تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

ذكر شىء من نوادر أبى الشّبل

هو عاصم بن وهب بن البراجم. مولده الكوفة. نشأ وتأدّب بالبصرة. وفد إلى سامرّاء أيام المتوكل ومدحه. وكان طيّبا كثير الغزل والنوادر والمجون. فنفق عند المتوكل وخدمه واختصّ به وامتدحه بقوله:

أقبلى فالخير مقبلواتركى قول المعلّل
وثقى بالنّجح إنأبصرت وجه المتوكّل
ملك ينصف يا ظالمتى فينا ويعدل
فهو الغاية والمأمول يرجوه المؤمّل

فأمر له بثلاثين ألف درهم. وله أخبار مستظرفة تتضمن شعرا ونوادر تدلّ على ظرفه سنذكر منها طرفا. فمن ذلك ما حكى عنه: أنه مدح مالك بن طوق، وقدّر أن يعطيه ألف درهم. فبعث اليه بصرة مختومة فيها مائة دينار، فظن أنها دراهم فردها اليه وكتب معها:

فليت الذى جادت به كفّ مالكومالك مدسوسان في است أمّ مالك
وكان الى يوم القيامة في استهافأيسر مفقود وأيسر هالك

وكان مالك يومئذ أميرا على الأهواز. فلما قرأ الرقعة أمر بإحضاره فأحضر وقال:

ما هذا؟ ظلمتنا واعتديت علينا. فقال: قدّرت عندك ألف درهم فوصلتنى بمائة درهم. فقال: افتحها؛ ففتحها فإذا فيها مائة دينار؛ فقال: أقلنى أيها الأمير. فقال:

قد أقلتك ولك كل ما تحب أبدا ما بقيت وقصدتنى.

قال: وكان له جار طبيب أحمق، فمات فرثاه فقال:

قد بكاه بول المريض بدمعواكف فوق مقلتيه ذروف
ثم شقّت جيوبهن القوارير عليه ونحن نوح اللهيف
يا كساد الخيار شنبر والأقراصطرّا ويا كساد السفوف
كنت تمشى مع القوىّ فإن جاضعيف لم تكترث بالضعيف
لهف نفسى على صنوف رقاعات تولّت منه وعقل سخيف

وقال أبو الشبل: كان خالد بن يزيد بن هبيرة يشرب النبيذ، وكان يغشانا، وكانت له جارية صفراء مغنية يقال لها لهب، كانت تغشانا معه، وكنت أعبث بها كثيرا. فقام مولاها يوما الى الخابية يستقى نبيذا، فاذا قميصه قد انشقّ؛ فقلت فيه:

قالت له لهب يوما وجاد لهابالشّعر في باب فعلان ومفعول
أمّا القميص فقد أزرى الزمان بهفليت شعرى ما حال السراويل

قال أبو الشبل: وكانت أمّ خالد هذا ضرّاطة تضرط على صوت العيدان وغيرها فى الإيقاع. فقلت فيه:

فى الحىّ من لا عدمت خلّتهفتى إذا ما قطعته وصلا
له عجوز بالحبق أبصر منأبصرته ضاربا ومرتجلا
نادمته مرّة وكنت فتىما زلت أهوى وأشتهى الغزلا
حتى إذا ما أمالها سكريبعث فى قلبها لها مثلا
اتّكأت يسرة وقد خرفتأشراجها كى تقوّم الرّملا
فلم تزل إستها تطارحنىاسمع إلى من يسومنى العللا

وقال محمد بن المرزبان: كنت أرى أبا الشبل كثيرا عند أبى، وكان إذا حضر أضحك الثكلى بنوادره. فقال له أبى يوما: حدّثنا ببعض نوادرك وطرائفك.

قال نعم. من طرائف أمورى أن ابنى زنى بجارية سنديّة لبعض جيرانى، فحبلت وولدت؛ وكانت قيمة الجارية عشرين دينارا. فقال: يا أبت، الصبىّ والله ابنى، فساومت فيه فقيل لى: خمسون دينارا. فقلت له: ويلك! كنت تخبرنى وهى حبلى فأشتريها بعشرين دينارا ونربح الفضل بين الثمنين! وأمسكت عن المساومة بالصبى حتى اشتريته من القوم بما أرادوا. ثم أحبلها ثانيا فولدت ابنا آخر، فجاء يسألنى أن أبتاعه؛ فقلت: عليك لعنة الله، أى شىء حملك على أن تحبل هذه، هلا عزلت عنها! فقال: إنى لا أستحلّ العزل. ثم أقبل على جماعة عندى فجعل يقول: شيخ كبير يأمرنى بالعزل ويستحلّه. فقلت له: يابن الزانية! تستحلّ الزنا وتتحرّج من العزل! فضحكنا منه.

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.