من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر أخبار أحمد بن يحيى المكىّ الملقّب بطنين
هو أبو جعفر أحمد بن يحيى المكىّ، وكان يلقّب طنينا. وهو أحد المحسنين المبرّزين الرّواة للغناء المحكمى الصنعة. كان إسحاق يقدّمه ويؤثره ويشدو بذكره ويجهر بتفضيله.
قال أبو الفرج: وكتابه المجرّد في الأغانى ونسبها أصل من الأصول المعوّل عليها. قال: وكان مع جودة غنائه وحسن صنعته أحد الضّرّاب الموصوفين المتقدّمين.
قال علىّ بن يحيى: قلت لإسحاق بن إبراهيم الموصلىّ- وقد جرى ذكر أحمد ابن يحيى المكىّ-: يا أبا محمد لو كان أبو جعفر أحمد بن يحيى مملوكا كم كان يساوى؟
قال: أخبرك عن ذلك، انصرفت ليلة من دار الواثق فاجتزت بدار الحسن بن وهب فدخلت اليه فإذا أحمد عنده. فلما قاموا لصلاة العشاء الآخرة قال لى الحسن بن وهب كم يساوى أحمد لو كان مملوكا؟ قلت: يساوى عشرين ألف دينار. قال:
ثم رجع فغنّى صوتا؛ فقال لى الحسن: كم يساوى أحمد لو كان مملوكا؟ قلت: يساوى ثلاثين ألف دينار. ثم تغنّى صوتا آخر؛ فقلت للحسن: يا أبا علىّ أضعفها. ثم أردت الانصراف فقلت لأحمد: غنّنى
لولا الحياء وأنّ السّتر من خلقىإذا قعدت إليك الدهر لم أقم
أليس عندك سكر للتى جعلتما ابيضّ من قادمات الرأس كالحمم
فغنّاه فأحسن فيه كلّ الإحسان. فلما قمت للانصراف قلت: يا أبا علىّ، أضعف الجميع. فقال له أحمد: ما هذا الذى أسمعكما تقولانه ولست أدرى ما معناه؟ فقال:
نحن نبيعك ونشتريك منذ الليلة وأنت لا تدرى. وقال محمد بن عبد الله بن مالك:
سألنى إسحاق بن إبراهيم الموصلىّ يوما: من بقى من المغنّين؟ قلت: وجه القرعة محمد بن عيسى. فقال: صالح كيّس؛ ومن أيضا؟ قلت: أحمد بن يحيى المكىّ.
قال: بخ بخ! ذاك المحسن المجمل الضارب المغنّى، القائم بمجلسه لا يحوج أهل المجلس الى غيره. وكانت وفاته في أوّل خلافة المستعين.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع