتهاره بهذه العظيمة قد أعضل، وقد جعل هذا

الأمر ديدن جهاده، وذهب عنه أن الله تعالى ينتقم لنفسه من عتو هذا اللعين وعناده. فلما كانت الوقعة المشهورة في شعبان من سنة عشرة التي أسر فيها أعلاج الكفر وكنودهم، وأفاء الله على أهل دينه عدوهم وعديدهم، واستولى منهم على ما يناهز ألفي فارس، عرف هذا العلج في جملة من اشتمل عليه الاستيلاء منهم حصراً وعداً، وعوجل بعقوبة كفره الذي تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا؛ فلما صفد في وثاقه، وخرست شقاشق شقاقه، أشعر السلطان الملك الكامل بموضعه، فتنوعت المشورات بصورة قتل هذا الكافر، واللحاق بروحه إلى الجحيم التي هي مأوى الفاجر، فصمم الملك الكامل على إرسال هذا العلج مع من يوصله إلى والي المدينة النبوية، على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، وإشعاره بأمره، وأن يباشر بذلك المحل الشريف تطهير الأرض من كفره. فما وصل أقيم بين يدي الضريح المطهر، ونوجي ذلك المحل الأطهر، وذلك في عيد الفطر من السنة المذكورة، وقيل: يا رسول الله: هذا عدو لله وعدوك، والمصرح في ملة كفره بسبك وسبب صاحبك، قد أرسله محمد سلطان مصر ليقتل بين يديك، ويشكر الله لما وفقه من مجاهدة الشرك الذين كفروا بما أنزل إليك، ورام أن يجعله عبرة لمن انتهك حرمتك واجترأ عليك، فتهادته أيدي المنايا ضرباً بالسيوف، وفرح المؤمنون بنصر الله لدينه على طوائف الشرك وأن رغمت منها الأنوف، والحمد لله رب العالمين.

لا جرم أنه بعد وفاته أثيب على هذا المقصد السديد، والتوفيق الذي ما على النعمة به من مزيد: أن الانبرور ملك صقلية وغيرها من بلاد الفرنج - وهو اليوم أكبر ملوكهم خطراً وكانت بينه وبين الملك الكامل صداقة ومهاداة يألف بها إلى أن تأكدت له محبته وصار ذبه عن بلاده من طوائف الكفر ديدنه وعادته - كان عنده من الأسرى المأخوذين من مدينة ميرقة من الغرب عند استيلائه عليها جماعة، فأحضرهم الانبرور بين يديه، وقال له: يا حجاج، قد أعتقتكم عن الملك الكامل؛ وسيرهم مع قصاد تقودهم إلى عكا وأمرهم بحب قيودهم عند قبره، وإطلاق سبيلهم.

وكانت وفاته بدمشق يوم الأربعاء آخر النهار، ودفن يوم الخميس في الساعة الثانية منه، وذلك لتسع بقين من شهر رجب سنة خمس وثلاثين وستمائة بالكلاسة رحمه الله تعالى.

ولما توفي كان ولده الملك الصالح نجم الدين أيوب بالبلاد الشرقية، وهي التي كانت بيده في حياة والده، وكان ولده الملك العادل سيف الدين أبو بكر بالديار المصرية؛ ولما بلغ بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل وفاة السلطان، قصد سنجار مريداً حصارها، وبها الملك الصالح نجم الدين، فنازلها وزحف إليها، فأرسل عليهم الخوارزمية، فأوقعوا بهم واستولوا على جميع ما معهم من الأثقال، ثم جرت مراسلات آخرها أنهم انقادوا لأمره، ودخلوا في طاعته؛ وكانت هذه الواقعة من الوقائع العجيبة.

ولما كان مستهل جمادى الآخرة وصل الملك الصالح المذكور إلى دمشق ودخلها في الساعة الخامسة من النهار، وقد تقدم في ترجمة بهاء الدين زهير المذكور طرف من حديثه وملكه للديار المصرية، حسبما شرحناه ثم.

النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف الميم

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.