من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر فضيلة الزهد وبغض الدنيا
قال الله تعالى: فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً
، فنسب الزهد الى العلماء ووصف أهله بالعلم، وذلك غاية الثناء. وقال تعالى: أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا
جاء فى التفسير: على الزهد فى الدنيا. وقال تعالى: إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا
. قيل: معناه أيّهم أزهد فى الدنيا، فوصف الزهد بأنه من أحسن الأعمال. وقال تعالى: مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ
. وقال تعالى: وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ ...
إلى قوله: وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى.
وقال رسول الله ﷺ: «من أصبح وهمّه الدّنيا شتّت الله عليه أمره وفرّق عليه ضيعته وجعل فقره بين عينيه ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له ومن أصبح وهمّه الآخرة جمع الله له أمره وحفظ عليه ضيعته وجعل غناه فى قلبه وأتته الدنيا وهى راغمة»
. وقال ﷺ: «إذا رأيتم العبد قد أوتى منطقا وزهدا فى الدنيا فاقتربوا منه فإنه يلقّن الحكمة»
. وقال تعالى: وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً
؛ ولذلك
قيل: من زهد فى الدنيا أربعين يوما اجرى الله ينابيع الحكمة فى قلبه وأطلق بها لسانه.
وقال رسول الله ﷺ: «إن أردت أن يحبّك الله فازهد فى الدنيا»
فجعل الزهد سببا للمحبّة؛ فمن أحبّه الله فهو فى أعلى الدرجات، فينبغى أن يكون الزهد فى أفضل المقامات. ولما
سئل رسول الله ﷺ عن قوله تعالى: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ
وقيل له: ما هذا الشرح؟ قال: «إن النّور إذا دخل القلب انشرح له الصدر وانفسح». قيل:
يا رسول الله، هل لذلك من علامة؟ قال: «نعم التجافى عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود والاستعداد للموت قبل نزوله».
وقال رسول الله ﷺ: «استحيوا من الله حقّ الحياء» قالوا: إنا نستحيى من الله، فقال: « [ليس كذلك] تبنون ما لا تسكنون وتجمعون ما لا تأكلون»
. فبيّن أن ذلك يناقض الحياء من الله.
وقدم وفد على رسول الله ﷺ فقالوا: إنّا مؤمنون. قال: «وما علامة إيمانكم؟» فذكروا الصبر على البلاء، والشكر على الرخاء، والرّضا بمواقع القضاء، وترك الشماتة بالمصيبة إذا نزلت بالأعداء. قال: «إن كنتم كذلك فلا تجمعوا ما لا تأكلون ولا تبنوا ما لا تسكنون ولا تنافسوا فيما عنه ترحلون»
؛ فجعل الزهد تكملة إيمانهم.
وروى أن رسول الله ﷺ مرّ فى أصحابه بإبل عشار حفّل وهى الحوامل، وكانت من أحبّ أموالهم إليهم وأنفسها عندهم، لأنها تجمع بين اللحم واللبن والوبر والظّهر، فأعرض عنها رسول الله ﷺ وغضّ بصره. فقيل له: يا رسول الله، هذه أنفس أموالنا، لم لا تنظر إليها؟ فقال: قد نهانى الله عن ذلك، ثم تلا قوله تعالى: وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى.
وروى مسروق عن عائشة رضى الله عنها أنها قالت: قلت:
يا رسول الله، ألا تستطعم الله فيطعمك؟ قالت: وبكيت لما رأيت به من الجوع.
فقال: «يا عائشة والذى نفسى بيده لو سألت ربّى أن يجرى معى جبال الدنيا ذهبا لأجراها حيث شئت من الأرض ولكن اخترت جوع الدنيا على شبعها وفقر الدنيا على غناها وحزن الدنيا على فرحها يا عائشة إنّ الدنيا لا تنبغى لمحمد ولا لآل محمد يا عائشة إن الله لم يرض لأولى العزم من الرسل إلا الصبر على مكروه الدنيا والصبر عن محبوبها ثم لم يرض إلا أن يكلّفنى ما كلّفهم فقال فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ
والله مالى بدّ من طاعته وإنّى والله لأصبرنّ كما صبروا جهدى ولا حول ولا قوّة إلا بالله».
وروى عن عمر بن الخطّاب رضى الله عنه أنه حين فتح عليه الفتوحات قالت له ابنته حفصة: البس ليّن الثياب إذا وفدت عليك الوفود من الآفاق، ومر بصنعة طعام تطعمه وتطعم من حضر. فقال: يا حفصة، ألست تعلمين أنّ أعلم الناس بحال الرجل أهل بيته؟ قالت بلى. قال: ناشدتك الله، هل تعلمين أنّ رسول الله ﷺ لبث فى النبوّة كذا وكذا سنة لم يشبع هو ولا أهل بيته غدوة إلّا جاعوا عشيّة، ولا شبعوا عشيّة إلا جاعوا غدوة؟ وناشدتك الله، هل تعلمين أن النبىّ ﷺ لبث فى النبوّة كذا وكذا سنة لم يشبع من التمر هو وأهله حتى فتح الله عليه خيبر؟ وناشدتك الله، هل تعلمين أنّ رسول الله ﷺ قرّبتم إليه [يوما] طعاما على مائدة فيها ارتفاع فشقّ ذلك عليه حتى تغيّر لونه ثم أمر بالمائدة فرفعت ووضع الطعام على دون ذلك أو وضع على الأرض؟ ناشدتك الله، هل تعلمين أنّ رسول الله ﷺ كان ينام على عباءة مثنيّة فثنيت له ليلة أربع
طاقات فنام عليها، فلما استيقظ قال: «منعتمونى قيام الليلة بهذه العباءة اثنوها بآثنتين كما كنتم تننونها» ؟ وناشدتك الله، هل تعلمين أنّ رسول الله ﷺ كان يضع ثيابه لتغسل فيأتيه بلال فيؤذنه بالصلاة فما يجد ثوبا يخرج به إلى الصلاة حتى تجفّ ثيابه فيخرج بها إلى الصلاة؟ وناشدتك الله، هل تعلمين أنّ رسول الله ﷺ صنعت له امرأة من بنى ظفر كساءين إزارا ورداء وبعثت إليه بأحدهما قبل أن يبلغ الآخر، فخرج إلى الصلاة وهو مشتمل به ليس عليه غيره قد عقد طرفيه إلى عنقه فصلّى كذلك؟ فما زال [يقول] حتى أبكاها، وبكى عمر رضى الله عنه وانتحب حتى ظننّا أنّ نفسه ستخرج. وفى بعض الروايات زيادة من قول عمر وهو أنّه قال: كان لى صاحبان سلكا طريقا، فإن سلكت غير طريقهما سلك بى طريق غير طريقهما، وإنّى والله سأصبر على عيشهما الشديد لعلّى أدرك معهما عيشهما الرّغيد.
وعن أبى سعيد الخدرىّ رضى الله عنه عن النبىّ ﷺ أنه قال: «لقد كان الأنبياء قبلى يبتلى أحدهم بالفقر فلا يلبس إلا العباءة وإن كان أحدهم ليبتلى بالقمل حتى يقتله القمل وكان ذلك أحبّ إليهم من العطاء إليكم».
وعن ابن عبّاس رضى الله عنه عن النبىّ ﷺ أنه قال: «لما ورد موسى ﵇ ماء مدين كانت خضرة البقل ترى فى بطنه من الهزال»
. وفى حديث عمر رضى الله عنه أنه لمّا نزل قوله تعالى وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ
الآية، قال رسول الله ﷺ: «تبّا للدّنيا! تبّا للدّينار والدرهم!» فقلنا: نهانا الله عن كنز الذهب والفضّة قأىّ شىء ندّخر؟ فقال ﷺ: «ليتّخذ أحدكم لسانا ذاكرا وقلبا شاكرا وزوجة صالحة تعينه على أمر آخرته»
. وفى حديث حذيفة رضى الله عنه عن النبىّ ﷺ: «من آثر
الدنيا على الآخرة ابتلاه الله تعالى بثلاث: همّا لا يفارق قلبه أبدا وفقرا لا يستغنى أبدا وحرصا لا يشبع أبدا»
. وقال ﷺ: «لا يستكمل العبد الإيمان حتّى يكون ألّا يعرف أحبّ إليه من أن يعرف وحتى تكون قلة الشىء أحبّ إليه من كثرته»
. وقال المسيح ﵇: الدنيا قنطرة فاعبروها ولا تعمروها. وقيل له: يا نبىّ الله، لو أمرتنا أن نبتنى بيتا نعبد الله فيه! قال: اذهبوا فابنوا بيتا على الماء.
فقالوا: كيف يستقيم بنيان على الماء! قال: وكيف تستقيم عبادة مع حبّ الدنيا!.
وقال رسول الله ﷺ: «إنّ ربّى عرض علىّ أن يجعل لى بطحاء مكة ذهبا فقلت لا يا ربّ ولكن أجوع يوما وأشبع يوما فأمّا اليوم الذى أجوع فيه فأتضّرع إليك وأدعوك وأمّا اليوم الذى أشبع فيه فأحمدك وأثنى عليك».
وعن ابن عبّاس رضى الله عنهما قال: «خرج رسول الله ﷺ ذات يوم يمشى وجبريل معه فصعد على الصّفا، فقال له النبىّ ﷺ: والذى بعثك بالحقّ ما أمسى لآل محمد كفّ سويق ولا سفّة دقيق. فلم يكن كلامه بأسرع من أن سمع هدّة من السماء أفظعته، فقال رسول الله ﷺ:
أمر الله القيامة أن تقوم؟ قال: لا، ولكن هذا إسرافيل قد نزل إليك حين سمع كلامك. فأتاه إسرافيل فقال: إنّ الله ﷿ سمع ما ذكرت، فبعثنى بمفاتيح الأرض وأمرنى أن أعرض عليك إن أحببت أن أسيّر معك جبال تهامة زمرّدا وياقوتا وذهبا وفضّة فعلت، وإن شئت نبيّا ملكا وإن شئت نبيّا عبدا. فأومأ إليه جبريل أن تواضع لله. فقال: «نبيّا عبدا» ثلاثا
. وقال ﷺ: «اذا أراد الله بعبد خيرا زهّده فى الدنيا ورغّبه فى الآخرة وبصّره بعيوب نفسه».
وقال ﷺ: «من أراد أن يؤتيه الله علما بغير تعلّم وهدى بغير هداية فليزهد فى الدنيا».
وقال ﷺ: «من اشتاق إلى الجنّة سارع إلى الخيرات ومن خاف من النار لها عن الشهوات ومن ترقّب الموت ترك اللذّات ومن زهد فى الدنيا هانت عليه المصائب»
. والأحاديث فى ذلك كثيرة وفيما ذكرناه منها كفاية. فلنذكر ما جاء من ذلك فى الأثر.
قيل: جاء فى الأثر: لا تزال لا إله إلّا الله تدفع عن العباد سخط الله ما لم يسألوا ما نقص من دنياهم. وفى لفظ آخر: ما لم يؤثروا صفقة دنياهم على دينهم فإذا فعلوا ذلك وقالوا: لا إله إلا الله قال الله تعالى: كذبتم لستم بها صادقين. وعن بعض الصحابة رضى الله عنهم أنه قال: تابعنا الأعمال كلّها فلم نرفى أمر الآخرة أبلغ من زهد الدنيا. وقال بعض الصحابة لصدر التابعين: أنتم أكثر أعمالا واجتهادا من أصحاب رسول الله ﷺ وكانوا خيرا منكم. قيل: ولم ذاك؟ قال:
كانوا أزهد فى الدنيا منكم. وقال عمر رضى الله عنه: الزهادة فى الدنيا راحة القلب والجسد. والآثار أيضا فى ذلك كثيرة فلا نطوّل بسردها.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع