تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

فمن أخبار الكهنة، خبر سطيح الكاهن

حين ورد عليه ابن أخته عبد المسيح وهو يعالج الموت، فأخبره خبر ما جاء لأجله، وذلك أنه لما كانت الليلة التى ولد فيها رسول الله ﷺ ارتجس إيوان كسرى، وسقط منه أربع عشرة شرفة، وخمدت نار فارس، ولم تكن خمدت قبل ذلك بألف عام، وغارت بحيرة ساوة، ورأى الموبذان إبلا صعابا تقود خيلا عرابا قد قطعت دجلة وانتشرت في بلاد فارس، فلما أصبح كسرى تصبّر تشجّعا ثم رأى أن لا يكتم ذلك عن وزرائه ومرزبته، فلبس تاجه، وقعد على سريره، وجمعهم وأخبرهم الخبر فبيناهم كذلك إذ ورد عليهم كتاب بخمود النار فازداد غمّا وسأل الموبذان وكان أعلمهم فقال: حادث يكون من قبل العرب، فكتب كسرى الى النّعمان ابن المنذر: أن وجّه الىّ رجلا عالما بما أريد أن

أسأله عنه فوجّه اليه عبد المسيح بن حسّان بن نفيلة الغسّانىّ فقال له كسرى:

أعندك علم بما أريد أن أسألك عنه؟ قال: ليخبرنى الملك فإن كان عندى منه علم، وإلّا أخبرته بمن يعلمه، فأخبره بما رآه فقال: علم ذلك عند خال لى يسكن مشارق الشام يقال له: سطيح، فأرسله كسرى اليه فورد على سطيح وقد أشفى على الموت فسلّم عليه وحيّاه فلم يحر سطيح جوابا فأنشد يقول

أصمّ أم يسمع غطريف اليمنأم فاز فازلمّ به شأو العنن؟
يا فاصل الخطّة أعيت من ومنوكاشف الكربة عن وجه الغضن
أتاك شيخ الحىّ من آل سننوأمّه من آل ذئب بن حجن
أزرق ممهى الناب صرّار الأذنأبيض فضفاض الرّداء والبدن
رسول قيل العجم يسرى بالوسنلا يرهب الرعد ولا ريب الزمن
يجوب في الأرض على ذات شجنترفعنى وجنا وتهوى بى وجن
حتى أتى عارى الجآجى والقطنتلفّه في الريح بوغاء الدّمن

كأنما حثحث من حضنى ثكن

ففتح سطيح عينيه ثم قال: عبد المسيح، على جمل مشيح، أتى الى سطيح، وقد أوفى على الضريح، بعثك ملك بنى ساسان، لارتجاس الإيوان، وخمود النيران، ورؤيا الموبذان؛ رأى إبلا صعابا، تقود خيلا عرابا، قد قطعت دجلة وانشرت في بلاد فارس، يا عبد المسيح اذا كثرت التلاوه، وبعث صاحب الهراوه، وفاض وادى السماوه، وغاصت بحيرة ساوه، وخمدت نار فارس؛ فليس الشام لسطيح شاما، ولا بابل للفرس مقاما، يملك فيهم ملوك وملكات، بعدد الشّرفات، وكلّ ما هو آت آت؛ ثم قضى سطيح لوقته، فثار عبد المسيح الى رحله وهو يقول

شمّر فإنك ماضى العزم شمّيرلا يفزعنّك تفريق وتغيير
إن كان ملك بنى ساسان أفرطهمفإن ذا الدهر أطوار دهارير
فربّما ربّما أضحوا بمنزلةتهاب صولهم الأسد المهاصير
منهم أخو الصّرح بهرام وإخوتهوالهرمزان وسابور وشابور
للشاعر عبد المسيح بن بقيلة الغساني، اقرأ القصيدة
والناس أولاد علّات فمن علمواأن قد أقلّ فمحقور ومهجور
للشاعر عبد المسيح بن بقيلة الغساني، اقرأ القصيدة
وهم بنو الأمّ أمّا إن رأوا نشبافذاك بالغيب محفوظ ومنصور
والخير والشرّ مقرونان في قرنفالخير متّبع والشرّ محذور
للشاعر الخبز أرزي، من قصيدة «كل الأمور فميسور ومعسور»

فلما قصّ الخبر على كسرى قال: الى أن يملك منّا أربعة عشر تكون أمور؛ فملك منهم عشرة في أربع سنين، وملك الباقون الى زمن عثمان رضى الله عنه.

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.