تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

الباب الرابع من القسم الرابع من الفن الثانى فى الأدعية

وهذا الباب- يقبل الله منا ومنك وفينا وفيك صالح الدعوات، وجعلنا وإيّاك ممن اعتمد على كرمه ومنّته فى الحركات والسكنات؛ ووفّقنا للتضرع والسكون إلى فضله، وعاملنا بما هو من أهله لا ما نحن من أهله- هو مشرع الظمآن إلى موارد الكرم العذبة، ومفزع الحيران إذا ألّمت به الضائقة وحصرته الكربة؛ فبه يتوسّل الى الله تعالى فى مطالب الدنيا والآخرة، ويتوصّل إلى النعم الوافية والخيرات الوافرة؛ كيف لا وقد

أمرنا الرب العظيم بالدعاء والإنابة، ووعدنا وهو الوفىّ الكريم بالقبول والإجابة؛ وترادفت بفضله الأخبار الصحيحة، وجاءت بشرفه الآثار الصريحة؛ على ما ستقف على ذلك إن شاء الله تعالى واضحا، وتعوّل عليه مقيما وظاعنا وغاديا ورائحا. فلازمه فى سائر أحوالك، وتعاهده فى بكرك وآصالك؛ فستجنى إن شاء الله منه ثمار غرسك، وتجد حلاوة ذلك فى قلبك وأنسه فى نفسك.

واعلم أن للدعاء، كما قال ابن عطاء، أركانا وأجنحة وأسبابا وأوقاتا. قال: فإن وافق أركانه قوى، وإن وافق أجنحته طار فى السموات، وإن وافق مواقيته فاز، وإن وافق أسبابه أنجح. فأركانه حضور القلب والرقة والاستكانة والخشوع وتعلق القلب بالله وقطعه من الأسباب. وأجنحته الصدق. ومواقيته الأسحار.

وأسبابه الصلاة على محمد ﷺ. قال الله ﷿: وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ.

روى عن رسول الله ﷺ أنه قال: «يقول الله تعالى للعبد يوم القيامة أكنت ترى لبعض دعائك الإجابة ولا ترى لبعضه فيقول نعم فيقول له أما إنك ما دعوتنى بدعوة إلا وقد استجبت لك فيها أليس دعوتنى يوم كذا وكذا فرأيت الإجابة فيقول نعم ويقول ودعوتنى يوم كذا وكذا فلم تر الإجابة فيقول نعم فيقول فإنى ادّخرتها لك فى الجنة فلا يبقى له دعوة إلا بيّنها له حتى يتمنّى المؤمن أن دعواته كلها كانت ذخائره فى الآخرة»

. وعن النعمان بن بشير رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الدعاء هو العبادة»

قال: وقرأ وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ.

وعن أبى هريرة رضى الله عنه عن النبىّ ﷺ أنه قال: «ليس شىء أكرم على الله من الدعاء»

. وعن ابن عمر رضى الله عنهما أن رسول الله ﷺ قال: «إنّ الدعاء ينفع

مما نزل ومما لم ينزل فعليكم عباد الله بالدّعاء»

. وعن أنس رضى الله عنه قال، قال رسول الله ﷺ: «إن الله ﷿ حيّى كريم يستحيى إذا بسط الرجل إليه يديه أن يردّهما صفرا ليس فيهما شىء»

. وعن أبى سعيد الخدرىّ رضى الله عنه عن النبىّ ﷺ أنه قال: «دعوة المسلم لا تردّ إلا بإحدى ثلاث ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم إمّا أن يستجيب الله له فيما دعا أو يدّخر له فى الآخرة أو يصرف عنه من السوء بقدر ما دعا»

. وعن أنس رضى الله عنه قال: قيل يا رسول الله: إنا ندعو بدعاء كثير منه ما نرى إجابته ومنه ما لا نرى إجابته فقال: «والذى نفسى بيده ما من أحد يدعو بدعوة إلا استجيب له أو صرف عنه مثلها شرّا». قالوا: يا رسول الله، إذا نكثر؟ قال: «الله أكثر وأكثر»

ثلاث مرات.

وعنه رضى الله عنه عن النبىّ ﷺ: «دعوة فى السر تعدل سبعين دعوة فى العلانية»

. وعن أبى سعيد الخدرىّ رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إن لله ﷿ فى الليل والنهار عتقاء من النار ولكلّ مسلم ومسلمة فى كلّ يوم وليلة دعوة مستجابة»

. وعن أبى هريرة رضى الله عنه أن النبىّ ﷺ قال: «إن الله تعالى يقول من ذا الذى دعانى فلم أجبه وسألنى فلم أعطه واستغفرنى فلم أغفر له وأنا أرحم الراحمين»

. وعن أنس رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «إذا فتح الله على عبد باب الدعاء فليكثر فإنّ الله يستجيب له»

. وعن ابن عمر رضى الله عنهما عن النبىّ ﷺ أنه قال: «من فتح له باب فى الدعاء فتحت له أبواب الإجابة»

. وعن أبى هريرة عن النبىّ ﷺ أنه قال: «من لم يسأل الله يغضب عليه»

. وعن جابر بن عبد الله رضى الله عنه أن النبىّ ﷺ قرأ قوله تعالى: وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ

الآية فقال ﷺ: «اللهم إنّك

أمرت بالدعاء وتوكّلت بالإجابة لبّيك اللهم لبّيك لبّيك لا شريك لك لبيك إنّ الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك أشهد أنّك فرد أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد وأشهد أنّ وعدك حق ولقاءك حقّ والجنة حق والنار حق وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأنّك تبعث من فى القبور»

. هذا مما ورد فى الحثّ على الدعاء.

وأمّا ما ورد فى نفع الدعاء ودفعه للبلاء؛

روى عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن أنواع البرّ كلّها نصف العبادة والنصف الآخر الدعاء»

. وعن عائشة رضى الله عنها أنها قالت: قال رسول الله ﷺ: «لا ينفع حذر من قدر والدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل وإن الدعاء ليلقى البلاء فيعتلجان إلى يوم القيامة»

. وعن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «الدعاء ينفع مما نزل ومما لم لا ينزل وإن الدعاء ليردّ القضاء المبرم وإن الدعاء والبلاء ليلتقيان بين السماء والأرض فلا يزال أحدهما يدفع صاحبه إلى يوم القيامة»

. وعن سلمان الفارسىّ رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يردّ القضاء إلا الدعاء ولا يزيد فى العمر إلا البرّ»

. وعن علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «الدعاء سلاح المؤمن وعماد الدّين ونور السموات والأرض».

وأمّا ما ورد فى الإلحاح فى الدعاء وهيئة الذّلّة والإنابة؛ قال الله تعالى:

ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ.

وعن عائشة رضى الله عنها قالت:

قال رسول الله ﷺ: «إنّ الله يحبّ الملحّين فى الدعاء».

وعن أبى هريرة

رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة واعلموا أن الله ﷿ لا يستجيب دعاء من قلب ساه لاه»

. وعن أنس رضى الله عنه: أن رسول الله ﷺ كان يرفع يديه فى الدعاء حتى يرى بياض إبطيه. وعن ابن عباس رضى الله عنهما قال: كان رسول الله ﷺ إذا دعا جعل باطن كفّيه إلى وجهه.

وعنه عن النبىّ ﷺ أنه قال: «سلوا الله ببطون أكفّكم ولا تسألوه بظهورها فإذا فرغتم فامسحوا بها وجوهكم»

وعن ابن عمر رضى الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «إن ربكم ﷿ حيىّ كريم يستحيى أن يرفع العبد يديه فيردّهما صفرا لا خير فيهما فإذا رفع أحدكم يده فليقل يا حىّ لا إله إلا أنت يا أرحم الراحمين ثلاث مرات ثم إذا ردّ يده فليفرغ ذلك الخير على وجهه»

. وعن عمر رضى الله عنه قال: كان رسول الله ﷺ اذا مدّ يديه فى الدعاء لم يردّهما حتى يمسح بهما وجهه.

وعن ابن عبّاس رضى الله عنهما أن رسول الله ﷺ قال: «الإخلاص هكذا ورفع إصبعا واحدا من اليد اليمنى والدعاء هكذا وجعل بطونهما مما يلى السماء والابتهال هكذا ومدّ يديه شيئا وجعل ظهر الكفّ مما يلى السماء»

. وعن أبى هريرة رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «أقرب ما يكون العبد من ربّه وهو ساجد فأكثروا الدعاء».

وأمّا ما ورد من كراهية استعجال الإجابة ورفع البصر والسجع فى الدعاء قال تعالى: بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ.

وعن أبى هريرة رضى الله عنه عن رسول الله ﷺ أنه قال: «يستجاب لأحدكم ما لم يعجل

فيقول قد دعوت فلم يستجب لى»

. وعنه ﷺ: «لا يزال العبد بخير ما لم يستعجل». قالوا: وكيف يستعجل؟ قال: «يقول قد دعوت الله مرارا فلا أراه يستجيب لى»

. وعن أبى هريرة رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: لينتهينّ أقوام عن رفع أبصارهم عند الدعاء فى الصلاة إلى السماء أو لتخطفنّ أبصارهم»

. وعن ابن عبّاس رضى الله عنهما قال: إيّاك والسجع فى الدعاء فإنّى شهدت النبىّ ﷺ وأصحابه لا يفعلون ذلك.

وأمّا ما ورد فيمن تجاب دعواتهم. قال الله ﷿: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ

. وقال تعالى: وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ.

وروى عن رسول الله ﷺ أنّه قال: «خمس دعوات لا تردّ دعوة الحاجّ حتّى يصدر ودعوة الغازى حتى يرجع ودعوة المظلوم حتى ينتصر ودعوة المريض حتى يبرأ ودعوة الأخ لأخيه بالغيب وأسرع هؤلاء الدعوات إجابة دعوة الأخ لأخيه بالغيب»

. وعن أبى هريرة رضى الله عنه أن النبى ﷺ قال: «ثلاث دعوات مستجابات لا شكّ فيهنّ دعوة الوالد ودعوة المسافر ودعوة المظلوم»

. وفى حديث آخر: «دعوة الصائم بدل دعوة الوالد»

. وعن ابن عبّاس رضى الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: «إنّك تأتى قوما أهل كتاب فاتّق دعوة المظلوم»

. وعنه صلى الله وسلم: «الإمام العادل لا تردّ دعوته»

. وقال ﷺ: «ثلاثة لا تردّ دعوتهم إمام مقسط ودعوة الصائم ودعوة المظلوم تفتح لها أبواب السماء ويقول الله ﷿ لأنصرنّك ولو بعد حين»

. وعنه ﷺ: «دعاء الوالد لولده مثل دعاء النبى لأمته»

. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضى الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ:

«أسرع الدعاء إجابة دعوة غائب لغائب»

. وعن أبى الدرداء، رضى الله عنه، عنه ﷺ أنه قال: «دعوة الرجل لأخيه بظهر الغيب تعدل سبعين دعوة مستجابة ويوكّل الله ﷿ ملكا يقول آمين ولك مثل ما دعوت»

. وعن جابر بن عبد الله رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من مؤمن يدعو لأخيه المؤمن بظهر الغيب إلّا قال له ملك عن يمينه وملك عن شماله ولك مثله»

. وعن أبى أمامة رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «حامل القرآن له دعوة مستجابة»

. وعن ابن عمر رضى الله عنهما عن النبىّ ﷺ أنه قال: «إذا دخلت على المريض فسله يدعو لك فإن دعاءه كدعاء الملائكة»

. وعن أنس رضى الله عنه قال، قال رسول الله ﷺ: «من ألهم الدعاء لم يحرم الإجابة لأن الله تعالى يقول: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ

ومن ألهم التوبة لم يحرم القبول لأن الله تعالى يقول: وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ

ومن ألهم الشكر لم يحرم الزيادة لأن الله تعالى يقول: ولَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ

ومن ألهم الاستغفار لم يحرم المغفرة لأن الله تعالى يقول: اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً

ومن ألهم النفقة لم يحرم الخلف لقوله تعالى: وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ

»

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.