تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

ذكر شىء من نوادر المتنبئين

قيل: ادّعى رجل النبوّة في أيام المهدى، فأدخل عليه؛ فقال له: الى من بعثت؟

فقال: ما تركتمونى أذهب الى من بعثت اليهم، فإنى بعثت بالغداة وحبستمونى بالعشىّ. فضحك المهدىّ منه وأمر له بجائزة وخلّى سبيله.

وتنبأ رجل وادّعى أنه موسى بن عمران، فبلغ خبره الخليفة، فأحضره وقال له: من أنت؟ قال: أنا موسى بن عمران الكليم. قال: وهذه عصاك التى صارت ثعبانا! قال نعم. قال: فألقها من يدك ومرها أن تصير ثعبانا كما فعل موسى. قال: قل أنت (أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى)

كما قال فرعون حتى أصيّر عصاى ثعبانا كما فعل موسى.

فضحك الخليفة منه واستظرفه. وأحضرت المائدة، فقيل له: أكلت شيئا؟ قال:

ما أحسن العقل! لو كان لى شىء آكله، ما الذى كنت أعمل عندكم؟ فأعجب الخليفة وأحسن اليه.

وادّعت امرأة النبوّة على عهد المأمون؛ فأحضرت اليه فقال لها: من أنت؟

قالت: أنا فاطمة النبيّة. فقال لها المأمون: أتؤمنين بما جاء به محمد صلّى الله عليه

وسلم؟ قالت: نعم، كل ما جاء به فهو حق. فقال المأمون: فقد قال محمد ﷺ «لا نبىّ بعدى». قالت: صدق ﵊، فهل قال:

لا نبية بعدى؟ فقال المأمون لمن حضره: أمّا أنا فقد انقطعت، فمن كانت عنده حجة فليأت بها، وضحك حتى غطّى على وجهه.

وادّعى رجل النبوّة؛ فقيل له: ما علامات نبوّتك؟ قال: أنبئكم بما في نفوسكم.

قالوا: فما في أنفسنا؟ قال: فى أنفسكم أننى كذبت ولست بنبىّ.

وتنبأ رجل في أيام المأمون، فأتى به إليه؛ فقال له: أنت نبىّ؟ قال نعم. قال:

فما معجزتك؟ قال: ما شئت. قال: أخرج لنا من الأرض بطّيخة. قال: أمهلنى ثلاثة أيام. قال المأمون: بل الساعة أريدها. قال: يا أمير المؤمنين، أنصفنى، أنت تعلم أن الله ينبتها في ثلاثة أشهر، فلا تقبلها منى في ثلاثة أيام! فضحك منه، وعلم أنه محتال، فآستتابه ووصله.

وادّعى آخر النبوّة في زمانه فطالبه بمعجزة، فقال: أطرح لكم حصاة في الماء فأذيبها حتى تصير مع الماء شيئا واحدا. قالوا: قد رضينا. فأخرج حصاة كانت معه فطرحها في الماء فذابت. فقالوا: هذه حيلة، ولكن أذب حصاة غيرها نأتيك بها نحن. فقال لهم: لا تتعصّبوا، فلستم أضلّ من فرعون، ولا أنا أعظم من موسى، ولم يقل فرعون موسى: لا أرضى بما تفعله بعصاك حتى أعطيك عصا من عندى تجعلها ثعبانا. فضحك المأمون منه وأجازه.

وادّعى رجل النبوّة في أيام المعتصم، فأحضر بين يديه؛ فقال له: أنت نبى؟ قال نعم. قال: إلى من بعثت؟ قال: إليك. قال: أشهد إنك لسفيه أحمق. قال: إنما يذهب إلى كل قوم مثلهم. فضحك منه وأمر له بشىء.

وادّعى آخر النبوّة في أيام المأمون؛ فقال له: ما معجزتك؟ قال: سل ما شئت؛ وكان بين يديه قفل، فقال: خذ هذا القفل فافتحه. فقال: أصلحك الله، لم أقل إنى حدّاد. فضحك منه واستتابه وأجازه.

وادّعى آخر النبوّة، فطلب ودعى له بالسيف والنّطع؛ فقال: ما تصنعون؟ قالوا:

نقتلك، قال: ولم تقتلوننى؟ قالوا: لأنك ادّعيت النبوّة. قال: فلست أدّعيها.

قيل له: فأىّ شىء أنت؟ قال: أنا صدّيق. فدعى له بالسياط؛ فقال: لم تضربوننى؟

قالوا: لادّعائك أنك صدّيق؛ قال: لا أدّعى ذلك. قالوا: فمن أنت؟ قال:

من التابعين لهم بإحسان. فدعى له بالدّرة. قال: ولم ذلك؟ قالوا: لادّعائك ما ليس فيك؛ فقال: ويحكم! أدخل إليكم وأنا نبىّ تريدون أن تحطّونى في ساعة واحدة الى مرتبة العوامّ! لا أقلّ من أن تصبروا علىّ الى غد حتى أصير لكم ما شئتم.

وادّعى آخر النبوّة، وسمّى نفسه نوحا، فنهاه صديق له عن ذلك فلم ينته؛ فأخذه السلطان وصلبه؛ فمرّ به صديقه الذى كان ينهاه، فقال: يا نوح! ما حصل لك من السفينة غير الدّقل.

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.