من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر ما استدلّوا به على إباحة الغناء من الأحاديث النبوية
قد استدلّوا على إباحة الغناء بأحاديث صحيحة عن رسول الله ﷺ.
منها ما روى عن عائشة رضى الله عنها أنها قالت: دخل علىّ أبو بكر رضى الله عنه وعندى جاريتان من جوارى الأنصار تغنّيان بما تقاولت به الأنصار يوم بعاث وليستا بمغنّيتين؛ فقال أبو بكر: أمزمار الشيطان في بيت رسول الله ﷺ! وذلك يوم عيد. فقال له رسول الله ﷺ: «يا أبا بكر إن لكل قوم عيدا وهذا عيدنا». ومن طريق آخر عنها رضى الله عنها قالت: دخل علىّ رسول الله ﷺ وعندى جاريتان تغنّيان بغناء بعاث؛ فاضطجع على الفراش وحوّل وجهه، ودخل أبو بكر فانتهزنى وقال: مزمارة الشيطان عند النبىّ ﷺ! فأقبل عليه رسول الله ﷺ فقال: «دعهما». فلما غفل غمزتهما فخرجتا، وكان يوم عيد يلعب فيه السودان بالدّرق والحراب، فإمّا سألت رسول الله ﷺ، وإمّا قال: «تشتهين تنظرين» فقلت نعم.
فأقامنى وراءه، خدّى على خدّه وهو يقول: «دونكم يا بنى أرفدة » حتى اذا مللت قال. «حسبك؟» قلت نعم. قال: «فاذهبى». ومن طريق آخر عنها رضى الله عنها: أنّ أبا بكر رضى الله عنه دخل عليها وعندها جاريتان في أيام منّى تدفّفان وتضربان والنّبى ﷺ متغشّ بثوبه؛ فانتهرهما أبو بكر؛ فكشف النبىّ ﷺ عن وجهه وقال: «دعهما يا أبا بكر فإنها أيام عيد».
وتلك الأيام أيام منى. وقالت عائشة: رأيت النبىّ ﷺ يسترنى وأنا أنظر الى الحبشة وهم يلعبون في المسجد فزجرهم عمر، فقال النبىّ ﷺ:
«دعهم أمنا بنى أرفدة» (يعنى من الأمن). قال أبو محمد علىّ بن أحمد بن سعيد ابن حزم ﵀ عند ذكر هذه الأحاديث: أين يقع إنكار من أنكر من إنكار سيّدى هذه الأمة بعد نبيها ﷺ، أبى بكر وعمر رضى الله عنهما! وقد أنكر ﵊ عليهما إنكارهما، فرجعا عن رأيهما إلى قوله ﷺ. وعن عائشة رضى الله عنها قالت: كانت جارية من الأنصار فى حجرى فزففتها؛ فدخل رسول الله ﷺ ولم يسمع غناء، فقال:
«يا عائشة ألا تبعثين معها من يغنّى فإن هذا الحىّ من الأنصار يحبّون الغناء». وعن جابر بن عبد الله رضى الله عنهما قال: نكح بعض الأنصار بعض أهل عائشة فأهدتها إلى قباء؛ فقال لها رسول الله ﷺ: «أهديت عروسك» ؟
قالت نعم. قال: «فأرسلت معها بغناء فإن الأنصار يحبّونه» ؟ قالت لا. قال:
«فأدركيها يا زينب» (امرأة كانت تغنّى بالمدينة) رواه أبو الزبير محمد بن الزبير بن مسلم المكّى عن جابر. وعنه أيضا قال: أنكحت عائشة رضى الله عنها ذات قرابة لها رجلا من الأنصار؛ فجاء رسول الله ﷺ فقال: «أهديتم الفتاة» ؟
قالوا نعم. قال: «أرسلتم معها» ؟.- قال أبو طلحة راوى الحديث: ذهب عنى- فقالت لا. فقال رسول الله ﷺ: «إن الأنصار قوم فيهم غزل فلو بعثتم معها من يقول:
أتيناكم أتيناكمفحيّانا وحيّاكم »
وروى عن فضالة بن عبيد قال قال رسول الله ﷺ: «لله أشدّ أذنا إلى الرجل الحسن الصوت بالقرآن يجهر به من صاحب القينة الى قينته». قال أبو عبد الله الحاكم في كتابه المستدرك: هذا حديث صحيح على شرط البخارى ومسلم، ولم يخرّجاه؛ وقد خرّجه الحافظ أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه القزوينىّ فى سننه. قال الحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسىّ رحمه الله تعالى: ووجه الاحتجاج من هذا الحديث هو أنّ رسول الله ﷺ أثبت أن الله تعالى يستمع الى حسن الصوت بالقرآن كما يستمع صاحب القينة الى قينته، فأثبت دليل السماع إذ لا يجوز أن يقيس على استماع محرّم. قال: ولهذا الحديث أصل فى الصحيحين أخرجاه عن أبى هريرة رضى الله عنه عن النبىّ ﷺ قال: «ما أذن الله لشىء ما أذن لنبىّ يتغنّى بالقرآن». هذا ما ورد في السماع.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع