تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

ذكر ما ورد في إباحة الغناء والسماع والضرب بالآلة

وقد تكلم الناس في إباحة الغناء وسماع الأصوات والنغمات والآلات، وهى الدفّ واليراع والقصب والأوتار على اختلافها من العود والطّنبور وغيره، وأباحوا ذلك واستدلّوا عليه وضعفّوا الأحاديث الواردة في تحريمه، وتكلّموا على رجالها وجرّحوهم وبسطوا في ذلك المصنّفات ووسّعوا القول وشرحوا الأدلّة. وطالعت من ذلك عدّة تصانيف في هذا الفنّ مجرّدة له ومضافة الى غيره من العلوم. وكان ممّن تكلّم فى ذلك وجرّد له تصنيفا الشيخ الإمام الحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر بن على المقدّسى رحمه الله تعالى، فقال في ذلك ما نذكر مختصره ومعناه:

اعلم أن الله تعالى بعث محمدا ﷺ بالحنيفية السمحة الى الكافّة.

قال الله تعالى: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)

. فبلّغ رسول الله ﷺ الرسالة، وأدّى الأمانة، ونصح الأمة، وسنّ وشرع، وأمر ونهى، كما أمر ﷺ. فليس لأحد بعده وبعد الخلفاء الراشدين الذين أمر رسول الله ﷺ بالاقتداء بهم والاتباع لسنّتهم أن يحرّم ما أحلّ الله عزّوجلّ ورسوله ﷺ إلا بدليل ناطق من آية محكمة، أو سنّة ماضية صحيحة، أو إجماع من الأمة على مقالته.

وأما الاستدلال بالموضوعات والغرائب والأفراد من رواية المكذّبين والمجرحين الذين لا تقوم بروايتهم حجّة، وبأقاويل من فسّر القرآن على حسب مراده ورأيه، فلا يرجع إلى قولهم ولا يسلك طريقهم؛ إذ لو جاز ذلك لم يكن قول أحد من الناس أولى من قول غيره، وإنما يلزم بقول من أيّد بالوحى والتنزيل، وعصم من التغيير والتبديل. قال الله تعالى: (وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى)

. فعلمنا أنه ﷺ لم يأمر ولم ينه عن أمر إلا بوحى من الله تعالى. وكذلك كان ﷺ اذا سئل عن أمر لم ينزل فيه وحى توقّف حتى يأتيه الوحى، وليست هذه المنزلة لغيره فيلزم قبول قوله.

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.