تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

ذكر من سمع الغناء من الصحابة والتابعين رضى الله عنهم

قد روى أن جماعة من الصحابة رضى الله عنهم سمعوا الغناء.

منهم النعمان بن بشير الأنصارىّ الخزرجىّ رضى الله عنه. روى أبو الفرج الأصفهانىّ في كتابه المترجم: «بالأغانى» بسند رفعه إلى أبى السائب المخزومىّ وغيره، قال: دخل النعمان بن بشير المدينة في أيام يزيد بن معاوية وابن الزّبير فقال: والله لقد أخفقت أذناى [من] الغناء فأسمعونى. فقيل له: لو وجّهت إلى عزّة الميلاء. فإنها من قد عرفت؛ فقال: إى وربّ هذه البنيّة ! إنها لممن يزيد النفس طيبا والعقل شحذا، ابعثوا إليها عن رسالتى، فإن أبت صرت إليها. فقال له بعض القوم: إنّ النّقلة تشتدّ عليها لثقل بدنها، وما بالمدينة دابّة تحملها. فقال النعمان: وأين النجائب عليها الهوادج؟

فوجّه إليها بنجيبة فذكرت علّة؛ فلما عاد الرسول إلى النعمان قال لجليسه: أنت كنت أخبر بها، قوموا بنا. فقام هو مع خواصّ أصحابه حتى طرقوها، فأذنت وأكرمت واعتذرت، فقبل النعمان عذرها وقال لها: غنّى، فغنّت:

أجدّ بعمرة غنيانهافتهجر أم شأنها شانها؟
للشاعر قَيس بن الخَطيم، اقرأ القصيدة
وعمرة من سروات النساء تنفح بالمسك أردانها
للشاعر قَيس بن الخَطيم، اقرأ القصيدة

قال: وهذا الشعر هو لقيس بن الخطيم في أمّ النعمان بن بشير، وهى عمرة بنت رواحة أخت عبد الله بن رواحة؛ قال: فأشير الى عزّة أنها أمه فأمسكت؛ فقال:

غنّنى فو الله ما ذكر إلا كرما وطيبا ولا تغنّى سائر اليوم غيره؛ فلم تزل تغنّيه هذا اللحن حتى انصرف.

ومنهم حسان بن ثابت الأنصارىّ رضى الله عنه. روى أبو الفرج الأصفهانىّ بسنده الى محرز بن جعفر قال: ختن زيد بن ثابت بنيه وأو لم واجتمع إليه المهاجرون والأنصار وعامّة أهل المدينة، وحضر حسان بن ثابت وقد كفّ بصره يومئذ وثقل سمعه فوضع بين يديه خوان ليس عليه غيره إلا عبد الرحمن ابنه، وكان يسأله كلما وضعت صحفة أطعام يد أم يدين؟ فلم يزل يأكل حتى جىء بشواء، فقال: أطعام يد أم يدين؟ فقال: بل طعام يدين، فأمسك يده؛ حتى إذا فرغ من الطعام ثنيت وسادة وأقبلت عزّة الميلاء وهى إذا شابّة، فوضع في حجرها مزهر فضربت به وتغنّت، فكان أوّل ما ابتدأت به شعر حسان:

فلا زال قصر بين بصرى وجلقعليه من الوسمىّ جود ووابل

فطرب حسان وجعلت عيناه تنضحان على خدّيه وهو مصغ لها.

وروى أيضا بسنده إلى خارجة بن زيد أنه قال: دعينا الى مأدبة في آل نبيط، فحضرنا وحضر حسان بن ثابت، فجلسنا جميعا على مائدة واحدة وهو يومئذ قد ذهب بصره ومعه ابنه عبد الرحمن، وكان إذا أتى بطعام سأل ابنه عبد الرحمن أطعام يد أم طعام يدين؟ (يعنى بطعام اليد الثريد؛ وطعام اليدين الشواء لأنه ينهش نهشا) فإذا قال: طعام يد أكل، واذا قال: طعام يدين أمسك يده. فلما فرغوا من الطعام أتوا بجاريتين مغنّيتين إحداهما «رائقة» والأخرى «عزّة» فجلستا وأخذتا مزهريهما وضربتا ضربا عجيبا وغنّتا بقول حسان بن ثابت:

انظر خليلى بباب جلّق هلتؤنس دون البلقاء من أحد

قال: فأسمع حسان يقول: قد أرانى هناك سميعا بصيرا، وعيناه تدمعان، فإذا سكتتا سكن عنه البكاء واذا غنّتا يبكى. قال: وكنت أرى عبد الرحمن ابنه إذا سكتتا يشير إليهما أن غنّيا، فيبكى أبوه، فيقال: ما حاجته إلى بكاء أبيه!.

وروى أيضا بسنده الى عبّاد بن عبد الله بن الزّبير عن شيخ من قريش قال:

إنى وفتية من قريش عند قينة ومعنا عبد الرحمن بن حسّان بن ثابت إذ استأذن حسان، فكرهنا دخوله وشقّ علينا؛ فقال لنا عبد الرحمن ابنه: أيسرّكم ألّا يجلس؟

قلنا نعم. قال: فمروا هذه إذا نظرت اليه أن تغنّى:

أولاد جفنة حول قبر أبيهمقبر ابن مارية الكريم المفضل
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «أسألت رسم الدار أم لم تسأل»
يغشون حتى ما تهرّ كلابهملا يسألون عن السواد المقبل
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «أسألت رسم الدار أم لم تسأل»

قال: فغنّته، فو الله لقد بكى حتى ظنّنا أنه سيلفظ نفسه. ثم قال: أفيكم الفاسق؟ لعمرى لقد كرهتم مجلسى اليوم. وقام فانصرف. وهذا الشعر لحسان بن

ثابت وهو مما امتدح به جبلة بن الأيهم، وهو من قصيدة طويلة منها قوله في مدح آل جفنة:

بيض الوجوه كريمة أحسابهمشمّ الأنوف من الطّراز الأوّل
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «أسألت رسم الدار أم لم تسأل»

وروى أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسىّ رحمه الله تعالى بسند رفعه إلى الحارث بن عبد الله بن العباس: أنه بينما هو يسير مع عمر بن الخطاب رضى الله عنه بطريق مكة في خلافته ومعه من معه من المهاجرين والأنصار، ترنّم عمر ببيت فقال له رجل من أهل العراق- ليس معه عراقىّ غيره-: غيرك فليقلها يا أمير المؤمنين! قال: فاستحيا عمر وضرب راحلته حتى انقطعت من الرّكب. قال المقدسى: ويزيد ذلك وضوحا- وساق حديثا بسند رفعه الى يحيى بن عبد الرحمن- قال:

خرجنا مع عمر بن الخطاب رضى الله عنه في الحجّ الأكبر، حتى اذا كان عمر بالرّوحاء كلّم الناس رباح بن المعترف، وكان حسن الصوت بغناء الأعراب، فقالوا:

أسمعنا وقصّر عنّا الطريق؛ فقال: إنّى أفرق من عمر. قال: فكلّم القوم عمر.

إنا كلّمنا رباحا أن يسمعنا ويقصّر عنا طريق المسير فأبى إلّا أن تأذن له. فقال له:

يا رباح، أسمعهم وقصّر عنهم المسير، فإذا أسحرت فارفع واحدهم بشعر ضرار بن الخطّاب؛ فرفع عقيرته يتغنّى وهم محرمون.

وروى أيضا بسنده الى يزيد بن أسلم عن أبيه: أن عمر رضى الله عنه مرّ برجل يتغنّى فقال: إن الغناء زاد المسافر.

وروى سفيان الثّورى وشعبة كلاهما عن أبى إسحاق السّبيعىّ عن عامر بن سعد البجلىّ: أن أبا مسعود البدرىّ، وقرظة بن كعب، وثابت بن يزيد، وهم في عرس

وعندهم غناء، فقلت: هذا وأنتم أصحاب محمد ﷺ! فقالوا: إنه رخّص لنا في الغناء في العرس والبكاء على الميّت في غير نوح. إلا أن شعبة قال:

ثابت بن وديعة مكان ثابت بن يزيد، ولم يذكر أبا مسعود.

وقال الإمام أبو حامد الغزالىّ رحمه الله تعالى عن أبى طالب المكّى: سمع من الصحابة عبد الله بن جعفر، وعبد الله بن الزبير، والمغيرة بن شعبة، ومعاوية وغيرهم، وقال: قد فعل ذلك كثير من السّلف صحابىّ وتابعىّ بإحسان.

وروى الحافظ أبو الفضل المقدسىّ بسند رفعه إلى عمر بن أبى زائدة قال:

حدّثتنى امرأة عمر بن الأصمّ قالت: مررنا ونحن جوار بمجلس سعيد بن جبير ومعنا جارية تغنّى ومعها دفّ وهى تقول:

لئن فتنتنى فهى بالأمس أفتنتسعيدا فأمسى قد قلى كلّ مسلم
للشاعر أعشى همدان، اقرأ القصيدة
وألقى مفاتيح القراءة واشترىوصال الغوانى بالكتاب المنمنم

فقال سعيد: تكذبين تكذبين.

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.