تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

الباب الخامس من القسم الثانى من الفن الثانى فى الألغاز والأحاجىّ

قالوا: واشتقاق اللّغز من ألغز اليربوع ولغز: إذا حفر لنفسه مستقيما، ثم أخذ يمنة ويسرة ليوارى بذلك ويعمّى على طالبه. وللّغز أسماء فمنها: المعاياة، والعويص، والرمز، والمحاجاة، وأبيات المعانى، والملاحن، والمرموس، والتأويل، والكناية،

والتعريض، والإشارة، والتوجيه، والمعمّى، والممثّل، ومعنى الجميع واحد، واختلافها بحسب اختلاف وجوه اعتباراته، فانك إذا اعتبرته من حيث إن واضعه كأنه يعاييك، أى يظهر إعياءك وهو التعب، سميته: معاياة، وإذا اعتبرته من حيث صعوبة فهمه واعتياص استخراجه، سمّيته: عويصا، وإذا اعتبرته من حيث إنه قد عمل على وجوه وأبواب، سمّيته: لغزا، وفعلك له: إلغازا، واذا اعتبرته من حيث إن واضعه لم يفصح عنه قلت: رمز، وقريب منه الإشارة، وإذا اعتبرته من حيث إن غيرك حاجاك أى استخرج مقدار عقلك، سمّيته: محاجاة، وإذا اعتبرته من حيث إنه استخرج كثرة معانيه، سمّيته: أبيات المعانى، وإذا اعتبرته من حيث إنّ قائله قد يوهمك شيئا ويريد غيره، سميته: لحنا وسميت فعلك: الملاحن، وإذا اعتبرته من حيث إنه ستر عنك ورمس فهو: المرموس، والرمس: القبر، وإذا اعتبرته من أن معناه يؤوّل اليك، سميته: مؤوّلا، وسميت فعلك: تأويلا، وإذا اعتبرته من حيث إن صاحبه لم يصرّح بغرضه، سميته: تعريضا وكناية، وإذا اعتبرته من حيث إنه ذو وجوه، سميته: الموجّه، وسميت فعلك: التوجيه، وإذا اعتبرته من حيث إنه مغطّى عليك، سمّيته: معمّى.

قال الحكيم أمير الدولة المعروف بابن التلميذ في الميزان

ما واحد مختلف الأسماء؟يعدل في الأرض وفي السماء
للشاعر ابن التلميذ، اقرأ القصيدة
يحكم بالقسط بلا رياءأعمى يرى الرشاد كلّ رائى
للشاعر ابن التلميذ، اقرأ القصيدة
أخرس لا من علّة وداءيغنى عن التصريح بالإيماء
للشاعر ابن التلميذ، اقرأ القصيدة
يجيب إن ناداه ذو امتراءبالرفع والخفض عن النداء
للشاعر ابن التلميذ، اقرأ القصيدة

يفصح إن علّق في الهواء.

قولة: مختلف الأسماء يعنى ميزان الشمس، والآصطرلاب، وسائر آلات الرصد، وهو معنى قوله: يحكم في السماء. وميزان الكلام: النحو، وميزان الشعر:

العروض، وميزان المعانى: المنطق، وهذه الميزان والذراع والمكيال.

وقال آخر فيه ما تقولون؟: فيما نزل من السماء، وعلّق في الهواء، له عين عمياء، وكفّ شلاء، ليس له إن عدل ثواب، ولا عليه إن جار عقاب، خلق من ثلاثة أجناس، تضعضعه الأنفاس، جسمه عار من غير لباس، أخرس اللسان، فى أذنه خرصان، مكرر الذكر فى القرآن، ينطوى اذا نام كالصّلّ، وفعله المستقبل معتلّ، وله في الآخرة أكبر محلّ.

وقال أبو نصر الكاتب في الخاتم

ومنكوح إذا ملكته كفّوليس يكون في هذا مراء
له عين تخلّلها صياءفإن كحلت فللميل العماء
يظلّ طليعة للوصل هوناوللخاشى بزورته احتماء
وقد أوضحته وأبت عنهففسّره فقد برح الخفاء

أراد بقوله: تخلّلها ضياء أى أنها مفتوحة وكحلها بالإصبع؛ وقد يبعث المحبوب بخاتمه علامة للزيارة أو رهنا عليها وهو أمان للجانى.

وقال ابن الرومىّ في فتيلة السراج

ما حيّة في رأسها درّةتسبح في بحر قليل المدى؟
إن غيّبت كان العمى حاضراوإن بدت لاح طريق الهدى!

وقال السرىّ الرفّاء في شبكة الصيّاد

وكثيرة الأحداق إلا أنهاعمياء ما لم تنغمس في ماء
للشاعر السري الرفاء، من قصيدة «وكثيرة الأحداق إلا أنها»
وإذا هى انغمست أفادت ربّهاما لا ينال بأعين البصراء
للشاعر السري الرفاء، من قصيدة «وكثيرة الأحداق إلا أنها»

وقال آخر في النوم

وحامل يحملنىوما له شخص يرى!
إذا حصلت فوقهوهو لذيذ الممتطى!
سريت لا أدرى أفىأرض سريت أم سما!

وقال أبو العلاء المعرىّ في ركابى السرج

خليلان نيطا في جوانب مجلسجداراه قدّام له ووراء!
متى يضع الرّجلين ماش عليهمايزل عنه في وشك حفا وحفاء!

قوله: خليلان لتشابههما، والمجلس: السرج، وجداراه: قربوسه ورادفته، والحفا مقصور: وجع الرّجل، وممدود: من مشى الرجل حافيا بغير نعل.

وقال ابن القاسم عبد الصمد بن نائل في القفل

مجامع يعقد عقد الكلبهإن رامه غيرك جرّ نكبه
ينام كالأمرد لا كالقحبهحتى اذا شكّ القمدّ جنبه
وعالج الجذبة بعد الجذبهوانحلّ بالحقنة لا بالشربه
ألقى جنينا نتجته العزبهثم إذا عاد إليه أشبه
بعض حروف المعجم المنكبهيبغض وهو صادق المحبه
يعتقد السّلم وينوى حربهوهو على ذاك طويل الصحبه

شبّهه بالمجامع: لدخول الفراش في بطنه، وقوله: يعقد عقد الكلبة: فى عسر المفارقة، وإن فتحه غيرك جرّ نكبة عليك لسرقة ما فيه، ينام كالأمرد: لانكبابه، والقمدّ: الذكر وهو المفتاح، والجنين: الفراش، وإذا عاد إليه أشبه حرف الكاف.

وقال في اسم سعيد

يبسم عن أوّل اسمه حبّىثم بثانى حروفه يسبى
ثم بحرفين لو بدا بهماأسدى يدا، صورة اسمها تنبى
أربعة نصفها كجملتهافى العدّ لم تنتقص ولم تربى
هذا وفيه اسم يوم اتّفقتمفاخر العجم فيه والعرب
فأعمل الفكر في تأملهواركب به كلّ مركب صعب

شبّه السين بالثغر، وثانيه العين وهى تسبى القلوب، والحرفان يد وهى أربعة في العدد وستّة في الصورة، وإذا أخذت السين والعين فهى أربعة وهى جملة العدد، وفيه عيد وهو يوم التفاخر بالزينة واللبوس.

وقال ابن أبى البغل الكاتب في القلم

اصمّ عن المنادى لا يجيببه تخبو وتشتعل الخطوب
ضئيل الجسم «أعلم» ليس تخفىعليه غيوب ما تخفى القلوب
تراه راجلا لا روح فيهويحييه وينطقه الرّكوب
يبين لسانه مكنّ سودامعارفه ويخرسه المشيب
يقسّم في الورى بؤسى ونعمىويحكم والقضاء له مجيب
عجبت لسطوة فيه وضعفوكلّ أموره عجب عجيب

أراد بقوله: أعلم: مشقوق الشّفة.

وقال أبو العلاء المعرّى في الملح

وبيضاء من سرّ الملاح ملكتهافلما قضت إربى حبوت بها صحبى
للشاعر أبو العلاء المعري، اقرأ القصيدة
فباتوا بها مستمتعين ولم تزلتحثّهم بعد الطعام على الشّرب
للشاعر أبو العلاء المعري، اقرأ القصيدة

قوله: سرّ أى خالصة، والملاح جمع ملح، والإرب: الحاجة.

وقال آخر في عودى الغناء والبخور

وما شيئان إسمهما سواءوأصلهما معا عند انتساب
إذا حضراك بتّ قرير عينبلا طعم يلذّ ولا شراب
وما أن يوجدان النفع إلّابضرب أو بضرب من عذاب

معنى اسمهما سواء ظاهر، وأصلهما خشب، والضّرب الأول: ضرب العود، والثانى: من العذاب وهو الإحراق.

وقال آخر في الحرب

ما ذات شوك لها جناحيختطف الناس عن قريب
وهى عقيم ترى بنيهامن بين مرد وبين شيب
يأكل بعض البنين بعضاطلوع شمس الى غروب
تصحيفها الداء غير شكقد يحسم الداء بالطبيب
والداء معكوسه مكانيصلح للطائر النجيب
يعرفها من يكون طبّابالشعر والنحو والغريب

هذا لغز معمى في الحرب، وشوكها: السلاح، وجناحاها: جانباها، وعقيم:

لأنها لا تلد، وبنوها: رجالها. وأكلهم: قتلهم. وتصحيفها: الجرب، وعكسه:

برح.

وقال آخر في الثدى

وما أخوان مشتبهان جدّاكما اشتبه الغرابة والغراب
يضمّهما على مرّ الليالىوما اجتمعا ولا افترقا إهاب
لذاك وذا دموع هاملاتولكن كلّ دمعهما شراب
يصونهما عن الأبصار دينويضرب دون نيلهما حجاب

هما: ثديا المرأة، ويضمّهما إهاب: وهو الجلد.

وقال آخر في الفخّ

وما ميّت كفّنته ودفنتهفقام الى حىّ صحيح فأوثقه

وقال آخر وهو لغز

حلف الحبيب علىّ لا سمّيتهفكنيته ولطفت خوف تغاضبه
ظبى! اذا ما زارنى حلّ اسمهقلبى وذلك من عجيب عجائبه
ويكون إن رحمته وخرمتهوقلبته ما تشتهى من صاحبه
ويكون إن صحّفت مبدأه الذىأصبحت تهواه لعين مراقبه
وتراه بعد الجزم إن ميّزت في التصحيفمقلوبا أشدّ معائبه
وحروفها فالنصف منها جذرهاوحساب ذلك غير متعب حاسبه
فاطلبه سادس سادس ثانيه ثانيه وثالثه كذاك لطالبه
وتمامه من بعد مثل حروفهفى البيت صحّ اسم الحبيب لقالبه

هو لغز في فرحة، والترخيم: حذف الآخر، والخرم: حذف الأوّل؛ فاذا رخم وخرم وقلب بقى: حر، واذا قلبت الفاء قافا بقى: قرحة لعين المراقب، واذا صحفته مقلوبا، وجزمت آخره صار: هجر، والنصف من حروفه اثنان، وهما جذر جميع حروفه، وقوله: فاطلبه سادس سادس: يعنى البيت السادس.

وقال آخر في سلمى

سل ماهرا بالقريض والأدبما اسم فتاة قعيدة النّسب
قد صرّح الشّعر باسمها فمتىفكّرت فيها ظفرت بالعجب

الاسم: سلمى، وهو ظاهر في أول البيت.

وقال آخر في الكرة

ومضروبة تحيا إذا ما ضربتهاوإن تركت من شدّة الضرب ماتت

وقال أبو عبد الله بن المغلّس في السّراج

وداع الى نفسه في الظلاموما سمعت أذنه صوته
اذا هو بيّض وجه الطريقسوّد في وجهه بيته

وقال آخر في الصّدى

وساكن يسكن في الفلاةليس من الوحش ولا النبات
ولا من الجنّ ولا لحيّاتولا الخيام الشعر والأبيات
ولا بذى جسم ولا حياةكلا! ولا يدرك بالصفات
بلى! له صوت من الأصواتيسمع في الأحيان والأوقات

وقال ابن المغلّس في النخلة

وقائمة أبدا لا تناموما قعدت قطّ مذ قامت
تعيش إذا غسلوا رجلهاوإن حلقوا رأسها ماتت

وقال آخر ما يقول سيدنا الشيخ: فى شىء نزل من السماء، وركض في الهواء، وخيّم في البيداء، نطق على نفسه فأفصح، وتكلّم فبيّن وأوضح، أفقر وأغنى، وأمات وأحيا، له شوارق من غير غضب، ورقصات على غير طرب، يسبق الفرس السريع، ويسبقه الطفل الرضيع، مختلف الألوان، يوجد في كلّ زمان، ما أكثر لغاته! وأعمّ في البشر ذكر صفاته! وهو خفيف ثقيل، كثير قليل، كبير صغير، طويل قصير، غال رخيص، قوىّ ضعيف، سريع بطىء، بارد حارّ، نافع ضارّ، أبيض أسود أزرق، قريب بعيد، قديم جديد، متحرّك ساكن، ظاهر باطن، يتجسّر ويتكسّر، ويتعوّج ويتدوّر، سلطانه في الشمال وبه يذلّ، وضعفه في الجنوب وبه يعزّ، نحيل يخفى جثّة الفيل في طيّه وعطفه. ويتخلّل جفن العين الرمدة برفقه ولطفه، يمشى على الحدق فلا يؤلمها، ويطأ القلوب فلا يكلمها، على أنّه يقطع الطريق، ويخيف الفريق، كم أهلك من قوم وما راق ولا سفك! يحمل ألف قنطار، ويعجز عن حمل دينار، وهو ليلىّ نهارىّ، عربىّ عجمىّ، برىّ بحرىّ، سهلىّ جبلىّ، رومىّ نوبىّ، هندىّ حبشىّ، صينىّ جاهلىّ إسلامىّ. كان مع آدم في الجنّة، وصحب نوحا في السفينة، وتوسّط النار مع إبراهيم، كم له مع موسى من خبر! ولموسى فيه من آية وأثر! حمل المسيح على غير ظهر، وما سر في برّ ولا بحر، أخرجه النبىّ ﷺ من جسده، وفرّقه على صحابته، إذا نطقت به كان بعض أحد خلفاء بنى العباس السبعة وهو.

وقال آخر ما شىء وجهه قمر، وقلبه حجر إن علّقته ضاع، وإن أدخلته السّوق أبى أن يباع، وإن فككته دعا لك، وإن ركبت نصفه هالك، وربّما كثر أموالك، وإن حذفت آخره، وشدّدت ثانيه، أورثك الألم عند الفجر، والضجر عند العصر: هو الدّملج الفضة.

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.