تجاوز إلى المحتوى

من «وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان» لابن خلكان (ت ٦٨١هـ)

نصر الخبزأرزي

أبو القاسم نصر بن أحمد بن نصر بن مأمون البصري، المعروف بالخبزأرزي الشاعر المشهور؛ كان أمياً لا يتهجى ولا يكتب، وكان يخبز خبز الأرز بمربد البصرة في دكان، وكان ينشد أشعاره المقصورة على الغزل والناس يزدحمون عليه ويتطرفون باستماع شعره ويتعجبون من حاله وأمره، وكان أبو الحسين محمد بن محمد المعروف بابن لنكك، البصري الشاعر المشهور - مع علو قدره عندهم - ينتاب دكانه ليسمع شعره، واعتنى به، وجمع له ديواناً، وكان نصر المذكور قد وصل إلى بغداد وأقام بها دهراً طويلاً.

وذكره الخطيب في تاريخه وقال: قرأ عليه ديوانه، وروى عنه مقطعات من شعره المعافى بن زكريا الجريري، وأحمد بن منصور بن محمد بن حاتم النوشري، وعد جماعة رووا عنه.

وذكره الثعالبي في كتاب " اليتيمة " وأورد له مقاطيع، فمن ذلك قوله:

خليلي هل أبصرتما أو سمعتمابأكرم من مولىً تمشى إلى عبد
للشاعر الخبز أرزي، من قصيدة «يقولون صف حرب الرعية والجند»
أتى زائراً من غير وعد وقال لي:أجلك عن تعليق قلبك بالوجد
فما زال نجم الوصل بيني وبينهيدور بأفلاك السعادة والسعد
فطوراً على تقبيل نرجس ناظروطوراً على تعضيض تفاحة الخد وأورد له أيضاً:
ألم يكفني ما نالني من هواكمإلى أن طففتم بين لاه وضاحك
شماتتكم بي فوق ما قد أصابنيوما بي دخول النار بي طنز مالك وذكر له أيضاً:
كم أناس وفوا لنا حين غابواوأناس جفوا وهم حضار
عرضوا ثم أعرضوا، واستمالواثم مالوا، وجاوروا ثم جاروا
للشاعر الخبز أرزي، من قصيدة «شاقني الأهل لم تشقني الديار»
لا تلمهم على التجني فلو لميتجنوا لم يحسن الاعتذار ومن شعره أيضاً:
وكان الصديق يزور الصديقلشرب المدام وعزف القيان
للشاعر الخبز أرزي، من قصيدة «وكان الصديق يزور الصديق»
فصار الصديق يزور الصديقلبث الهموم وشكوى الزمان ومن شعره أيضاً:
كم أقاسي لديك قالاً وقيلاوعدات ٍ تترى ومطلاً طويلا
للشاعر الخبز أرزي، من قصيدة «كم أقاسي لديك قالا وقيلا»
جمعةٌ تنقضي وشهر يوليوأمانيك بكرة وأصيلا
للشاعر الخبز أرزي، من قصيدة «كم أقاسي لديك قالا وقيلا»
إن يفتني منك الجميل من الفعل تعاطيت عنك صبراً جميلا
للشاعر الخبز أرزي، من قصيدة «كم أقاسي لديك قالا وقيلا»
والهوى يستزيد حالاً فحالاًوكذا ينسلي قليلاً قليلا
للشاعر الخبز أرزي، من قصيدة «كم أقاسي لديك قالا وقيلا»
ويك لا تأمنن صروف اللياليإنها تترك العزيز ذليلا
للشاعر الخبز أرزي، من قصيدة «كم أقاسي لديك قالا وقيلا»
فكأني بحسن وجهك قد صاحت به اللحية الرحيل الرحيلا
فتبدلت حين بدلت بالنور ظلاماً، وساء ذاك بديلا
للشاعر الخبز أرزي، من قصيدة «كم أقاسي لديك قالا وقيلا»
فكأن لم تكن قضيباً رطيباًوكأن لم تكن كثيباً مهيلا
للشاعر الخبز أرزي، من قصيدة «كم أقاسي لديك قالا وقيلا»
عندها يشمت الذي لم تصلهويكون الذي وصلت خليلا وله أيضاً:
رأيت الهلال ووجه الحبيبفكانا هلالين عند النظر
للشاعر الخبز أرزي، من قصيدة «رأيت الهلال ووجه الحبيب»
فلم أدر من حيرتي فيهماهلال الدجى من هلال البشر
للشاعر الخبز أرزي، من قصيدة «رأيت الهلال ووجه الحبيب»
ولولا التورد في الوجنتينوما راعني من سواد الشعر
للشاعر الخبز أرزي، من قصيدة «رأيت الهلال ووجه الحبيب»

لكنت أظن الهلال الحبيب ... وكنت أظن الحبيب القمر وقال أحمد بن منصور بن محمد بن حاتم الموشري: أنشدنا أبو القاسم نصر ابن أحمد الخبرأرزي لنفسه:

بات الحبيب مناميوالسكر يصبغ وجنتيه
ثم اغتدى وقد ابتداءصبغ الخمار بمقلتيه
وهبت له عيني الكرىوتعوضت نظراً إليه
للشاعر الخبز أرزي، من قصيدة «بات الحبيب منادمي»

شكراً لإحسان الزما ... ن كما يساعدني عليه وذكر الخطيب في " تاريخ بغداد " ما مثاله: حكى أبو محمد عبد الله بن محمد الأكفاني النصري، قال: خرجت مع عمي أبي عبد الله الأكفاني الشاعر

وأبي الحسين ابن لنكك وأبي عبد الله المفجع وأبي الحسن السباك، في بطالة عيد، وأنا يومئذ صبي أصحبهم، فمشوا حتى انتهوا إلى نصر بن أحمد الخبرأرزي، وهو جالس يخبر على طابقه، فجلست الجماعة عنده يهنونه بالعيد ويتعرفون خبره، وهو يوقد السعف تحت الطابق، فزاد في الوقود فدخنهم، فنهضت الجماعة عند تزايد الدخان، فقال نصر بن أحمد لأبي الحسن ابن لنكك: متى أراك يا أبا الحسين فقال له أبو الحسين: إذا اتسخت ثيابي، وكانت ثيابه يومئذ جدداً على أنقى ما يكون من البياض للتجمل بها في العيد، فمشينا في سكة بني سمرة، حتى انتهينا إلى دار أبي أحمد ابن المثنى، فجلس أبو الحسين ابن لبكك، قال: يا أصحابنا إن نصراً لا يخلي هذا المجلس الذي مضى لنا معه من شيء يقوله فيه، ويجب أن نبدأه قبل أن يبدأنا، واستدعى دواة وكتب:

لنصر في فؤادي فرط حبٍأنيف به على كل الصحاب
للشاعر ابن لنكك البصري، اقرأ القصيدة
أتيناه فبخرنا بخوراًمن السعف المدخن للثياب
فقمت مبادراً وظننت نصراًأراد بذاك طردي أو ذهابي

فقال: متى أراك أبا حسين ... فقلت له: إذا اتسخت ثيابي وأنفذ الأبيات إلى نصر، فأملى جوابها، فقرأناه فإذا هو قد أجاب:

منحت أبا الحسين صميم وديفداعبني بألفاظ عذاب
أتى وثيابه كقتير شيبفعدن له كريعان الشباب
للشاعر الخبز أرزي، من قصيدة «أتى وثيابه كقتير شيب»
ظننت جلوسه عندي لعرسفجدت له بتمسيك الثياب
فقلت: متى أراك أبا حسينفجوابني: إذا اتسخت ثيابي
للشاعر الخبز أرزي، من قصيدة «أتى وثيابه كقتير شيب»
فإن كان الترفه فيه خيرفلم يكنى الوصي أبا تراب

وحكى أبو بكر محمد وأبو عثمان سعيد ابنا هاشم الخالديان الشاعران المشهوران في كتاب " الهدايا والتحف " أن الخبرأرزي أهدى إلى ابن يزداد والي البصرة فصاً وكتب معه:

أهديت ما لو أن أضعافهمطرحٌ عندك ما بانا
للشاعر الخبز أرزي، من قصيدة «أهديت ما لو أن أضعافه»
كمثل بلقيس التي لم يبنإهداؤها عند سليمانا
للشاعر الخبز أرزي، من قصيدة «أهديت ما لو أن أضعافه»

هذا امتحانٌ لك إن ترضه ... بان لنا أنك رضانا والشيء بالشيء يذكر - وجدت في هذا الكتاب نادرة طريقة فأحببت ذكرها، وهي: كان بأصبهان رجل حسن النعمة واسع النفس كامل المروءة يقال له سماك بن النعمان، وكان يهوى مغنية من أهل أصبهان لها قدر ومعنى تعرف بأم عمرو. فلإفراط حبه إياها وصبابته بها وهبها عدةً من ضياعه، وكتب عليه بذلك كتباً، وحمل الكتب إليها على بغل، فشاع الخبر بذلك، وتحث الناس به واستعظموه؛ وكان بأصبهان رجل متخلف بين الركاكة يهوى مغنية أخرى فلما اتصل به ذلك ظن بجهله وقلة عقله أن سماكاً أهدى إلى أم عمرو جلوداً بيضاً لا كتابة فيها، وأن هذا من الهدايا التي تستحسن ويجل موقعها عند من تهدى إليه، فاتباع جلوداً كثيرة، وحملها على بغلين لتكون هديته ضعف هدية سماك، وأنفذها إلى التي يحب، فلما وصلت الجلود إليها ووقفت على الخبر فيها تغظيت عليه، وكتبت إليه رقعة تشتمه وتحلف أنها لا تكلمه أبداً، وسألت بعض الشعراء أن يعمل أبياتاً في هذا المعنى لتودعها الرقعة، ففعل، وكانت الأبيات:

لا عاد طوعك من عصاكاوحرمت من وصلٍ مناكا
فلقد فضحت العاشقين بقبح ما فعلت يداكا
أرأيت من يهدي الجلود إلى عشيقته سواكا
وأظن أنك رمت أنتحكي بفعلك ذا سماكا
ذاك الذي أهدى الضياع لأم عمرو والصكاكا
فبعثت منتنةً كأنك قد مسحت بهن فاكا
من لي بقربك يا رقيع ولست أهوى أن أراكا

لكن لعلي أن أقط ... ع ما بعثت على قفاكا ونقلت من هذا الكتاب أيضاً أن اللبادي الشاعر خرج من بعض مدن أذربيجان يريد أخرى، وتحته مهر له رائع، وكانت السنة مجدبة، فضمه الطريق وغلاماً حدثاً على حمار له، قال: فحادثته فرأيته أديباً راوية للشعر، خفيف الروح حاضر الجواب جيدة الحجة، فسرنا بقية يومنا، فأمسيا إلى خان على ظهر الطريق فطلبت من صاحبه شيئاً نأكله، فامتنع أن يكون عنده شيء، فرفقت به إلى أن جاءني برغيفين، فأخذت واحداً ودفعت إلى ذلك الغلام الآخر، وكان غمي على المهر أن يبيت بغير علف أعظم من غمي على نفسي، فسألت صاحب الخان عن الشعير فقال: ما أقدر منه على حبة واحدة، فقلت: فاطلب لي، وجعلت له جعيلة على ذلك، فمضى وجاءني بعد طويل وقال: قد وجدت مكوكين عند رجل حلف بالطلاق أنه لا ينقصهما عن مائة درهم، فقلت: ما بعد يمين الطلاق كلام، فدفعت إليه خمسين درهم، فجاءني بمكوك، فعلقته على دابتي وجلست أحادث الفتى، وحماره واقف بغير علف، فأطرق ملياً ثم قال: تسمع، أيدك الله، أبياتاً حضرت الساعة فقلت: هاتها، فأنشد:

يا سيد شعري نفياية شعركافلذاك نظمي ما يقوم بنثركا
وقد انبسطت إليك في إنشاد ماهو في الحقيقة قطرةمن بحركا
آنستني وسررتني وبررتنيوجعلت أمري من مقدم أمركا
وأريد أذكر حاجة إن تقضهاأك عبد مدحك ما حييت وشكركا

أنا في ضيافتك العيشة ها هنا ... فاجعل حماري في ضيافة مهركا فضحكت واعتذرت إليه من إغفالي أمر حماره، وابتعت المكوك الآخر بخمسين درهماً، ودفعته إليه.

وبالجملة فقد خرجنا عن المقصود.

وأخبار نصر المذكور ونوادره كثيرة. وتوفي سنة عشرة وثلثمائة، رحمه الله تعالى، وتاريخ وفاته فيه نظر، لأن الخطيب ذكر في تاريخه أن أحمد ابن منصور النوشري المذكور سمع منه سنة خمس وعشرين وثلثمائة [لكن نقلت تاريخ وفاته على هذه الصورة من تاريخ ابن أزرق الفارقي، والله أعلم].

والخبرأرزي: بضم الخاء المعجمة وسكون الباء الموحدة وفتح الزاي وبعدها همزة ثم راء ثم زاي؛ وفتح الهمزة وضمها وتشديد الزاي وتخفيفها في الأرز يختلف باختلاف اللغات في هذه الكلمة، وفيها ست لغات: الواحدة بضم الهمزة والراء وتشديد الزاي، والأخرى بفتح الهمزة والباقي مثل الأولى، والثالثة أرز: بضم الهمزة وسكون الراء وتخفيف الزاي، والرابعة مثل الثالثة لكن الراء مضمومة، والخامسة رز، بضم الراء وتشديد الزاي، والسادسة رنز، بضم الراء وسكون النون وتخفيف الزاي؛ وإنما نسب نصر المذكور هذه النسبة لأنه كان يتعاطى هذه الحرفة كما تقدم ذكره في أول هذه الترجمة.

ابن لنكك: بفتح اللام وسكون النون وكافين متواليين، وهو لفظ أعجمي، معناه بالعربي أعيرج، تصغير أعرج، لأن كلمة لنك معناها أعرج، وعادة العجم إذا صغروا اسماً ألحقوا في آخره كافاً.

ومربد البصرة: بكسر الميم وسكون الراء وفتح الباء الموحدة وبعدها دال مهملة، وهو اسم موضع بالبصرة مشهور، وهو في الأصل اسم لكل مكان تحبس فيه الإبل وغيرها، ثم صار علماً على الموضع المذكور.

النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف النون

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.