من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ومما وصفت به
أن صعيدها حجازىّ. حجره كحجر الحجاز ينبت النخل والدّوم (وهو شجر المقل)، والعشر، والقرظ، والإهليلج، والفلفل، والخيار شنبر. وأسفل أرضها شامىّ: يمطر كمطر الشام، وتقع فيه الثلوج، وينبت التين والزيتون والعنب والجوز واللّوز والفستق وسائر الفواكه، والبقول والرياحين.
وهى ما بين أربع صفات: فضة بيضاء، أو مسكة سوداء، أو زبرجدة خضراء، أو ذهبة صفراء. وذلك أن النيل يعمّ أرضها فتصير كالفضة البيضاء، ثم ينصبّ عنها فتصير مسكة سوداء، ثم تزرع فتصير زبرجدة خضراء، ثم تستحصد فتصير ذهبة صفراء.
وحكى ابن زولاق فى «فضائل مصر» أن أميرها موسى بن عيسى [الهاشمى] وقف بالميدان عند بركة الحبش، فالتفت يمينا وشمالا، وقال لمن كان معه: أترون ما أرى؟ قالوا: وما يرى الأمير؟ قال: أرى عجبا ما فى الدنيا مثله! فقالوا: يقول الأمير! فقال: أرى ميدان رهان، وحيطان نخل، وبستان شجر، ومنازل سكنى، وذروة جبل، وجبّانة أموات، ونهرا عجّاجا، وأرض زرع، ومراعى ماشية، ومراتع خيل، وساحل بحر. [وصائد نهر] وقانص وحش، وصائد سمك، وملّاح سفينة، وحادى إبل، ومفازة رمل، وسهلا، وجبلا! فهذه ثمانية عشر متنزّها فى أقل من ميل فى ميل.
وأين هذه الأوصاف من وصف الواصف لقصر أنس بالبصرة حيث يقول:
زر وادى القصر نعم القصر والوادى!لا بدّ من زورة من غير ميعاد
زره فليس له شىء يشاكلهمن منزل حاضر إن شئت أو بادى
ترى به السّفن والظّلمان حاضرةوالضبّ والنون والملّاح والحادى
وقال أبو الصلت أمية بن عبد العزيز الأندلسىّ، يصف جبل الرّصد مثل ما وصف به قصر أنس:
يا نزهة الرّصد المصرىّ قد جمعتمن كلّ شىء حلا فى جانب الوادى
فذا غدير، وذا روض، وذا جبل:فالضّبّ والنّون والملّاح والحادى
فهذه نبذة من فضائل مصر. ولولا الرغبة فى الاختصار، لكانت فضائلها تكون كتابا مفردا.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع