تجاوز إلى المحتوى

من «العيون الغامزة على خبايا الرامزة» لبدر الدين الدماميني (ت ٨٢٧هـ)

فاتحة الكتاب (٢)

فإن قلت: ذلك محمول على أن كل تابع بدل مما قبله، لا أنها كلها أبدال من شيء واحد كما حكاه الشيخ عن بعض أصحابه في إعراب ذينك البيتين، قلت: وكلام الزمخشرى قابل لأن يحمل على هذا المعنى بعينه، فهو لم يقل في هذه التوابع إلا أنها أبدال، وذلك صادق بأن يجعل كل واحد منها بدلاً مما قبله، فيتعدد التابع والمتبوع، فام لم يحمله الشيخ على هذا المعنى مع أنه ليس في اللفظ ما يدفعه.

على أن ابن الحاجب ﵀ تكلم على هذه الآية في أماليه ولا بأس بإيراد كلامه بجملته تكميلاً للفائدة. قال ما نصه: لا يستقيم أن يكون (غافر الذنب وقابل التوب) صفة لقوله (من الله العزيز العليم)، لأن (غافر الذنب وقابل التوب) معناه أنه يغفر الذنب ويقبل التوب. قال الله تعالى: (يغفر الذنوب جميعاً)، وقال (وهو الذي يقبل التوبة عن عباده)، فيكون في معنى الحال والاستقبال، فتكون إضافته غير محضة. وأجيب عن ذلك بأن (غافر الذنب) على معنى ثبوت ذلك له، وإذا كان على معنى ثبوت ذلك له فهو صفة بمعنى المضي، فتكون إضافته محضةً فتفيد التعريف فيصح وصف المعرفة به.

وهذ الجواب وإن كان سديداً في (غافر الذنب وقابل التوب) إلا أنه لا يمكن مثله في شديد العقاب، لأن (شديد العقاب) لا تكون إضافته إلا غير محضة على كل حال لأنه صفة مشبهة، فلا يفرق بين ماضيه وغيره بخلاف اسم الفاعل، فلا يكون، (يعني شديد العقاب) إلا نكرةً، فيبقى الاعتراض قائماً، فحكم بعض النحويين بأن (شديد العقاب) بدل بعد أن حكم بأن ما قبله صفات بالوجه الذي ذكرناه.

واختار بعضهم بأن يكون (غافر الذنب) من أول الأمر بدلاً كراهة أن يخالف بين الصفات فيجعل بعضها صفةً وبعضها بدلاً، وأجرى البواقي عليها بدلاً، فكأنه قال: م الله العزيز العليم، من رب غافر الذنب وقابل التوب العقاب.

وفي هذه الصفات إشكال آخر وهو قوله: (ذي الطول)، فإنه معرفة، فلا يحسن أن يكون صفة لقوله (من الله) لأنك فصلت بينه وبينه بالبدل، ولا يحسن أن يكون صفةً للبدل لأنه نكرة (وذي الطول) معرفة، فالأولى أن يقال هو بدل من المبدل الأول، كأنه قال من الله العزيز العليم من رب غافر الذنب من الله ذي الطول، فعلى هذا يستقيم ولكن بتقدير البدل. انتهى كلامه. وفيه دليل بين على جواز تعدد البدل مع اتحاد المبدل منه، وهو غير ما حكى فيه أبو حيان المنع عن بعض أصحابه، فتأمله.

وأما المناقشة الرابعة وهو ما وقع من تغييره عن أجزاء القصيدة بالتفاعيل مع أن أجزاء العروض محصورة في أوزان معروفة لا يصح أن يكون شيء منها مفرداً للتفاعيل حسبما قرره الشيخ، فأقول هذا وهم فاحش، لأن التفاعيل عند العروضيون جمع لتفعيل، لا باعتبار أن لفظ هذا المفرد يوزن به، بل باعتبار أنه اسم موضوع للفظ خاص عندهم يوزن به ما يماثله من مطلق الحركات والسكنات، فالتفاعيل بمنزلة قولك الأجزاء، فكما أن مفرد الأجزاء جزء، وهو اسم للفظ الموزون به، كذلك مفرد التفاعيل تفعيل، وهو اسم لمفهوم الجزء عندهم، لا أنه شيء يوزن بلفظه، ففعولن مثلاً يطلق عليه جزء وتفعيل، سماه بذلك الخليل واضع هذا الفن.

والتفعيل في الأصل مصدر قولك فعلت الكلمة إذا أتيت فيها بلفظ (ف ع ل)، ثم سمي به الجزء الذي فيه تلك الأحرف، كما أن التنوين مصدر قولك نونت الكلمة، إذا أتيت فيها بنون، ثم سموا النون نفسها إذا كانت على صفة خاصة بالتنوين، وقد يطلق العروضيون التفعيل على التقطيع مع الإتيان بالأمثلة الموازنة لذلك التقطيع كقولهم في قوله:

ستُبدى لك الأيامُ ما كنتَ جاهلاً

سَتُبدِى لَكَلْ أييَا مما كنْ تَجَاهِلَنْ

فعولن مفاعيلن فعولن مفاعلن

ويأتيك بالأخبار من لم تُزَوِّدِ

ويأْتي كَبلأخْبا رِمَلْلَمْ تُزوْوِدِي

فعولن مفاعيلن فعولن مفاعلن

وكذا في قوله:

لا تحسب المجدَ تمراً أنت آكلُهُ

لا تحسبل مجد تم رَنْ أنتَ آكِلهُو

مستفعلن فاعلن مستفعلن فعلن

لا تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا

لا تبلغلْ مَجْدَحضتْ تا تَلعَقَص صَبِرا

مستغعلن فاعلن مستفعلن فعلن

وكذا في قوله:

سَلِى إنْ جهلتِ الناسَ عنا وعنهمُ

سلى إن جهلتننا سعننا وعنهمو

فعولن مفاعيلن فعولن مفاعلن

فليسَ سواءً عالمٌ وجهولُ

فليس سوا أنعا لمنو جهولو

فعول مفاعيلن فعول فعولن

إلى آخره، فيستعملونه مصدراً، وهذا واضح لا يخفى على أصاغر الطلبة، والعجب من الشيخ أبي حيان ﵀ كيف وقع في مثل هذا، وأعجب منذلك قوم راج عندهم هذا الوهم فسفهوا رأى من قال بخلافه عجزاً عن درك الحق وإخلاداً إلى التقليد، وظناً أن لا فضل إلا بتقدم العصر، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم. أعاذنا الله من حسد يسد باب الإنصاف، ويصد عن جميل الأوصاف بمنه وكرمه.

ولنرجع إلى ما نحن بصدده من كلام الناظم ﵀.

قال:

فرتِّبْ إلى اليا زِنْ دوائرَ خفْ لشقْأولاتِ عَدٍ جزءٌ لجزءٍ ثُناثُنا

أقول: يعني أنك ترتب الأحرف المرموز بها في البيتين السابقين المشتملين على الأشارة إلى الأجزاء العشرة على الترتيب المعروف في (أبجد) من الألف إلى الياء، فاقتضى ذلك إلغاء ما ليس من هذه الحروف أصلاً كالفاء في (فدار كوني)، وإلغاء ما يفضى إلى الإخلال بالترتيب المذكور كالباء من (بهمة) فإنها وإن كانت من حروف أبجد المرموز بها، لكن اعتبارها يؤدي إلى فساد الترتيب، فإن الباء ليست بعد الدال، وقد تقدمت فاقتضى ذلك إلغاءها والاعتداد بما بعدها وهو الهاء.

وقوله (زن) يعني زن بالأجزاء المتقدمة المرموز لها بأحرف أبجد المرتبة من الألف إلى الياء. والمراد بالوزن بها أنك تعمد إلى الشعر الذي تقصد وزنه فتقطعه قطعاً قطعاً على مقادير الأجزاء، وتقابل المتحرك بالمتحرك والساكن بالساكن، ويعبرون عن ذلك تارةً بالتفعيل وتارة بالتقطيع، وما أحسن قول بعض المتأخرين:

وبقلبي من الهموم مديدٌوبسيطٌ ووافرٌ وطويلُ
لم أكنْ عالماً بذاك إلى أنْقَّطع القلبَ بالقراق خليلُ

وقول الشيخ بهاء الدين السبكي ﵀:

إذا كنتَ ذا فكر سليم فلا تَمِلْلعلم عروضٍ يُوقع القلبَ في الكربِ
فكلُّ امرئٍ عانى العروضَ فإنماتعرّضَ للتقطيع وانساقَ للضربِ

وإنما يعتبر عندهم في الوزن ما يدرك بحاسة السمع، وعلى ذلك ترسم الحروف عندهم.

فإذا عمدنا إلى تقطيع بيت وكتابته بهذا الهجاء فإننا ننظر أولاً في الشعر من أي جنس هو، وننظر أجزاءه التي تركب منها ثم نضع قطعةً من البيت مقابلةً لجزء من أجزاء التفعيل بمقداره من الحركات والسكنات ونعمل ذلك في جميع أجزاء البيت حتى يصير قطعاً بمقدار الأجزاء، ويلاحظ في ذلك مقابلة المتحرك بمثله في مطلق الحركة من غير نظر إلى خصوصيتها، وتقابل الساكن بمثله، فربما تجرأت الكلمة الواحدة فصار بعضها لجزء وباقيها لجزء آخر فيوصل بكلمة أخرى أو ببعض كلمة، كما رأيته في الأبيات التي فرغنا من تقعيلها آنفاً.

ثم لا يخلو الساكن أن يظهر على اللسان أولاً، فإن ظهر وأدركه السمع ثبت في الخط والتقطيع نحو نون (منك). وسواء رسم في الخط الاصطلاحي أو لم يرسم نحو التنوين في (زيد)، وصلة هاء الضمير وميم الجمع، وإن لم يظهر الساكن على اللسان لم يثبت في الخط ولا التقطيع، نحو ألف الوصل في قوله:

كلُّ عيش صائر للزوال

ونحو ما يسقط لالتقاء الساكنين من ألف أو واو أو ياء. وأما المتحرك فلا يخلو أن يكون مخففاً أو مشدداً، فإن كان مخففاً حسب بحرف واحد، وهو ظاهر، وإن كان مشدداً حسب بحرفين، الأول ساكن والثاني متحرك فيفكان في التقطيع ويلفظ بالأول بلفظ الثاني.

فإذا رسمت (الرجل) رسمته هكذا (أررجل) فأما زاده الكتاب في الهجاء الاصطلاحي كالألف بعد واو الجمع في (فعلوا)، وكالواو في (عمرو) وكالألف في (مائة)، أو نقصوه كهمزة (رؤس) وألف (دينر) و (كتب) وشبهه فذلك لا يعتبر في التقطيع لأنه لا يظهر على اللسان، بل يرد ذلك إلى أصله فيسقط الزائد ويلحق الناقص، بالله التوفيق.

وقوله (دوائر خف لشق) يعني زن بالأجزاء المذكورة أبحر الدوائر المرموز لها بالأحرف المجموعة من قوله (خف لشق)، وهي أحرف اقتعطها من أسماء الدوائر ورمز لها بها.

والدوائر خمس: الأولى تسمى دائرة المختلف، وإليها أشار بالخاء، والثانية دائرة المؤتلف، وإليها أشار بالفاء، والثالثة تسمى دائرة المجتلب، وإليها أشار باللام، والرابعة تسمى دائرة المشتبه، وإليها أشار بالشين، والخامسة تسمى دائرة المتفق، وإليها أشار بالقاف.

ويقع في بعض النسخ (خف شلق) بتقديم الشين على اللام بناءً على أن الدائرة الثالثة تسمى دائرة المشتبه والرابعة تسمى دائرة الجتلب، وهو رأي لبعض العروضيين. وعلى هذه النسخة شرح الشريف. وما تقدم وهو الواقع في أكثر النسخ عندنا هو رأي الجمهور. ولا خلاف بين القائلين بالدوائر إنها خمس.

وبعض الناس أنكر الدوائر أصلاً ورأساً، وجعل كل شعر قائماً بنفسه، وأنكر أن تكون العرب قصدت شيئاً من ذلك، وقال إنا سمعناهم نطقوا بالمديد مسدساً، وبالبسيط (فعلن) في العروض مثلاً، وبالوافر فعولن (فيها، وبالهزج والمقتضب والمجتث مربعات، ومن أين لنا أن ندرك أن أصل عروض الطويل كان مفاعيلن بالياء؟ وأن المديد كان من ثمانية أجزاء؟ وأن فعلن في البسيط كان أصله فاعلن بالألف؟ وأن عروض الوافر كانت في الأصل مفاعلتين ثم صارت على فعولن؟ إلى غير ذلك.

والأكثرون على خلاف هذا لأن حصر جميع الشعر في الدوائر المذكورة واطراد جريه فيها دل على ما اختص الله به العرب دون من عداهم، فكان ذلك سراً مكتما في طباعهم أطلع الله عليه الخليل واختصه بإلهام ذلك، وإن لم يشعروا هم به ولا نووه، كما لم يشعروا بقواعد النحو وأصول التصريف، و'نما ذلك مما فطرهم الله عليه. فالتثمين في المديد والتسديس في الهزج والمضارع وغيره من المجوزات أصل رفضه العرب كما رفضوا أصولاً كثيرةً من كلامهم على ما تقرر في علم النحو. وإذا تطرق الشك في ذلك إلى الشعر تطرق إلى الكلام حينئذ، فيتعذر باب كبير من أصول العربية، ولا خفاء بفساده، هكذا قرره بعض الفضلاء.

وقوله (أولات عد جزء لجزء ثنا ثنا) الظاهر فيه أن (أولات) منصوب على الحال، أي زن الدوائر الخمس المرموز لها بأحرف (خف لشق) حالة كونها أولات عد، أي مشتملة على أبحر معدودة مؤلفة من جزء مضموم لجزء آخر متكررين في كل بحر، وهو المراد بقوله ثنا ثنا، أي اثنين اثنين. يعني أن الأجزاء تتكرر في كل بحر من بحور الدوائر لأن كل بيت مصراعان يحتوي كل واحد منهما من الأجزاء في الأصل على مثل ما يحتوي عليه الآخر. عد مخفف من وعد المشدد، وحمله الشريف على أنه عامل الوصل معاملة الوقف، فخفف المضاعف كما يخفف في الوقف.

قال: ومثله ما أنشده أبو علي في التذكرة:

حتى إذا ما لم أجد غيرَ الشَّرِ

قال: فخفف وأطلق، ولم يكن ينبغي له إذ خفف أن يطلق، لأن التخفيف إنما هو لأجل الوقف. ونظيره قول الشاعر:

ببازلٍ وجناءَ أو عهيلِّ

فأجرى الوصل مجرى الوقف، إذ كان التشديد أيضاً جائراً في الوقف.

قال: (وإنما ساغ عندي حمل كلام الناظم على هذا القدر من الشذوذ الذي لا يحتمل إلا في الضرائر، ويجب على المولد أن يجتنبه- مع أن البيتين اللذين أنشدهما الأمر فيهما أخف منه في بيت الناظم لأن حرف الإطلاق قد لا يعد به، ألا ترى أن من أنشد:

أقلىّ اللومَ عاذلَ والعتابُ

قد حذفه- لأن الناظم كثيراً ما يرتكب مثل هذا القصيدة من الشذوذات). قلت: قد وقع للمتقدمين ما يستند إليه قول الناظم، كقول الشاعر:

ألاَ ليت اللحَى كانت حشيشاًفنعلَفها دوابَ المسلمينا
للشاعر يزيد بن مفرغ الحميري، اقرأ القصيدة

وقول الآخر:

جَزَى الله الدّوابَ جزاء سوءٍوألبسهن من جَرَبٍ قميصا

وقوله (ثنا ثنا) كل واحد منهما لفظ معدول عن اثنين اثنين، وقصره للضرورة، والأول منصوب على الحال، والثاني تأكيد له. ونظيره في استعمال المعدول تأكيداً قوله ﷺ: (صلاة الليل مثنى مثنى)، فالأولى خبر المبتدأ، والثانية تأكيد لها. ووقع في شرح هذه المقصورة لمتأخر عصري النصف الثاني من هذا البيت على هذه الصورة:

أولاتِ عدا جزء كجزء ثنا ثنا

وفسره بأن قال. أي وهذا الرمز هو الآتي في البيتين الآتيين معدوداً فيهما، وجزء كل بحر من الأجزاءمكرر في دائرته مرتين، وإلى هذا أشار بقوله (ثنا ثنا). قال الجواهري: الثنا، مقصور، الأمر يعاد مرتين. وفي الحديث. (لا ثنا في الصدقة)، أي لا تؤخذ في السنة مرتين. وقال الشاعر:

لعمري لقد كانت زيارتُها ثنى

انتهى كلامه فتأمله. قال:

خَ ثَمن أَبِنْ زهرٌ ولهْ فلسِّتةٍجَلَتْ حُضّ لُذْ بَل وفِّ زِنْ شِمِ وَوطَلاَ
للشاعر عبد الله بن محمد الخزرجي، من قصيدة «وللشعر ميزان تسمى عَروضَهُ»
وطولُ عزيزٍكم بِدعبلِكمْ طوَوايعزِّزُ قسْ تثمينَ أشرفَ ما ترى

أقول. لما أشار إلى أن الدوائر خمس: شرع في ذكرها على التفصيل، وما اشتملت عليه كل دائرة من الأبحر، ووزن كل بحر.

فقوله: (خ) إشارة إلى الدائرة الأولى، زهي دائرة المختلف. وقوله (ثمن) إشارة إلى أنها مثمنة الأجزاء، فكل بحر من أبحرها بحسب الأصل مركب من ثمانية أجزاء، وهي مشتملة على ثلاثة أبحر مستعملة.

الأول بحر الطويل، ووزنه (فعولن مفاعيلن) أربع مرات. أشار إلى (فعولن) بالألف من (أبن) المشار بها إلى (أصابت)، وإلى (مفاعيلن) بالباء منه المشار بها إلى (بسهميها)، فكأنه يقول: دائرة المختلف مثمنة، وفيها بحر وزنه: (أصابت بسهميها) أربع مرات، وعلى ذلك فقس. غير أنه فاته تسمية البحر فاستدرك ذلك عند إتيانه بالأبيات المتضمنة للكلمات المشار بها إلى شواهد الأعاريض والضروب والزحاف كما سيأتي مفصلاًَ. والنون من قوله (أبن) ملغاة لأنها ليست من أحرف الرمز.

البحر الثاني المديد. ووزنه (فاعلاتن فاعلن) أربع مرات. أشار إلى مستفعلن بالواو من قوله (وله) المشار بها إلى (وقعيهما)، وأشار إلى (فاعلن) بالهاء منه المشار بها إلى (همة). واللام المتوسطة بين الواو والهاء ليست من أحرف الرمز، فهي ملغاة لا يقع بها لبس.

وقد علمت أن الوتد الموجود في هذه الدائرة مجموع وأنها ليس بهل وتد مفروق، فإذن كل من (فاعلاتن) الواقع في المديد (ومستفعلن) الواقع في البسيط مجموع الوتد.

ويخرج من هذه الدائرة بحران مهملان أحدهما وزنه (مفاعيلن فعولن) أربع مرات، عكس الطويل. ويسميه بعضهم المستطيل. وحكى عن الخليل أن العرب لم تستعمله، وأن السبب في إهماله ما يلزم عليه من وقوع سببين بين وتدين في أوله فلا يمكن زحافهما.

واعترض بأن هذه العلة لو صحت للزم إهمال الهزج والمضارع والمقتضب، لأن كلاً منها مبني على سببين بين وتدين، فلا يمكن زحافهما. وأجيب بأنها لا يمكن في تأليفها إلا ذلك، إذ لا خماسي فيها، بخلاف هذا لأن فيه خاسياً، فيخرج من المحذور بتقديمه.

واستشكله الصفاقسي، قال: (والأشبه ما قاله الزجاج، وهو أن (مفاعيلن) لو وقع أولاً لجاز خرمه، لأن أوله وتد مجموع، ويلزم أن يقع الخرم في جزء أصله أن يقع بذلك في حشو البيت ولا نظير له). واعترضه أبو الحكم بأن هذا لو صح لما وقع الخرم في (مفاعيلن) في الهزج لوقوعها في الطويل حشواً، لكن قد وقع فيها فدل على عدم اعتبار هذه العلة. قال الصفاقسي: (ولقائل أن يجيب عنه بأن المحذور الذي ألزمناه هو وقوع الخرم في جزء أصله أن يقع بذلك حشواً لبيت، أي في تلك الدائرة، و (مفاعيلن) في دائرة الهزج أصله أن يقع فيها بدءاً فلا تصلح ناقضةً لتعليله والله اعلم. وقد نظم المولدون على هذا الوزن المهمل كقول بعضهم:

لقد هاج اشتياقي غريرُ الطّرف أحورْأديرَ الصدغُ منه على مسكس وعنبرْ

وقول الآخر:

أَمِط عنيّ ملاماً برَى جسمي مداهُفما قلبي جليداً على سمع الملامِ

وقول الآخر:

أيسلو عنك قلبٌ بنار الحب يَصلَىوقد سدّدت نحوي من الألحاظ نَصْلا

البحر الثاني المهمل مقلوب المديد. وزنه (فاعلن فاعلاتن) أربع مرات، وسموه بالممتد، وقد نظم المولدون عليه أيضاً كقول بعضهم:

صاد قلبي غزال أحور ذو دلالكلما زدت حباً زاد مني نفورا

وقول الآخر:

قد شجاني حبيبٌ واعتراني ادكارُليته إذ شجاني ما شجته الديارُ

وقد جرت العادة بأن يوضع شكل دائرة، ويرسم عليها نصف واحد من تفعيل البحر الأول منها بأن تجعل علامة المتحرك صورة حلقة صغيرة وتجعل علامة الساكن صورة ألف، فتضع الدائرة هكذا: وطريق الفك أنك تبتدئ من أول كل وتد وسبب وتمر إلى الآخر، فإن اتفق فوات شيء من أول الدائرة فتداركه آخراً بأن تضيفه إلى ما فككته حتى تصل إلى المحل الأول الذي ابتدأت منه، فتبتدئ هنا من أول وتد في الدائرة وتمر إلى منتهاها، فيكون (فعولن مفاعلين، وهو بحر الطويل. ثم تبتدئ من أول سبب فيها فتقول (لن مفاعيلن فعولن مفاعيلن وتضيف إليه ما فات مما سبق، وهو فعو، فيحدث بحر المديد، وهو (فاعلاتن فاعلن).

ثم تبتدئ من أول الوتد الثاني فيكون (مفاعيلن فعولن مفاعيلن) وتضيف إليه ما فات سبقاً فيحدث وزن المهمل الأول المسمى بالمستطيل.

ثم تبتدئ من أول سبب بعد هذا الوتد الثاني فتقول (عيلن فعولن مفاعيلن)، وتتدارك ما فات سبقاً، وهو (فعولن مفا)، فيحدث بحر البسيط.

ثم تبتدئ من ثاني سبب فتقول (لن فعولن مفاعيلن)، وتتدارك ما سبق وهو (فعولن مفاعي)، فيحدث البحر تامسمى بالممتد.

فقد استبان لك أن هذه الدائرة تشتمل على خمسة أبحر. منها ثلاثة مستعملة، ومنها اثنان مهملان، وعرفت صفة الفك، وسميت بدائرة المختلف لتركبها من جزأين مختلفين خماسي وسباعي.

الدائرة الثانية دائرة المؤتلف، وإليها أشار بالفاء من قوله (فلستة) وأشار بالستة إلى أنها مسدسة الأجزاء، وفيها ثلاثة أبحر، اثنان منها مستعملان، وواحد مهمل.

فالأول من المستعملين هو بحر الوافر ووزنه (مفاعلتن ست مرات، وأشار إليه بالجيم من قوله (جلت) المشار بها إلى (جوارحنا)، واللام والتاء لغو.

والثاني منها بحر الكامل، ووزنه (متفاعلن) ست مرات. أشار إليه بالحاء من قوله (حض) المشار بها إلى (حجبتهما) والضاد لغو.

والبحر المهمل وزنه (فاعلاتك) ست مرات. قال الصفاقسي: (والسبب في إهماله ما يلزم عليه من المحذور، وهو إما لزوم الوقف على المتحرك إن ترك الحرف الأخير على حاله من التحرك، أو عدم تماثل أجزاء البيت إن سكن لأنه من دائرة المؤتلف وهي مبنية على تماثل الأجزاء.

قال: وقد استعمله بعض المولدين وارتكب محذور عدم التماثل فقال:

ما رأيت من الجآذِرِ بالجزيرةِإذء رَمَيْنَ بأَسْهم جَرَحتَ فؤاءي

وقال الشريف إن السبب في إهماله ما يلزم عليه من تفريق السبب الثقيل من الخفيف، وكلاهما كالصوت الواحد الذي لا تفرق أبعاضه، ولذا أطلق أئمة هذا الفن عليهما اسم الفاصلة، فأفردوهما باسم يختص بهما كالوتد والسبب. وقد سبق الكلام معه في ذلك.

ولنرسم هذه الدائرة على هذه الصورة: فإذا ابتدأت من أول علامة وانتهيت إلى الآخر حدث بحر الوافر، ومن أول السبب الثقيل إليه بحر الكامل، ومن أول السبب الخفيف إليه البحر المهمل الذي ذكرناه، وسموه بالمتوفر.

وإنما سميت هذه الدائرة بدائرة المؤتلف لائتلاف أجزائها وتماثلها، لأن بحريها المستعملين مركبان من أجزاء سباعية فتماثلت لذلك.

الدائرة الثالثة دائرة المجتلب وإليها أشار باللام من قوله. (لذ، والذال ملغاة. وتشتمل على ثلاثة أبحر كلها مستعمل، ولا مهمل فيها، وهي مسدسة الأجزاء، قال الشريف. (ولم ينص الناظم على أنها مسدسة الأجزاء، لأن ما أشار إليه من التسديس عند ذكر الدائرة الثانية منسحب حكمه على جميع ما يذكر بعده حتى ينسخه بذكر التثمين عند الإشارة إلى الدائرة الخامسة، فاستصحب لهذه الدائرة والتي بعدها حال التسديس الذي نبه عليه أولاً بقوله (ستة).

إذا تقرر ذلك فالأول من أبحر هذه الدائرة هو الهزج، ووزنه (مفاعيلن) ست مرات. أشار إليه بالباء من قوله (بل) المشار بها (بسهميها)، واللام ماغاة، ولا يقع بإلغائها لبس، فإنها وإن كانت من الأحرف المرموز بها للدوائر فقد تقدم الرمز بها للدائرة في قوله (لذ) فلم يكن بالذي يعود إليها بعد أن فرغ منها.

البحر الثاني الرجز، ووزنه (مستفعلن) المجموع الوتد ست مرات. أشار إليه بالواو من قوله (وف) المشار بها إلى (وقعيهما)، والفاء لغو، ولا لبس يقع بها وإن كانت رمز دائرة المؤتلفة لأنها قد تقدمت فلا يظن به الرجوع إليها بعد انتهاء الكلام عليها كما مر.

البحر الثالث الرمل، ووزنه (فاعلاتن) المجموع الوتد ست مرات. أشار إليه بالزاي من قوله (زن) المشار ها إلى (زائرتي) والنون ليست من حروف الرمز أصلاً فهي ملغاة ولا لبس.

ولترسم هذه الدائرة على هذه الصورة: فمن أول علامة إلى الآخر بحر الهزج. ومن أول السبب الأول إليه بحر الرجز، ومن أول السبب الثاني إليه بحر الرمل.

وسميت بدائرة المجتلب، لأن أجزاءها كلها اجتلبت من دائرة المختلف إليها، فمفاعيلن من الطويل، ومستفعلن من البسيط، وفاعلاتن من المديد.

فإن قلت: لم حكم باجتلابها من هناك إلى هنا دون العكس؟ قلت: أجاب الصفاقسي عنه بوجهين: الأول أن فائدة الاجتلاب إنما هي الاستعمال، وهي كلها هنا مستعملة بخلافها في دائرة المختلف، لأن بعضها مهمل. الثاني أن كل أجزاء هذه الدائرة في دائرة المختلف دون العكس.

فإن قلت: الذي في دائرة المختلف وليس في هذه هو (فعولن وفاعلن)، فجاز أن يكونا مجتلبين إليها من دائرة المتفق، إذ لا يشترط في الاجتلاب أن يكون من دائرة واحدة. ولئن سلم فيكفي اختلاف البعض في التسمية، قلت: أورده الصفاقسي أيضاً ثم قال: (ويمكن أن يجاب عنه بأن مرادنا من الاستدلال أحد الأمرين، إما المانعية، وإما الترجيح، وما ذكرتموه إنما ينفي المانعية ولا يلزم من انتفائها انتفاء الترجيح.

الدائرة الرابعة: دائرة المشتبه وإليها أشار بالشين من قوله (شم) والميم ملغاة ولا لبس يلحق بإلغائها لأنها ليست من حروف الرمز أصلاً ورأساً. وهي مسدسة الأجزاء ولم يحتج إلى التنصيص على تسديسها لما سبق.

وتشتمل على تسعة أبحر منها ستة مستعملة، والثلاثة الباقية مهملة.

فأما المستعملة فالأول منها بحر السريع. ووزنه (مستفعلن مستفعلن مفعولات)، ومثلها. أشار إلى الجزأين الأولين بالواوين المتتاليتين من قوله (ووطء) المشار بها إلى (وقعيهما وقعيهما) وأشار إلى الجزء الثالث بالطاء المشار بها إلى (طولاهن).

فكأنه يقول: دائرة المشتبه منها بحر وزنه: (وقعيهما طولاهن) ومثلهن.

الثاني: بحر المنسرح، ووزنه (مستفعلن مفعولات مستفعلن)، ومثلها. أشار إلى هذه الأجزاء مرتبةً على هذا النمط بالواوين والطاء من قوله (وطول) المشار بهن إلى (وقعيهما طولاهن وقعيهما) كما سلف واللام لغو ليست من أحرف الرمز المشار به إلى الأجزاء ولا تلتبس باللام المرموز بها لدائرة المجتلب لما سبق.

الثالث: بحر الخفيف، وزنه (فاعلاتن مستفع لن فاعلاتن) ومثلها. وفاعلاتن هذه مجموعة الوتد ومستفع لن مفروقته كما سينطق لك به فك الدائرة بإذن الله تعالى. وأشار الناظم إلى أجزاء هذا البحر الثلاثة مسوقة على هذا الترتيب بالزائين والتاء بينهما من قوله: (عزيز)، المشار بهن إلى (زائرائي يعتادها زائرتي) والعين ملغاة لا يقع بها التباس أصلاً، وكذا الكاف والميم الواقعان بعد الرمز.

الرابع: بحر المضارع، ووزنه (مفاعيلن فاع لاتن مفاعيلن)، وثلها.

(وفاع لاتن) هذه مفروقة الوتد لما ستعرفه. وأشار الناظم إلى ذلك بالباءين والدال الواقعات في قوله (بدعبلكم) المشار بهن إلى (بسهميهما دار كوني بسهميهما) والعين واللام والكاف والميم كلها ملغاة لا ينشأ بإلغائهن ليس كما سبق.

الخامس: بحر المقتضب ووزنه (مفعولات مستفعلن مستفعلن) ومثلها.

(ومستفعلن هذه مجموعة الوتد. وأشار الناظم إلى ذلك بالطاء والواوين بعدهما من قوله (طووا) المشار بهن إلى (طولاهن وقعيهما وقعيهما). فإن قلت: الألف بعد (طووا) ملغاة والالتباس بإلغائها واقع فإنها من الأحرف المرموز بها للأجزاء، وهي رمز (لأصابت)، قلت: لا إلباس، وذلك لأنه قد علم أن كل بيت في الدائرة مركب من مصراعين، وكل مصراع منهما مماثل للآخر، فلو كانت الألف مشاراً بها إلى (أصابت) للزم أن يكون هذا البحر مثمناً.؟ والغرض أنه مسدس، وأيضاً فقد علم أنه لا خماسي بهذه الدائرة من الأبحر السابقة فانتفى اللبس واتضح الأمر.

السادس: بحر المجتث ووزنه (مستفع لن فاعلاتن) ومثلها. (ومستفع لن) هذه مفروقة الوتد، (وفاعلاتن) مجموعته كما يتبين لك. وأشار الناظم إلى هذه الأجزاء مسرودةً على هذا الوجه بالياء والزايين بعدها من قوله (يعزز) المشار بهن إلى (يعتادها زائراتي زائراتي)، والعين ملغاة، ولا لبس. فهذه الأبحر الستة هي المستعملة من أبحر هذه الدائرة، وأما المهملة فثلاثة كما سبق.

البحر الأول بحر وزنه (فاعلاتن فاعلانت مستغفع لن)، ومثلها (ومستفع لن) هذه مفروقة في الوتد لأنه مكان (لات) من (مفعولات) الذي هو الجزء الثالث من بحر السريع، وذلك لأن ابتداء (مستفع لن) من عينه كما ستراه.

ولم تضع العرب عليه شيئاً، وبيته من شعر المولدين:

ما لِسلمى في البرايا من مُشبهٍلا ولا البدرُ المنير المُسْتكملُ

قال الصفاقسي: (وزعم الزجاج أن سبب اطراحه ما يلزم عليه لو تم من وقوع (مستفع لن) المفروقة الوتد في العروض، وهو مجتنب عندهم لأنها عمدة، والأسباب مع الوتد المفروق ضعيفة، ولهذا لم يجيء السريع تاماً. قال الصفاقسي: وأقول: اللازم عليه في السريع كذلك، وتمامه أنه لو جزىء لالتبس بمجزوء الرمل. قال: واعترضه أبو الحكم بأن اطراحهم تام السريع ليس لضعف الأسباب مع الوتد المفروق بل للزوم الوقف على المتحرك. ووهمه الصفاقسي بأن الزجاج إنما علل تمام العروض لا تمام الضرب، والعروض ليست محل وقف فيمتنع تحرك آخرها لأنها في حشو البيت.

البحر الثاني المهمل بحر وزنه (مفاعيلن فاع لاتن) ومثلها، (وفاع لاتن) هذه مفروقة الوتد لأن ابتداءها من أول الوتد المفروق، وبيته من قول المولدين:

لقد ناديتُ أقواماً حين جابواوما بالسمع مِن وَقْرٍ لو أجابوا

قال الصفاقسي: وعلل الزجاج اطراحه بما تقدم، وفيه ما فيه، وتمامه أنه لو جزىء لا لتبس بمجزوء الهزج.

البحر الثالث المهمل بحر وزنه (فاع لاتن مفاعيلن مفاعيلن) ومثلها، (وفاع لاتن) هذه مفروقة الوتد لانفكاكها من أول وتد مفروق، ولا علة لاطراحه لا تاماً ولا مجزوء إلا عدم السماع، وبيته من قول المحدثين:

مَن مُجبري من الأشجانِ والكربِمن مُديلي من الإبعاد بالقُربِ

وهذه صورة هذه الدائرة: وكيفية الفك منها أنك تبتدئ من أول علامة إلى الآخر فيحدث بحر السريع، ومن أمل السبب الثاني إليه البحر الأول المهمل، ومن أول الوتد المجموع الذي يلي ذينك السببين إليه البحر الثاني المهمل، ومن أول الجزء التالي لهذا الجزء إليه بحر المنسرح، ومن أول سببه الثاني إليه بحر الخفيف، ومن أول الوتد المجموع إليه بحر المضارع، ومن أول الجزء الثالث إليه بحر المقتضب، ومن أول سببه الثاني إليه بحر المجتث، ومن أول الوتد المفروق إليه البحر الثالث المهمل. وهذا آخر دائرة المشتبه.

سميت بذلك لاشتباه أبحرها. حكى ابن القطاع أن فحول الشعراء غلطوا في بحورها فأدخلوا بعضها على بعض في القصيدة الواحدة توهماً منهم أنه بحر واحد، منهم مهمل، ومرقش، وعبيد بن الأبرص، وعلقمة بن عبدة، ووقع من ذلك قصيدة للطرماح حكاها أبو المعري.

فإن قلت: المستفر عندهم أن تبدأ كل دائرة بما كان من أبحرها مصدراً بوتد مجموع لقوته فيجعل أصلاً لتلك الدائرة وتفك البحور الباقية منه، وهذه الدائرة من جملة أبحرها المستعملة بحر المضارع، وهو مصدر بوتد مجموع 'ذ وزنه (مفاعيلن فاع لاتن مفاعيلن)، فما بالهم لم يجعلوه أصلاً لهذه الدائرة، بل عدلوا عن ذلك وجعلوا أصلها بحر السريع، قلت: أجابوا عن ذلك بأن الجزء الأول من المضارع معلول أبداً للزوم المراقبة فيه، وليس في أول الدوائر المتقدمة بيت معلول فرفض البدء به لهذا.

ورده الصفاقسي بأن لزوم إعلال المضارع في الاستعمال لا في الدائرة، والعبرة في الفك بما في الدائرة، ثم كل من الإعلال والبدء بالسريع مخالف للقياس فلم يرفض أحدخما ويرتكب الآخر؟ قال: والأولى عندي أن يقال إن المضارع لما قل في كلامهم صار كالمهمل، ولذا أنكره الزجاج، والمهمل لا يكون ابتداء الفك منه، فكذا ما أشبهه، فابتدؤا حينئذ بالسريع لخفته وحسن ذوقه.

قلت: لا نسلم أن قلة المضارع تصيره كالمهمل، ولا أن إنكار الزجاج له يصيره أيضاً في حكم المهمل، كيف والخليل ﵀ هو الذي جعل أول هذه الدائرة بحر السريع وعدل عن ابتدائها بالمضارع، فهل يحسن مع ذلك أن يقال إن الخليل رأى إنكار الزجاج للمضارع يصيره كامهمل فلم يبدأ الدائرة به؟ هذا ما لا يتصور أن يقال.

الدائرة الخامسة: دائرة المتفق أشار إليها الناظم بالقاف من قوله (قس) والسين ملغاة لا يقع بها إلباس، وهي مثمنة الأجزاء، وإلى ذلك أشار بقوله (تثمين)، وفيها عند الخليل بحر واحد مستعمل وهو المتقارب، ووزنه (فعولن) ثماني مرات، وأشار إلى هذا الجزء بالألف من قوله (أشرف) المشار بها إلى (أصابت) وما بعد الألف ملغى لا يلتبس بأحرف الرمز، ولا يشكل إذا تأملت.

ويخرج منه بحر وزنه (فاعلن) ثماني مرات، ولم يذكره الخليل واستدركه المحدثون، فسمي بالمتدارك، والمحدث والمخترع. قالوا: ولم يستعمل إلا مخبوناً، وحكوا له عروضاً وضرباً مخبونين كقوله:

كرةٌق طُرحتْ بصوالجةٍفتلّقفها رجلٌ رجلُ

قالوا: وشذت له عروض مجزوءة ذات أضرب ثلاثة مجزوءة، الأول مرفل مذيل كقوله:

دار سُعدى بشجرش عُمانقد كفاهاالبِلى المَلَوانْ

الثاني مذيل كفوله:

هذه دارهم أقفرتأم زبورٌ محتها الدهور

الثالث مثلها كقوله:

قِفْ على دارهم وابكهابين أطلالها والدّمَنْ

ويستعمل فاعلن في هذا البحر على فعلن بإسكان العين في البيت كله كقوله:

مالي مالٌ إلاّ درهمأو برذَوني ذاك الأدهمْ

وقد اختلف في الذي صيره إلى (فعلن) فقيل دخله الخبن، ثم أضمر تشبيهاً لثانية حينئذ بثاني السبب الثقيل. وقيل: دخله القطع وجرت العلة فيه مجرى الزحاف، فاستعملت في الحشو ولم تلزم. وقيل: دخله التشعيث فذهبت اللام منه فصار فاعن فنقل إلى (فعلن).

ويسمى هذا الوزن بقطر الميزاب، وصوت الناقوس، وركض الخيل. وعليه جاء قول الحصري:

ياليلَ الصبّ متى غدُهُأقيامُ الساعة موعدُهُ
رقد السُّمارُ فأرقهُأسفٌ للبين يرددهُ
للشاعر أبو الحسن الحصري، اقرأ القصيدة

إلا أنه لم يستعمله في جميع الأجزاء إشعاراً بأن مثل ذلك من قبيل الجائز لا الواجب، وهذه صورة هذه الدائرة: فمن أول الوتد المجموع إلى آخر العلامات بحر المتقارب، ومن أول السبب الخفيف إليه بحر المتدارك.

وسميت هذه الدائرة بدائرة المتفق لاتفاق أجزائها. واعلم أن الخطيب التبريزي سمى الدائرة الثالثة بدائرة المشتبه لاشتباه أجزائها، وسمى الدائرة الرابعة بدائرة المجتلب لكثرة أبحرها، مأخوذ من الجلب وهو الكثرة، وفي نسخة الشريف ما يقتضى ذلك فوقع فيها (خف شاق) بتقديم الشين على اللام، ووقع فيها البيتان اللذان بعد ذلك هكذا:

خَ ثَمِّنْ أبِن زَهر وله فلستِّةٍجَلَتْ حضّ شَمِّرْ بل وفُزنَ لذُووِطا
وطولُ عزيزٍ كمْ بد عبلكُم طَوَوايُعزِّزُ قِسْ تَثمينَ أشرفَ ما تَرَى

قال الشريف: وقول الناظم (قس تثمين أشرف ما ترى) جاء بالقاف رمزاً على الدائرة الخامسة، وهي دائرة المتفق، ثم نص على تثمينها وأتى بالألف رمزاً على (فعولن) لأنه أول جزء، وهو الذي أراد بقوله (أشرف ما ترى) أي هو أول ما ترى من الأجزاء في الترتيب الذي قدم فجعل له الشرف بالتقديم، ولم يأت بعد ذلك بما يدل على شيء من الأجزاء فأفاد أن هذه الدائرة ليس لها إلا شطر واحد مبني من (فعولن) ثماني مرات، وهو شطر المتقارب، انتهى.

وسلك أمين الدين المحلى في ترتيب الدوائر غير هذه الطريقة، وبنى ذلك على أصلين: أحدهما أن ما كان أبسط أو أقرب إلى البساطة فهو أولى بالتقديم مما ليس كذلك، وثانيهما أن أصول التقاعيل أربعة وباقي العشرة فروع، فقدم دائرة (فعولن) لكونه خماسياً فهو أقرب إلى البساطة من السباعي، ثم ثنى بدائرة (مفاعيلن) لأنه مؤلف من وتد وسببين خفيفين، ثم ثلث بدائرة مفاعلتن المؤلف من وتد وسببين أحدهما ثقيل، ثم قدم دائرة (فعولن مفاعيلن) على دائرة (مستفعلن مستفعلن مفعولات) لتركب الأولى من خماسي وسباعي، والثانية من سباعيين متماثلين وسباعي مخالف لهما، فلما كانت الأولى أقرب إلى البساطة من الثانية قدمت عليها.

فترتيب الدوائر عنده هكذا: دائرة الوتفق، ثم دائرة المجتلب، ثم دائرة المؤتلف، ثم دائرة المختلف، ثم دائرة المشتبه.

واعترضه أبن واصل بأن هذا مخالفة للخليل بن أحمد صاحب الفن، وجميع من أتى بعده من أهل العروض من غير ضرورة تدعو إلى مخالفتهم، بل بمجرد مناسبة ضعيفة، مع أن ما ذكره الإمام ﵀ واقتفى القوم أثره فيه له وجه من المناسبة، إن لم يكن أحسن مما ذكره المحلى فليس بدونه، ونترجح نحن بسبب موافقة جميع أهل الفن فنقول: إنما قدمت دائرة المختلف لاشتماها على الطويل والبسيط اللذين هما أشرف من سائر البحور لطولهما وحسن ذوقها وكثرة ورودهما في أشعار العرب، وقد قال أبو العلاء المعري في كتابه جامع الأوزان: أن أكثر أشعار العرب من الطويل والبسيط والكامل، ومن تصفح أشعارهم وقف على صحة ذلك، وأيضاً فكل بحور هذه الدائرة مثمن، والتثمين أشرف من التسديس لأن الثمانية زوج زوج ينتهي في التحليل إلى الواحد، بخلاف الستة التي هي زوج فرد، ولا يرد علينا دائرة المتقارب إذ تفاعيلها ثمانية لأن هذه ترجحت بطول بحورها لتركبها من خماسي وسباعي، وبكثرة ما يخرج منها من البحور، وبكثرة الاستعمال، بخلاف تلك.

ثم قدمت دائرة المؤتلف على دائرة المجتلب، إما لأن دائرة المؤتلف من بحورها الكامل، وهونظير الطويل والبسيط في حسن الذوق وكثرة الاستعمال في شعر العرب، وإما لأن دائرة المجتلب كالفرع لغيرها لأن بحورها مجتلبة من دائرة الطويل وهذه لم تجتلب بحورها من غيرها، فهي أصل في نفسها.

ثم تقدمت دائرة المجتلب على دائرة المشتبه لأن أوتاد دائرة المجتلب كلها مجموعة، ودائرة المشتبه كل بحر من بحورها فيه وتد مفروق، والمجموع أشرف ثم تقدمت دائرة المجتلب على دائرة المشتبه لأن أوتاد دائرة المجتلب كلها مجموعة، ودائرة المشتبه كل بحر من بحورها فيه وتد مفروق، والمجموع أشرف من المفروق لقوته، ولهذا لم يأت إلا في دائرة المشتبه وحدها، والمجموع أتى في الدوائر كلها.

ثم قدمت دائرة المشتبه على دائرة المتفق لأنها سباعية التفاعيل ودائرة المتفق خماسية، والسباعي أشرف من الخماسي، وأيضاً فبحور دائرة المشتبه أكثر لأنها تسعة، ستة منها مستعملة وثلاثة مهملة، ودائرة المتفق لا يخرج منها إلا بحران أحدهما مستعمل والآخر مهمل، فكانت دائرة المشتبه أولى بالتقديم لا سيما ومن بحورها السريع والمنسرح والخفيف، وهذه أكثر في الاستعمال من المتقارب فظهر بما ذكرنا وجه المناسبة في ترتيب الدوائر على مذهب الفخليل ومن تبعه من العروضيين، فالمصير إليه أولى، والله الموفق، قال: فمنها انبنى المصراع والبيت منه والقصيدة من أبيات بحر على استوا أقول: بيت الشعر له نصفان، وكل واحد منهما يسمى مصراعاً تشبيهاً له بمصراع الباب، فجعل الناظم ﵀ المصراع مبيناً من أجزاء التفعيل الولقعة في الدوائر المتقدمة على حسب الترتيب المذكور فيها، فضمير المؤنث من قوله (فمنها) عائد على الأجزاء المذكورة كيف هي هناك، وضمير المذكر من قوله (منه) عائد إلى المصراع، أي أن بيت الشعر ينبني من المصراع إذ هو نصفه، ولابد للبيت من نصفين، فهو إذن مؤلف من المصراع، والقصيدة تنبني من أبيات بحر واحد بشرط أن تكون الأبيات كلها مستوية في أعداد الأجزاء، وفيما يجوز فيها أو يلزم أو يمتنع احترازاً بأن لا تستوي الأبيات في عدد الأجزاء، كما إذا نظم شاعر أبياتاً من بحر البسيط مثلاً بعضها واف وبعضها مجزوء فلا يمكن نظمها مع اختلاف عدد الأجزاء في سلك واحد، بحيث ينطلق على مجموعها قصيدة واحدة، واحترازاً من أن تستوي الأبيات في عدد الأجزاء ولا تستوي في الأحكام، كما إذا نظم أبياتا من بحر الطويل بعضها ضربه تام، وبعضها ضربه مقبوض، وبعضها ضربه محذوف، فلا يمكن أن يجعل مجموع ذلك قصيدة واحدة.

قال الشريف (والقصيدة مؤلفة من أبيات بحر واحد بشرط أن لا تختلف الأبيات، وذلك بأن تكون مستوية في الأحكام اللازمة. وقد قيل: لا تسمى الأبيات قصيدة حتى تكون عشرةً فما فوقها، وقيل أزيد من عشرة وقيل حتى تجاوز سبعةً، وما دون ذلك قطعة.

والقصيد جمع القصيدة من الشعر. قال في الأساس: أصله من القصيد وهو المخ السمين المكتنز الذي يتقصد، أي ينكسر، إ'ذا استخرج من قصته لسمنه فسموه به كما يستعار السمين للكلام الجزل، والغث للردى منه. وقيل القصيد فعيل بمعنى مفعول، لأن الشاعر قصده بتجويده وتنقيخه. قال:

وقُلْ آخرُ الصدرِ العروضُ ومثُلهمن العَجُزِ الّضربُ اعلمِ الفرقَ باعِتنا
للشاعر عبد الله بن محمد الخزرجي، من قصيدة «وللشعر ميزان تسمى عَروضَهُ»

أقول: تقدم أن المصراع هو نصف البيت، أعم من أن يكون نصفه الأول أو الثاني، فإن كان هو النصف الأول سمي صدراً، وإن كان هو النصف الثاني سمي عجزاً، والجزء الأخير من الصدر يسمى عروضاً.

وقد سبق أن العروض يطلق في الاصطلاح على هذا العلم، فقيل هو حقيقة في العلم مجاز في هذا، من باب إطلاق اسم الكل على الجزء، وقيل بالعكس من باب إطلاق اسم الجزء على الكل. قال الصفاقسي: والحق أنه مجاز في الجزء لكن ليس حقيقته هذا العلم، بل لشبهه بوسط البيت المسكون، فإنه يقال له عروض، حكاه ابن سيده في (المحكم) ووجه الشبه أن بيت الشعر سمي بيتا لأنهم بنوه على أسباب وأوتاد كالبيت المسكون، لأن الحبال أسباب. ولهذا، فإنه يقال له عروض، حكاه ابن سيده في (المحكم) ووجه الشبه أن بيت الشعر سمي بيتا لأنهم بنوه على أسباب وأوتاد كالبيت المسكون، لأن الحبال أسباب. ولهذا، فإنه يقال له عروض، حكاه ابن سيده في (المحكم) ووجه الشبه أن بيت الشعر سمي بيتا لأنهم بنوه على أسباب وأوتاد كالبيت المسكون، لأن الحبال أسباب. ولهذا، فإنه يقال له عروض، حكاه ابن سيده في (المحكم) ووجه الشبه أن بيت الشعر سمي بيتا لأنهم بنوه على أسباب وأوتاد كالبيت المسكون، لأن الحبال أسباب. ولهذا، فإنه يقال له عروض، حكاه ابن سيده في (المحكم) ووجه الشبه أن بيت الشعر سمي بيتا لأنهم بنوه على أسباب وأوتاد كالبيت المسكون، لأن الحبال أسباب. ولهذا، فإنه يقال له عروض، حكاه ابن سيده في (المحكم) ووجه الشبه أن بيت الشعر سمي بيتا لأنهم بنوه على أسباب وأوتاد كالبيت المسكون، لأن الحبال أسباب. ولهذا، فإنه يقال له عروض، حكاه ابن سيده في (المحكم) ووجه الشبه أن بيت الشعر سمي بيتا لأنهم بنوه على أسباب وأوتاد كالبيت المسكون، لأن الحبال أسباب. ولهذا، فإنه يقال له عروض، حكاه ابن سيده في (المحكم) ووجه الشبه أن بيت الشعر سمي بيتا لأنهم بنوه على أسباب وأوتاد كالبيت المسكون، لأن الحبال أسباب. ولهذا لملم يلحقوا التغيير "إلا في الأسباب لا في الأوتاد، فحقيقته حينئذ هي عروض البيت المسكون. وقد ذهب بعض العروضيين إلى أن النصف الأول بكماله هو العروض، والأول أصح لكمال الشبه فيه كما مر.

قلت: فيه مناقشتان، معنوية ولفظية، أما المعنوية فدعواه أنهم لم يلحقوا التغيير إلا في الأسباب ليست بصحيحة، بل ألحقوا التغيير في الأسباب والأوتاد جميعاً. نعم التغيير العارض على وجه الجواز لا اللزوم إنما يلحق الأسباب، وهو المعبر عنه عندهم بالزحاف، ولا شك أن هذا مراده، لكنه لو يحرر التعبير عنه.

وأما اللفظية فعطفه بلا بعد الحصر بإلا غير جائز عندهم على ما صرح به البيانيون، وإن وقع الزمخشرى في مثله في مواضع من الكشاف.

وقوله: (اعلم الفرق باعتنا) أي اعلم الفرق بين العروض والضرب حال كونك مصاحباً للاعتناء بهذا الأمر، وذلك لأن هذين اللقبين يكثر دورهما بين القوم ولهما أحكام كثيرة مهمة، فالاعتناء بشأنهما شديد. وجوز الشريف فيه معنى آخر، وهو أن يكون المراد اعلم الأحكام التي تفارق فيها الضروب الأعاريض، أو التي تفارق فيها الضروب الأعاريض غيرها من أجزاء البيت، فإنها أكيدة يجب الاعتناء بها، لأن الأعاريض والضروب محل للأحكام اللازمة، وهي الفصول والغايات، فإذا لزم العروض أو الضرب حكم في بيت من القصيدة أو القطعة وجب أن يتساوى فيه جميع الأبيات، وهو الذي أشار إليه بالاستواء في البيت الأول. قلت: فيه بعد فتأمله.

وقد كنت كتبت لبعض الأصحاب لغزاً في خيمة، ونحن إذ ذاك بمخيم الحجاج بظاهر دمشق في يوم الاثنين الخامس عشر من شوال سنة ثمانمائة وقعت التورية فيها بألفاظ دائرة بين أهل العروض، ولا بأس بإيرادها هنا. قلت:

أمولاى زين الدين يامَنَ ظلالُهوَقَتْنا أذى الرّمضاء في البُعد والقربِ
ومَنَ صَحِبَ العلياءَ فهو خليلهاوخيَّم في أفقْ الكمال بلا عُجبِ
أحاجيكَ في بيتٍ تحررَ نظمُهوأوتادُه للكسر دائمةُ الكَسبِ
فوائدُهُ يستروحُ القلبُ نحوهاويبحث في الأسفار عنها ذوُو اللبِ
ويُضرب إذ تبدو العروضُ بوسطهفيا حبذا تلك العروض مع الضربش
فيالكض بيتاً وافرَ الُحسن كاملاًدوائرهُ أمست تدورُ على قُطبِ

قال:

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «العيون الغامزة على خبايا الرامزة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.